انضم إلينا
اغلاق
يفسدهم التنميط.. هكذا يولد طفلك كفيلسوف

يفسدهم التنميط.. هكذا يولد طفلك كفيلسوف

Philosophy Now

مجلة فلسفة
  • ض
  • ض

دائما ما تتركني قراءة محاورات أفلاطون أفكر أنه في النهاية لا يمكن أبدا للمرء أن يعرف أو يصف تماما طبيعة المفاهيم التي يناقشها نجمهم سقراط وأصدقاؤه؛ فمثلا ماذا يعني أن يكون المرء شجاعا (Laches)، أو ما طبيعة الصداقة (Lysis). رغم ذلك لا يزال إدراك بعض معانيها وكيفية تطبيقها ممكنا؛ إدراكٌ يمكن تحسينه عن طريق النقاش والنقد. وهكذا، فإن قراءتي للحوارات تُظهر لي عادة حدود معرفتنا العقلانية بالعالم بينما تتركني بفهم أعمق لشيء ما، سواء كان شجاعة أو صداقة أو حبا. فمثلا، لن يساعدنا هذا الفهم الأعمق على إدراك فعل الشجاعة فحسب، بل يؤكد فهمنا ماهيتها في المقام الأول.

    

تحاول عدة فروع للفلسفة الشرقية أن تعطينا إحساسا أعمق بالواقع بإظهار حدود الفكر العقلاني. ففي النهاية لا يناقض كلٌّ من الين واليانغ[1] بعضهما بعضا، بل يكملان بعضهما بعضا. الهدف من فكر الزِن هو توجيه الطلاب إلى التنوير عن عدم السماح للفكر العقلاني بالوجود. وحين يصل الفكر العقلاني إلى طريق مسدود، يمكن أن يظهر التنوير. ينقل سقراط محاوريه إلى مكان اللا معرفة الشبيه بمكان زعماء فكر زن البوذيين، وهو مكان التنوير أو الحكمة. تتركنا العديد من حوارات أفلاطون مع إحساس بالارتياب (α π ορια) والشك. فما اعتقدنا أننا نعرفه، علينا أن نعترف أننا لا نعرفه. من ناحية أخرى فهي لربما ساعدتنا في تطوير شعور أعمق بمعنى الحب أو الشجاعة. هذا يدل على أنه عندما تخذلنا المعرفة العقلانية البحتة، فربما يظل بإمكاننا تطوير شعور عميق بالفهم.

     

أفلاطون (مواقع التواصل)

  

"الفلسفة" -فيلو صوفيا- تعني "حب الحكمة"، وليس "حب المعرفة". وقد أرشدتني قراءة محاورات أفلاطون إلى ما يهمني في الحياة. توضح المحاورات بوضوح أن الكثير مما نعتقد أننا نعرفه لا يمكننا وصفه بكلمات أو أن نوفيه شرحه المنطقي. لكن عملية التوصل إلى هذه النتيجة نفسها تمدنا بالحكمة؛ ربما لهذا السبب أخبر كهنة مدينة دلفي سقراط بأنه كان الأثيني الأكثر حكمة: لقد عرف أن ما يعرفه لا يستطيع نقله للآخرين من خلال الغنوصية (أو المعرفية) ولكن من خلال الحكمة.

  

تصل الحكمة بفهمنا لمستويات أعمق في العالم؛ يبدو أحيانا كما لو أننا حاولنا استبدال المعرفة بالتفكير. لكن كلما عرفت أكثر قل تفكيري. فأن أملك إجابات لذلك ليس من الضروري أن أعيش في عالم يسوده الغموض والشك والشعور بالحيرة أو "الارتياب"، مع أن عدم اليقين هذا هو بالضبط المكان الذي يبدأ فيه التفكير الحقيقي حيث يجب أن نسأل أنفسنا فجأة "ثم ماذا؟". إنه المكان الذي يتطور فيه الفهم من خلال شعور أعمق بالارتباط.

   

الأمر كما لو أن قدرتنا على شرح العالم تشبه قمة جبل جليدي، في حين أن ما نفهمه دون امتلاك كلمات لكي تعبر عنه يقبع أسفل السطح. من المؤكد أن ما يوجد أسفل السطح حقيقي مثل ما هو موجود فوقه، لكن لا يمكننا شرحه بالطريقة نفسها، لذلك فإننا بحاجة إلى استعارات وتشابهات وشعر وموسيقى؛ أو في بعض الأحيان أفكار علمية، مثل الزمكان، أو الجاذبية، أو بوزون هيغز[2]. لكننا نعرف الجاذبية عندما نلقي بحذاء على الأرض؛ ونعرف الحب عندما نقرأ نشيد الأنشاد[3]، ونعرف الشجاعة عندما نقرأ في الإلياذة عن شجاعة هيكتور[4].

  

الفلسفة باعتبارها بوصلة أخلاقية

   

كما قد نقرأ حكايات خرافية للأطفال الصغار على أمل أن نمنحهم بعض الفهم الأخلاقي للعالم، اعتقدت أن محاورات أفلاطون يمكن أن تحقق ذلك أيضا، إن أُعيدت كتابتها للأطفال. من المؤكد أن محاورات أفلاطون تعطينا الكثير لنفكر فيه، كما تفعل الأساطير والخرافات والحكايات الخيالية. لكن ما لا تقدمه لنا هو سرد عقلاني ومعرفي للشجاعة أو الصداقة أو الحب لأنه لا وجود له. لقد عملت المحاورات بمنزلة بوصلة، مسترشدة بإحساس الفهم الذي تحث عليه، والذي يمكنني من خلاله أن أتعلم إدراك قيمة شيء ما والخطر المحتمل لشيء آخر، والتنقل في العالم. للإبحار على متن سفينة نحتاج إلى مجموعة من المهارات التقنية بالطبع؛ ولكننا دون المهارات الملاحية اللازمة لتوجيه سفينتنا، سنضيع في البحر.

 

تحتاج البوصلة التي نستخدمها للتنقل في الحياة إلى التعليم في سن مبكرة. بينما تساعد الفنون، بما في ذلك محاورات أفلاطون، في تثقيف إحساسنا الملاحي. إنها لا تخبرنا بما هو جيد أو سيئ، فالأمور ليست بهذه البساطة. إذ علينا تطوير قدرة للحُكم على ما قد يكون صحيحا أم لا في أي موقف معين، أو ما قد يكوّن لدينا شعورا عاما. لكننا بحاجة إلى معرفة كيفية تطبيق هذا المعنى العام على مواقف محددة بعينها. في كل موقف جديد يتعين علينا معرفة ما الشيء الصحيح الذي ينبغي عمله. لكن الصحيح لدينا سيكون مختلفا لأشخاص مختلفين أيضا. في كثير من الأحيان نبحث عن حل واحد يناسب الجميع، بما في ذلك شعورنا بالصواب والخطأ. وهنا ينتهي بنا المطاف في كثير من الأحيان إلى اللجوء إلى "حل" عنيف.

 

بصفتي طالبة في الفلسفة، حضرت ندوة عن أفلاطون، وقلت للأستاذ الذي يديرها إنني أود إعادة كتابة بعض حوارات أفلاطون بطريقة تمكن الأطفال من فهمها. فاقترح عليّ أن أكتب ورقتي البحثية عن موضوع فلسفي يمكن للأطفال فهمه. وهكذا كتبت ستيلا (12 عاما في ذلك الوقت)، ابنة أخي قصة معي في شكل حوار، "كيف يكون ما لا أعتقد أنه حقيقي في العادة حقيقيا فعلا؟".

    

   

ركزت هذه الورقة على مدى تداخل الخوف في كثير من الأحيان مع تفكيرنا وكيف يجعلنا نفعل أشياء قد لا نفعلها في العادة، وغالبا ما يكتنفنا الندم. تفحصنا فهمنا لكيفية تأثير الخوف على تفكيرنا؛ الذي يكون في كثير من الأحيان تأثيرا سلبيا. إننا نتحيز أو نريد الانتقام، أو لا يعود بإمكاننا رؤية أي سبب للثقة أو تصديق ما يفكر به الشخص الآخر أو ما يقوله. نحن نرفض حججه ونستخفُّ به، ولا نرى أي فائدة ترجى منه. الخوف هو مثال جيد آخر على ما لا يمكن تفسيره بعقلانية، ولكن طريقة عمل الخوف الحياة الحقيقية تحتاج إلى أن تُفهم بشكل حدسي. على سبيل المثال، كيف أعرف عندما يكون تفكيري بدافع الخوف وليس الإنصاف؟

 

الأطفال فلاسفة بطبيعتهم

كانت تلك بداية اهتمامي بالفلسفة للأطفال؛ في السنوات اللاحقة، غالبا ما أدهشني مدى ذكائهم وتبصرهم. أعتقد أن الأطفال يأتون إلى العالم ببوصلة أخلاقية فطرية داخلهم؛ حيث يرى الأطفال الصلات بين الأشياء بشكل حدسي، وهذا ما أريد أن أبني عليه في مناقشاتي الفلسفية معهم.

   

  

فنظرا لأن الأطفال الصغار لم يطوروا بعد المهارات المعرفية المعيارية للتعبير عن أنفسهم، فإنهم يستخدمون خيالهم، ويعتمدون عليه لتوصيل فهمهم للعالم. الخيال هو لغة المعرفة البديهية، المنبثقة عن علاقتنا الفطرية بالعالم. والخيال أيضا هو لغة القصص الخيالية والأساطير والخرافات. إنه يتجاوز بما هو أبعد من أدلة حواسنا، وبالتالي فهو فلسفي النطاق. والحدس والخيال هما السبب في أن الأطفال فلاسفة طبيعيون بامتياز.

 

بوصفي فيلسوفة، أود استكشاف طبيعة الأشياء، مثل طبيعة الصداقة وطبيعة الإنصاف وطبيعة الخوف... وهل من طريقة لاستكشاف طبيعة شيء ما أفضل من رؤية مدى ارتباطه بأشياء أخرى؟ كيف يؤثر الخوف على التفكير أو كيف يجبرنا في بعض الأحيان على أن نستبسل؟ إليكم بعض الأمثلة التي سجلتها عن حدس الأطفال فيما يتعلق بهذه الأسئلة:

   

-"أعتقد أنك تصبح خائفا عندما تكون غاضبا".

-"إذا كنت تسيء إلى الناس، فلست بهذا الذكاء".

-"أنت تكون شجاعا عندما تثق في نفسك".

-"يجب أن تكون خائفا بعض الشيء حتى تكون شجاعا، حتى تعرف الخطر الذي تتعرض له".

-"لم أكن أريد أن يعاقب أخي الصغير على كسره لعبته المفضلة عن طريق الخطأ، لذا تحملت اللوم بدلا منه".

   

تكشف هذه التعليقات من أطفال المدارس الابتدائية عن فهم حدسي للعلاقة بين الخوف والغضب، أو الشجاعة والثقة، أو الذكاء واللطف. أعتقد أن الأمر يتطلب فطنة فلسفية لإدراك مثل هذه الروابط. بالنسبة لي، فإن ممارسة الفلسفة مع الأطفال تتعلق باستكشاف مثل هذه الروابط، وسؤال الأطفال كيف يرون العلاقة بين الخوف والغضب أو الذكاء واللطف. أدعوهم إلى إبداء أسباب وتفسيرات حول كيف يمكن أن تتوافق هذه الأفكار معا، وإذا كانت في الواقع تتوافق من الأساس.

     

  

أجد الكثير من الإثارة والفرح بين الأطفال عند مناقشة هذه الأفكار، حيث يتحمسون للتعرف على هذه المفاهيم المحيرة، ويبنون على أفكار بعضهم بعضا، ويوافقون أو يختلفون مع ما قاله الآخرون. وعندما يكون بوسعهم أن يغيروا رأيهم بسرعة، يبدو الأمر كما لو أنهم يرسمون بالأفكار وتدفقها. إنهم يتعلمون كيف يعبرون عن أنفسهم، وكيف يكونون واضحين في التعبير عن أفكارهم ومشاعرهم، ويشرحون سبب اتفاقهم أو اختلافهم مع شخص ما. وفي حين أن الخوف قد يكون شيئا جيدا في بعض الحالات، فإنه قد لا يكون كذلك في حالات أخرى. قد يكون الكذب ضروريا في بعض الحالات، وفي حالات أخرى قد يكون ضارا. إذن كيف يمكنك أن تقرر؟ هذا هو دور مهاراتنا الملاحية. ما قد ينجح في بعض الحالات قد يكون أسوأ الأشياء في حالات أخرى. إذن كيف يمكنك أن تعرف؟ هنا يجب أن تتعلم كيفية الاستجابة للمواقف المعقدة، ولا تقصر كل المواقف على حل واحد يناسب الجميع. إنه أمر معقد وسيظل كذلك.

   

يذهلني أيضا كيف يتذكر الأطفال ما تحدثنا عنه فيما يتعلق بالقصص التي قرأناها، وكيف وجدوا روابط رائعة هنا أيضا. على سبيل المثال، قرأنا قصة "شجرة العطاء" لشيل سيلفرشتاين وقصة "تيكو والجناح الذهبي" من كتابة ليو ليون. أحد المواضيع الرئيسية في كلتا القصتين هي طبيعة العطاء. بسرعة كبيرة، شعر الأطفال أنه بينما أعطى تيكو ريشة ذهبية واحدة لأولئك الذين يحتاجون إلى المساعدة لأنهم فقراء، أعطت شجرة العطاء أوراقها كاملة، حتى لم يتبق سوى جذعها. ولاحظ الأطفال أن الصبي الذي منحته الشجرة أوراقها لم يكن سعيدا أبدا.

   

لقد أراد أكثر وأكثر وواصلت هي العطاء. في حين الناس الذين أعطاهم تيكو الريشة شعروا بالامتنان. في نهاية المطاف، أعطى تيكو جميع ريشه، ولكن مع كل ريشة أعطاها، ظهرت ريشة جديدة سوداء في مكانها، لذلك كان تيكو قادرا على الطيران. على الرغم من أن الأطفال لا يأتون بشرح كامل لطبيعة العطاء، فإنهم يفهمون بشكل أفضل ما يعنيه العطاء. إنهم يبنون البوصلة الخاصة بهم للتنقل في العالم، ولا تحتوي البوصلة على الشمال والجنوب والشرق والغرب فحسب، بل أيضا على جميع الدرجات البينية كذلك، ويمكن لكل درجة أن تحدث فارقا في كيفية توجيه سفينتك.

     

قصة "تيكو والجناح الذهبي" لـ "ليو ليون" (مواقع التواصل)

     

الحدس مقابل الإدراك

إذن، أين تنشأ معرفة الأطفال البديهية؟ كتب الفيلسوف الوجودي مارتين بوبر في كتابه الكلاسيكي الأول "أنا وأنت" لعام 1923: "ليس الأمر بسهولة أن ينظر الطفل أولا إلى شيء ما، ثم يضع نفسه في علاقة معه. لكن الجهد المبذول لإقامة العلاقة يأتي أولا.. في البداية فإن العلاقة، بما هي شريحة من الوجود، والاستعداد، والاستيعاب، وتشكيل للروح؛ إنها ما يسبق العلاقة، الأنت الفطرية. وتُدرَك في العلاقات الحية مع ما تقابلها". ثم ينبثق الفكر الحدسي من الانخراط الكامل للفرد، "علاقات المرء" مع العالم. بمعنى آخر، لقد ولدنا على استعداد للبدء في تطوير بوصلة لدينا.

  

وليس الأطفال هم الوحيدين الذين لديهم ارتباط كامل بالعالم. حيث يعتمد العديد من الفنانين مثلا على المعرفة التي تنشأ من المشاركة والانفتاح التام، والتي يعبّرون عنها من خلال فنهم، ومن خلال فنهم ينقلون فهمهم الأعمق للعالم. لكن بالنسبة للعديد من الناس، تستبدَل هياكل التفكير التي يتم تدريسها بمعرفتهم الحدسية تدريجيا. على الرغم من أنه يمكننا دائما الاحتفاظ ببعض الفهم الحدسي، فإنه يتم استبدال المهارات المعرفية التي نطورها في المدرسة به في كثير من الأحيان. وغالبا ما يتم تطوير مهاراتنا المعرفية في فراغ منفصل عن كياننا، ويؤدي هذا الانفصال إلى الاعتماد على السلطة أو على الوضع أو الاتجاهات والبدع.

  

إذا لم نتمكن من تنظيم تفكيرنا ذاتيا باستخدام بوصلة أخلاقية خاصة بنا، فإننا نعتمد على الآخرين. وهذا يسلبنا القدرة على الدخول في علاقات مترابطة. كما كتب الفيلسوف تشاد ميلر في مقالته بعنوان "تأثير الفلسفة على الأطفال في فصل اللغة الإنجليزية بالمدرسة الثانوية": "إن عدم الارتباط المستمر وتجاهل المدرسة لتجارب الطلاب وأسئلتهم وأفكارهم، يتركهم في كثير من الأحيان غير قادرين على التفكير بمسؤولية لأنفسهم؛ أخبرتهم المدرسة بما يفكرون به ولماذا يفكرون به". والفلسفة بالنسبة للأطفال على العكس من ذلك، تكرّم العلاقة الفطرية بين الأطفال والعالم وتساعدهم على تنمية بوصلتهم، وسلطتهم الداخلية، وأن يكونوا منتقدين للذات وأن يتحكموا في أنفسهم وأن يكونوا بالفعل مسؤولين عن تفكيرهم.

     

نحن بحاجة إلى رعاية وتغذية "أنت الفطرية" من خلال تقوية علاقات الأطفال بالعالم والأشخاص الآخرين

مواقع التواصل
   

إذا سلبنا الأطفال من معرفتهم وخيالهم الحدسي ببساطة من أجل تطوير مهاراتهم المعرفية بأسرع ما يمكن، فإننا نحرمهم أساسا من هذه العلاقة الفطرية مع العالم. نحاول إعادة تأسيس علاقتهم بالعالم وبأنفسهم من خلال تطوير مهاراتهم المعرفية على حساب تلك العلاقة بالذات! فهم بذلك ينفصلون عن العالم وعن الآخرين وعن أنفسهم. والخسارة لها عواقب وخيمة. يمكن أن يسمح لنا المنطق المنعزل بالقيام بأكثر الأشياء فظاعة للبيئة، وأشكال الحياة الأخرى، والأشخاص الآخرين، وتقديم مبررات لذلك. قد تصبح النزاهة والشخصية أيضا مفاهيم فارغة، لأننا، كما يقول بوبر، استبدلنا "هو" بـ "أنت الفطري". والعلاقة أنا وهو لها دور أساسي في الطبيعة وتخدم احتياجات الفرد على حساب علاقتها بالعالم، وجميع العلاجات في العالم لا يمكن أن تعوض عن فقدان العلاقة الفطرية التي كانت لدينا في بداية الحياة.

   

يقول بوبر إن هناك "تأرجحا مستمرا" بين علاقات أنا وهو وأنا وأنت. ومع ذلك، إذا انفصلنا عن علاقة أنا وأنت الخاصة بنا، فإن علاقة "أنا وهو" هي فقط التي ستحدد علاقاتنا بالعالم والأشخاص الآخرين: نبدأ في رؤيتهم كأشياء بدلا من أشخاص كاملين. لذلك نحن بحاجة إلى رعاية وتغذية "أنت الفطرية" من خلال تقوية علاقات الأطفال بالعالم والأشخاص الآخرين. يمكننا أن نعيدها من خلال السماح للأطفال بتطوير معارفهم البديهية، من خلال إعطاء سيطرة كاملة لخيالهم في الفنون والعلوم، ومن خلال الفلسفة معهم. ما الخبرة التي يمتلكها الفلاسفة وما الذي يمكن أن يضيفوه لمناقشة فلسفية مع الأطفال؟ الفلاسفة هم خبراء في عدم المعرفة! في ممارسة فن الفلسفة و فن عدم المعرفة، نشارك بعضنا في التفكير معا في استكشاف المفاهيم التي نفهمها بشكل غامض.

   

إن التفكير معا لا يربطنا فحسب، بل يسمح لنا أيضا باستكشاف منطقة غير معروفة، وربما غير قابلة للمعرفة بفرح وفضول وثقة. من خلال سؤال الأطفال عما يعرفونه بالفعل من خلال معرفتهم الحدسية ووضع التفكير في موضع شك، يمكننا مساعدتهم على أن يصبحوا أكثر وعيا بأنفسهم ككائنات مفكرة. وبصفتهم كائنات مفكرة ذات بوصلة أخلاقية دقيقة، يمكن للأطفال تعلم المهارات التي يدرسونها في المدرسة، ولكن ليس على حساب تفكيرهم الخاص. مع بقاء تفكيرهم سليما لا يُمس، يمكنهم تطبيق ما يتعلمونه في المدرسة بمهارة على العالم الذي يعيشون فيه.

 ______________________

هوامش:

[1] مفهوم الين واليانغ يعود للفلسفة الصينية تحديدا، ويشير إلى أن كل الكائنات في الكون فيها قوتان (طاقتان) متعاكستان، ويتوازن باعتماد كل قوة منهما على الأخرى، وتكمل كل منهما الأخرى.

[2] جسيم أولي يُظن أنه المسؤول عن اكتساب المادة لكتلتها تم رصد إشارات له عمليا في عام 2011.

[3] عبارة عن مجموعة من الشعر الغنائي تحتفل بالحب والإنسان.

[4] أمير طروادة وقائد جيشها وأهم أبطالها تصدى لهجمات الإغريق طوال عشر سنوات من حصار طروادة، اشتهر بفروسيته وحنكته وشجاعته ومهارته بترويض الخيول.

----------------------------------------------------------------------

ترجمة: سارة المصري.

هذا المقال مأخوذ عن Philosophy Now ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار