انضم إلينا
اغلاق
عميان ساراماغو.. كيف يكشف العمى حقيقتنا كبشر؟

عميان ساراماغو.. كيف يكشف العمى حقيقتنا كبشر؟

  • ض
  • ض

اضغط للاستماع

  

في إحدى الإشارات المرورية بطريق ما، وفي منتصف النهار ليوم غير معلوم، جلس أحد سيئي الحظ خلف مقوده يتابع الألوان في ترقّب: أحمر.. أصفر.. أخضر.. أبيض، ثم أبيض على الدوام! لم يكن اللون الأخير بقعة ضوئية زائدة في لوحة الإشارات، ولكنّه كان بياضا طاغيا على الأشياء. هذا الرجل الذي كان يرى كل شيء قبل ثوانٍ، سيصيح في السيارات المتعجّلة من خلفه: "أنا أعمى! لا أرى شيئا!".

    

"كيف هذا؟.. لا أحد يعمى فجأة.. لعلها حالة عصبية.. هل نطلب لك الإسعاف؟.. هل نفعل كذا؟.. هل نساعدك بشيء؟"، وسلسلة من الأسئلة الملتاعة وعبارات المواساة المتعجبة. "فقط أوصلوني إلى منزلي"؛ قالها الرجل للجمع المتحلّق حوله فلبّى أحدهم رغبته. أوصله الرجل إلى شقته ثم سرق سيارته ومضى بها لا يصدّق أنه مارس مهنته -بهذا القدر من الوضاعة- مع رجل أعمى، غير أنه صرخ بعد ساعات في الطريق: "أنا أعمى! لا أرى شيئا!".

   

في عيادة الطبيب يتفاجأ الأعمى الأول وزوجته أن عينيه سليمتان، ثم إن العمى أسود، فما هذا البياض الحليبي الذي يحجب عنه كل شيء؟ هكذا دارت الأسئلة في ذهن الطبيب الذي عكف ليلته على دراسة ما تعلّمه عن العمى، ربما كانت ذكراه الأخيرة أن صفحات المراجع لم تعطه الإجابة المطلوبة قبل أن يصرخ في نفسه: "أنا أعمى! لا أرى شيئا!". إنه البياض ذاته، هل انتقلت إليه العدوى؟

   

الطفل الأحول، الكهل ذو العين البالية، مريضان لدى الطبيب أصابهما الداء نفسه، ومثلهما الفتاة ذات النظّارة السوداء التي خرجت من عيادته الليلة السابقة لتنقل العدوى إلى الصيدلي الذي ابتاعت منه دواءها، ورجل آخر واعدته في الفندق، وكذا موظفة الاستقبال، وسائق سيارة الأُجرة، ولا ننسى الشرطي الذي أوصل السارق الأعمى إلى منزله، كل هؤلاء -في غمضة عين- قد أصابهم عمى "ساراماغو" الذي صنع من روايته "العمى" تحفة أدبية مرصّعة بالفلسفة على امتداد صفحاتها.

  

   

  

ذلك الوباء غير المفهوم الذي ينتقل بمجرد النظر، فلا تفسير ولا علاج، فقط، ستقوم الحكومة بجمع المصابين والمشتبه بحملهم العدوى في مستشفى مهجور للأمراض العقلية، وفي هذا المكان الموبوء -للمفارقة مع اسمه- سيحيا هذا الرهط حياة لا تلائم حتى الحيوانات، غير أن هذا الوباء المتسارع سيحمل إليهم في هذا الحجر الصحي عشرات من العميان، وهم مَن تدور بينهم رمزيات "ساراماغو" التي تكشف لنا عن النفس والمجتمع والحياة أشياءَ لم نكن لِنَعِيَهَا في الحالة الطبيعية.

   

سيتقاتل المحجورون على الطعام -القليل- الذي يلقيه الحراس إليهم، وسيقبعون في محجرهم يخافون الخروج إلى البوابة، بعدما قتل الحراس كل من اقترب منها، وسيقايض المجرمون منهم البقية على الطعام مقابل المال، حتى إذا أفلس الجميع قايضوهم عليه مقابل استباحة كل النساء، غير أن في هذا المحجر القاتل ثمة سيدة تقبع مع زوجها مدعية العمى، فرؤيتها لم تُصَب -ولن تُصاب- بهذا الوباء الأبيض، لكنها لم تستطع أن تترك زوجها الطبيب يذهب إلى هذا المحجر دون رفقته. كيف رأت هذه المرأة العالم من حولها؟ وما الذي نقله "ساراماغو" من خلالها إلينا؟ وقبل هذا، من هو هذا الفيلسوف الأديب، وما ملامح روايته الحائزة على نوبل في الآداب؟

