انضم إلينا
اغلاق
نظرية المعرفة بين الفلسفة والإسلام

نظرية المعرفة بين الفلسفة والإسلام

منة التلاوي

محررة في قسم رواق
  • ض
  • ض
جوهر الوجود الإنساني هو المعرفة، فالمعرفة هي غاية كل الرحلات الفكرية المرهقة والتقلبات الذهنية الحادة والتحولات القلبية التي تعصف بنا وتكاد أن تردينا، معرفتك بالله هي ما تجعلك مؤمنًا ومعرفتك بالله على نحو معين هي ما تجعلك تملك اعتقادًا دينيًّا محددًا دون سواه، معرفتك بنفسك تجعلك أكثر راحة واطمئنانًا، وتجعلك إنسانًا أكثر اتساقًا مع ذاتك، معرفتك بالعالم من حولك هي ما قد تصنع منك شخصًا سطحيًّا في حين، أو مثقفًا واسع الاطلاع في حين آخر، إنها المعرفة التي تجعلك على قمة جبل شاهق أو على شفا جرف هاوٍ.

 

هي المعرفة التي سعيت مرارًا لاكتسابها، وهي التي حين اكتسبتها شكّلت منك آخر، أما نظرية المعرفة أو الإبستمولوجيا بمسماها العصري فهي فرع الفلسفة الذي يهتم بتفكيك معطيات مسألة المعرفة، هي الفرع المعنيّ بالإجابة عن عدة أسئلة، هي: ما المعرفة؟ ما مصادرها؟ ما مجالاته؟ ما أشكالها؟ ما عواملها؟ ما درجاتها؟ ما موانعها؟

وتتباين الإجابة عن هذه الأسئلة وفق المذاهب والمناهج التي تحاول الإجابة(1).

 

الشك الذي ينتهي بصاحبه إلى اليقين ويقصد به تطهير العقل من المغالطات والشك في وسائل ومنهجية العلم حتى الوصول إلى العقل المجرد هو الشك المنهجي، وهو ليس بجديد ولكنّه ممتد وقد مارسه أرسطو

مواقع التواصل
 
إمكان المعرفة.. "هل بوسع الإنسان أن يعرف شيئًا؟"

انقسم الفلاسفة في محاولتهم الإجابة عن هذا السؤال إلى مذهبين، ذهب الاعتقاديون أو أتباع مذهب التيقّن إلى الاعتقاد أن بوسع الإنسان أن يعرف، أي أنه يمتلك ملكة معرفية تختلف وتتدرج من شخص لآخر، أما اتباع مذهب الشك فقد أنكروا على الإنسان إمكان المعرفة، ولكلا المذهبين أنماط ودرجات مختلفة في هذه المسألة، فينقسم الشك إلى شك مطلق وشك منهجي(2).

 

يصوّر غورغياس حالة الشك التي بلغها بقوله "لا يوجد شيء، وإن وجد شيء فالإنسان قاصر عن إدراكه، وإن فرضنا أن الإنسان أدركه فلن يستطيع أن يبلّغه لغيره"(3)، وحالة الشك الموصوفة هي التي تُضفي الشك على كل الموجودات وحتى على حواس الشخص ذاته، فيُطبِق الشك على المرء حتى ليشك في حقيقة وجوده، وهذا هو الشك الحقيقي أو المطلق.

 

ثم جاء السوفسطائيون فلم يعترفوا سوى بالمعرفة التي يمكن إدراكها بالحس وحده، وأبطلوا القول بوجود حقيقة مطلقة، ثم جاءت الأكاديمية الجديدة تنكر وجود مقياس ثابت للحقائق وتعترف بمذهب الاحتمال والترجيح ثم يؤثر الترجيح دون أن يتجاوزه إلى اليقين.

 

أما الشك الذي ينتهي بصاحبه إلى اليقين ويقصد به تطهير العقل من المغالطات والانطباعات السابقة والشك في وسائل ومنهجية العلم حتى الوصول إلى العقل المجرد فهو الشك المنهجي، وهو ليس بجديد ولكنّه ممتد وقد مارسه أرسطو ووصفه بأنه "علاقة ضرورية بين الشك و المعرفة، لأن المعرفة التي تعقب الشك تكون أدنى إلى الصواب".

 

جعل المعتزلة العقل أصلًا من أصول الإسلام إلى جانب الإيمان، فخلاصة الشك المنهجي عند المعتزلة هو رفضهم الإيمان بالله على سبيل تقليد الناس ومحاكاتهم

مواقع التواصل

 

إمكان المعرفة في الإسلام

أما عن موقف الإسلام من إمكان المعرفة فقد عارض ما ذهب إليه الشك المطلق، وأثبت أن للموجودات وجود قائم بالفعل، والموجودات في الإسلام نوعان: موجودات عالم الشهادة وهي الموجودات في عالم الطبيعة، وموجودات عالم الغيب وهي ما وراء الطبيعة، وهذه المسألة من الوضوح حتى إن فلاسفة المسلمين لم ينزلقوا إلى ذلك الدرب من الشك أبدًا(4).

 

أما عن الشك المنهجي فهو حاضر وبقوة في التراث الإسلامي حتى ثار أمر معرفة الله وهل يتوجب أن ينطلق من شك أم لا، فلو نظرنا لموقف المعتزلة وقول أبي الهذيل العلاف إن على كل فرد الشك في معتقداته حتى يصل بعقله إلى العلم الذي تسكن إليه النفس ولم يكن يقين قط إلا وسبقه شك، ويستشهد بظاهرة وجود الملحدين في كل عصر على أن معرفة الله ليست فطرية وإنما نصل إليها بالنظر والبرهان(5).

 

وجعل المعتزلة العقل أصلًا من أصول الإسلام إلى جانب الإيمان، فخلاصة الشك المنهجي عند المعتزلة هو رفضهم الإيمان بالله على سبيل تقليد الناس ومحاكاتهم، وهو الوجه الذي قبّحه القرآن حين يبرر الكافر كفره بأن هذا ما وجد عليه أباءه.

 

ولعل أهم سؤال يمكن أن يُوجّه إلى المعتزلة هل تعتبر الأصول المعتزلية مُسلّمات؟!

ونجد الشك المنهجي عند الغزالي في أنه رأى أن العلوم التي قصدها -وهي الفلسفة وعلم الكلام والباطنية- لم تسلمه إلى ما أراد؛ فاتجه بروحه نحو الصوفية ينشد فيها ضالّته، أي أن شك الغزالي كان شكًّا في كلام المتكلمين وشكًّا في شهادة الحواس، ثم ذهب أبعد من ذلك فشك في العقليات والأوليات(6).

 

ويتسنى لنا أن نعقد مقارنة بين شك الغزالي والمعتزلة وشك ديكارت، فبدأ ديكارت شكه في كل العقائد حتى العامة والدينية، وخلص من شكه أن الشك والتفكير هما دليل وجوده، فتوصل إلى أن هناك يقينًا واحدًا لا يمكنه أن يشك فيه؛ وهو شكه، وشكه هذا هو عين وجوده، فلما تيقن من وجوده واصل البحث عن أساس يقيني لوجود الله ووجود العالم الخارجي(7).

 

أبو حامد الغزالي أحد أشهر أعلام علماء المسلمين (450-505هـ/1058-1111م) (مواقع التواصل)

 

ونقول بإن مَكمَن اتفاق الغزالي والمعتزلة هو اليقين بضرورة الشك، واعتقادهم أن اليقين المتطلب هو يقين متعلق بالعقيدة، لكنهم اختلفوا في الوسيلة إلى ذلك اليقين، فوصل الغزالي إليه بالتصوف، ووصل المعتزلة بالعقل، أما ديكارت فنستطيع القول إنه خلص لاعتقاد معتزلي وهو أن وسيلة اليقين هي العقل، واختلف ديكارت عن الغزالي والمعتزلة في أن شكه شمل حتى وجود الله بينما سلّم كل من الغزالي والمعتزلة بوجود الله دون شك في ذلك.

 

مجالات نظرية المعرفة

لعل أول سؤال تهتم نظرية المعرفة بالإجابة عنه هو: ما طبيعة المعرفة؟

 

اختلف الفلاسفة في التصور العام للأشياء هل هو سابق الإحساس والإدراك أو تابع لهما؟ أم أن الحس والإدراك يسيران في خطين متوازيين؟ بقول آخر هل نكوّن تصورنا ونسبغ الموجودات بذلك التصور كما قال أفلاطون بأسبقية التصورات العامة للأشياء وإدراكها على الإحساس المادي؟ أم أننا نملك حسًّا وفطرة في الوقت ذاته كما رأى كلا من ديكارت وكانت؟ أم أن حسنا المجرد هو وحده مصدر كل التصورات والأفكار والمعاني وإدراكنا ليس سوى قوة عاكسة لهذه التصورات كما يرى جون لوك؟

 

أما الفلسفة الإسلامية فذهبت إلى ما يمكن تسميته بمذهب الانتزاع فقسمت التصورات إلى قسمين رئيسين، هما: التصورات الأولية والتصورات الثانوية، فالتصورات الأولية هي الأساس التصوري للذهن البشري، فتتولد هذه التصورات من الإحساس بمحتوياتها بصورة مباشرة.

 

فنحن ندرك سخونة الماء عند لمسه، ونعرف لونًا معينًا بوقوع بصرنا عليه(8)، ثم ينشئ الذهن تصورات ثانوية بناء على التصورات الأولية فيبدأ بالابتكار والإنشاء، وعلى هذا يرى المفكر محمد باقر الصدر "أن هذه النظرية غاية في الاتساق مع البرهان والتجربة وبإمكانها تفسير المفردات التصورية تفسيرًا متماسكًا، وعلى ضوئها يمكن فهم كيفية انبثاق العلة والمعلول والجوهر والعرض في الذهن البشري".

 

أما المعرفة عند ابن سينا فلا تكون بالإحساس وحده لأن الإحساس لا يدرك المعاني المجردة ولا يدرك الكليات(9)، فيتبع مرحلة الحس بمرحلة العقل، وفيها يتم تصور المعاني الكلية المجردة عن المادة تجريدًا مطلقًا، ومن ثم يكون الإدراك إدراك الماهية والأعراض وإدراك الخصائص الذاتية وإدراكًا للخصائص العارضة، ولا يمكن لقوى الحس أن تميّز بين ما هو ذاتي وما هو عرضي(10).

 

 ابن سينا الملقب بالشيخ الرئيس (980-1037م) (مواقع التواصل)

 

أما ابن رشد فقد جعل المرحلة العقلية أيضًا هي المرحلة الأخيرة التي يقوم فيها العقل بإنشاء المفاهيم والتصورات انطلاقًا من الصور الحسية أو العالم الخارجي دون أن يكون لها دخل بالابتكار أو الإنشاء.

 

تطبيقات حياتية لنظرية المعرفة

نظريات التعلم: ونتناول هنا تحديدًا النظرية المعرفية للتعلم، مثل: نظريات برونر وبياجيه وأوزوبل وسكانر وغيرهم من أصحاب هذه الاتجاه. يرى جيروم برونر أن كل إنسان له تصور خاص لرؤية العالم من حوله، فإذا فهم معلمه تصوره استطاع تدريسه ما أراد، والمتعلم عند برونر يملك دورًا نشطًا لتطوير المعلومات(11)، فهو يهتم بالتعلم بالاكتشاف، ويعرّفه بأنه إعادة تنظيم لمعلومات لا روابط بينها ليصل المتعلم لاستنتاجات ما ورائية للمعلومات التي تلقاها، فعملية التدريس عنده تهتم بمهارات الاستقصاء.

 

فالتعلم عنده إذًا فهم بنية المعرفة، فهذا الفهم يتيح له التقدم معتمدًا على نفسه، وطريقة الاكتشاف عنده فيها عدة طرق فرعية، هي: الطريقة الاستقرائية، طريقة حل المشكلات، الاكتشاف الموجه، الاكتشاف الحر، الاكتشاف المفتول، الاكتشاف الإرشادي.

 

أما نظرية ديفيد أوزوبل فقد حاول من خلالها تفسير كيف يتعلم الأفراد المادة اللفظية المنطوقة والمقروءة، فيرى أن البنية المعرفية لأي مادة تتكون في عقل المتعلم من الأكثر شمولية إلى الأقل شمولية، ويرى أن هناك تشابهًا بين بنية معالجة المعلومات في كل مادة وبين البنية المعرفية التي تتكون في عقل المتعلم من هذه المادة.

 

حيث يرى أن المتعلم يستقبل المعلومات اللفظية ويربطها بالمعرفة والخبرات السابق اكتسابها وبذلك تأخذ المعرفة الجديدة بالإضافة إلى المعلومات السابقة معنًى خاصًا لديه. أما التدريس لديه فيستخدم منظم الخبرة المتقدم، وهو مقدمة شاملة تمهيدية تُقدَّم للمتعلم قبل تعلم المعرفة الجديدة وتكون على مستوى من العمومية والتجريد والشمول وبألفاظ مألوفة لدى المتعلم وذلك يربط بين ما يعرفه وما يتوجب عليه تعلمه(12).

 

الفيلسوف الإنجليزي جون لوك (1632-1704م) (مواقع التواصل)

 

علم النفس والمعرفة "المدرسة الارتباطية"

أسسها الفيلسوف جون لوك وهربرت سبنسر ومل وبراون، ويجمع هؤلاء على اعتبار التجربة الحسية هي المصدر الوحيد للمعرفة، وحاول لوك تحليل الحالة الشعورية إلى مكوناتها من إحساسات وإدراكات وتخيلات وأفكار، وأشار إلى القوانين التي بمقتضاها تتركب منها تلك العناصر. وتقوم التجارب الأولى لنظريات التعلم المعرفي على استخدام صيغ للتعلم أكثر تعقيدًا تعتمد على دور العمليات العقلية المعرفية في التعلم.

 

ويقوم هذا الاتجاه على الاهتمام بالعمليات المعرفية الداخلية، مثل: الانتباه والفهم والذاكرة والاستقبال ومعالجة وتجهيز المعلومات، كما أنه يهتم أيضًا بالعمليات العقلية المعرفية والبنية المعرفية وخصائصها من حيث التمايز والتنظيم والترابط والتكامل والكم والكيف والثبات النسبي، كما أنه يهتم بالإستراتيجيات المعرفية باعتبارها ترتبط إلى حد كبير بالبنية المعرفية من ناحية أخرى(13).

 

خاتمة

تُعدّ نظرية المعرفة من أكثر الموضوعات ثراءً، ولا يمكن أن يسعها تقرير واحد على أية حال، فنتبع ذلك التقرير بتقارير أخرى تبحث في مصادر المعرفة ومجالاتها وأدواتها عند الفلاسفة والمفكرين المسلمين، ولعل من أهم إنجازات المفكرين المسلمين أن الإسلام لم يكن مقلدًا أبدًا وإن اعتمد الفلاسفة المسلمين على أسس إغريقية ورومانية أو أي أسس أخرى فإن الإسلام أعطى الفلاسفة إمكانية النظر من زاوية بعينها لم يتطرق إليها أحد، الإسلام وموانعه بضوابطه ومقوماته أعطى العالم رؤية جديدة، وحين نشأت المذاهب -الفلسفية أو علم الكلام أو الصوفية- نشأ كل مذهب لمرحلة معينة وكل مذهب أثرى الفكر الإنساني من ناحيته الخاصة.

مئوية سايكس بيكو

تقارير متصدرة


آخر الأخبار