انضم إلينا
اغلاق
مصر بعيون الأدباء..  10 روايات لا غنى عنها لفهم المجتمع المصري وتعقيداته

مصر بعيون الأدباء.. 10 روايات لا غنى عنها لفهم المجتمع المصري وتعقيداته

زينب البقري

محررة رواق
  • ض
  • ض

عام 1957، كان العام الأول الذي بدأ فيه الكاتب والمفكر الاجتماعي المصري السيد ياسين رحلة اشتغاله بالبحث العلمي في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، يبدو أن السيد ياسين كان مؤمنا بشغف البدايات، تلك البدايات التي تستلزم بعض العهود والمواثيق، فأخذ على نفسه عهدا شاقا، وهو أن يقطع صلته تماما بتجاربه في الكتابة الأدبية خشية أن تطغى بلاغة الأسلوب الأدبي على الدقة والصرامة المطلوبة للتعبير العلمي، وإمعانا في تنفيذ عهده، توقف سنوات عن متابعة الإنتاج الأدبى حتى يتفرغ تماما للتكوين العلمي في العلوم الاجتماعية.

  

لم يكن السيد ياسين حالة شاذة حينذاك، فهذا هو حال كل مَن يتبع التقاليد العلمية التي كانت وما زالت تفرض على الباحثين إخفاء مشاعرهم الذاتية وضبط انفعالاتهم، وحجب كل آرائهم الشخصية عند النزول لميدان البحث الاجتماعي، فبعُدت الشُّقة بين العلم والأدب، وقنع علماء الاجتماع بقواعد المنهج العلمي وضوابطه الذي عادة ما يُقدِّم وصفا باردا للظواهر الاجتماعية، فقلما وجدنا في التراث السوسيولوجي وإرثه الضخم من الأشكال الإحصائية والمؤشرات وصفا للصراع الاجتماعي بصوره المختلفة، أو رصدا حيا للتطورات التي مرّ بها الأفراد نفسيا واجتماعيا في الطبقات المختلفة في المجتمع المصري.

   

   

تراجع السيد ياسين عن عهده الشاق ذاك بعدما سافر إلى فرنسا عام 1963 لاستكمال دراساته العليا في العلوم الاجتماعية، حيث كان الميدان الاجتماعي ينتقد هذه الرؤية المختزلة للأدب، ويراجع إرثه التقليدي، فبزغت علوم جديدة مثل التحليل الاجتماعي للأدب، فعاد السيد ياسين ليؤكد أن الروائي أقدر من الباحث الاجتماعي على وصف الواقع؛ لرفاهة حسه، وقدرته على التقاط جزيئات هذا الواقع الاجتماعي. 

   

لذلك، وفي هذا السياق، نُرشِّح عشر روايات تناولت التاريخ المصري في حقب تاريخية مختلفة، كان هؤلاء الروائيون ليسوا مجرد مبدعين وإنما مؤرخون ونقاد اجتماعيون، فيمكننا التعرف على تحولات المجتمع المصري في حقب تاريخية مختلفة من خلال هذه الروايات.

   

فطالما كان الأدب وفيرا في تلبية هذا الجانب في تتبع التطورات التي لحقت بالمجتمع نفسه، خاصة الرواية والقصة القصيرة، فكان نداء السيد ياسين إلى باحثي علماء الاجتماع إلى قراءة الإنتاج الأدبي المحلي والعالمي بصورة جادة، لأن حياة الأكاديمية العلمية تختزل الظاهرة الاجتماعية في مجرد رقم، وتفتقر إلى سخونة الحياة وحيويتها التي تنبض بها النصوص الأدبية. (1)

    

1. حديث عيسى بن هشام، محمد المويلحي

 

   

الناشر: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة

عدد الصفحات: 326 صفحة

(طُبعت أول مرة عام 1907)

  

عادة ما يُؤرَّخ لبداية الرواية المصرية برواية "زينب" لمحمد حسين هيكل التي نُشرت خلال عام 1914، ولكن هذا التأريخ تجاهل إرثا أدبيا ضخما قد سبقها، لمجرد أن هذا الإرث لم يتخذ الصورة نفسها التي عليها نمط وأسلوب كتابة الرواية الغربية. ولكننا نجد في "حديث عيسى بن هشام" لمحمد المويلحي انعكاسا لهذا المزج بين القديم والحديث في الأدب، فقد اتخذ المويلحي في هذا العمل شكل المقامات العربية، وجعل بطله هو عيسى بن هشام راوي مقامات بديع الزمان الهمذاني، مستخدما أسلوب المقامات من كثرة السجع والازدواج، وخفة الظل، وسرد الطرائف والمتناقضات، وغيرها من الصور. (2)

   

ففي قالب الساخر انتقد المويلحي المجتمع المصري من خلال عيسى بن هشام الذي زار المقابر للاعتبار فصادف رجلا قد بُعث من قبره، أسماه الدفين ثم لقبه بالباشا فيما بعد، ومن خلال رحلتهما معا نرى التحديث والتغييرات التي أصابت المجتمع خلال هذه الفترة في النظام القضائي والشرطة والتعليم والمسرح وغيرها من المجالات.

   

فقد طرح المويلحي إشكالية الأصالة والمعاصرة من خلال المواقف والأماكن التي طاف فيها عيسى بن هشام والباشا، فنرى من خلالهما التحديث المشوّه، فلم يَعُد القديم قديما، ولم تُنقل مظاهر الحداثة والمَدنية الغربية كما هي في سياقها الغربي، ولكن كانت أنظمة مهترئة الشكل والمضمون، عكست أزمات المجتمع حينذاك. (3)

  

محمد إبراهيم المويلحي (1858-1930)، أديب وناقد، وُلِدَ بالقاهرة في أسرة وثيقة الصلة بالخديوي إسماعيل، وقد تأثر في نبوغه الأدبي والصحافي بأبيه الكاتب إبراهيم المويلحي، فعمل المويلحي في كُبريات الصحف التي أسهمت في النهضة الأدبية الحديثة في مصر، وقد تقرَّب من العديد من أعلام عصره من رواد الإصلاح كالأفغاني الذي نشر في مقدمة "حديث عيسى بن هشام" رسالة الأفغاني إليه، مخاطبا إياه بـ "حبيبي الفاضل"، مادحا مسيرته الأدبية والصحافية. (4) وأتت روايته التي كانت طبعتها الأولى في عام 1907 في 326 صفحة، وقد طبعتها مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة طبعة حديثة. 

   

2. يوميات نائب في الأرياف، توفيق الحكيم
 

    

دار النشر: الشروق

عدد الصفحات: 160 صفحة

نُشرت عام 1937

   

"يوميات نائب في الأرياف" من الأعمال التي لا يُمل من إعادة قراءتها، وتُعَدُّ هذه الرواية بالإضافة إلى "عودة الروح" لتوفيق الحكيم من أبرز الروايات التي تركت بصمة في الأجيال اللاحقة من الأدباء المصريين، فيصف نجيب محفوظ في أحد الحوارات معه توفيق الحكيم قائلا: "إن توفيق الحكيم هو بحيرة فيكتوريا التي خرجنا منها جميعا كما خرجت أفرع النيل ونهيراته من قلب البحيرة الكبيرة" (5)، وهذا ما أكده يحيى حقي حينما وصف توفيق الحكيم بأنه شيخ مهنة الأدب. (6)

  

فقد ظل الناتج الأدبي من الروايات المصرية إبان الحرب العالمية الأولى يسوده التيار الرومانسي، وإن ظهرت فيه محاولات للكتابة عن الواقع الاجتماعي ولكن لم تكن بهذا النضج الذي ظهرت عليه أعمال توفيق الحكيم آنذاك.

  

و"يوميات نائب في الأرياف" هي ترجمة لمشاهدات من الحوادث والقصص التي عاشها توفيق الحكيم بنفسه أثناء عمله نائبا في إحدى مناطق الريف المصري. فجاءت الرواية على شكل يوميات دوّنها الحكيم ما بين 11-23 أكتوبر/تشرين الأول 1930. تدور الرواية حول جريمة غامضة حدثت في إحدى القرى، ومن خلال تتبع هذه الجريمة يكشف توفيق الحكيم عن سوء أوضاع الريف من الجهل والفقر، وينتقد النظام القضائي المصري وتحول قيمة العدالة إلى مجرد أوراق حكومية وإجراءات بيروقراطية، وينتقد الوضع السياسي إبان المرحلة الليبرالية في مصر وكثرة الانتخابات وتزويرها وعدم استقرار الأحزاب وفساد الساسة وبُعدهم عن احتياجات طبقات المجتمع الفقيرة. نُشرت الرواية لأول مرة عام 1937، وجاءت طبعة دار الشروق المصرية في 160 صفحة.

 

3- روايتا "الحرام" و"العيب"، يوسف إدريس، 1959، 1962
 

 

الناشر: دار نهضة مصر

عدد الصفحات: 152

 الناشر: نهضة مصر

عدد الصفحات: 120 صفحة

  

يقول الكاتب المصري محمد مستجاب إن يحيى حقي مهّد الأرض وحرثها ليظهر يوسف إدريس، وكان من أعظم آثار يوسف إدريس هو قطيعته مع الكتابة المسالمة للواقع الاجتماعي التي سادت مع محمود البدوي ويوسف السباعي وغيرهم، فقد "اجتاح عالم الكتابة بأسلوبه الشرس الطازج حتى كأنك تسمع الصوت الهادر لأفكاره وقلمه وأوراقه بين النصوص التي كتبها في رواياته وأعماله القصصية". [7]

  

أصدر يوسف إدريس رواية "العيب" عام 1962، ونشر قبلها رواية "الحرام" عام 1959، والروايتان متكاملتان، تُصوِّر إحداهما أزمات المجتمع الحضري، والأخرى تُصوِّر المجتمع الريفي، وكلتاهما لهما القدر نفسه من الأهمية من وجهة النظر السوسيولوجية.

  

تدور رواية "الحرام" في الريف المصري والمهمشين به، خاصة عمال التراحيل، وترى كيف تدفع الظروف الاجتماعية القاسية للريف المرأة الشريفة إلى الزنا، وتورطها في حمل طفل صغير، وما تعرضت له من تهميش ومعاناة مضاعفة من العمال المهمشين بدورهم، فنجد التناقضات في القيم الاجتماعية السائدة في الريف المصري، وتشريح مفاهيم الشرف والفضيلة والازدواجية في رؤيتها. وقد نشرتها دار نهضة مصر في 152 صفحة.

     

أما "العيب" فتدور حول سناء، الفتاة الجامعية التي تُعيَّن مع بعض الفتيات في مصلحة حكومية ظلت طيلة عمرها مقتصرة على الرجال، ونتتبع رحلة سقوط سناء في هذه المصلحة بقوانينها الرسمية وغير الرسمية التي صنعها الرجال بفكرهم وتناقضاتهم، لتسقط أخلاقيا في اللحظة التي تقبل فيها الرشوة. فرواية "الحرام" تُجسِّد دراما السقوط في المجتمع الريفي، أما "العيب" فتُعَدُّ دراما عن السقوط في المجتمع الحضري. (8) وقد نشرتها كذلك دار نهضة مصر في 120 صفحة. 

   

4. الثلاثية (بين القصرين، قصر الشوق، السكرية)، نجيب محفوظ، نُشرت في 1956-1957
    

"بين القصرين": دار النشر: دار الشروق، عدد الصفحات: 584 صفحة

"السكرية": دار النشر: دار الشروق، عدد الصفحات: 402

"قصر الشوق": دار النشر: دار الشروق، عدد الصفحات: 548

     

ثلاثة أدباء نجوا من سخط جيل الستينيات من الأدباء السابقين عليهم: يحيى حقي، ويوسف إدريس، ونجيب محفوظ. فقد حظي أبناء جيل الستينيات ببعض مزايا العهد الناصري، فاستفاد من سياسات الإصلاح الزراعي، ومجانية التعليم، ثم حدثت النكسة وانهزم مع انهزام المشروع الناصري، بقايا وجه أكله الزمن وهزمته السنون، فقد وجدوا في روايات هؤلاء الثلاثة ما يُعبِّر عن واقع المجتمع المصري قبل الهزيمة.

  

وكان لنجيب محفوظ مكانة خاصة، لأن الرواية المصرية قد اكتمل نضجها على يديه، فقد بلغت من الإتقان والدقة ما لم يصل إليه كاتب مصري قبله من حيث صدقها وجمالياتها الفنية الإبداعية، فكان محفوظ مؤرخا اجتماعيا في رواياته العديدة، التي من أبرزها الثلاثية. (9)

  

ترى سيزا قاسم، أستاذة الأدب المقارن بالجامعة الأميركية، أن الثلاثية من الروايات المتتابعة الأجزاء التي عُرفت بروايات الأنهار أو بروايات الأجيال. فتنقسم الثلاثية إلى 3 روايات: "قصر الشوق"، و"السكرية"، و"بين القصرين"، وتدور أحداثها أثناء الحرب العالمية الأولى وفترة ما قبل ثورة 1919 وما بعدها، ونرى فيها تاريخ مصر من خلال أسرة السيد أحمد عبد الجواد، إحدى أسر الطبقة الوسطى المصرية التي تقطن حيًّا شعبيا من أحياء القاهرة القديمة، فنرى فيها الأجيال المتتابعة وتناقضات الأب المسيطر واختلاف مآرب الشخصيات وأفكارها ومصائرها. (10)

  

فالثلاثية ليست مجرد عمل روائي وإنما ملحمة متكاملة زاخرة بالوقائع والأحداث والأنماط الإنسانية، حافلة بالصراع الاجتماعي والصراع الأيديولوجي والسياسي، تظهر فيها مشكلات التحديث والنضال للحصول على الاستقلال، ونرى فيها سعي الأفراد للتكيّف مع التغييرات الاجتماعية المتسارعة، ونجد هذا السعي للخلاص الفردي والسعي الجمعي إلى الاستقلال وبناء النهضة. (11)

   

يقول نجيب محفوظ: "الثلاثية تحمل وجهة نظر مؤكدة نجدها في خط سير معين للأحداث، يمكن تلخيصها في كلمتين، إنها الصراع بين تقاليد فخمة ثقيلة وبين الحرية في مختلف أشكالها السياسية والفكرية". (12) وهي الرواية التي توَّجت محفوظ بجائزة نوبل للأدب، فلم تكتفِ بتشريح المجتمع المصري والإمساك بموجات تغيراته العنيفة على مدار ما يقارب نصف قرن، بل غاصت الرواية في شخصيات أبطالها كاشفة ما يدور في مكنون النفس البشرية، وما يضطرب في قلب هذا الإنسان المصري الذي عاصر ثورة 1919 وحتى خمسينيات القرن الماضي.

     

5- الباب المفتوح، لطيفة الزيات، 1960
  

  

دار النشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب، مكتبة الأسرة

عدد الصفحات: 356 صفحة

   

"لطيفة الزيات" هي أستاذة الأدب الإنجليزي ومن أوائل الناشطات السياسيات في الجامعة المصرية خلال الأربعينيات، وانتمت إلى التيار الاشتراكي (اليساري) واعتُقلت أكثر من مرة. وتُعَدُّ روايتها "الباب المفتوح" إحدى نقاط التحول في تاريخ الرواية العربية في مصر منذ نشأتها على يد "المويلحي" وتطورها على يد "توفيق الحكيم" ومن بعده "محفوظ"، فقد أخرجت هذه الرواية المرأة من هامش الكتابة الأدبية إلى أن تصبح هي مركز الحدث التاريخي نفسه، بجانب راوية التاريخ الاجتماعي من وجهة نظرها ككاتبة. (13)

  

فتقول لطيفة الزيات أنها اعتمدت في رواية "الباب المفتوح" على رؤيتها الذاتية لتاريخ مصر خلال هذه السنوات 1946-1956، فالرواية تجمع بين الروائي والتاريخي والاجتماعي والنفسي، وثمة ترابط بين تاريخ ليلى بطلة "الباب المفتوح" وتصوراتها من الصغر للمراهقة والنضج وأحوال مصر خلال الأطوار نفسها التي مرّت بها البطلة، وتعكس الرواية كذلك القيم الأخلاقية المتناقضة للطبقة الوسطى بفئاتها المختلفة. ويمكن تلخيص فكرتها في أن هنالك صلة وثيقة بين تحرُّر ليلى من قيود الأسرة والمجتمع الأبوي وهيمنته وتحرُّر "الوطن" من الاحتلال، فتحرُّر المرأة هو تحرُّر الوطن وخيانة الوطن في أن تُخان ليلى. (14) وقد طبعت الهيئة المصرية العامة للكتاب الرواية لأول مرة عام 1960 وجاءت في 356 صفحة.

   

6- الرجل الذي فقد ظله، فتحي غانم، نُشرت 1966
 

    

الجزء الأول: طبعة روز اليوسف، 447 صفحة

الجزء الثاني: طبعة روز اليوسف، 399 صفحة

    

سار فتحي غانم على درب الشاعر إليوت في قوله إن الأدباء والكُتَّاب يجلسون في غرفة واحدة، وكلما جاء كاتب جديد فإن الذي يحدث هو إضافة مقعد إلى الغرفة نفسها، فقد دخل غانم غرفة الأدباء وجلس متخذا مقعدا جديدا، فلم يُحدِث ضجة ولم يخطف الضوء من أحد الجالسين، لكنه سحب المقعد وجلس في هدوء. رغم مسيرة غانم الصحافية التي وصل فيها إلى مناصب رئياسين تحرير لجريدة الجمهورية وصباح الخير ووكالة أنباء الشرق الأوسط، فإن مجده الأدبي فاق مجده الصحفي بكثير، فهو -بحد تعبير سناء البيسي- أديب بالسليقة صحافي بالدراسة. فلم يكن فتحي غانم صحافيا بارزا ولكن ساعدته الصحافة على القرب من النماذج البشرية المتنوعة وصراعاتهم الجوانية وصراعات المؤسسة، فبطل روايته "الرجل الذي فقد ظله" هو صحافي وصولي تدرج في مسيرته الصحافية بطرق ملتوية. (15)

   

الجديد في الأسلوب الأدبي الذي استخدمه غانم هو أنه حكى عن شخصية واحدة وهي "يوسف عبد الحميد السويفي" من خلال وجهة نظر أربع شخصيات أساسية في أربعة أجزاء؛ الجزء الأول تحكيه "مبروكة" الخادمة التي تزوجت والده، فنرى من خلال سردها يوسف كطالب جامعي وبيته وعلاقته بأبيه، وفي الجزء الثاني من رباعية "الرجل الذي فقد ظله" نقترب من يوسف من خلال صديقته "سامية سامي" الممثلة غير المشهورة التي اقترب منها "يوسف" ثم تركها كحقيبة وزن زائدة في رحلته نحو الشهرة، أما الجزء الثالث فيرويه "محمد ناجي" المحرر الصحفي الذي تزوج سامية فيما بعد، أما الجزء الرابع فيرويه "الرجل الذي فقد ظله" أي يوسف عبد الحميد نفسه الذي نرى كيف فقد روحه وصعد نحو الشهرة على حساب أصدقائه اليساريين القدامى ورئيسه الطيب.

    

على الرغم من طول هذه الرباعية فإنها كُتبت بأسلوب سلس ممتع كأنها مشاهد من فيلم يُروى، ونرى فيها واقع الفن والصحافة في مصر ما قبل يوليو/تموز 1952، ولقد تردَّد كثيرا أن شخصية يوسف هي شخصية الصحفي الشهير "محمد حسنين هيكل" الذي غضب من هذه الرواية، لكنها رواية ظلت تصلح لنقل واقع الصحافة والفن الحالي. وقد نُشرت أول مرة عام 1966 وخرجت في جزأين، يتكون الأول من 447 صفحة، أما الجزء الثاني فخرج في 399 صفحة.

    

7- أيام الإنسان السبعة، عبد الحكيم قاسم، نُشرت أول مرة عام 1969
  

  

دار النشر: دار الشروق

عدد الصفحات: 256 صفحة

     

حينما كتب الناقد الأدبي "عبد المحسن طه بدر" عن الروايات التي تناولت الريف المصري، أفرد فصلا كاملا لرواية "أيام الإنسان السبعة" لعبد الحكيم قاسم، لم يكن عبد الحكيم قاسم قد بلغ من الشهرة ما يجعله في مصاف الأدباء الكبار آنذاك، فكان أصغرهم سِنًّا، في عامه الثلاثين. وقد ساهمت دراسة عبد المحسن طه بدر لرواية "أيام الإنسان السبعة" في اكتشاف الساحة الأدبية لموهبة عبدالحكيم قاسم وفرادته الأدبية.

   

عبد الحكيم قاسم هو أحد أبناء جيل الستينيات، هذا الجيل الذي ظهر منه أدباء كُثر مثل جمال الغيطاني، وإبراهيم أصلان، وغيرهما. هذا الجيل الذي أخرج معه نوعا جديدا من الكتابة الواقعية لم يتشابه مع الأجيال السابقة عنه، فبعد هزيمة 1967 لم يَعُد يُصدِّق شيئا إلا إذا رآه وعايشه بنفسه، بعد أن فقد ثقته فيما يُنقل إليه، فكتب هذا الجيل بحساسية لغوية وأدبية جديدة عن الواقع الاجتماعي، فثار أدباء هذا الجيل على اللغة المستخدمة السائدة في الكتابات الكثيرة التي سبقتهم، حيث رأى فيها تزييفا للواقع، فحدث معهم انعطافة جديدة في الأدب.

    

ورغم ما تمتع به كل روائي من جيل الستينيات من مزايا خاصة، فإن عبد الحكيم قاسم كان من أسرعهم انتقالا من كتابة القصة القصيرة التي بدأ بها أدباء هذا الجيل إلى كتابة الرواية، فدُهشوا من رواية "أيام الإنسان السبعة" حينما نُشرت. حين مزج قاسم بين عالمه الذاتي بكل ما فيه من انكسار وتعقيد وبين الواقع الخارجي، فكان عبد الحكيم قاسم يحيا الحياة كما يكتبها، لا يوجد فارق بين البطل بالنص والبطل في الواقع. (16)

    

ورغم تناول عبد الحكيم قاسم للريف المصري الذي كتب عنه توفيق الحكيم وعبد الرحمن الشرقاوي ويوسف إدريس وغيرهم، فإننا لا نرى في رواية عبد الحكيم قاسم "أيام الإنسان السبعة" الريف كالريف الذي قدَّمه من قبله، وإنما جاء وصف القرية في صورة مغايرة، فنجد في "أيام الإنسان السبعة" التصوف في الريف من الحضرة والذكر والإنشاد بعد الصلاة وبردة البوصيري وحياة الدراويش وزيارة مولد السيد البدوي، حيث رسمها عبد الحكيم قاسم في 7 فصول: "الحضرة، الخبيز، السفر، الخدمة، الليلة الكبيرة، الوداع، الطريق"، وذلك في سرد لوقائع ليلة الحضرة والتجهيزات والاستعداد لها. وقد طبعت دار الشروق الرواية أول مرة عام 1969 وخرجت في 256 صفحة.

   

8- الزيني بركات، جمال الغيطاني، 1974
  

     

دار النشر: دار الشروق

عدد الصفحات: 287 صفحة

    

جمال الغيطاني من أبرز روائيي جيل الستينيات، لم يقنع بالأشكال الأدبية التي ورثها عن الأجيال السابقة له، ولكنه ألقى نفسه في بحر التجريب بكل ما فيه من الأخطار. ولعل روايته "الزيني بركات" التي يَعُدُّها النقاد واسطة العقد في إنتاجه الأدبي هي بداية التجريب في الشكل الروائي عند الغيطاني. ففي رواية "الزيني بركات" نجد الغيطاني مؤرخا مصريا صميما ممتلكا لناصية التاريخ الاجتماعي لمصر من خلال قراءاته المعمقة النبيهة للحوليات التاريخية للمؤرخين القدامى العباقرة، فوعى ما سجلوه في كتبهم من وقائع التاريخ السياسي المصري.

  

فالرواية تحكي سيرة المحتسب الزيني بركات ابن إياس، في كتابه "بدائع الزهور" من خلال رصد علاقته ورحلته مع السلطة، ورغم أنها مستوحاة من أحداث تاريخية فإنها تُقدِّم تشريحا للمجتمع المصري لياسين في عصر الزيني بركات فحسب، أي العصر المملوكي، ولكن في العصور الحالية كذلك. فهي ليست رواية تاريخية، ولكنها تُصوِّر النظام السلطوي في كل الأزمنة بكل سماته. (17) وقد طبعتها دار الشروق المصرية لأول مرة عام 1974 وخرجت في 287 صفحة.

     

9- ذات، صنع الله إبراهيم، 1992
 

   

دار النشر: دار الثقافة الجديدة

عدد الصفحات: 352 صفحة

  

عكس صنع الله إبراهيم في رواية "ذات" التغيرات التي لحقت بالطبقة الوسطى المصرية منذ عهد عبد الناصر مرورا بالسادات حتى مبارك، وأثر الهجرة للخليج خلال السبعينيات والثمانينيات على قيم المصريين وثقافتهم ونمط معيشتهم اليومية ومآلات سياسات الانفتاح الاقتصادي على الأسرة وأحوالها والمرأة وتطلعاتها، والرجل رب الأسرة وتناقضاته وغيرها من مظاهر وصور.

  

ورصدت الرواية تلك التغيرات من خلال الفتاة "ذات" نفسها التي تعمل في أرشيف إحدى الصحف اليومية، ومن خلال تتبع مسار عملية الهدم والبناء في عمارة ذات السكنية، فقد أصبحت العمارة فضاء مكانيا يعكس التحولات الاجتماعية في مصر خلال ستين عاما.

  

وقد مزج صنع الله إبراهيم في الرواية بين مسارين: مسار الشخصية الرئيسية "ذات"، ومسار المجتمع المصري، باعتبارهما خطين متوازيين، فذات ما هي إلا مرآة ينعكس عليها تغير المجتمع.

  

استخدم صنع الله إبراهيم في هذه الرواية تقنية جديدة، فقد ألحق عددا من الأقصوصات الصحافية من الجرائد المصرية اليومية الحكومية والمعارضة، مُنوِّها أن الوقائع الواردة في بعض فصول هذه الرواية لم يقصد بإعادة نشرها سوى تأكيد الجو الإعلامي العام الذي أحاط بمصائر شخصياته وأثّر فيهم.

  

وقد ولد صنع الله إبراهيم بالقاهرة في عام 1937، وعُرف بتوجهه اليساري وسُجن 5 سنوات (1959-1964)، وظهرت تجربة السجن وتوجهاته السياسية في أعماله الروائية، التي من أشهرها "شرف"، و"اللجنة"، و"بيروت بيروت"، وروايته "1967" التي سجَّل فيها أجواء مصر أثناء الهزيمة في 12 فصلا، كل فصل يُصوِّر شهرا من شهور عام النكسة، ولم تُنشر الرواية إلا بعد 45 عاما. (18) وقد طبعت الرواية دار "الثقافة الجديدة" وخرجت الطبعة الأولى عام 1992 في 352 صفحة.

   

10- أثقل من رضوى، رضوى عاشور،2013
  

     

دار النشر: دار الشروق

عدد الصفحات: 393 صفحة

    

كما خطّت د. لطيفة الزيات في روايتها "الباب المفتوح" تاريخ مصر في موازة تاريخ البطلة "ليلى" الشخصي وبين تاريخ مصر خلال فترة الأربعينيات والخمسينيات، ربطت رضوى عاشور بين العام والخاص كذلك، ولكنها كانت هي نفسها البطلة هذه المرة، فأثقل من رضوى مقاطع سيرة ذاتية تمزج رضوى عاشور فيها بين مشاهدات من حياتها الشخصية خلال رحلة مرضها الأخير، وبين مشاهدات من الواقع المصري خلال فترة ثورة 25 يناير/تشرين الثاني 2011 وما تبعها من أحداث وأيام كجمعة الغضب، وأحداث مجلس الوزراء، ومحمد محمود، والإعلان الدستوري، إلخ.

   

فبحسّها المرهف ولغتها الرشيقة وأسلوبها الممتع تُوثِّق رضوى عاشور هذا الحدث التاريخي، ثورة 25 يناير، وتحكي عن الجامعة وميدان التحرير والشهداء، وعن حياتها بعدما بلغت السابعة والستين، وعن المرض والكتابة.

  

تلاقت رضوى عاشور (1946-2014) مع لطيفة الزيات مرة أخرى في سيرتهما الذاتية، فكلتاهما عملتا في النقد الأدبي كأساتذة أكاديميين في الجامعات المصرية، ولهما أعمال روائية، وإن كُثر إنتاج رضوى الروائي مثل "الطنطورية" و"أطياف" و"سراج" و"فرج" و"ثلاثية غرناطة" و"خديجة وسوسن"، واتسع مجالها في الأدب المقارن لتحصل على الدكتوراه في الأدب الأفرو أميركي من جامعة ماساتشوسياسين عام 1975.

    

هؤلاء الأدباء جميعهم آمنوا بمقولة إنجلز: "لقد عرفت عن الثورة الفرنسية من "قصة مدينتين" لتشارلز ديكنز أكثر مما عرفته من عشرات المؤرخين الذين كتبوا عن هذه الثورة". فقد يحدث أن نرى الواقع الاجتماعي ونفهمه من خلال نصوص روائية، ليصبح الأديب أكثر من كونه مجرد مبدع، ولكن يصبح مؤرخا وناقدا اجتماعيا. لذلك قد يتوقّف بعض الأدباء عن الكتابة لفترة عندما يتغير المجتمع بحدث قوي، لكي يستوعب التحولات الجيدة الناتجة عن هذا الحدث، ويكتب عنها، كما فعل نجيب محفوظ حينما توقف فترة عن الكتابة بعد حركة الضباط 1952، ليُعبِّر عن ملامح المجتمع الجديد في رواياته مثل "ميرامار" و"السمان والخريف" و"ثرثرة فوق النيل". (19)

المصادر

تقارير متصدرة


آخر الأخبار