انضم إلينا
اغلاق
القلق.. كيف يتولد داء الشباب في زمن الاضطراب؟

القلق.. كيف يتولد داء الشباب في زمن الاضطراب؟

إبراهيم هلال

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض

في محاضرته الخامسة والعشرين من المحاضرات التمهيدية في التحليل النفسي، كتب فرويد -المؤسس الشهير للتحليل النفسي- : "لست في حاجة إلى تقديم القلق لكم. فكل منا قد ابتُلي بهذا الشعور، والحق أقول لكم، إنه حالة وجدانية نشعر بها بأنفسنا، وتعاودنا مرة تلو الأخرى".(1)

يعد القلق، في الوقت الراهن مشكلة واضطرابا ذائع الانتشار ومتغلغلا في مجتمعاتنا الحالية، فيما يعتقد كثير من علماء النفس المعاصرين أن عصرنا الحالي هو "عصر القلق"(2) . حيث تمثل الأمراض والاضطرابات النفسية التي يتعرض لها الإنسان ظاهرة جديرة بالاهتمام والتساؤل، فقد أظهرت دراسة أجرتها منظمة الصحة العالمية بالتعاون مع جامعة هارفرد أن الأمراض العقلية تشكل 15% من العبء الذي تسببه الأمراض العضوية، وأن «الاكتئاب والقلق» يشكل أحد الأسباب الرئيسية لفقدان القدرة على مواصلة الحياة والعمل بصورة طبيعية.(3)
 

أما في عالمنا العربي، حاليا، وفي ظل كل تلك الأحداث والحروب والمذابح، فيبرز القلق كأهم هذه الاضطرابات وأكثرها انتشارا وشيوعا، إذ إن الضغوط النفسية ومنظومة المصاعب التي يواجهها الفرد العربي تعد من أصعب وأخطر الأوضاع في عالمنا الحديث الحالي. 
 

بحسب منظمة العفو الدولية، فإن عام 2014 كان كارثيا بالنسبة لحقوق الإنسان، خصوصا في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وذكرت المنظمة أن الوضع في المنطقة العربية فيه الكثير من التحديات الصعبة في ما يتعلق بأوضاع حقوق الإنسان وحياته اليومية (4)، فالفرد في عالمنا العربي يصارع لينجو بحياته من قنبلة مخبأة أو برميل متفجر أو من غرق في أمواج كالجبال. وقد جاء في تقرير  "الشباب وآفاق التنمية في واقع متغير" الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أن العرب يمثلون 70 % من القتلى و 60 % من اللاجئين حول العالم. ثم إن نجا فهو يبحث عن وطن آمن ويبحث عن لقمة عيش تقيم الأود، وهو مطارد لا يعلم شيئا عن مستقبل مجهول ومبهم، أما أحلامه وخططه فمهددة بأن تصبح سرابا أو تختفي في كهف مظلم بارد تسده قضبان حديدية (5), وإن قال لا شأن لي بهذا العالم فأين سيهرب من ضغوط الحياة ومصاعب الحصول على أقل احتياجاته الضرورية من وظيفة وسكن وتكوين أسرة.

 

 وجاء في نفس  التقرير أن هناك 11 دولة عربية، اليوم، تعيش صراعات وعنفا واقتتالا، ما يبين أن واقع المنطقة العربيّة يسير نحو الأسوء، وهذا ما أظهرته الـ 5 سنوات الأخيرة فقط. وقال التقرير أيضا إن البطالةُ بين الشباب العرب هي الأعلى في العالم، حيث بلغت نسبتها 29 %  خلال عام 2013، مُقابل 13 % عالميا. ويرى مراقبون أنه، رغم سوء الواقع الراهن الذي عبر عنه التقرير، فإن الأسوأ هو التوقعات التي تضمنها التقرير أيضا بحلول عام 2020  إذ سيعيش 3 من كل 4 عرب في بلدان تعصف بها الحروب والصراعات(6). فما هو ذلك الشعور المبهم المسمى "القلق" وما هي أسبابه وكيف يتولد؟ وماذا على الانسان أن يفعل أمام الشعور الرهيب بالعجز والخوف؟

 

ما هو القلق


"بالنسبة إلى الخائف كل شيء يصدر حفيفا"

(سوفوقليس)
 

أمضت الأبحاث الحديثة وقتا شاقا وهي تبني أفكارها عن القلق مستبصرة بالتصورات القديمة والأبحاث المعاصرة، لكن وبخلاف التصورات القديمة الأحادية عن القلق، فقد توصلت الأبحاث الحديثة (7)، بحسب أستاذي علم النفس موشي زيدنر وجيرالد ماثيوس، إلى أن للقلق مظاهر وصورا عديدة، بيد أنها  تشترك جميعها في وجود ذلك الشعور النفسي المبهم بالاضطراب والانزعاج من ظروف وأشياء غامضة وغير محددة. وبسبب الطبيعة الغامضة لمثيرات القلق ومحفزاته فإن الشخص يكون متذبذبا في الطريقة التي سوف يسلكها، حيث إن طبيعة الخطر ومصدره مبهمان، ومن ثم فمن الصعب جدا التكيف مع الخطر المبهم، كما أنه من الصعب محاربة شبح تشعر به ولا تراه.

 

والقلق، حسب تعريف نفسي آخر(8): "هو حالة من الهم والضيق والألم تتملك الإنسان وترتبط بشيء أو سبب واضح أو غير واضح، قد يكون موجودا أو غير موجود، أو بمخاوف قادمة قد تكون قائمة أو غير حقيقية". وهو يختلف عن الخوف، الذي يعده علماء النفس  شعورا ورد فعل طبيعي عند وجود خطر حقيقي محدد، وقد فرق بينهما فرويد عندما كتب "أعتقد أن القلق يرتبط بالحالة ويتغاضى عن الموضوع، بينما الخوف يجذب الانتباه نحو الموضوع".(9)
 

كما أوضحت الأبحاث النفسية الحديثة على لسان زيدنر أن القلق يتواجد كشعور في سياقات متعددة، حيث يزداد القلق في السياقات التقييمية حين تتعرض الشخصية للاختبار والحكم والتقييم، ومن هنا يخبرنا جيرالد ماثيوس عن ظهور ميادين نفسية جديدة لدراسة القلق، فظهر قلق الامتحان وقلق التعامل مع الرياضيات وتعلمها، وقلق التعامل مع الحاسوب والقلق الرياضي المصاحب لما يتعرض له الرياضيون من ضغوط أثناء المباريات والمسابقات، إلى جانب القلق من المواقف الاجتماعية التي قد يتعرض خلالها الفرد للنقد أو التقييم، لكن هل استطاعت الأبحاث النفسية التوصل لأسباب القلق ومصادره؟

 

كيف يتولد القلق


"إن الانفجار لا يرعب, ما يرعب هو انتظار حدوثه"

(ألفريد هيتشكوك)
 

تنوعت النظريات المفسرة للقلق ما بين نظريات ذات منظور نفسي وثانية ذات منظور معرفي وأخرى ذات منظور طبي، يعتمد على علمي الأعصاب والوراثة، أما في الوقت الحاضر فقد قال موشي زيدنر إنه لا يمكن لأحد الآراء النظرية الخاصة بالقلق الوقوف على الطبيعة المعقدة والمتعددة الجوانب لهذا التكوين.


 وفيما تجاوز علم النفس الحديث نظرية التفسير النفسي للقلق، اعتمادا على عامل كبت الرغبة الجنسية عند فرويد، برزت هنا -كما يخبرنا ستانلي راشمان أستاذ علم النفس- نظرية التعلم كنموذج لتفسير القلق، فخلال مسيرة الإنسان الطويلة في التعلم واكتساب المعارف والخبرات تصادف هذه الأخيرة تهديدات ومواقف سيئة وخطرة يتعرض لها الفرد وتمثل له تهديدا، وكلما زادت نسبة تلك المزاوجة بين اكتساب الخبرات والمواقف السيئة والمهددة للفرد تراكم الشعور بالقلق تجاه تلك الخبرات السيئة التي تحتوي على سلسلة من أشخاص وأماكن وأحداث محددة .(10)
 

إن الأفراد الذين يتعرضون بشكل متكرر للخبرات السيئة المحيطة بالمواقف الاجتماعية,يتعلمون ربط السياقات الاجتماعية بالتهديد بالخطر، وتحدث لهم استجابات تتسم بنسبة مرتفعة من القلق عند تعرضهم لتلك المواقف في ما بعد، وقد يبالغ الإنسان القلق في تقدير المواقف والشعور بالخطر (11) لأن القلق هو إنشغال دائم بالمتاعب قبل حدوثها، حتى لو كانت تلك المتعاب متخيلة وغير حقيقية.

   

أما النموذج المعرفي لتفسير القلق فتخبرنا الدراسات التي قام بها ريتشارد لازاروس أنه يعتمد على فكرة أساسية وهي أن المشاعر  تعبر عن التفكير، فالقلق هنا ينتج من خلال تقييم الأحداث التي تمثل تهديدات شخصية. والفرد في تقييمه وتفسيره وإدراكه للأحداث الجارية وتغيراتها يدرك مدى صعوبة وضعه أمام الضغوطات الخارجية، فيُترجم ذلك الإدراك إلى شعور بالقلق نحو مستقبل مجهول وحيرة تجاه اختيار أفضل استراتجية أو مسار يمكن اتباعه للتعامل مع الأحداث.(12)
 

وتعد الضغوطات الخارجية في عصرنا الحالي الأصعب تاريخيا، فالإنسان لم يمر من قبل بمثل العجز الذي يشعر به الآن بسبب كل تلك الضغوطات والمصاعب والمنافسة (13)، ففي حين أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة منابر للجميع وطرق سهلة وسريعة للتواصل والتعلم وتكوين الصداقات، إلا أنها قلصت من خبرات التواصل الحياتية ودفعت الإنسان نحو عزلة حادة، (14)عندما بات لا يستطيع أن يكٌون علاقات حقيقية قوية، وأصبح بإمكانه التخلص من علاقة أو صداقة بكل ما احتوته من مشاعر ومواقف وذكريات بالضغط على زر واحد وحذفه نهائيا من قائمة الاصدقاء الافتراضية، ومن ثم سببت تلك العزلة شعورا حادا بالقلق تجاه الآخر والنفس. 

 

من الناحية الأخرى دفع التقدم التكنولوجي الإنسان إلى حلبة منافسة شرسة، سواء على مستوى العمل داخل المؤسسات والشركات وما يسبقه من دراسة، أو على المستوى الاجتماعي والمادي. فالمقارنات الاجتماعية، حسب دراسات نفسية حديثة، (15) تعد من أكبر مصادر القلق، كذلك التفكير في المستقبل وكيفية تأمينه بمبلغ نقدي كاف هو من أسباب القلق الشائعة في جميع المجتمعات، خصوصا العربية.

  

القلق في عصر العجز


كيف يتسنى لرجل يواجه تحديات الحياة وتضربه عواصفها أن يبلغنا عن كل شيء، كيف سيكون، وكيف ستؤول به الأحوال"

(القديس أوغسطين)
 

لم تمض حياة البشرية خلال تاريخها على وتيرة واحدة، بل لازمتها هزات وأزمات هددت وجودها، كذلك الإنسان يواجه في حياته  أزمات يمكن أن تعصف به، لكنها دائما تعيد تشكيل مسارات حياته ,فالشعور بالقلق  ليس جديدا على الانسان , والحياة سابقا لم توفر حماية أكيدة من ضربات "القدر"، فالقدر لا يحتاج إلى إنذار فهو يضرب دون تحذير، ولا يبالي بما قد يفعله ضحاياه أو بما قد يحجمون عن فعله من أجل الهروب من ضرباته، وكما يقول الفيلسوف زيجمانت باومن "القدر يرمز إلى الجهل والعجز البشري، وهو لا يحتاج لعلم وإحاطة بل لتسليم ومناورة".(16)

 

ويذهب باومن إلى أن هناك فرقا بين أن يفاجئك القدر دون تحذير فتخضع لتدخله القاطع، وبين أن يكون مسار الحياة كله مبهما ومجهولا كأنك تسير في متاهة محاطا بالمخاطر والوحوش الضارية دون وجهة ولا هدف، فيصبح القلق بمثابة ناقوس خطر دائم ملتصق بجسدك، ويشرح باومن فيقول إن الأرض التي يُفترض أن نقف عليها لنستقبل الغد أمست أرضا رخوة، تماما مثل الوظائف والشركات  وشُركاء الحياة والأصدقاء، ومثل مكانتنا في المجتمع وما يصاحبه من احترام للذات وثقة بالنفس، فكل شيء أصبح متغيرا وتبدل في عصر تداهمك أحداثه بسرعة مذهلة.
 

لقد حولت تغيرات العالم السريعة وتأثيراتها حياة الأفراد واختياراتهم ووظائفهم ومواقعهم في المجتمع إلى واقع مرير وجبرية مزعجة، بعدما كان "التقدم" إلى المستقبل يتسم بالتفاؤل والأمل الكبير بتحقيق السعادة الدائمة، فصارت تغيرات الواقع والمستقبل رمزا للتهديد الدائم والحتمي الذي لا يبشر بالراحة ولا السكينة، بل ينذر بالشدة والمشقة الدائمتين، ويمنع أي لحظة للراحة، وقد شبه باومن الحياة الحالية بلعبة الكراسي الموسيقية التي تؤدي الغفلة اللحظية فيها إلى هزيمة محققة واستبعاد نهائي. 
 