    

الراوي والرواية

بعد ستة وثلاثين عاما من مقولته "أريد أن أصبح كاتبا"، نضج حلم الفتى البرتغالي "جوزيه دي سوزا ساراماغو" الذي صار كهلا في الخامسة والخمسين؛ ليصدق بأن لديه شيئا يستحق أن يقوله فعلا، وعندما كان يُسأل كيف أدركت هذه النقطة كان جوابه الوحيد: "أنا لا أكتب فحسب، بل أكتب ما أنا عليه"، ولعل هذا، كما تقول "عبير زيتون"، هو السرّ في المسألة. كما تضيف أن الأديب البرتغالي قد تحلّى بنظرة المثقف الكوني "المشغول بالبحث عن إنسانية الإنسان، ببعديها الفردي والجماعي، بأسلوبه الكتابي المميز بالفنتازية والواقعية المسكونة بالرمز الدلالي الزئبقي، والخيال المتبصر، والسخرية الفاتنة"[1].

    

ساراماغو (مواقع التواصل)

   

بهذه الأدوات يقودنا "ساراماغو" داخل العمى الذي اجتهد في صبغ روايته به من كل الجهات، فيبدأها بتقنية مربكة للحوار، وهي الحوار ذهابا وإيابا (back-and-forth dialogue)، فترى الأسطر تتعاقب بجمل لا يفصل بينها إلا الفصلات والنقاط فقط، فلا علامات استفهام ولا غير ذلك، ولكل جملة ناطق مختلف، إمّا بين الشخصيات فقط أو بين الشخصيات وتعليقات الراوي، وما هي إلا بضع صفحات حتى تعتاد هذا النمط المربك، تماما كما يعتاد عميان الرواية داءهم الأبيض الغريب، إذ إن الكاتب تعمّد إلقاء الحوارات بشكل عشوائي؛ "لأنها حوارات عمياء، تدور بين أشخاص عميان، فسيبدو أنك أيضا تشعر ببعض الضياع عند قراءتها لأول مرة"[2].

    

إلى جانب الحوار المتداخل، يعلّق المدون "سعود العمر" في استعراضه للرواية[3] بأن "ساراماغو" قد دمج أفكارا أربعة مع هذه الأداة لتكتمل التعمية السردية على الأحداث، وليُشرك القارئ أبطال روايته في شيء من الضبابية والعجز عن الوضوح الذي يقبعون فيه، فيعمد إلى "التقتير في الوصف البصري" للأماكن والأشخاص والأحداث؛ حيث يصفها بالحد الأدنى من الأوصاف البصرية التي تسمح للخيال بإدراك حدود الصورة ولكنها لا تُضفي إليها الألوان.

   

في مقابل ذلك، يُسرف "ساراماغو" في وصف "المدركات غير البصرية" كالروائح ونبرات الأصوات، "وهو ما ساعد عليه أسلوب الحوار ذهابا وإيابا، لأن هذا الأسلوب يسمح بحوارات طويلة (مدركات صوتية كثيرة) دون وصف بصري"[4]. بالإضافة إلى "التسمية الوصفية" التي تتجاهل الأسماء تماما، فلا اسمَ واحدا على مدار ثلاثمئة وسبعين صفحة، لا شخصيات، لا بلدان، لا علامات تجارية، ولا زمنَ محددا.

 

كل ذلك مبهم للدرجة التي تحرمنا من أي عون بصري يساعد على التحرر من العمى، ذلك الرمز الكبير الذي رسم به "ساراماغو" حكايته. ولزيادة الجرعة، يسلبنا الأديب الفيلسوف رفاهية الزمن، فلا نحن نعلم السنة أو الحقبة الزمنية التي تدور فيها الأحداث، فلا مكان ولا زمان، لا أسماء ولا أوصاف كافية، فقط أشخاص مجرّدون في مكان وزمان مجرّديْن، هم أشخاص كسائر البشر وما حدث يمكن أن يكون في أي مكان باختلاف الزمن.

   

قطرة الغيث

  

أول الغيث قطرة، وأول العميان رجل تعطّل بصره في إشارة المرور، ومنه إلى سارقه، إلى زوجته، إلى طبيبه، إلى مرضى الثاني، وبالدور إلى كل من احتك بهم، ثم من هؤلاء إلى الجميع، وهكذا تتابعت القطرات في سيل منهمر من العمى الحليبي الذي يحجب الأشياء. تلك الشرارة الإنسانية التي جرت السنن على اعتيادها، فالثورات، النُّظم، الحركات والتنظيمات، كلها تتابع على هذا النمط مهما افترقت بها النتائج.

 

هذا الخيط الذي يلقيه "ساراماغو" تلتقطه الباحثة الاجتماعية "حفصة حريقة"، والتي رأت أن الرواية تتميز "بعكسها لسيكولوجية النظم الاجتماعية بصورة أدبية ورمزية سعى من خلالها الكاتب لتبيّن الكيفية التي تولد بها هذه النظم وتكبر وتتمركز، مستخدما رمزية العمى ليُعبِّر عن هذه النظم". ولهذه الرمزية اختار "جوزيه" عمى مختلفا غير اعتيادي، يصيب البشر فجأة وينتقل بالعدوى، ويعكس على العينين صورة بيضاء، "فلو كان العمى عمى اعتياديا لصعب على مخيلة القارئ أن يسقطه على معنى أكبر من العمى المادي للعينين، لعمى جماهيري يؤثر على المجتمع كلل"[5].

 

فشخص ما، في مكان ما، يصنع أمرا ما، تصيبه حمى الاعتراض، أو الفكر السياسي، أو المجتمعي، لنحصل على الأعمى الأول، أو "المنتفض الأول" الذي ينقل حمّاه لغيره من دون أن يدري أو يدرون كيف وقعوا في هذا العمى! "ومع ارتفاع عدد المنتمين لهذه الحمى، نجد أن هذه الفوضى العارمة التي تنتج عن التغير أو الحمى الجديدة أو العمى الأبيض تتحوّل إلى نظام اجتماعي بعد أن تصل لمرحلة القبول"، وما تلبث الحكومة نفسها حتى تُصاب بالحمى فينتهي اضطهادها للعميان وتتبنّى هذا النظام الجديد، "وقد يتبنونه ويصبحون المدافعين عنه والناطقين باسمه"[6]، فتتشكّل حكومة من العميان كما عبّر عنها الأعمى الأول في الرواية.

 

تلك الحمى التي يترابط من خلالها البشر، والتي يُعبّر عنها "ساراماغو" دون تأصيل طبي يخرجها عن رمزيتها، ترى الباحثة أنها تتبدى في الثورات الخمسين التي تلت الثورة الفرنسية، ونراها كذلك في الربيع العربي الذي -وللمفارقة- أشعلته بالفعل شعلة من اللهب أردت الشاب التونسي "بوعزيزي" مقتولا رمزيا للنظام السياسي، وما هي إلا شهور حتى سرت العدوى غير المرئية في أقطار المنطقة.

       

  

في هذا السياق تعلّق "حفصة" بأن هذا المثال -العمى الأبيض- "يقودنا إلى حقيقة يصعب تجاهلها ألا وهي هشاشة أي نظام اجتماعي قائم وإمكانية استبدال نقيضه به في أي لحظة"، فالأمر لم يستغرق إلا أن تنتشر العدوى، ولا تستلزم العدوى أكثر من كونها صاخبة ولافتة وعصية على التفسير -ومن ثم التحجيم- فتنتشر في الأجواء بين مصيرين متتابعين: قمع ذوي النفوذ لحاملي العدوى، ثم انتصار العدوى على السلطة وتوظيفها في صالحها.

 

هذا الرمز الكبير يمكن أن يُمد على استقامته، وفقا لهذا التحليل، ففي المشهد الأخير الذي يخرج فيه العميان من محجرهم -بعد انتصار العدوى على الحراس والحكومة- وتنتقل الكاميرا إلى المجموعة القريبة (الطبيب، زوجته، الأعمى الأول، زوجته، الكهل، الفتاة ذات النظّارة السوداء، والطفل الأحول)، نجد أن الأعمى الأول يسترد بصره فجأة كما فقده فجأة، هكذا ودون تفسير، ليتبعه الباقون تباعا في الخروج من عدواهم، ومن ثم المجتمع بأسره، فهل قصد "ساراماغو" أن الثورة تنطفئ بتسلسلها الذي اشتعلت به؟ وهل يعني أنه ليس بعد التمام إلا النقصان؟

 

ربما أمكننا التعاطي مع هذا التصور إن أخذنا العمى بصورته الإيجابية التي يُوحي بها لونه الأبيض، لكن بشكل يختلف عن هذا التحليل -غير الشائع كثيرا للرواية- سنجد ثمّة امرأة لم تصبها العدوى يمكن لحكايتها أن توسّع دائرة الرموز وتحمل في طيّاتها التحليلات الأبرز لما أنتجه "ساراماغو".

 

مملكة بلا عرش

  

يقولون إن الأعور بين العميان ملك، فما بالك بذات العينين؟! تلك السيدة الرحيمة التي ادّعت العمى لئلا تترك زوجها بمفرده، فمَن قد يعتني بهذا المسكين فيما هو ذاهب إليه؟! في أول حالة تكاتف الناس لعون الأعمى الأول، ولكن مع اطّراد الحالات صارت كلمة "أنا أعمى!" إنذارا لكل مَن بالقرب أن يهربوا. هذا الجنون الذي طال الجميع لم يفلح مع هذه السيدة التي فاقت أم الطفل الأحول شجاعة وذكاء حينما بقيت مع زوجها في حين بقي الطفل الصغير يسأل عن أمه حتى أحاطه اليأس.

 

رجل وامرأة، ثم رجلان وامرأة وطفل، ثم بضعة زوار، ثم العشرات منهم، ثم توالى الطوفان، كل هؤلاء المساكين يقبعون في مشفى أقرب إلى المقبرة دون رعاية أو طعام آدمي كافٍ. كانت تسمع مع الجميع تنبيهات الحكومة تُبثّ إليهم عبر المذياع الداخلي: "لن نتدخل لإنقاذ مَن يوشك على الموت.. لن ندفن أحدكم ميتا.. عليكم تدبر كل شيء"، ولم يعلم هذا الصوت غالبا أن هذه المرأة وحدها ستقوم بهذا التدبّر لكل شيء.

 

في هذا الضباب القاتل تتضاءل الإنسانية وتختفي الحضارة التي نتشدّق بها، فخلف الجوع والوباء لا يحفل الناس بشيء أكثر من غرائزهم، وعندما تغيب السلطة لا يجد المجرمون رادعا عن الإجرام. ولأن العمى لم يكن يختار، فقد أصاب من هؤلاء كما أصاب من الشرفاء ومختلف الفئات والأصناف، لقد أُصيبت البشرية وتحولت المدنية إلى ديستوبيا[*]، وفي هذا الدرك الأدنى يسيطر الحيوان على إنسانيتنا ليمارس غرائزه.

   

  

في العنبر الثالث، تصل دفعة من المجرمين الذين يسيطرون على الطعام ويهددون الجميع، وبصحبة السلاح وأعمى قديم جاء بالخطأ يصبح لهذه الفئة سلاحان ضد المساكين الآخرين. أعطونا أموالكم، امنحونا كل شيء لتأكلوا، فإذا فَنِيَ كل شيء امنحونا نساءكم، هكذا قال المجرمون. إلى هنا يوقف "ساراماغو" تسلسل الأحداث ليُباغتنا بحوار محتدم في عنبر الضعفاء، لنجد رجالا لا يمانعون من تسليم نسائهم -أو نساء عنبرهم بالأحرى- في مقابل أن يُسكتوا بطونهم التي تتضوّر من الجوع.

 

في هذا المشهد يمرر لنا "جوزيه" سخرية متخفّية عن الحضارة المزعومة التي ما إن انحسرت عن إنسانها حتى ارتدّ معها إلى أسفل الدركات، ورغم ذلك "يظل الأمل منتعشا في قلب زوجة الطبيب التي دافعت عن إنسانية الضعفاء منهم وانبرت ببصيرتها إلى مواجهة الخارجين عن القانون بحكم أنها الوحيدة التي نجت من الداء"[7]. انتهت المناقشة إلى تسليم النساء، وانتهى تسليمهن بمقتل زعيم المجرمين على يد زوجة الطبيب التي ترددت كثيرا في فعلتها لأنها لم تتخيل كيف ستقتل إنسانا.

 

يثور المجرمون، وتثور المرأة ومعها الكهل الذي يصنع الجانب الآخر من الملحمة، فيخبر الجميع أن بطنا تئنّ أرحم من كرامة تُنتَهك، ويقودهم إلى الثورة على السفاحين العُتاة. ثورة عمياء يقودها رجل أعمى ضد مجموعة من العميان، تنتهي بالفشل الذي تتداركه امرأة مجهولة تشعل النار في عنبر المجرمين. وتحت وطأة الحريق يهرب الجميع خارجا غير عابئين برصاصات الأمن، إلا أنهم يُفاجأون بانسحاب الحرس وانتهاء سطوة المبصرين لأن الجميع أعمى.

       

 يقولون لها: أنتِ ملكة، فتقول لهم: "ماذا يعني أن نكون مبصرين في عالم كلُّ من فيه عميان، أنا لست ملكة، بل أنا ببساطة تلك الإنسانة التي وُلدت لترى هذا الرعب

مواقع التواصل
   

تخرج المجموعة إلى الطرقات ويتفاجأون بالديستوبيا الكبرى، تخيل أن تسير في مدينة من العميان! لا سكّان ولا مشردين، كل البيوت متاحة للجميع، يخرج المرء من بيته ليبيت في بيت غيره. الحوانيت أضحت ملاجئ للعابرين، والعابرون أصبحوا كالزومبي السائرين بلا هدى ولا رغبة. في هذا الرعب تتصدّر زوجة الطبيب لحماية مجموعتها فتعاني لتجد لهم الطعام، ثم لتصل بهم إلى منزلها سيرا على الأقدام في غابة كتلك.

 

في المنزل تكمل تلك المبصرة مهمتها بلا كلل، فإن أخفت عن العميان في المحجر حقيقة بصرها لئلا تُستعبَد من العشرات، فإنها هنا تخدم الجميع بلا كلل، بل بحب وافر وروح دافئة. يقولون لها: أنتِ ملكة، فتقول لهم: "ماذا يعني أن نكون مبصرين في عالم كلُّ من فيه عميان، أنا لست ملكة، بل أنا ببساطة تلك الإنسانة التي وُلدت لترى هذا الرعب، بوسعكم أن تشعروا به، غير أني أشعر به وأراه".

 

ثم تتذكر ما كانوا فيه من الانحطاط والمعاناة، فتقول: "دعونا لا ننسى ما كانت عليه حياتنا هناك في المحجر، فقد انحدرنا إلى الدرك الأسفل من المهانة، كل أنواع المهانة، حتى وصلنا درجة الانحطاط الكامل، يمكن أن يحدث الأمر ذاته هنا، وإن يكن بطريقة مختلفة، هنالك كنا نزعم أن الانحطاط هو نتيجة أفعال الآخرين، لكن الآن جميعنا نميز وعلى التساوي بين الصالح والطالح، أرجوكم لا تسألوني ما هو الصالح والطالح فلطالما كنا نعرف ما هما عندما كنا ننظر للقيام بفعل ما حينما كان العمى استثناء". 

   

   

هكذا كانت رمزيات "ساراماغو" التي تتسع تفسيراتها وتتشعّب التأويلات عنها، فالعمى يعرّينا حين نعجز عن كل شيء ويبقى لكل امرئ حقيقته دون تصنّع، وحينها سنرى مَن يلفظون أحباءهم لئلا تطولهم العدوى، وسنجد مَن يرافقون الأغراب ليخففوا عنهم المعاناة. سنقابل مَن يضحّي بكل المعاني لأجل جسده، وسنقف أمام العظماء الذي يؤثرون الموت على أن يحيوا كالحيوانات.

 

لقد أمسكت هذه الملحمة الفنتازية بتلابيب الواقع، ووصفت بلغة مجردة أمورا معينة يسهل رصدها بمجرد أن نهجر العمى، فندلف -رغم تشوّش الأوصاف- عبر البصيرة إلى فهم هذه الفلسفة وتفكيك رموز الحكاية التي يختتمها "ساراماغو" بسخرية حادة تلوم مَن فضحتهم روايته، فيقول على لسان زوجة الطبيب: "لا أعتقد أننا عمينا؛ بل أعتقد أننا عميان يرون، بشر عميان يستطيعون أن يروا لكنهم في الحقيقة لا يرون".

 _____________________________________

الهوامش

[*] ديستوبيا: أدب المدينة الفاسدة وهو مجتمع خيالي فاسد أو مخيف وغير مرغوب فيه، وهو مصطلح معاكس لمفهوم اليوتوبيا.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار