انضم إلينا
اغلاق
في الطريق للحرب.. كيف تصنع عدوا وهميا لتبرير جرائمك؟

في الطريق للحرب.. كيف تصنع عدوا وهميا لتبرير جرائمك؟

شريف مراد

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض

أصدر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ترجمة عربية لكتاب (صُنع العدو أو كيف تقتل بضمير مرتاح) لمؤلفه الفرنسي بيار كونيسا وترجمة نبيل عجان، وهو كتاب في الفكر الاستراتيجي، معني بتحليل خلفيات ونفسيات ومآلات الحرب ممثلة في العدو الذي يشنها أو تشن ضده.

 

وبيار كونيسا باحث وأكاديمي ودبلوماسي فرنسي، وشغل منصب مساعد مدير لجنة الشؤون الاستراتيجية في وزارة الدفاع الفرنسية. وهو حاليًّا أستاذ في معهد العلوم السياسية. ومن مؤلفاته دليل الجنة، صدر عام 2004. وآليات الفوضى، صدر عام 2007.

 

يصل المؤلف إلى مبرر منطقي للعنف؛ إذ إنه يعيد بناء وحدة الجماعة أو الهوية القومية. وتصبح الجماعة المعادية هي الكيان المضحى به، طالما أنه يمكن لصناعة العدو أن توطد الأواصر ضمن الجماعة الأكبر أو الأقوى

يقع الكتاب في 317 صفحة من الحجم العادي، ويـتألف من ثلاثة فصول ومقدمة مختصرة، يعنى الفصل الأول ما العدو بتحديد ماهية العدو وبالتعرف على صانعيه من مثقفين وساسة، ويشرح فيه فلسفيا حاجة الدول والمجتمعات إلى أعداء.

 

الفصل الثاني من الكتاب وجوه العدو: محاولة تصنيف فيشرح في المؤلف أنواع العدو، وأنواع السلم، ويحاول إعطاء مثال على كل واحد من تلك الأنواع، أما الفصل الثالث فيحاول فيه المؤلف تفكيك العدو الذي يقول عنه في البداية: "ما دام العدو بنية فهي قابلة للتفكيك".

 

يعلن المؤلف منذ البداية أنه في هذا الكتاب لا يحدد طريقة مقبولة أو غير مقبولة للقتل ولكنه يرنو إلى تحليل كيفية نشوء علاقة العداوة، وكيف يبنى المتخيل قبل الذهاب إلى الحرب(1).

 

لماذا العدو؟
إن من يحيا على محاربة عدوه، من مصلحته أن يدعه يعيش

نيتشة (3)

هذا الكتاب لا يحدد طريقة مقبولة أو غير مقبولة للقتل ولكنه يرنو إلى تحليل كيفية نشوء علاقة العداوة

مواقع التواصل الاجتماعي
 

لماذا العدو؟ ما الدور الاجتماعي والسياسي الذي يؤديه في المجتمعات المعاصرة؟ هل يجب على الهوية أن تبنى بالضرورة ضد "الآخر"؟

 

 عبر الإجابة عن هذه الأسئلة الملتبسة يوضح المؤلف الحاجة الماسة لوجود العدو بشكل دائم ومستمر، فالعدو هو الآخر، الشر، التهديد، ولا يمكن فصله عن الحياة، كما المرض.

 

وهو في المقابل يقدم خدمات كثيرة، ويعمل مهدئا، خصوصا عبر المسؤولية التي يمثلها (الحقيقية أو المتخيلة) في قلقنا الجماعي، كما يمكن لصناعة العدو أن ترسخ الأواصر الجمعية، ويمكنها أن تكون مخرجا بالنسبة إلى سلطة تواجه مصاعب على الصعيد الداخلي، والأهم أن غيابه يخرق تماسكنا ويجعل قوتنا غير مجدية.

 

من هنا يصل المؤلف إلى مبرر منطقي للعنف؛ إذ إنه يعيد بناء وحدة الجماعة أو الهوية القومية. وتصبح الجماعة المعادية هي الكيان المضحى به، طالما أنه يمكن لصناعة العدو أن توطد الأواصر ضمن الجماعة الأكبر أو الأقوى والأكثر تماسكا، مهما كان الخطر الحقيقي.

 

ويصلح هذا التحليل حتى في الديموقراطيات، التي سرعان ما تصبح ضحية الترويج الإعلامي "دعوني أؤكد لكم أنه ليس هناك ما هو أكثر تمركزا على الذات من ديمقراطية ما في حالة حرب! فهي تميل في هذه الحال إلى أن تنسب إلى قضيتها قيمة مثالية تشوه رؤيتها للأشياء. ويصبح عدوها تجسيدا للشر، فيما يكون معسكرها مركز الفضائل كلها (3).

 

يتحدث المؤلف عن أنواع أخرى "العدو المحجوب، والهمجي، والتصوري، وحتى الإعلامي"، ويوضح أنه ليس بين كل تلك العناصر عنصر نقي بصورة تامة
من هو العدو؟
يشير هوبز إلى أن الناس يتصرفون بصورة عنيفة ضد بعضهم البعض، وهو تطبيق للعبارة الإنسان ذئب للإنسان، إذ إن الحالة البدائية هي "حرب الجميع ضد الجميع"، وليس العنف سوى استباق للخوف في مواجهة التهديد الحقيقي أو المفترض(4).

 

يقول الكاتب إن تعريف العدو حسبما يظهر؛ هو تعريف اجتماعي أكثر منه حقوقي؛ كما أنه خيار سياسي واجتماعى وليس مُعطى من المعطيات، أي أنه لا ينبني على وقائع عينية ترشحه ليكون عدوا، بل ينبني على حاجة معينة هي التي تلبسه ذلك اللقب كي تبرر محاربته(5). كما يقول دور كهايم "حين يعاني المجتمع يشعر بالحاجة لأن يجد أحدًا يمكنه أن يعزو إليه ألمه، ويستطيع أن ينتقم لخيبات أمله"(6).

 

قسم المؤلف العدو إلى عدة أقسام أولها "العدو القريب" وهو الجار الذي نتج النزاع معه جراء خلاف حدودي، وهذا النزاع يتم تقليديا بين طرفين، قضية النزاع هي الأرض، والحرب هي نزع الملكية بعنف.

 

هناك أيضا "الخصم العالمي" وهو المنافس في خصومة قوتين تعطيان لنفسيهما نزعة عالمية، كما كانت الحال بالنسبة للحرب الباردة، أما "العدو الحميم" فهو الحرب الأهلية، هو الاقتتال بين جيران كانوا يبدون حتى تلك اللحظة يعيشون في سلام "تبدأ الحرب عبر الكلمات ولا تعلن أبدا ثم تنتهي بالقتل الاستباقي: أن نَقتُل قبل أن نُقتل! الحرب الأهلية هي عملية تطهير فصامي".

 

يتحدث المؤلف عن أنواع أخرى "العدو المحجوب، والهمجي، والتصوري، وحتى الإعلامي"، ويوضح أنه ليس بين كل تلك العناصر عنصر نقي بصورة تامة، إذ غالبا ما تختلط الأنواع المختلفة في صراع واحد، وكل حالة من هذه الحالات تستجيب لخصائص استراتيجية معينة، وتبنى على خطاب معين مع محددات خاصة بها وإشارات يمكن التحقق منها.

 

إن بناء العدو هي عملية اجتماعية وسياسية. وبهذا المعنى يصل المؤلف إلى أن مسؤولية النخب السياسية والثقافية أكثر دلالة من طبيعة الأنظمة "لا توجد عند بعض الدكتاتوريات نوايا حربية، لكن بعض الديمقراطيات التي تنسب لنفسها هوية تبشيرية أو أمنية لديها مثل هذه النوايا. ومن غير المجدي العودة إلى الاعتقاد المعلن دائما بأن الأنظمة الديموقراطية هي بطبيعتها سلمية، فهي ليست كذلك وفق الميثاق الاجتماعي الذي نسجته برأيها عبر البناء التاريخي لهويتها "(7).

 

تفكيك العدو

يمكن تفكيك حالة العداء من خلال الاعتراف بالمسؤولية والتكفير عن الذنب كما حدث في ألمانيا 1945

مواقع التواصل الاجتماعي
 
هل يمكن أن نعيش من دون عدو؟ هذا هو السؤال الأول الذي يطرحه بيار كونيسا لتفكيك نوابض الحرب، وسرعان ما يجيب نفسه، "العيش من دون عدو للدولة: صعب ولكنه ممكن".

 

بعد الحرب العالمية الأولى، أراد المنتصرون أن يجعلوا "ألمانيا تدفع الثمن"، وهذا هو النهج الكلاسيكي للمنتصر، لكن مع تكرر النزاع كان المسعى عقب الحرب العالمية الثانية أن يدفع الثمن المسؤولون النازيون ومسؤولو العسكرة اليابانية، ولأول مرة جرى الفصل بين العدو وبلده أو ما تم تسميته في الكتاب بتفكيك العدو(8).

 

يمكن تفكيك حالة العداء من خلال الاعتراف بالمسؤولية والتكفير عن الذنب كما حدث فى ألمانيا 1945، كما يمكن الالتزام بخطاب متعدد، أو بمعنى آخر تفكيك الخطاب الأحادي الجانب، كما حاول الرئيس الأميركي أوباما كان قد تحدث في جامعة القاهرة 2009 إلى أنه يريد أن يجعل الإسلام شريكًا ضد التطرف، فيما اعتبره محاولة لتفكيك حالة العداء التي حدثت بين المسلمين والولايات المتحدة الأميركية بعد غزو العراق وأفغانستان أثناء إدارة جورج بوش (9).

 

تأتي المصالحة كإحدى وسائل تفكيك العدو، وتبدو كما العدالة التعويضية هي الأصعب، ولكنها تظل دائمًا أكثر فاعلية من الناحية السياسية، وتتمثل صعوبة المصالحة في سيطرة حرب الذكريات التي من الصعب تجاوزها

أما في حالة الحرب الأهلية فقد حدده المؤلف في: النسيان، الصفح، العدالة.

أولا النسيان: التخلي من طرف واحد يعد الطريقة الأسهل للتفكيك خلال الحروب الأهلية، لكنها أعطت نتائج ضئيلة، فالعفو يعني الدفن من دون عدالة، وأعمال العُنف لا تُنسى.

 

ثانيا الصفح: تحدَّد لجان "الحقيقة والعدالة" أو "الحقيقة والمصالحة" لتقوم بالربط بين الحقيقة والمصالحة الوطنية والانتقال الديمقراطي والسلمي، وقد تتم محاسبة بعض المسؤولين والصفح عن الآخرين، كما حدث مع بيونشيه مثلاً.

 

ثالثا العدالة: يوجد نوعان من العدالة للخروج من الحرب الأهلية: عدالة ترميمية وعدالة تعويضية، فالترميمية اقتصاصية وهدفها إقامة العدل، وتسمح بعقاب بعض المذنبين. أما التعويضية تقتصر مهمتها على الانتقال من الحرب إلى السلم، أو من نظام استبدادي إلى الديمقراطية. ويجب عليها أن تعالج الإرث الذاكري للإساءات الجماعية، وترتكز على القناعة بأن ضرورة إقامة العدل ليست شيئًا مطلقًا، ويجب أن توازنها الحاجة إلى السلم والديمقراطية والتطور الاقتصادي وتثبيت دولة القانون(10).

 

وأخيرا، تأتي المصالحة كإحدى وسائل تفكيك العدو، وتبدو المصالحة كما العدالة التعويضية هي الأصعب، ولكنها تظل دائمًا أكثر فاعلية من الناحية السياسية، تتمثل صعوبة المصالحة في سيطرة حرب الذكريات التي من الصعب تجاوزها، خصوصا أن كلا الطرفين يحتفظ برواية مغايرة للأحداث(11).

 

إجمالأ فإن مقولة الكتاب الأساسية، أنه لا أحد يقتل من دون مبرر داخلي يجعله يطمئن إلى فعلته الشنيعة، فيتصورها رحمة وإنسانية وغير ذلك من استيهامات، قد يخلقها عنده الدين أو الإيديولوجيا أو الحمية العصبية والعرقية، المهم أن القاتل مع خلفيته المسبقة هذه عن سبب القتل، غالبًا ما يكون مرتاح الضمير، ذلك أنه خلق لنفسه قبل ذهابه إلى الحرب عدوا يكون قتله مبررا.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار