انضم إلينا
اغلاق
لا تهتموا بشأن الحليب.. هكذا تنبأ جورج أورويل بمصير الثورة السودانية

لا تهتموا بشأن الحليب.. هكذا تنبأ جورج أورويل بمصير الثورة السودانية

  • ض
  • ض

اضغط للاستماع

  

"لا يمكنك أن تصنع ثورة بقفّازات من الحرير"

(ستالين)

      

ذات ليلة مظلمة، وبينما كان السيد جونز مالك المزرعة مستغرقا في نوم عميق؛ في هذه الأثناء وعلى ما يشبه منصة مرتفعة، ارتقى الخنزير ميجور العجوز على سريره المصنوع من القش، وألقى خطابا ثوريا حثّ فيه الحيوانات على الثورة ضد السيد جونز والإطاحة به. هنا، لم يحدد الخنزير ميغور توقيت الثورة، بالتالي لم يكن معروفا بين الحيوانات في أيّ لحظة ستنطلق الثورة، ربما اليوم، أو الغد، أو ربما بعد مئة عام. كان هدف الثورة الأوّلي يتمثّل في تحسين الأوضاع التعيسة والبائسة للحيوانات، مثل الخنازير، والأبقار، والحمير، والطيور، وغيرها، ورغبة في الحصول على قسطٍ من الراحة، ذاك الشعور الذي لا يعرف معناه أي حيوان في إنجلترا. وبعد شهور من التخطيط، والترتيب، والحلم، تمت الثورة بنجاح، وتم على إثرها طرد السيّد جونز، وأصبحت المزرعة مزرعتهم. (1) 

   

مزرعة الحيوان.. النصّ الأدبي والثورة

يمكن القول إن رواية "مزرعة الحيوان" المنشورة في أغسطس/آب 1945 رواية الثورة بامتياز، فهي تسرد الواقع الثوري بطريقة رمزية مكثفة، وتتناول خارطة الثورة منذ اندلاعها وحتى وصولها إلى وجهتها النهائية، والمجهولة. ويضع النقاد هذه الرواية في خانة الأدب "الديستوبي" الذي يهتم بتناول الواقع المرير، وتفسيره بكل ما فيه من فوضى، ودمار ووحشية، وغياب للأخلاق. وتكون نصوص هذا النوع من الأدب في الغالب صورة انعكاسية للواقع الاجتماعي والسياسي الذي عاشه الكاتب، لكنها ليست بالضرورة نقلا أمينا له. وهو ما يُمكّن لها عبر ما تحمله من كثافة في الترميز أن تساعد على إسقاط أفكارها على واقع المجتمعات في ظل ما يموج به الواقع من ثورات طالت عديدا من أقطار الجغرافيا العربية، وهو ما ينسحب على ما يجري حاليا في السودان على سبيل المثال.

    

رواية "مزرعة الحيوان" (مواقع التواصل)

  

في هذه الرواية يُوجِّه جورج أورويل سهامه تجاه حالات الظلم والبطش والقمع التي يتعرض لها الإنسان باسم الثورة في كل زمان ومكان، ويناقش أورويل مسار الثورة، ضعفها، قوتها، تراجعها، وانطلاقها من جديد، في مشاهد روائية تأخذ الحيوانات فيها دور البطولة. ويُحمِّل أورويل السرد بشحنات تحذيرية من العواقب الوخيمة التي قد تعقب الثورة في حال فشلها، وانجرافها وتحوّل مسارها عمّا هو مأمول ومنتظر. وهو بذلك يرسم خطوطا عريضة توضح الفرق بين انزلاق الثورة إلى الفوضى والدمار، وبين النجاح الذي يمكن أن تحققه، متخذا من الاستعارة تقنيةً روائيةً لتوضيح أفكاره. 

  

وعلى أية حال، فإن هذه الرواية ترسم بدقة ملامح المدينة الفاسدة، بقبحها، وظلمها، واستبداد أنظمة الحكم فيها، وتضعنا أمام عالم وهمي قاسٍ، لا مكان للإنسانية فيه. ومن خلال أبنية السرد التي انتهجها أورويل يبدو المستقبل سوداويا قاتما، ومجهولا، يسيطر عليه الشّر، وتسوده الفوضى، ويبشّر بمزيد من الظلم والقمع والاستبداد.

  

وعلى النقيض من روايات المدينة الفاضلة التي تتناول المكان المثالي غير الموجود في الواقع، كمدينة أفلاطون مثلا، يتناول أورويل في هذه الرواية قصة المدينة الفاسدة عبر سرده لأحداث غير مرغوب فيها، وذلك عن طريق تصوير العالم باعتباره مكانا يخلو من الخير والطمأنينة، وتصوير الإنسان في أقبح صورة ممكنة، صورة منحطة وقذرة لا تصلح إلا للتخريب والفوضى والدمار.

     

جورج أورويل (مواقع التواصل)

  

تدور أحداث الرواية في ظروف قاسية وفوضوية، من أبرزها حالة الفوضى العارمة التي سادت مزرعة السيد جونز بعد طرده من مزرعة القصر بواسطة الحيوانات، وما أعقب ذلك من انسياق للمجهول، وانسداد للأفق، وتسلط للخنازير. وتعد رواية "مزرعة الحيوان" رواية مليئة بالدروس المهمة المتعلقة بما يدور في المجتمع خلال الثورة. ومن خلال هذه الرواية يدرك القارئ أن الأمور لا تسير بالشكل الذي تظهر عليه، وإنما هناك حكايات أخرى غير محكية. ويستنتج القارئ أيضا أن الثورة التي تأتي فجأة، بدون تخطيط أو تنظيم، يمكن أن تنتج في النهاية عواقب كارثية، كما أن الثقة العمياء في القائد قد تحوّله إلى ديكتاتور لا يرحم. فهل يمكن إسقاط أحداث الرواية على الثورة السودانية؟

   

أيها الرفاق.. لا تهتموا بشأن الحليب

يحاول جورج أورويل في رائعته "مزرعة الحيوان" أن يعطي تحليلا واقعيا للثورة يمكن إسقاطه على أغلب المجتمعات التي شهدت ثورات شعبية، تلك الثورات التي بإمكانها أن تقتلع نظام حكم ديكتاتوري وتأتي بنظام آخر. ولكن المعضلة الحقيقية تكمن في أن رحلة التغيير طويلة بعض الشيء، وتحيط بها صعوبات جمّة، وتترصّدها عقبات وتحديات، كما أنها تتطلب مقاومة شرسة أكبر من ذي قبل، ذلك أن الثورة قد تنحرف عن مسارها الطبيعي في أي لحظة، وترسو على وضع كارثي، وحالة مأساوية أسوأ بكثير مما كانت عليه الأوضاع في السابق.

    

نعم، ثارت الحيوانات ضد السيد جونز لأنه تركها جائعة لأيام، وأهمل تنظيف حظائرها، ولم يضع لها الماء والتبن والبرسيم، ولكن بعد سقوطه، وفراره من المزرعة هو وزوجته ورجاله، لم تتحقق مطالب الحيوانات البسيطة، وإنما على النقيض من آمال الحيوانات، فقد ظهر الخنزيران "سنوبول، ونابليون" بوجه مغاير، حيث سعَوا للسيطرة على الحيوانات، وإخفاء الحليب والتفاح لمصلحتهما الشخصية. وليظهر بمرور الوقت جشعهما وتسلّطهما، على الرغم من أنهما كانا ودودين قبل الثورة، وقد تجلّت هذه الفكرة حينما صرخ أحدهما أمام الحيوانات التي سألته عن دِلاء الحليب الخمس قائلة له: ماذا سيحدث لكل هذا الحليب؟ ليجيب بثقة: لا تهتموا بشأن الحليب. ولتكتشف الحيوانات في المساء أن الحليب قد اختفى. (2)

       

   

تبدو الأفكار السابقة حين إسقاطها على ما يجري في السودان متشابهة إلى حدٍّ ما رغم الكثير من الاختلافات، فكما لم تُحقّق ثورة الحيوانات على السيد جونز مالك المزرعة أية نتائج غير الانقسام، والتشظي، وفقدان الثقة بين الخنازير، والتذمر بين الحيوانات، لم تحقق الثورة السودانية في المقابل أهدافها حتى الآن مع الكثير من المعوّقات التي أفسدت قيمة الانتصار الثوري الذي حققه السودانيون بالإطاحة بالبشير. ويمكن القول إن الكثير من المنعرجات والمنعطفات الخطيرة التي مرّت بها ثورة الحيوانات على السيد جونز تمر بها الثورة السودانية إلى حدٍّ ما، ابتداء من الإطاحة بالسيد جونز الذي يقابله في الواقع الإطاحة البشير، وانتهاء بمحاولات المجلس العسكري الانفراد بالسلطة، وعدم تسلميها للمدنيين، مثلما انفرد بالسلطة داخل الرواية الخنزيران: سنوبول ونابليون.

   

الخنازير تبحث عن السُّلطة

تقدم الرواية صورا بانورامية عن حب الخنازير للسلطة، وسعيها الحثيث للسيطرة الكاملة على المزرعة، فرغم أنها شاركت في الثورة ضد السيد جونز، وساهمت في وضع المبادئ الحيوانية السبعة، والتي من أشهرها: أن جميع الحيوانات متساوية، فإنه سرعان ما نزعت الخنازير عن وجهها ذاك القناع الثوري المزيف، وكشّرت عن أنيابها، وفرضت سيطرتها وشروطها على بقية الحيوانات باستبداد قد يفوق ما صنعه جونز نفسه. وينسج أورويل من خلال حواراته التي تدور بين الحيوانات حكايات ومواقف صادمة تكشف الطريقة التي يتحوّل بها حامي الثورة وحارسها إلى جلّاد وديكتاتور مستبد.

   

"إذا أردت أن تختبر شخصية الرجل.. امنحه القوة"

(إبراهام لينكولن)

      

    

فبعد سقوط السيد جونز، دخلت حيوانات المزرعة في عصر جديد اتسعت فيه مساحات الحرية، وحلمت الحيوانات بالحصول على المزيد من البرسيم والعشب والراحة، وهو ما لم يتحقق، لأنها، أي الحيوانات، سرعان ما وجدت نفسها أمام شخصيتين تعيقان تحقيق هذا الحلم. ويمكن مقاربة هذا الأمر مع أحداث الثورة السودانية، فرغم أن المجلس العسكري -حسب بعض التصريحات- انحاز إلى جانب الثوار وحماهم من بطش البشير في الأول، فإن الانتقال إلى الديمقراطية والدولة المدنية لم يتحقق حتى الآن، فقد ذكرت تقارير صحفية أن تزايد النفوذ السياسي للمجلس العسكري، ممثلا في نائبه محمد حمدان دقلو المعروف بحميدتي، خطر على الانتقال الديمقراطي في السودان.(3)

  

يعكس أورويل من خلال روايته حالة الفشل التي قد تلحق بالثورة حينما لا تكون هناك ضوابط وقواعد ومبادئ تحدد مسارها، فقد يذهب ديكتاتور ويأتي آخر ليمارس الأعمال الوحشية نفسها، ويضيق الخناق على الآخرين، وتنتهي الثورة التي بدأت بمجموعة من الأحلام بكابوس مخيف. صحيح أن الثورة السودانية تأثرت بالتدخلات الخارجية التي لم يكن لها نظير في رواية أورويل، إلا أن السياقات الداخلية تبدو متشابهة إلى حدٍّ بعيد.

   

الانقسامات.. المسمار الأخير في نعش الثورة

تحاول الرواية تفسير المنعرجات الخطيرة التي تمر بها الثورات، وموجّهة تركيزها على الفشل باعتباره فصلا جديدا يخطّه رفقاء الثورة بأنفسهم، ليبدأ بعده فصل آخر من فصول الاستبداد والقمع وكبت الحريات. وبالعودة لنص أورويل، فقد حاول السيد جونز بمساعدة حلفائه في المزارع المجاورة العودة إلى مزرعة القصر مرارا وتكرارا، حيث كانوا مسلحين بالبنادق والسياط والعِصِيّ، لكن محاولتهم لاستعادة المزرعة باءت بالفشل. إلا أنه وبعد الاختلاف الذي طال الحيوانات حول بناء طاحونة الهواء الكبيرة، فقد انقسم رفقاء الثورة إلى فريقين يقفان موقف الند للند: الأول بقيادة الخنزير سنوبول والذي يرى ضرورة بنائها لزيادة إنتاج الطعام، والثاني بقيادة الخنزير الثاني نابليون الذي رفض الفكرة من البداية(4)، ليتمكّن جونز وأتباعه من استغلال هذا الانقسام، ومن ثم العودة والانتقام من الحيوانات. وهنا يبيّن أورويل بوادر الاختلاف والانقسام بين مكوّنات الثورة والتي من شأنها أن تزف الثورة إلى المجهول.

     

   

فبمجرد انقسام الحيوانات إلى حزبين، كلٌّ بشعاره وبرنامجه وشروطه، استعاد السيد جونز ورجاله قوتهم وعادوا إلى المزرعة من جديد، ورغم أنهم لم يتمكّنوا من استعادتها بالكامل فإنهم تمكّنوا من إلحاق الأذى والضرر ببعض الحيوانات، وهي المعركة التي عُرفت داخل الرواية باسم "معركة حظيرة الأبقار".(5) ويشير الكاتب من خلال هذا المشهد إلى حقيقة مفادها: أن الانقسام بين رفقاء الثورة أمر خطير، تتراجع معه الثورة إلى المربع الأول، ويصبح من العسير الانطلاق إلى الأمام، لأن كل طرف يحاول أن يُملي شروطه على الطرف الآخر، وبهذا يكون الطرفان قد دقّا المسمار الأخير في نعش الثورة.

   

وبإسقاط هذا الأمر على الحراك الثوري السوداني، يمكن ملاحظة ظهور اختلافات كبيرة بين قطاعات الثورة المختلفة، وهذا ما يمكن ملاحظته على الأرض، وما يمكن مشاهدته على منصات التواصل الاجتماعي، والقنوات التلفزيونية. حيث تشير العديد من التقارير الصحفية العالمية إلى أن الاختلافات السياسية في السودان ظهرت بصورة كبيرة ليس فقط بين المحتجين والمجلس العسكري الانتقالي، بل داخل المجلس العسكري نفسه، والمحتجين أنفسهم، لتعطي انطباعا ومؤشرات قوية بنهاية شهر العسل الذي عاشته الثورة السودانية بعد الإطاحة بالرئيس المخلوع عمر البشير.(6)

   

الطريق إلى المجهول.. هل سيعود السيد جونز؟

يسرد أورويل في روايته المسار الدرامي لانحراف الثورة عن مسارها الطبيعي، إذ تمكّن الخنزير نابليون الذي أطاح بسنوبول من السيطرة التامة على المزرعة، وإدخالها في شراكة مع المزارع المجاورة، وهو أمر قوبل بالرفض والاستياء والتذمر من قِبل الحيوانات. ليبرز مع هذه التغيرات أحد أسئلة الثورة الرئيسية: ألم يكن عدم التعامل مع بني البشر، وعدم مزاولة التجارة، وعدم استخدام المال، من بين الأهداف الأساسية التي قامت من أجلها الثورة؟(7) بهذا السؤال يفتح جورج أورويل أعيننا على الكيفية التي تنقاد بها الثورة إلى حلبة الديكتاتورية من جديد، تلك الحلبة التي يصبح فيها منقذ الفريسة صائدها، وتعود فيها الثورة إلى المربع الأول، ويصبح من الممكن عودة السيد جونز إلى الساحة مجددا، لكن بلون آخر، وجلد مختلف.

     

عمر البشير  (وكالة الأناضول)

  

بالعودة للسودان، يبدو جليا أن الأهداف التي خرجت من أجلها الجماهير لم تتحقق بعد، بل ويرى البعض أن الثورة السودانية دخلت في نفق مظلم، وانحرفت عن مسارها المأمول في ظل مماطلة المجلس العسكري وانفراده بالسّلطة. نعم، سقط البشير مثلما سقط السيد جونز، لكنه لم يُحاكم؛ خرجت الجموع من أجل الحرية والسلام والعدالة، مثلما خرجت الحيوانات من أجل الحصول على البرسيم والتبن والماء، إلا أن كلتا الثورتين سارتا في طريق مجهول، فلا المطالب تحققت، ولا الديمقراطية أصبحت واقعا ملموسا.

   

تبدو الثورة إذن مشروعا لا يتحقق بسهولة، خاصة في البلاد التي عاشت تحت وطأة حكم عسكري. ومثلما سألت الحيوانات الخنازير عن الحليب والتفاح باعتبارها من مكتسبات الثورة، يسأل الثّوار السودانيون العسكر عن حليب الثورة وأهدافها، فيجيبهم العسكر: أيها المخربون.. لا تهتموا بشأن الحليب. وتتواصل بعد ذلك فصول أخرى من الحكم العسكري في السودان.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار