انضم إلينا
اغلاق
"متشردا في باريس ولندن".. ما رواه جورج أورويل عن حياة الفقراء

"متشردا في باريس ولندن".. ما رواه جورج أورويل عن حياة الفقراء

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض

تحاوط طبقات كثيفة من الجهل رؤيتنا وتصورنا لعالم وحياة الفقراء والشحاذين والمُشردين؛ هنالك من ناحية الخوف الذي زرعه المجتمع في أبناء الطبقات الأعلى من الطبقة المُعدمة، والذي يجعل معظم الأشخاص المنتمون للأولى لا يرون في أبناء الثانية سوى غوغاء وهمج ليس من الجيد الاختلاط بهم أو التعامل معهم عن قُرب؛ يؤدي ذلك، من ناحية أخرى، إلى كون معظم تفاصيل الصورة المرسومة في مخيلة الطبقة الأعلى للطبقة الأدنى مُستمدة بشكل حصري تقريبا من وسائل الإعلام. ووسائل الإعلام تلك لا تلتزم بالضرورة تصوير واقع الفقراء كما هو، فتتدخل من ناحيتها معظم الوقت بالحذف والتعديل، لتقديم مادة تستثير المشاهد عاطفيا وتجعله يذرف دمعة أو اثنتين تأثرا، ويلهج في إثرها بحمد الله على كون حاله أفضل من كثيرين.

 

وبين ذلك الخوف من الاقتراب والرؤية عن كثب والحذف والتعديل الإعلامي، تضيع منّا معرفة تفاصيل حياة طبقة باتت تُشكّل نسبة مهولة من مجتمعاتنا. فبخلاف الحوادث العارضة التي نراها في التلفاز حين يرتكبها أحد المنتمين للطبقات الدُّنيا، والنقل الذي لا يخلو من الابتذال الذي تقوم به الأعمال الدرامية المختلفة لحياة أبناء العشوائيات، نكاد لا نعرف شيئا عن التفاصيل اليومية والحياة العادية لهؤلاء.

   

   

في عام 1927، هبط إيريك بلاير، الكاتب الإنجليزي الذي سيُعرف فيما بعد بجورج أورويل، لعالم الطبقة الكادحة لكتابة تقرير صحفي عنه. عاش لعامين كرجل فقير يقتات من الدروس الخاصة، لكن في نهايات 1929، عندما سُرقت مدخراته الهزيلة، ورفض هو الاستعانة بأيٍّ من أهله وأصدقائه، لم يعد بحاجة إلى الادعاء أو التمثيل، فقد صار حينها بالفعل مُعدما لا يملك قوت يومه. فيما تلا من شهور، سيخوض أورويل بنفسه تجربة الفقر الشديد، وسيخبر ما يعنيه ألا تملك نقودا تشتري بها الطعام وتعيش لأيام على معدة خاوية، سيعرف الصعوبة الشديدة التي يجد بها أحد المعدمين عملا، وسيعيش المعنى الحقيقي للوظيفة التي تحوّل المرء إلى عبد، وسينقل كل هذا إلينا، في كتابه الأول "متشردا في باريس ولندن". [1]

 

قد يجادل البعض أن تجربة أورويل كونها تبتعد جغرافيًّا ومكانيًّا عنّا لن تنطبق أو حتى تتشابه مع حياة أبناء البلدان العربية المُعدمين. لكن الفقر في الحقيقة لا يميز بين زمان ومكان، فيعيش كل من لا يمتلك ما يكفي من المال ليجد سقفا فوق رأسه وملابس جيدة تكسوه وطعاما آداميا يقتات عليه التفاصيل نفسها بغض النظر عن أين يحدث ذلك أو ومتى، فآلام الفقر والمعاناة التي يجرها تبقى دائما هي هي.

 

العيش بمعدة خاوية

عندما يهبط دخلك أدنى مما يسمح بتوفير احتياجاتك الأساسية، تخسر حياتك فجأة جزءا كبيرا من زخمها وتعقيدها؛ لا مكان الآن لأي أفكار عميقة أو طموحات عالية أو أسئلة مجردة، فالحاضر يفرض نفسه كالشيء الوحيد الذي يسترعي التدبر. قد تعتريك راحة لحظية عندما تتأمل الأمر من بعيد، ها قد حطت قدمك قعر الحضيض، ليس هنالك مكان أدنى من ذلك ستذهب إليه، لكنك للأسف لن تستطيع حقا التأمل طويلا، فآلام معدتك الجوعى ستشوّش على كل شيء.

  

قد يصل الجوع بالمرء، لدرجة يفقد معها جزءا من إنسانيته، فيترك أولئك الذين لا يتحملون ثمن الطعام محض أشباح للجوع والمرض وسوء التغذية

مواقع التواصل الاجتماعي
  

بعدما سُرقت أمواله، وجد أورويل نفسه في تلك الحالة، جائعا، لا يقوى على شيء، تفكيره وهمّه الوحيد هو الطعام: "عند ارتطامك الأول بالفقر، تكتشف معنى أن تكون جائعا. بالخبز والسمن في معدتك، تخرج وتنظر في واجهات المخازن. في كل مكان طعام يهينك، في أكداس ضخمة، خنازير بأكملها، سلال من الأرغفة الساخنة، قطع عظيمة صفراء من الزبدة، جبال من المقانق، جبال من البطاطا. إنك لتشعر بمرارة فائضة وأنت ترى هذا الطعام الكثير. تفكر بخطف رغيف والهرب، ملتهما إياه قبل أن يمسكوا بك، إلا أنك تتمنع، لمحض الخوف". ويستطرد: "تكتشف أن الإنسان الذي ظل يقتات أسبوعا كاملا على الخبز والسمن لم يعد إنسانا، إنه معدة فقط مع أعضاء مُلحقة".[2] فالجوع يحول المرء إلى محض بطن يبتلع خواؤها كل شيء.

 

في الصفحات الأولى من سيرته الذاتية "الخبز الحافي"، يستعرض الكاتب المغربي محمد شكري ذلك المعنى بشكل أكثر قسوة، فالجوع يضربه وأخاه وهما محض طفلين، ويصل بهما الألم لحد البحث عن الطعام وسط القمامة والنفايات؛ وعندما يجدان في إحدى المرات دجاجة حيّة يبدو عليها المرض في الشارع، يكادان لا يصدقان أنفسهما، لكن الأسى وخيبة الأمل لا يلبثان أن يتسللا إليهما عندما تمنعهما أمهما عن أكل طعام نافق.[3]

 

تلك هي الدرجة التي يصل بها الجوع بالمرء، درجة يفقد معها جزءا من إنسانيته، فشيء بسيط من أساسيات الحياة كالطعام، من المفترض توفره لدى الجميع، يترك أولئك الذين لا يتحملون ثمنه محض أشباح للجوع والمرض وسوء التغذية. كانت تلك هي حالة بادي، المُشرد الإنجليزي الذي رافق أورويل في لندن، والذي كتب عنه يقول: "كان بادي إنسانا طيبا، كريما بطبعه، وقادرا على مقاسمة صديق كسرته الأخيرة. وقد جعلني، بالفعل، أشاركه كسرة خبزه الأخيرة، أكثر من مرة. وقد يكون قادرا أيضا على العمل، لو تهيأت له تغذية جيدة لمدة شهور قليلة. لكنّ عامين من الخبز والسمن حطّا من حاله إلى حد اليأس. لقد عاش على الطعام المُقلد القذر حتى صار عقله وجسده من طينة أدنى. سوء التغذية، لا سواه من الأدواء، هو ما حطمه".

  

  

قرابة المئة عام قد فاتت على ما كتبه أورويل، لكن يظل ما وصفه واقعا معاشا بالنسبة للملايين حول العالم إلى اليوم، فيستنزف الجوع أجساد وحيوات رجال ونساء جاءوا للدنيا أصحاء معافين لكن نقص الغذاء الجيد وحده هو ما يعيقهم عن الحياة بشكل طبيعي، ويؤدي بهم في بعض الأحيان إلى الموت؛ في عام 2016 وصل عدد هؤلاء لـ 815 مليون إنسان، أو نحو 10% من سكان الأرض. [4]

 

وظائف تأكل الروح

بالنسبة لأي شخص يتضوّر جوعا بلا مورد رزق، فالخطوة الوحيدة المنطقية ستصير البحث عن عمل؛ وهو ما فعله أورويل، لكن الأمر لم يكن سهلا على الإطلاق. فإذا كنت تنتمي للطبقات الدُّنيا ولا تمتلك شهادات عُليا أو علاقات مع أشخاص موسرين، فستكتشف حينها أنه بالنسبة لمن هم في وضعك، يتحوّل البحث عن وظيفة إلى عمل شاق في حد ذاته، حيث الطلب دائما أقل من العرض. وإذا كنت تبحث عن عمل على بطن خاوية وتهديد دائم بفقدان الغرفة التي تأويك، فالأمر يصير أصعب وأصعب.

 

كان هذا هو الوضع الذي وجد أورويل نفسه فيه؛ فبعد أن باع آخر قطعة ثياب كان يمكنه التخلي عنها، وجد أنه صار لا بد من الحصول على وظيفة في أسرع وقت. وبالفعل، بدأ يبحث عن عمل، لكن الأمر احتاج إلى أسابيع طويلة أخذ يدور فيها في الشوارع برفقة صديقه بوريس، الروسي الذي كان نقيبا سابقا في الجيش ثم دارت عليه الدائرة ليجد نفسه مُعدما في باريس. كانا يخرجان أول النهار ولا يعودان حتى آخره، وفي كل ليلة الخيبة نفسها، لا عمل متاح والجوع وطأته تشتد. لكن في أحد الأيام، انزاحت الغُمة أخيرا، وجدا وظيفتين في مطعم أحد الفنادق؛ سيعمل بوريس نادلا، وأورويل سيغسل الصحون. انقضت أخيرا محنة الجوع، لكن بعد عدّة أسابيع من العمل في المطعم، سيكتشف أورويل نوعا آخر من المعاناة.

  

مثلما يبتلع الجوع قدرة أجساد المعدمين على العيش، تبتلع الوظائف المتاحة لهم أي معنى أو هدف ممكن للحياة

مواقع التواصل الاجتماعي
  

يصف أورويل حياته اليومية كغاسل صحون كالآتي: "كانت حياة رتيبة بلا تنوع. في السادسة إلا ربع يستيقظ المرء بغتة، يحشر نفسه في ملابس صلّبها الشحم، ويسرع خارجا بوجه قذر وعضلات غير راضية. في الشوارع رجال أثقلهم النعاس يكنسون الأرصفة بالمقشات، وعوائل ترتدي أسمالها وتنبش سلال القمامة. عمال وفتيات يتدفقون في محطات المترو، حافلات الترام، الملأى بمزيد من العُمال، تمر كئيبة. المرء يتعجل الهبوط في المحطة، يناضل للحصول على مكان -على المرء أن يناضل حقا في مترو باريس الساعة السادسة صباحا- ويقف محشورا مع الحشود، ثم يهبط إلى متاهة الطابق السفلي للفندق، وينسى ضوء النهار".

 

وفي القبو السفلي للفندق، كان أورويل يقضي معظم ساعات اليوم، ويقوم ككل من هناك بعمل مفروض أن يقوم به شخصان. في نهاية الشهر، يتقاضى أجرا يكفي فقط لدفع إيجار الغرفة، وشراء الطعام، والشرب كل ليلة ونهاية الأسبوع في الحانة لينسى متاعب اليوم، العادة التي كانت مستشرية بشدة وسط فقراء باريس. يروي أورويل عن ليالي السبت التي كان يقضيها في الحانة: "في الواحدة والنصف تتبخر آخر قطرات السرور، غير مخلفة وراءها إلا الصداع. ندرك أننا لسنا سوى جمع من العُمّال قليلي الأجور، ونظل نعبّ النبيذ. آخر الليل، لا تعود هناك جدوى في الاستمرار. نزحف للفراش لننهار عليه أنصاف عراة، ونظل فيه عشر ساعات. للكثير من رجال الحي، وهم غير متزوجين ولا مستقبل لهم كي يفكروا فيه، تأتي السكرة الأسبوعية لتجعل الحياة تستحق أن تُعاش".

 

هكذا، مثلما يبتلع الجوع قدرة أجساد المعدمين على العيش، تبتلع الوظائف المتاحة لهم أي معنى أو هدف ممكن للحياة؛ فيقضون كل ساعات اليوم معظم أيام الأسبوع في أعمال يدوية شاقة تقوم غالبا على خدمة الموسرين، وبلا فرصة للارتقاء وبأجور تكفي فقط الأساسيات، تتحول أيامهم إلى محض سعي حثيث وراء ما يبقيهم على قيد الحياة، حياة لا تختلف في الشيء الكثير عن حياة الدواب المربوطة في سواقٍ. يقول أورويل عن هذا: "رضائي بحياتي كغاسل أطباق كان كالرضا الذي قد يشعر به حيوان أُطعم جيدا، إن غاسل الصحون يعيش في وتيرة بين العمل والنوم، بلا وقت للتفكير، وبلا وعي بالعالم الخارجي. لقد انكمشت باريسه إلى الفندق، والمترو، والمشارب القليلة". ويتساءل في فصل آخر: "حين يفكر المرء، يجد من الغريب أن آلاف الناس عليهم أن يُمضوا ساعات يقظتهم في غسل الصحون داخل جحور ساخنة. السؤال الذي أقدمه هو: لماذا تستمر هذه الحياة، ما غايتها، ومن يريد استمرارها، ولماذا؟ إن غاسل الصحون هو أحد عبيد العصر الحديث".

  

الكاتب الإنجليزي جورج أورويل (مواقع التواصل)

 

لا يتوقف الأمر بالطبع عند من يعملون في غسل الصحون، فإلى اليوم يظل الملايين من الفقراء، وحتى بعض ممن يحملون الشهادات العُليا في البلدان العربية، يقضون معظم ساعات اليوم في وظائف تستنزفهم دون أن تضيف إليهم أي شيء، لقاء راتب بسيط يعينهم بالكاد على العيش. إن ذلك حقا، كما قال أورويل، نوع حديث من العبودية، لا يقل استلابا للأرواح عن عبودية العصور القديمة.  مع الفراغ المعنوي الذي يجره العمل المضني بلا عائد، تأتي صعوبة معنوية أخرى على الفقراء والمُعدمين أن يتكبدوها؛ تلك الصعوبة هي الاحتقار المجتمعي، الذي كثيرا ما يترسب لأنفسهم، ويتحول مع الوقت إلى احتقار ذاتي.

 

نظرات الاحتقار

تعلّم أورويل في مراهقته في واحدة من أفضل مدارس بريطانيا، وكان رجلا على قدر عالٍ من الثقافة والذكاء، لكن فور أن وصل إلى لندن مرة أخرى وجد نفسه مجددا بلا عمل، واضطر لاستبدال ما يرتديه من ملابس بأسمال بالية لقاء مبلغ زهيد، لم يكن في أعين الناس، وفي نظرة نفسه، سوى مُشرد وضيع.  يقول أورويل: "لقد وضعتني ملابسي الجديدة فورا في عالم جديد، وتصرُّف الناس تبدل فجأة. للمرة الأولى لاحظت كيف يختلف موقف النساء من الملابس. حين يمر بهن شخص سيئ الهندام يرتجفن منه في حركة احتقار صريحة، كأنه قطة ميتة. الملابس أشياء قوية. أن تلبس لبوس المتشرد يغدو صعبا عليك في اليوم الأول ألا تشعر أنك في مرتبة أدنى. ربما شعرت بالعار نفسه، شعور لا عقلاني لكنه حقيقي، كما لو أنها ليلتك الأولى في السجن".

 

لم يرتكب المشرد أو الفقير أو حتى المتسول جريمة حقيقية يعاقبها عليه المجتمع بنظرته الدونية سوى كونه لا يجني الكثير من المال. ففي عالمنا اليوم، وحقا في كل عصر، يعتمد احترام الناس لك على دخلك وحجم ثروتك وممتلكاتك. لكن ما يتفرد به عصرنا اليوم هو احتقار الفقراء لسبب آخر، فالمجتمع لا يرى فيهم سوى مجموعة من الفشلة الذين لم يتمكنوا من ترقي السلم الطبقي، الشيء الذي صار متاحا في زماننا بعدما كان مستحيلا من قبل. هذا صحيح بالطبع، لكن يبقى ترقي أحد المعدمين السلم الطبقي، وسط المعوقات التي تجعل من حياتهم اليومية مهمة عسيرة، الاستثناء وليس القاعدة. يقول أورويل عن هذا: "لقد صار المال اختبار الفضيلة الأكبر. في هذا الاختبار، يفشل المتسولون، ولهذا يُحتقرون. ولو أمكن كسب مال كثير من التسول، لصار التسول مهنة محترمة".

  

     

بعد نحو عامين، عاد أورويل مجددا للعيش في منزل عائلته، واسترجع حياته كأحد أبناء الطبقة الوسطى المتعلمين الذين تتوفر لهم الكثير من الفرص. وبعدها ببضعة أعوام، نشر "متشردا في باريس ولندن"، أول كتاب يقوم بتأليفه، وغيّر اسمه من إيريك بلاير إلى جورج أورويل، حتى لا تجلب تجاربه في عالم الفقر المعرة لأهله. توالت نجاحات أورويل، وبحلول عام 1950، حينما رحل عن الحياة، كان قد صار واحدا من أعظم الكُتّاب البريطانيين. أما بادي وبوريس وعشرات الفقراء والمتسولين الآخرين الذين عايشهم أورويل في فترة عيشه مشردا، فلم يمكن لهم حياة بديلة يرجعون إليها، حياتهم الوحيدة كانت محض تتابع لا نهائي من تعب وشقاء لتوفير أساسيات الحياة يحفّه احتقار المجتمع؛ وإلى اليوم، يظل ملايين الفقراء حول العالم يكملون مسيرة الشقاء نفسها بلا أي أمل. [5]

تقارير متصدرة


آخر الأخبار