إن التخلف عن الركب أو فقدان القطار أو السقوط من فوق شاحنة مسرعة هو قلق الإنسان الحديث، الذي أصبح عاجزا عن التقليل من سرعة تغيرات الواقع وأحداثه، بل حتى عن إستقراء مسارات الحياة وتغيراتها والسيطرة عليها، مما يجعل إرادة الإنسان وثقته في نفسه محل شكوك دائمة. أما خطط السيطرة والوقاية الحديثة التي صُممت لطرد روح القلق والمساعدة على التحكم في متغيرات الحياة وأخطارها فهي لا تغير من الأمر بل تزيد من الهلع والاضطراب، كما يوضح ديفيد ألثايد حين قال:  "إن المشكلة تكمن في أن هذه الخطط والأعمال تؤكد شعورا بالاضطراب يتركه سلوكنا، وتساعد على تولد الشعور به".(17)
 

ويعلق باومن قائلا إن قلقنا ومخاوفنا صارت تستمد بقاءها واستمراريتها من داخلها، فدورة الخوف والقلق وآثارهما على سلوكنا في الحياة لن تستمر لولا تدهور حالة الانسان المستمرة إلى حالة من العجز والخوف يمده بها الواقع اليومي المليء بالضغوطات والحوادث والكوارث. 
 

هل القلق ضار دائما
 


إن القلق المرتفع والشديد له تأثيرات سلبية على الأداء السلوكي والمعرفي للأفراد، فقد قام عالم النفس الشهير سبيلبرغر بتتبع مجموعة من الطلاب الجامعيين مرتفعي القلق لمدة ثلاث سنوات متوالية، ووجد أن اكثر من 20 في المائة من الطلاب ذوي القلق المرتفع صُنفوا على أنهم فاشلون أكاديميا، وفُصلوا من الكلية نتيجة لذلك، إلا أن الأبحاث ذهبت إلى أن القدر المتوسط من القلق شيء وظيفي وتكيفي(18)، لأن الانعدام التام للقلق والتفاؤل المفرط قد يؤدي بالشخص إلى عدم المبالاة بالخطر أو إلى أن ينهار تفاؤله المفرط أمام مصاعب الحياة فلا يستطيع مواصلة السير، وكما أشار إلى ذلك عالم النفس لي دو فإنه من الأفضل أن نعامل العصا كأنها حية على ألا نستجيب للحية المحتملة.
 

نحنُ البشر وبحسب الأبحاث الحديثة (19) قلقين في صميمنا، وفي تكويننا الفطري ويبدو أن هذا القلق صفة أبديّة في الحياة، وشيء لا يُمكن إبطاله أو تغييره. وهو مسؤول عن إنزعاجنا وسخطنا الدائم تجاه كل ما يجري ولا نستطيع تغييره أو التحكم به، لأنّنا لا نملك المعلومات الكافية الّتي تؤهلنا لإتخاذ قراراتنا الحياتيّة الكُبرى، كأعمى يقود سيارة سباق. فنقَع فريسة لسطوة الخيالات التي قد تعطينا بعض السكينة، الّتي نحتاجها بيأس، أو نقع في أسر خيالات تعذبنا كتوقعات أسوء لمسارات الحياة.
 

وهنا نحاول البحث عن مخرج أو انقطاع كالسفر، الجمال، المكانة، الحب، وهذه قد تمثل النسخ المُعاصرة للمُثُل العُليا الّتي نسعى إليها بحثا عن الراحة، إلّا أنه، بصرف النظر عن الوعود والأمل والتفاؤل وموقفنا من الحياة، نتفاجأ بأنه لا شيء من هذا يتحقق، فننزلق مرة أخرى إلى بئر من اليأس والعذاب.
 

أما ألان دو بوتون فيخبرنا أنه وفوق كلّ شيء"ليس هنالك داعٍ من الأساس أن نكون قلقين بسبب كوننا قلقون، مزاجنا ليس بدليل على أن حياتنا خاطئة، نحن فقط أحياء، لذلك يجب علينا أن نحذر عند مطاردة أشياء يُخيّل لنا أنها ستجنّبنا القلق، بوسعنا السعي إليها، لكن لأسباب أخرى غير أوهام السكينة، وربّما مع القليل من التنبّؤ، وتجنُّب الحماس".(20). ويدعونا للخروج من الكهوف المظلمة إلى الحياة الخطرة، ومعرفة أننا لسنا وحدنا من نشعر بالقلق والخوف والاكتئاب، بل هناك الكثيرون ممن يشعرون بنفس ما نشعر به، فلنتواصل ونتكاتف ونتكافل في مواجهة الحياة، كما قال على عزت بيجوفيتش(21) "نسلم الأمر لله، فهو بمثابة قوة جديدة وطمأنينة جديدة، فالإيمان بالله والإيمان بعنايته يمنحنا الشعور بالأمن الذي لا يمكن تعويضه بأي شيء آخر، وهو صلة جديدة بين الإنسان والله، لعلها تمنحنا نورا نسير به في الحياة".

تقارير متصدرة


آخر الأخبار