هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
"مفيش فايدة!".. الانتحار على مقصلة إحباطات الثورة

"مفيش فايدة!".. الانتحار على مقصلة إحباطات الثورة

إبراهيم هلال

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض
كان انتحار الطالب شريف قمر، منذ فترة قصيرة، هو ما فجّر الحديث مرة أخرى عن الآلام النفسية والصعوبات الحياتية التي يواجهها جيل الشباب، خاصة في الفئة العمرية بين 16 -30 عاما، ومن ثَم الحديث عن الشعور بالخواء النفسي والإحباط الوجودي الذي يعيشه كثير من أبناء هذه الفئة العمرية.

 

جاء على لسان "شريف" في فيديو سجله وهو يحاور أحد أصدقائه عن سبب اكتئابه، إذ يسأله صديقه عن أفكار انتحارية مرت عليه؟ فيجيب بتلقائية "يااااه كتير"، واستطرد: "أنا طوال حياتي أقف في طابور الانتظار من مراحل تعليم ونتيجة وطرق ومواصلات وموت، فالآن أريد أن أذهب إليه دون انتظار"(1). فيما علق أحد أصدقاء شريف أن ذلك الاكتئاب والإحباط الوجودي هو نتيجة لهزيمة الثورة والانغلاق السياسي وفقدان الأمل في أي تغيير سياسي أو اجتماعي، ما عنى هزيمة لجيل بأكمله وضع التغيير كحلم ومشروع لحياته(2).

 

 

قبل تلك الحادثة المؤلمة بفترة، كتبت طالبة أخرى رسالة قبيل انتحارها تقول فيها "تعبت.. استهلكت.. وما فيش فايدة.. كلهم ولاد كلب.. وإحنا بنفحت في ميّة.. ما فيش قانون خالص هيجيب حق حد.. بس إحنا بنعمل اللي علينا.. أهو كلمة حق نقدر بيها نبص لوشوشنا في المراية من غير ما نتفّ عليها.. ما فيش عدل.. وأنا مدركة ده.. وما فيش أي نصر جاي.. بس بنضحك على نفسنا عشان نعرف نعيش". فكان انتحار الطالبة والناشطة السياسية زينب المهدي في نوفمبر 2014 بمثابة الصفعة التي أيقظت الجميع من غفلته وفتحت عيونه على كم الألم والقسوة والقهر الذي يعيشه هذا الجيل من الشباب في الوطن العربي كله، بعد هزيمة ثورات الربيع العربي.

 

هذا الجيل من الشباب الذي تفتحت عيونه على ميادين الحرية، يهتف ضد الظلم والقمع وينادي بالعدالة والقانون، والذي كان كثيرون منهم قد شاركوا في فعاليات طلابية خلال العقد الأول من الألفينات. ثم انتقل من حرم الجامعات إلى منصة التحرير وباقي منصات ميادين الربيع العربي، ثم من المنصات التي تطفو فوق الحشود إلى منصات المؤسسات المدنية والحقوقية والسياسية.

 

فقبل عامين من حادث انتحار زينب، وبالتحديد في يوليو 2012، كانت زينب تقف على منصة تدشين كيان لتنمية المجتمع النسوي وزيادة الوعي بدور المرأة المصرية في بناء المجتمع، أو كما خطته زينب بنفسها في تعريفها "المساعدة في بناء مجتمع مدني قوي من خلال العمل المجتمعي في منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الخيرية والمشاركة في مراقبة الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي تبني جزءا كبيرا من المجتمع المدني والأنشطة النسوية التي تنهض بالمرأة المصرية على المستوى السياسي والإنساني"(3)

 

هكذا، كان أمل زينب كبيرا في الثورة وفي المشاركة في بناء مجتمع قوي، لكن الواقع لم يمهلها للتأمل فجاءت كارثة "الانقلاب العسكري" في مصر في الثالث من يوليو 2013، لتكون زينب شاهدة على عمليات التعذيب والاغتصاب العديدة التي ستتعرض لها بنات جيلها وقريناتها وزميلاتها خلال عملها الحقوقي في قضايا المعتقلين(4) فتشعر بالعجز الشديد وتفقد الثقة والإيمان في كل شيء، وتقرر أن تنهي حياتها بالانتحار.

 

الناشطة زينب المهدي (مواقع التواصل)

 

ورغم أن زينب لم تترك لنا كتابات كثيرة تعبر فيها عن تجربتها في العمل النضالي والميداني والحقوقي، فإن تشابه تجربتها إلى حد كبير مع تجربة مناضلة أخرى من جيل آخر هو جيل ستينيات وسبعينيات القرن المنصرم هي "أروى صالح"* التي شاركت في الحركة الطلابية في 1968 ثم في 1972 و1973 -ورغم اختلاف الإيدلوجيا والسياق التاريخي- يمكن أن تنير لنا قصة أروى لمحات من  قصة زينب وقصة شريف قمر، التي يمكن اعتبارهما حلقات متصلة لقصة واحدة، انطلق لحن بدايتها داخل حرم الجامعات في سنوات طويلة من النضال الطلابي الذي سيزلزل مصر ويهز عروش ثلاثة رؤساء تولوا حكمها، هم جمال عبد الناصر، محمد أنور السادات ومحمد حسني مبارك، وانتهى هذا اللحن كل مرة على نغمة حزينة من الهزيمة والاعتقال والتعذيب والهروب بالسفر خارج مصر، ثم بالانتحار شنقا أو قفزا من علو شاهق أو بإطلاق رصاص، سواء كانت من جندي غاشم في ميدان من ميادين المدن العربية أو في ركن منسي من أركان وطن مقهور.

  

بطولة الانتحار

في إحدى الوثائق التي أرفقتها أروى صالح بكتابها الشهير "المبتسرون.. دفاتر واحدة من جيل الحركة الطلابية"، كتبت في 1985 من مسكنها في إشبيلية رسالة لأحد أصدقائها قالت فيها إن "النفور من العواجيز نفور أحيانا بيوصل لدرجة شعور جسدي بالاشمئزاز! بحس أنهم سبة في وجه الحياة.. وابتدت تداعبني فكرة إني لما أوصل مرحلة معينة من العجز انتحر.. وبالتزامن مع الفكرة دي ابتديت، لأول مرة في حياتي، أتأمل شوية الموت -بس مش من زاوية ميتافيزيقية بمعنى البحث عما وراء الحياة- لكن باعتباره عملية قضاء على الحياة... وبيتهيأ لي ابتديت أفهم شوية الفكرة والإحساس ورا البطولة، مثلا بيتهيأ لي أن البطولة لا يمكن تكون إلا عملا عاديا، قطعة من الحياة الجارية!

 

يبدو لي أن طبيعة موت ما، بتحددها طبيعة حياة الشخص اللي بينتهي ده.. مثلا أيه اللي ممكن يفقده شخص تسربت منه الحياة فعلا؟، مريض وبيمارس إهانة إن الناس تمسحله شخته! (في الأوضة اللي جنبي في البنسيون فيه واحد بالشكل ده، ما عندكش فكرة بيسببلي إحساس ممرض بالنفور) إيه اللي ممكن يفقده شخص زي ده بالموت! هيتخلص من وضع مهين على الأقل، وضع فقد فيه صفته كبني آدم، الكلام ده أكيد قاسي، مش كده!؟ بس ما فيش فايدة من أني أكذب كمان.. الغريب أن من الزاوية دي الموت يبدو لي غير مخيف... أقصد أنه في اللحظة اللي تفقد فيها الحياة "الطعم" بالنسبة لي، افتكر إني مش هخاف من الموت، وبنفس القدر برضو أفتكر أنه لو استمريت بالإحساس ده أقدر أموت عشان قضية، ساعتها الموت يبقى جزء لا يتجزأ من الحياة، بيبقى البني آدم في لحظة أو حالة، منعدمة فيها الفواصل بين حياته كفرد وبين حياة الآخرين"(5).

  

تبدو هذه الرسالة مشابهة إلى حد ما لرسالتي شريف وزينب، إذ قال الأول إن الانتحار يريحه من ملل الانتظار الذي يموت فيه من الملل والفراغ وألم الاكتئاب ببطء، فيما قالت زينب إن الحياة بلا معنى وإن الاحساس بالعجز يقتلها ويقتل ما تبقى من قدرتها على مواصلة الحياة،؛ لكن الجديد في رسالة أروى أنها أضافت جزءا تحليليا لنفسيتها وتصورها حيال الموت، حين قالت إن قرار الموت حين تفقد الحياة "طعمها" هو قرار مريح وفيه كرامة البطولة، التي ترفض الحياة بمهانة، بل شبهت أروى قرار الانتحار ببطولة الانتماء إلى قضية.

 

فكما في الانتماء من خطر قد يصيب صاحبه مقابل حصوله على الشعور بالامتلاء، وأنه يمتلك حلما أو مشروعا أو قضية أو شيئا يدافع عنه، كذلك الانتحار يحمي الإنسان من حياة مهينة بلا طعم، حينها يكون الموت شكلا آخر من الحياة، بل هو جزء لا يتجزأ من الحياة -كما تقول أروى- ويمتد الأمر إلى أن تصبح روح الإنسان في حالة تنعدم فيها الفواصل بين حياته كفرد وبين حياة الآخرين، بالضبط كما في حياة النضال الجماعية التي عاشتها أروى من قبل، إذ تتابع أروى في الرسالة نفسها قائلة: "ساعتها، بتبدو لي الحياة (ككل) لازم ينقطع من حتة عشان يتوصل من حتة تانية! بالبساطة دي.. ولو ما كنش بالبساطة دي، ما كنش ممكن الملايين تعمله على مر التاريخ، كل يوم! صدق اللي قال إن الجماهير بتصنع التاريخ، بس للأسف بتعلمه بأنها تدفع الثمن بس"(5).

 

 

لكن لو كان الأمر، كما ترى أروى صالح، أن الانتحار هو صورة أخرى للبطولة وجزء لا يتجزأ من حياة لم تستطع أن تعيشها أو فقدت معناها، فما علاقة ذلك بالنضال الطلابي؟ بل كيف وصلت أروى إلى هذا التصور؟ كيف رأت أن الموت/الانتحار هو جزء من بطولة أو تكملة لمسار حياة من النضال؟ ومن بعد أروى كانت زينب التي فقدت معنى حياتها وجدوى أي فعل، "فلم تتحمل أخبار اغتصاب الفتيات في السجون ولا تقاليد المجتمع المنهارة ولا بلاهة الناس في استقبال أخبار القتل والموت، لم تجد من يجيب عن أسئلتها التي تحيّر عقلها الصغير، لم تجد لها في هذا العالم مكاناً"(6) ومن بعدهما شريف، الذي فضل الانتحار على الانتظار والموت البطيء، وغيرهم حالات أخرى لكنها غير مشهورة. وبعيدا عن نظرة التحليل النفسي أو النظرة الدينية للانتحار، كيف فقد كل هؤلاء معنى حياتهم؟

 

إعادة التفكير في القضية الوطنية
  

"أصبح العدل موتاً، وميزانه البندقية أبناؤهُ 
صلبوا في الميادين أو شنقوا في زوايا المدن. 
قلت: فليكن العدل في الأرض.. لكنه لم يكن. 
أصبح العدل ملكاً لمن جلسوا فوق عرش الجماجم بالطيلسان -الكفن!"

  (أمل دنقل.. سفر التكوين)

 

في فترة السبعينيات، وتحديدا بعد انتفاضة الطلبة في 1972(7) كتب أحد الباحثين التابعين للدولة المصرية أن "القطاعات المؤثرة في صنع القرار المصري -شئنا أم أبينا- هي الطبقة الوسطى وفئة التكنوقراط والجيش، والصفوة المتعلمة وطلبة الجامعات. نقول هذه القطاعات المؤثرة وليست بالضرورة صانعة القرار"وعلق الدكتور أحمد عبد الله رزة على هذا التصريح فكتب "عندما كان عبد الناصر يخاطب الشعب، كان يسعى أساسا إلى إقناع تلك الفئات، ورغم الأهمية التي أولاها للسيطرة على الجيش، فقد اعترف أيضا بالحاجة إلى الاحتفاظ بالسيطرة على الطلاب منذ الأيام الأولى للثورة، وبدرجة أكبر بعد هزيمة 1967.وأدرك السادات، بعده، هذه الحاجة أيضا، إذ اعتبر أن الطلاب، ومعهم العمال، مادة متفجرة يكفي أن يشعلها الاعداء لتدمير النظام كلية"(8).

  

كما فسر وزير الشباب في وزارة السادات حساسية وزارته للمعارضة الطلابية بأن "الطلاب أوشكوا أن يخلقوا موقفا أمنيا يقتضي تدخل الدولة بالقوة، وهو أمر ينال من طبيعة المناخ السياسي الذي اتجهت إليه الدولة بعد 1971، والذي كان أساس وسبب وجود المرحلة الجديدة"، بل أضاف بوضوح أكثر قائلا "في النهاية، إن خروج الطلاب إلى الشوارع كان يهدد باتصالهم بعناصر أخرى وإثارة وتفجير قضايا اجتماعية تستثمر متاعب الناس الاقتصادية"(8).

 

وعلق أحمد عبد الله رزة، مرة أخرى، موضحا أن دور الطلبة كان فعالا جدا ويقلق السلطات بقوة منذ ستينيات القرن الماضي، خوفا من رجوع النضال الوطني الذي كان مشتعلا قبل "انقلاب الضباط الأحرار في يوليو 52" وإعادة فتح كل ملفات القضية الوطنية مرة أخرى، بداية من موضوع التدخل الأجنبي في شؤون مصر وحتى القضية الفلسطينية، قائلا "وهكذا، فإن ما كان يشغل إسماعيل باشا صدقي في 1946 استمر باقيا في أذهان حكومة 72/73. وحتى في ظل عبد الناصر نفسه -عندما كان ولاء أغلبية السكان من الفلاحين والعمال مضمونا بشكل أكبر- كان الطلاب يدفعون للبقاء داخل حدود مؤسساتهم التعليمية وعدم الاختلاط بالآخرين وفي 1968 خاطب رئيس مجلس الأمة -الذي أصبح في ما بعد الرئيس أنور السادات- طلاب الهندسة الثائرين قائلا (ليس لي اعتراض أبدا على أن تعبروا عن كل آرائكم ولكنْ داخل الجامعات بنظام) وفي الفترة نفسها أقر محمد حسنين هيكل نصيحة رئيس جامعة القاهرة لطلابه (هنا في حرم الجامعة تستطيعون مناقشة كل شيء وإبداء أي رأي، أما الخروج إلى الشارع فإنه لا يعطينا الحصانة المطلوبة، لأننا فيه لن نكون وحدنا ولا نضمن أن تسير الأمور على النحو الذي نريد)"(8).

 

 

فبعد نكسة 67، ومع بداية عودة الحراك الطلابي بالجامعات المصرية(9) وبداية تشكل القضية الوطنية مرة أخرى تحت ضوء الاحتلال الصهيوني لسيناء ومسألة الحريات السياسية، بجانب التزام النظام بالأيديولوجيا الناصرية التي وعدت الشعوب العربية بالكرامة والعزة العربية وتحرير فلسطين والحل الاشتراكي التحرري. خافت الحكومة المصرية من انضمام الطلاب إلى جماعات اجتماعية أخرى وخافت من الأثر المحتمل لإضراباتهم على الجيش. كما لم تعد الحساسية إزاء موقف الجيش في ما بعد 1967 ترجع إلى دوره السابق كحام للنظام السياسي وكأرضية للتجنيد لصالح نخبته الحاكمة، "وإنما للمهمة الجديدة التي خولت له، واللازمة لاستمرار شرعية النظام وهي تحرير الأرض المحتلة. وأصبحت حقيقة أن خريجي الجامعات الجدد يشكلون العمود الفقري للجيش في فترة إعادة بنائه، وأنهم قد يستجيبون لتحريض الطلاب، ما يمثل تهديدا للنظام كله"(10).

 

ولم يتوقف الأمر على ما شكله حراك الطلاب من تأثير على الجيش المصري في مرحلة إعادة بنائه، ومن ثم تهديد للنظام المصري، بل لكل الأنظمة العربية حينذاك، بل رأى الدكتور أحمد عبدالله رزة أن الحركة الطلابية بعد 1967 قد شكلت بالفعل حركة وكالة "تعمل بالنيابة عن نسبة عريضة من القوى الوطنية في مواجهة الهزيمة المخزية واحتلال التراب الوطني. كما تعمل بالأصالة عن نفسها لتحقيق الطموحات الأكثر تميزا للطبقة الوسطى في التعبير السياسي والمشاركة السياسية .ومع ظهور الفصائل الراديكالية داخل الحركة الطلابية في أوائل السبعينيات، أصبح بامكانها أيضا أن تدّعي تمثيل قدر من طموحات الطبقات الدنيا في البلاد".

 

وبذلك أصبح الطلاب في نظر أحد الباحثين" ليسوا مجرد حركة طلابية، بل هم وكلاء شرعيون عن المجتمع بمختلف طبقاته الوطنية"(11) كما أنهم "قد حملوا أعباء مرحلة تاريخية مختلفة كيفيا، كانوا هم الطلائع المنظمة لنفسها، لا مجرد شباب جامعات"(12)ولم يقتصر موقع الحراك الطلابي في الخريطة السياسية المصرية على التأثير في دوائر السلطة  والمثقفين والمهنيين والمؤسسات الجامعية فقط، بل امتد لتستفيد منه جماعات أخرى، مثل العناصر النشطة سياسيا داخل الطبقة العاملة(13) التي أظهرت اهتماما شديدا بالنشاط السياسي الطلابي منذ انضمام العمال إلى الطلاب في المطالبة بالديموقراطية في أعقاب هزيمة 1967.

 

وفي أوائل السبعينيات اتهم بعض العمال النشطين بالاشتراك المباشر في النشاط الطلابي(13)، فيما كان الطلاب يعتبرون الطبقة العاملة قوة سياسية مهمة منذ الأربعينيات(14)، إذ حاولوا دائما جذبها لتأييد حركتهم، ما كان يرعب النظام السياسي لأن اتحاد الطلاب والعمال يعني ثورة، أو انتفاضة كبرى على الأقل مثلما حدث في 1919 و1977. تمثل الاختلاف بين الحقبتين في أنه في ظل النظام الليبرالي مثلت الحركة الطلابية سلاحا مساعدا للحكومات والأحزاب السياسية، بينما اعتبرت في ما بعد 1952 تهديدا مباشرا للنظام ككل. "ففي ظل حكم عبد الناصر، الذي اتسم بالمذهبية الصارمة، اعتبر الاستياء الطلابي تهديدا للعقيدة الحاكمة، باعتباره مثّل بالفعل قدرا من الضغط من أجل التغيير السياسي، وفي عهد السادات، الذي بدأ ليبراليا نوعا ما، استمرت النظرة إلى الطلاب باعتبارهم تهديدا، لأنهم وضعوا الشعارات الليبرالية للنظام أمام محك الاختبار، فكشفوا عن حدود هذه الشعارات بوضوح"(15).

 

جعلت الأحداث الطلبة خصوصا النشيطين منهم، يعيشون في حالة من "الدور النضالي" والحلم الكبير بالتغيير، وهو ما رأته أروى صالح فيما بعد أنه وهم عاشه الطلبة

مواقع التواصل
  

من هنا كان إحساس الطلاب بقوتهم الذاتية بعد 1967 بحقيقة أنهم أصبحوا -عمليا- وحدهم في مواجهة السلطات القائمة، حتى وإن اختارت تلك السلطات في بعض الأحيان أن تشيد بجهودهم الوطنية والنضالية، ما أدى -حسب الدكتور أحمد عبدالله رزة- إلى إصدارهم بيانات نخبوية صارخة، واعتبار أنفسهم صفوة المجتمع والشعب، بل قادته الحقيقين، فيتحدث البيان الصادر عن طلبة هندسة القاهرة إبان الانتفاضة الطلابية في فبراير 1968 عن "فرض احترام الحريات على السلطة الحاكمة، وخاصة احترام قدراتكم (الطلاب) باعتباركم الطبقة القائدة والأكثر وعيا في هذا البلد". كما طالب قرار صادر عن  مؤتمر طلابي بكلية الصيدلة جامعة الإسكندرية أثناء الانتفاضة نفسها بأن تنقل توصيات الطلاب من الجامعة إلى الرئاسة مباشرة، أما خلال المؤتمرات فكان الطلاب يستمتعون بالسخرية من مسؤولي الحكومة كلما سنحت فرصة لقاء بهم(15)

 

كل ذلك جعل الطلبة، خاصة المجموعات النشطة سياسيا منهم، يرون أنفسهم فوق الشعب، ما جعلهم يعيشون في "دور نضالي" وحلم كبير بالتغير السياسي والاجتماعي، ما رأت أروى صالح، في ما بعد، أنه كان مجرد وهم عاش فيه الطلبة، محلقين في خيالهم النضالي بعيدا عن الواقع، حتى استيقظوا وقد سقطوا من علو هذا الحلم على قسوة الواقع، فكانت هزيمة نضالهم وانتهائه صدمة كبرى لكثير منهم.

 

انتصارات طلابية.. وهزائم كبرى

في مقال بعنوان "ماهية الحركة الطلابية"، كتب أحد الطلاب في 1972 يقول "إن الحركة الطلابية ليست شخصا أو آخر يمكن مراقبته ورصدها للتهدئة، فهي قضية تحرير الوطن.. إن الحركة الطلابية ليست اعتصامات ومظاهرات، فتلك وسائل تلجأ إليها أحيانا الحركة الطلابية، لكن بشكل عام فإن الحركة الطلابية هي عقل عام يتسم بالديمومة وغير قابل للتصفية.. وتبقى الحركة الطلابية في مداها القصير صمام أمن ضد تصفية القضية الوطنية، وفي مداها الطويل وعيا يحرك الوطن كله نحو التقدم وضد النيل من وجوده الحر"(15).

 

بتلك الكلمات المتفائلة، كان الطلبة في ذلك الوقت يسجلون ثقتهم في أنفسهم وثقتهم في قدراتهم السياسية على أداء دور قيادي للتصدي لحل مشكلات بلدهم، لكن هذا التفاؤل لم يدم طويلا، فتلك القضية الوطنية التي يتغنى بها الطلاب وينشدون وطنا محررا يسوده العدل الاجتماعي والتقدم الاقتصادي والصناعي سوف تتفكك وتضيع في غياهب النسيان. فبعد فشل انتفاضة الطلاب في 1972، ثم نشوب حرب أكتوبر، دخلت البلاد في دوامة اقتصادية ورسمت سياسات الانفتاح شكلا جديدا للحياة، وجد فيه الطلاب أنفسهم أغرابا عن المجتمع، معزولين عنه، وبعدما كانوا الفئة الأكثر تأثيرا في مجريات الأحداث السياسية وجدوا أنفسهم على هامش الأحداث، تحاصرهم ظروف حياتية صعبة بعد التخرج(16).

 

ويميل بعض الخريجين حين يواجهون حقائق الحياة الصعبة خارج أسوار الجامعة إلى "رسم صورة كئيبة للحركة التي كانوا متحمسين لها بشدة من قبل، "وكما ذكر أحدهم" فإننا نحن الشباب نجامل أنفسنا حينما نصف ما قمنا به على أنه "حركة طلابية"، لأننا لم نستطع حتى الآن أن نبلور الصورة المتكاملة للمجتمع الذي نريده، وسيظل التحرك الطلابي عاجزا ما لم يجتمع الطلبة ليناقواش بهدوء وموضوعية أساس مشكلة الإنسان المصري".(17) ما سيعجل بانتهاء مسيرة النضال لدى بعض قيادات ذلك الجيل، عندما يخرجون من الجامعة ويرون الواقع في صورته الحقيقة، فيجدون أنفسهم منبوذين في العراء، لا ينتمون إلى الواقع ولا إلى قضية، لم تعد موجودة من الأساس، فيفضلون الموت والانتحار.

  

تصاعدت أصوات الطلبة مطالبة باستقلال الجامعة، وفضح الفساد داخل إدارتها وأروقتها التعليمية، ثم انتقلت إلى القضايا السياسية والشأن العام، فشارك الطلبة في الاحتجاج ضد نظام مبارك (غيتي)

 

ورغم تلك الظروف، اندلعت انتفاضة كبرى في مصر في 1977، "ورغم أن دور الطلاب المباشر في هذه المظاهرات كان ضئيلا، حيث أن مظاهراتهم في القاهرة والإسكندرية ذابت في الطوفان البشري بالفعل، بالنسبة  لهذه المظاهرات واسعة المدى، فإن الرئيس السادات اعتبر الطلاب مسؤولين بصورة غير مباشرة "(17). ومنذ اغتيال الرئيس السادات سيخفت صوت الحركة الطلابية في الجامعات تدريجيا، إلا أنه سيتصاعد مرة أخرى خلال عقد التسعينيات إلى أن نصل إلى 2011. فمنذ تسعينيات القرن الماضي وحتى 2011، العام الذي قامت به ثورة يناير، ستتصاعد أصوات الطلبة مرة أخرى، وسيكون حراكهم معبئا بأحمال وقضايا مماثلة لمثيلتها عند طلبة جيل السبعينيات -مع اختلاف أن الطلبة الإسلامين كانوا هم الأنشط حينئذ بدلا من الطلبة اليساريين- فتزامن حراك الطلبة في الجامعات مع الانتفاضة الفلسطينية، ثم غزو العراق، ثم الحرب على غزة.

 

وبجانب كل تلك الأحداث التي شكلت وعي جيل جديد من الحركة الطلابية في جامعات مصر، كانت اهتمامات ذلك الجيل من الحركة الطلابية بالقضايا الوطنية يُعاد تشكيله مرة أخرى، فتصاعدت أصوات الطلبة مطالبة باستقلال الجامعة، وفضح الفساد داخل إدارتها وأروقتها التعليمية، ثم انتقلت إلى القضايا السياسية والشأن العام، فشارك الطلبة في الاحتجاج ضد نظام مبارك، فكان نشاط طلبة جماعة "الإخوان المسلمون"، الذين كانوا الأبرز في تلك الحقبة، ومجموعات الاشتراكين الثوريين، ثم بعد انتصاف العقد الأول من الألفية الثانية ظهرت حركات احتجاجية كان الطلبة جزءا فعالا بها مثل  "حركة مقاومة (شباب من أجل التغيير) **- كفاية - 6 أبريل"(18)

 

انتهى الحراك عندما شاركت بعض المجموعات الطلابية في حملات "تمرد"، ليستولي الجيش بقيادة السيسي على الرئاسة، ولتبدأ حلقة جديدة من الاحتجاج الطلابي  توقفت بعدما أصبحت كلفتها عالية من قتل واعتقال وخطف للطلبة واغتصاب للطالبات

ثم ظهرت حركة "حقنا"، التي كانت امتدادا للجنة الطلابية في حملة دعم محمد البرادعيرئيسا لمصر، قبل أن يعلن الأخير تراجعه عن الترشح. وبعدما يصبح المناخ مشحونا مرة أخرى، ستتفجر ثورة يناير، وأثناء اندلاع انتفاضة الشعب يوم 25 يناير 2011، شاركت أغلب تلك الحركات الطلابية في الاحتجاجات، بل تزعمت مجموعات طلابية مستقلة وغير مستقلة مجموعة من التظاهرات الشعبية في محافظات مصرية عديدة(18).

  

وبعد ثورة الخامس والعشرين من يناير وتنحي الرئيسمبارك ارتفع سقف طموحات الشعب المصري بكافة طوائفه وفئاته، وعلى رأسهم طلاب الجامعات ."فمنذ بداية الفصل الدراسي الثاني من العام الدراسي 2011/2010 في أعقاب الثورة مباشرة، اندلعت حركة احتجاجية واسعة النطاق، سواء من حيث عدد الطلاب المشاركين فيها أو من حيث امتدادها على خريطة الجامعات في القاهرة والإسكندرية وباقي المحافظات، حيث طالت أغلب الجامعات المصرية، الحكومية منها والخاصة. ورفعت هذه الحركة الواسعة مجموعة كبيرة من المطالب، منها ما هو سياسي ومنها ما هو اقتصادي، منها المتعلق بـ"تطهير الجامعات" من القيادات الإدارية التي لها علاقة بنظام مبارك وإحلال قيادات أخرى منتخبة محلهم، ومنها المتعلق باستقلال الجامعة ورفع الوصاية الأمنية عنها وطرد الحرس الجامعي التابع لوزارة الداخلية وأمن الدولة"(18).

 

"كما تعالت مطالب الطلاب بوضع لائحة طلابية جديدة تكفل الحقوق والحريات الطلابية، بالإضافة لعدد من المطالب الاقتصادية والاجتماعية المتعلقة بتخفيض المصاريف الجامعية وأسعار الكتب والحق في الإقامة بالمدن الجامعية وغيرها"، ومع تطور الأحداث السياسية واستمرار حكم المجلس العسكري منذ فبراير 2011 إلى 1 يوليو عام 2012 " تطورت هذه المطالب فتبنى الطلاب خلال الفترة الانتقالية، مطالب معارضة لإدارة المجلس العسكري، مطالبين بسرعة تسليم السلطة للمدنيين". (18)

 

وانتهى هذا الحراك الذي امتلأ بالانقسامات منذ 2011، عندما شاركت بعض المجموعات الطلابية في حملات "تمرد"، التي جمعت توقيعات لعزل الرئيس محمد مرسي، لينقلب الجيش بقيادة عبد الفتاح السيسي (18)، ويتولى الرئاسة لتبدأ حلقة جديدة من الاحتجاج الطلابي في الجامعات، كان على رأسها الطلبة الرافضون للانقلاب العسكري. لكن هذا الحراك الطلابي توقف بعدما أصبحت كلفته عالية جدا من قتل واعتقال وخطف للطلبة واغتصاب للطالبات.

 

الحركة الطلابية.. هزيمة أخرى
مقتل واعتقال طلبة من أنصار جماعة الإخوان المسلمين بعد اقتحام الشرطة لحرم جامعة الأزهر في 28 ديسمبر/كانون الأول 2013 (رويترز)

مع صعود نظام الثالث من يوليو/تموز 2013 إلى السلطة، شهدت الجامعات المصرية حراكًا من نوع آخر؛ فلا هو من النوع الذي نشأ كردة فعل عن احتلال خارجي مثل فترة الستينيات والسبعينيات ولا هو تحرك في اتجاه قضية وطنية عامة ذات إجماع وطني، ولا هو محمل بقضايا كبرى مثل الحراك الطلابي منذ التسعينات، ولكنه حراك يعبر بكيفية مباشرة عن صراع الطلّاب مع السلطة، صراعا "صفريا"(19).

 

ونتيجة لذلك كان لهذا الحراك ثمن باهظ، حيث قتلَ خلال هذه السنوات الثلاث، في قلب حرم الجامعات 21 طالبًا***،  واعتقل أكثر من 3 آلاف آخرين، بالإضافة إلى فصل 1850 طالبًا من جامعاتهم فصلًا نهائيًا. بحسب إحصائيات مركز عدالة للحقوق والحريات(20).

 

هذه التكاليف الكبيرة التي دفعها الطلّاب ساهمت بكيفية أساسية في وصول الحركة الطلابية المصرية إلى ما هي عليه الآن؛ ساكنة ومستسلمة. فالسلطة نجحت في زرع نبتة الخوف في قلوب الطلاب عبر استهدافهم بالقتل والاعتقال والإخفاء القسري والفصل التعسفي، لذا كان من الطبيعي أن يبتعد الجميع عن ساحة النشاط الطلابي وتصاب الحركة الطلابية بالتراجع(21).

 

 ورغم هذه الكلفة الباهظة، استمر الحراك الطلابي خلال الأعوام 2013 و2014 و2015، لكنه خفت تدريجيا إلى أن انتهى إلى حالته الراهنة، ولم يكن انتهاؤه بسبب الخوف وحده، فقد استمر الحراك ثلاث سنوات تعد من أصعب السنوات التي استخدم فيها النظام العنف في مواجهة الطلبة (22) لكن -وباستبيان يعكس آراء شريحة ممن شاركوا في الحراك الطلابي خلال السنوات الأخيرة الماضية (2013 -2015) فإن الإحباط هو السبب الأكبر لخفوت الحراك الطلابي، بجانب فقدان الأمل في التغيير وانتشار حالة اللاجدوى من أي فعل ، حتى وصل الأمر للحظة اليأس الكامل والانتحار، وهي اللحظة ذاتها التي وصلت إليها أروى من قبل.

 

انتحار القضية الوطنية

لكي نصل بين لحظتي موت زينب وشريف ولحظة موت أروى صالح يجب أن نفهم لحظة اليأس والاكتئاب وفقدان المعنى التي ستكون سببا في انتحارهم، فكما أن زينب وشريف وأروى جمعهم الانتحار، فقد جمعتهم حياة نضالية بشكل من الأشكال، فقدوا الأمل في جدواها، ليكتشفوا أن حياتهم بلا معنى، فقرروا الانتحار. ولكي نفهم تلك اللحظات من فقدان المعنى والإحباط والشعور باللا جدوى،  علينا أن نفهم المسار الذي سارت فيه القضية الوطنية، وكيف نظر الطلبة إلى أنفسهم وإلى الشعب، وكيف فهموا النضال وفهموا العالم.

 

  

في مقدمة كتابها "المبتسرون" تساءلت أروى صالح، بشيء من البداهة والغرابة: "لماذا لم تعد هناك قضية وطنية؟"وفي موضع آخر من المقدمة قالت "الواقع أني في اللحظة التي أكتب فيها هذه السطور -وليغفر لي أبناء جيلي- لم أعد أعتقد ان إسرائيل أكثر شرا بكثير من أي من جاراتها ولا أشد جورا، والفارق الوحيد الجوهري -في ما يبدو لي- هو أنها الأقوى حاليا وأعترف -آسفة بحق- بأني لم أعد أعتقد أن الفلسطينين إذا قامت دولتهم سيعدلون في ما بينهم. هل هي عدمية وطنية؟ حاليا، نعم تماما، فلست أجد كل المجازر الوطنية الدائرة في العالم الآن ملهمة على الإطلاق، بل مثيرة للاشمئزاز وحسب"(23).

 

تلك الكلمات نفسها التي قالتها أروى منذ نهاية القرن الماضي يمكن أن نجدها على ألسنة بعض الطلبة اليوم ممن شاركوا في الحراك الطلابي منذ مطلع العقد الأول من الألفية الثانية، أو ممن شاركوا في الحراك منذ 2011/2010، الذين بحّت أصواتهم بالهتاف لمصر والوطن العربي وسقوط إسرائيل، وشاركوا في العديد من التظاهرات وأحرقوا عشرات الأعلام الصهيونية ونادوا بالتغير. تلك الكلمات اليائسة التي تعبر عن فقدان أي أمل في تغير الوضع الراهن وفقدان أي انتماء إلى أي قضية حالية. بل يمتد الأمر ليقول بعضهم بسخرية تخفي قهرا وعجزا  إنه "لا جدوى من أي فعل"، تماما مثلما قالت "زينب"، ومثلما وصفت أروى من قبل جيلها قائلة "من سخريات الحياة المرة، أو التاريخ إذا شئتم، أن جيلنا من المثقفين أو اليسارين أو المناضلين، جيل السبعينيات الذي قسا وهو يهيل التراب على هذا الجيل من مثقفين الستينيات، على ترهله ويأسه وحتى "خيانته"، هذا الجيل ذاته يتساقط ناسه اليوم على موائد العدم بالجملة دون أن يكون قد سمعه أحد"(23).

 

ومثلما نعت جيل السبعينيات، الجيل الذي يسبقه بالعجز، قالت الأجيال الجديدة  التي شاركت في ثورة يناير عن الأجيال التي سبقتها "جيل العواجيز" ثم اكتشفوا أنهم أيضا "عواجيز" وعاجزون عن التغير، وتائهون في دوامة معقدة من العنف وفقدان الهوية وفقدان الانتماء وفقدان القضية، عالقون في ثقب من العجز، توقف فيه الزمن عند لحظة قهر شامل. وكما تقول أروى واصفة جيلها إن "التاريخ لم يمهلهم وعاجلنا قبل أن نبدأ. فنحن أبناء الزمن الذي فقد  فيه حتى الحزن جلاله، صار مملا هو الآخر، مثل "البرد" مثل "الصداع" والملل لا يصنع فنا، فقط أناسا مملين"، كان هذا الجيل أيضا يقتله الملل والانتظار، مثلما قال الطالب شريف قمر قبل انتحاره،  فقد تحول النضال إلى انتحار، وتحولت القضية الوطنية إلى "عدمية وطنية".

 

بل تذهب أروى صالح إلى حد التشكيك في ذلك "الدور النضالي" الذي لعبه جيلها، فتوضح أن الحركة الطلابية بنت مجدها الوحيد على عجز حكم عبدالناصر، في حل القضية الوطنية وبرغم كل شعاراتهم الماركسية فإن وعيهم كان وطنيا لأنهم كانوا جزءا من خريطة عبد الناصر في جزءها الهامشي". أما المناضل السبعيني فقد "توهم أنه بدأ مع الشعب رحلة الاستقلال عن نظام عبد الناصر لكن الجماهير كانت لم تفقد الثقة بالنظام كما فقدها هو، نتيجة اتصاله بمن سبقوه من المثقفين.. فقد كان الشعب متوحدا مع النظام حول قضية الوطن ولم يكن يعي فكرة الطبقات نتيجة الوعي الزائف الذي كرسته سلطة عبد الناصر"(24)

 

تقول أروى: "في حالتنا، للسخرية المّرة أيضا، كان الظرف التاريخي أقوى من طاقتنا كذلك، فالنظام الذي اكتسحهم بانتصاره، اكتسحتنا هزيمته، حين جرت الشعب وراءها بأسره إذ كان مرصوصا وراءه بالفعل من أيام الانتصارات، وحين استفاق، كانت وقعت الواقعة، لقد ظننا أننا أبناء عهد جديد، يبدأ فيه الشعب رحلته المستقلة عن نظام عبد الناصر بعد طول تبعية، ولكننا كنا مخطئين.. أما هذه الحركة الشعبية فقد كان في رؤيتها للأمور من الناصرية أكثر بكثير من أي وعي مستقل".

 

"لم يكن الطلاب ليحتلوا صدارة الحياة السياسية في لحظة إلا لأن هذه اللحظة انتقالية، بل مؤقتة، لأننا لم نكن قد انقسمنا بعد إلى قتلة ومقتولين"

مواقع التواصل
  

وتكمل أروى تحليلها  بـ"أن حرب أكتوبر كانت حربا زائفة، لعبة نسج خيوطها السادات مع أمريكا والكيان الصهيوني.. فقد هاتفه كسينجر ليبلغه بالحدود المسموحة للنصر المزعوم"(24). تقول أروى "في 67 كان النظام ينوي محاولة الحفاظ على ما أمكن من منجزات قومية وفي 73 أدرك أن هذا مستحيل ولكنه كان متورطا في سنين طويلة يمتص فيها غضب الشعب ويخرسه بالاعداد للمعركة. إذن كان لا بد مما ليس منه بد. خاض السادات حربا محدودة للشعب وقدم تنازلات بلا حدود للغرب فكانت مجرد أداة نفسية تمتص سلفا أثر الصدمات الكهربائية اللاحقة لتنازلات لم يجرؤ على تقديمها مهزوما. لقد كان بوسع السادات أن يعفينا من الحرب ما دام الصلح مع أمريكا والكيان الصهيوني هدفه الأصلي"(25).

 

وتختم أروى تحليلها قائلة "لم يكن الطلاب ليحتلوا صدارة الحياة السياسية في لحظة إلا لأن هذه اللحظة انتقالية، بل مؤقتة، لأننا لم نكن قد انقسمنا بعد إلى قتلة ومقتولين، أما بعد أن دخلنا حقبة مظلمة من تاريخنا، فقد دخل الصراع مرحلة جديدة تماما، أكثر ضراوة بكثير من تلك التي أمكن أن يتصدى لها الطلاب في زمن انتهى فيه النضال إلى الأبد، ولا يعلم إلا الله كيف سنخرج منه، فلقد تغيرت القوانين التي كانت تنشب بها الثورات".

 

هكذا، رأت أروى أن نضال جيلها كله كان حقيقيا ومهما، لكنه لم ينتهِ إلى شيء، بل ضاع داخل طيات الزمن والألاعيب السياسية، ويعلق الدكتور شريف يونس قائلا "لم تخرج الحركة الطلابية الماركسية فى السبعينيات عن القطبين اللذين يتنازعان مفهوم الدور.. فهي في المواقف الاحتفالية ذلك البطل الذي خرج من قلب المحنة ليحمي الوطن ويواجه المؤامرات ويمنع الاستسلام... إلخ، ولكنها من الجانب الآخر (الموضوعى) الإفراز الذي أفرزه المجتمع في لحظة معينة كي يقوم بمهام التمثيل أو التعبير عن المجتمع (وأيضا الوطن أو الشعب) وعن موقف البروليتاريا من القضية الوطنية فى مواجهة الإمبريالية، ومطالبها إنما نسجتها الظروف التاريخية العامة لهذا المجتمع أو الوطن أو الشعب، فى لحظة الهزيمة وتهديد الأعداء وتخاذل النخبة وغياب الديمقراطية... إلخ".(26) 

 

وينطبق هذا أيضا على الحركة الطلابية في وقتنا الحالي منذ عام 2011، فكما يقول الباحث أحمد عطا الله، في تقريره "تأميم الجامعات"، فإن "الحركة الطلابية المصرية هي حركة لا اجتماعية، والحركات اللااجتماعية هي مجموعة من الأفعال المنتظمة لأشخاص غير منظمين تؤدّي أنشطتهم إلى إحداث تغيير اجتماعي ما، حتى إن لم تكن هذه الأنشطة محمّلة بإيديولوجيا أو تحرّكها تنظيمات". ويضيف عطا الله، أنه "عند النظر لفترة السبعينيات، نجدها من أكثر فترات الحركة الطلابية صخبًا وازدهارًا،  لكن رغم قوة التحوّلات المصاحبة وعمق الروافد الفكرية ومدى وطنية القضايا التي حملتها الحركة،  انتهى دور هذا الجيل جامعيًا ببساطة بعد التخرّج، باستثناء بعض النماذج. وهذا يدّل على وجود عيب خطير في الحركة الطلابية وهو الانقطاع الجيلي بين خبرات الجيل الأكبر والأصغر سنًا،  فبدلًا من استفادة الأجيال الجديدة من الخبرات السابقة، يحاولون إعادة اختراع العجلة من جديد"(27).

 

"تأميم الجامعات" إعداد أحمد عطالله الباحث بمركز عدالة للحقوق والحريات (مواقع التواصل)

 

ويكمل يونس "إذا كانت الحركة الطلابية قد حازت قوة التمثيل على النحو الذى رأيناه باعتراف الأطراف المختلفة ذات الصلة... وفقا لمبدأ التمثيل، فإنها افتقرت إلى الوضع المؤسسي الذى يجسد هذه الطاقة التمثيلية. فالحركة الطلابية ليست حزبا سياسيا، وليس لها الإطار التنظيمى الذي يجسد الصلة المتجددة بالشعب الذى تمثله، وبالتالي كان التمثيل الذي تمارسه الحركة بالفعل هو تمثيل مجرد، تمثيل على المستوى الأيديولوجي، نوع من الامتلاك التجريدى للقيمة والحقيقة، من خلال الخريطة الكلية لتوازنات القوى الأيديولوجية التى أتاحت هذا الامتلاك المجاني. ويمكن أن نطلق على هذا النوع من التمثيل مصطلح التمثيل الرومانتيكي. فالذات التمثيلية غير المؤسسية تمارس دور البطل الرومانتيكي حامل الحقيقة،  لتتشبه بالأبطال الشعبيين الذين يعيشون على الجبال ويغيرون على الأغنياء ويتركون للمقهورين مهمة رفعهم إلى مستوى أبطال يعبِّرون عنهم"(28).

 

وهو الأمر الذي حين اكتشفته أروى في نهاية حياتها، أصرت على أن تستكمل حياة "البطل"، ولأن البطل ليس له أي دور في الحياة، بعدما  انتهت القضية التي حارب من أجلها،  قررت أروى الانتحار بعدما فشلت في العثور على شكل آخر للحياة خارجة حياة النضال(29). لكن إذا كان هذا هو الحال مع الحركة الطلابية في السبعينيات فماذا حدث مع زينب المهدي وشريف قمر؟

 

"الكيتش" النضالي

تحاول أروى، مرة أخرى، أن تجيب عن أسئلتها الخاصة "لماذا انضمت إلى الحركة النضالية من الأساس؟ ولماذا أصابها الإحباط وفقدان المعنى بعد هزيمة الحراك الطلابي في السبعينيات، فتقول "لماذا إذن كنا ننضم، جماعات وأفرادا، إلى الجماعات النضالية الرائجة في زمننا؟ أكنا نستجيب لنداء التاريخ، لعدل ميزانه؟ كما كان سيجيب الواحد منا دون إبطاء لو سئل يومئذ، أم لدوافع خفية. والأرجح أن كلا الإجابتين صحيح، يستجيب قسم من الناس لحالة جماعية من الوعي، يبادرون بالحركة، لعدل ميزان الحق أو التاريخ الأعوج دائما، وخلال ذلك يحاول الواحد منهم بنبل إن استطاع أن يقفز على أزماته الداخلية (وليس في الأزمات الداخلية ما يخجل) لكن في كل الأحوال لا يحق لمخلوق مساءلة مناضل أو مجاهد عن دوافعه الشخصية، وما بين الدوافع الخفية والنداء العام  يوجد وسيط، سماه الأديب ميلان كونديرا "الكيتش"، والكيتش، حسب أول تعريف له قدمه الأديب، هو كلمة ألمانية انتشرت في "القرن التاسع عشر العاطفي" بتعبيره، والكلمة الألمانية تعني "نفاية"، وصارت إشارة معتمدة للأدب والفن الهابط"(29).

 

واستكمالا لما طرحه شريف يونس عما سماه "التمثيل العاطفي/الرومانتيكي" الذي عبرت عنه الحركة الطلابية، توضح أروى "غير أن الكاتب يستخدم الكلمة هنا في سياق خاص، سياق يدعو لنوع من أنواع الرومانسية والعاطفية المستبدة والذي يمكن أن يكون مرادفا لحلم "الخلاص الجماعي"،  بهذا المعنى يمكن القول إن هناك نظريات عدة تقابلها أنواع عدة من الكيتش، وفي ما يتعلق بالنضال فهناك المسيرة الكبرى، هذا الشيء الرائع للأمام باتجاه الأخوة والمساواة والعدالة والسعادة.. جميل أن تحلم بأن تكون في عداد جماعة تمشي قدما عبر العصور، وفي مملكة الكيتش التوليتارية تُعطي الإجابات مسبقا، محرمة بذلك أي سؤال جديد، فلذلك فبقدر ما أن الكيتش هو في آخر المطاف المثل الأعلى لكل السياسيين ولكل الحركات السياسية، يكون الإنسان الذي يتساءل هو العدو الحقيقي للكيتش، ولذلك فإن الكيتش قناع يخفي وراءه الموت، هذا في رأي الكاتب التشيكي على الأقل".

 

لكن أروى استخدمت مفهوم "الكيتش" لتفسر به انتماءها العاطفي الشديد للحياة النضالية، والتي لم تستطع التخلص منها، بل و فقدت المعنى عندما خطت خارجها فتبين "أما تعريفي الخاص فإن الكيتش يقع عند نقطة التماس بين النداء العام (نداء الواجب) وبين الدوافع الخفية ومن ثم يفسر لقاءهما "أنه الوفاق التام مع الوجود". الوفاق التام كرغبة محرقة عند أناس يشعرون بالضبط بعدم الوفاق مع أنفسهم ومع العالم، كأنهم خلاصة لإحساس أشقائهم البشر بالنقص الكامن دوما في الكائن الإنساني (ربما خفته التي لا تحتمل والساعي أبدا للاكتمال) تلك الثغرة في الوجود الإنساني التي من توترها بين الحلم والواقع بين الأمل في الوفاق التام والعجز عنه تصنع المواهب الكبيرة وأيضا كل أنواع الإحباط والفشل والجريمة".

 

  

وتتابع "غير أن لحلم الوفاق التام معضلاته وتناقضاته، فلكي يثمر حقا ينبغي أن تصدقه بما يكفي كي تقامر -تقامر بوجودك كله في لحظة- وهو بالضبط ما يفعله المناضلون في لحظة انتشاء بامكانية "تجاوز الوجود الفردي والمصير الفردي (ولقد عرفنا كلنا حتى أسوؤنا حلاوة هذه اللحظة، إنها لحظة حرية،  لحظة خفة لا تكاد تحتمل، من فرط جمالها)"(29)

 

لكن ماذا يحدث عندما يفيق الإنسان من هذا الوهم/الكيتش، فيجد نفسه في العراء وحيدا أمام الواقع بكل قسوته؟ "لقد سقط الكيتش وبقى وجها لوجه مع دوافعه الخفية غريب أن تنتبه دفعة واحدة تتذكر في لحظة أن المشوار الذي قطعت فيه العمر بدأ دون حب لموضوعه الفعلي المعلن المشترك النضال السياسي بل تحت عبء باهظ بالاحساس بالواجب، أحقا نداء الواجب؟. فخلف  كلمات السياسة والتاريخ والوطن والطبقة، النضال والشعب تقبع مفاتيح أخرى لا تتصل بكل تلك الكينونات. وليست مصادفة أن أول عبارة في هذه السطور تتكلم عن "الأخلاق"، الأخلاق كسبيل ينظم فوضى الحياة، قسوتها غير العادلة أمام روح تشعر شعورا جازما بنقصها الخاص، بعجزها. ومن ثم تلتقط بلياقة خاصة -لياقة المجروحين- صور اللاعدالة في الحياة وتبحث بلهفة مفهومة عن العدل وعما يجب أن يكون"(29).

 

وهذا يفسر بالضبط انهيار زينب المهدي، تلك الروح التي لم تعد تحتمل صور الظلم وقسوة غياب العدل، بجانب أن "زينب" كانت تنتمي إلى إيديولوجيا "الإسلام السياسي" بكل سردياتها و"كيتشها أو مسيرة الخلاص الجماعي" التي طالما وعدت به المنتمين إليها بإقامة الحكومة العادلة وإنهاء صور الظلم، لكنها تركت الانتماء للإسلام السياسي قبل انتحارها بفترة، وخلعت الحجاب، معلنة احتجاجها الكلي، ملتمسة لأقل قدر من الحرية، لكنها وجدت نفسها أكثر وحدة في واقع أكثر قسوة مما توقعت.(30)

 

الحياة خارج الكيتش

إذا كان الانتماء قد منح "زينب" شيئا من الدفء يقيها قسوة الواقع، كما منح أروى من قبلها معنى لحياتها، فإن الخروج من "الحياة النضالية" إلى الحياة العادية قد مثل نقلة كبيرة في حياة كل منهما، بل كان القشة التي قصمت ظهريهما ودفعتهما إلى لحظة الانهيار الكامل واليأس الحاد ثم الانتحار.

 

تحكي أروى في رسالتها التي أرفقتها بكتابها "المبتسرون" قائلة :" لكن حتى في التوازن النفسي، أنا كنت شايفة أني قطعت خطوة مهمة في إرساء أساس حقيقي في علاقتي بالحياة بالواقع.. وتخلصت من كثير من مخاوفي في التعامل مع الناس، خاصة وانا متشردة في الحياة، بدون وضع اجتماعي من أي نوع، حتى السكن كان في ضيافة أختي.. الشغل لفظني لأني متعالية على قانون العلاقات فيه، وفي نفس الوقت مش قادرة أحمي نفسي المتعالية من القوانين ديه... أنا حقيقي في مطب.. هل فكرة الهروب للخارج بتحمل في الحقيقة "تقاعد مبكر عن الحياة"؟.. شيء مؤلم جدا أني ألاقي نفسي قدام نفس السؤال الحائر اللي استولى عليا في مرضي، أعمل إيه؟.. البحث عن دور يبرر الوجود الفردي ويعطيه أهمية، في الوقت اللي بتنسحق فيه ذوات الناس بالجملة.. لأني ابتديت أحس بقوة بأن الفقر بياكل روحي، وإني محتاجة لمقاومة منهجية وإلا فإن نوعا من الدمار لا أعرفه سيلتهم روحي".

 

 

وفي رسالة أخرى تشرح أروى بدقة ما كانت تريده، كأنها تتكلم بلسان زينب وشريف فتقول "أنا كنت بطمح لحياة جميلة ومليئة، والفرار من قدر الملل جوه بيوت الطبقات الوسطى، وفي كل مرة كان بيتحطم الحلم، ويسبني ركام وراه، كانت دهشتي بتعادل عذابي.. لكن دلوقتي سلمت أن الفرار ده مستحيل، بالظبط زي ما هو مستحيل خلق يوتوبيا من الجمال والعلاقات الإنسانية في مجتمعات غير إنسانية، كان من العدل أن الحياة تسخر بقسوة من أوهامي، اللي في الحقيقة لا تخلو من أنانية، أنانية الرغبة في تفادي القدر المأساوي اللي بيلف حياة الغالبية العظمى من الناس، واللي بتفرضه عليه الأقلية المالكة في كل مكان في العالم".

 

ومثلما عانت أروى في حياتها الخاصة، لأنها لم تكن تملك حياة اجتماعية بأي نوع -حسب قولها- عندما خرجت من مسيرة النضال الجماعي، فحاصرتها الأسئلة وقسوة الحياة حتى قررت الانتحار، كان الأمر نفسه مع "زينب"، التي تركت بيت أهلها وعاشت بمفردها، ثم خلعت الحجاب فتركها أغلب أصدقائها وصديقاتها وحيدة، تلتهمها الأسئلة ويأكل اليأس والإحباط من روحها، حتى قررت الانتحار لتضع حدا لآلامها(****).

 

وعندما انعدمت الحياة الاجتماعية خارج حياة النضال، كانت الهزيمة داخل النضال الجماعي تعني هزيمة نهائية، دون ملجأ يختبأ فيه الانسان؛ هكذا اكتملت لحظة انتحار الحركة الطلابية. فمن جهة هناك وضع سياسي مغلق ومتأزم، ومن جهة ثانية وضع أمني شديد العنف والاجرام، ومن جهة ثالثة انعدام لأي توافق وطني مع تفكك للقضايا الوطنية، وأخيرا وضع اجتماعي مفكك وحياة اجتماعية صعبة وواقع قاس يقابله الشباب وحيدا دون أي دعم مادي أو معنوي.

 

ويبقى أن نقول ما قالته أروى صالح "خصوصية المأساة عند جيل خاض تجربة التمرد هي أنه مهما كان مآل كل واحد من أبنائه -سواء سار في سكة السلامة: طريقة التوبة، الإذعان لقوة الأمر الواقع، وحتى إعلان الكفر بكل قيم التمرد القديم، أو طريق الندامة: الانهيار، اعتزال الحياة، المرض النفسي -فإنه شاء أم أبى لا يعود أبدا الشخص نفسه الذي كان قبل أن تبتليه غواية التمرد، لقد مسه الحلم مرة، وستبقى تلاحقه دوما ذكرى الخطيئة الجميلة -لحظة حرية، خفة لا تكاد تحتمل لفرط جمالها -تبقى مؤرقة كالضمر، وملهمة ككل لحظة مفعمة بالحياة والفاعلية، ومؤلمة".

 

==================================

 

الهوامش:

(*) "أروى صالح" كاتبة ومترجمة مصرية.. انتمت للحركة الطلابية في سبعينيات القرن الماضي،  تلك التي تأثرت بحركة الطلاب في فرنسا في الستينيات،  كما يرجعها بعض المحللين الآن،  وكانت هذه الحركة مصدر إزعاج كبير للرئيس "السادات"،  حيث أنها كانت تضغط عليه للتعجيل بالحرب لاسترداد الأرض.. تخرجت "أروى" في كلية آداب جامعة القاهرة،  وقدمت كتابات في عدد من الصحف والمجلات الشهيرة.. وانتحرت يوم 7 حزيران/يونيو 1997،  فقد ألقت بنفسها من الطابق العاشر.
ترجمت "أروى صالح" كتاب للكاتب الإنجليزي "توني كليف"،  هو (نقد الحركة النسوانية).. ذلك الكتاب الذي لا يزال يستخدم كمصدر هام لنقد الحركة النسوية الغربية،  بعد تحليل جذورها وأسباب نموها وانتشارها في "أميركا،  وبريطانيا،  وفرنسا"،  والدول الأوربية الأخرى،  وصدر هذا الكتاب عن سلسلة "كتاب الأهالي".. كما كتبت بضع دراسات نقدية عن الروائي "صنع الله إبراهيم"،  وقامت بكتابة ترجمات شعرية للشاعر الألماني "ريلكه"،  وبعض ترجمات أخرى نشرتها في مجلة "القاهرة"،  وأصدرت "أروى" كتاب (المبتسرون)،  انتقدت فيه جيل السبعينيات من اليسار المصري والذي عرف بـ"جيل الحركة الطلابية".. وقد تلقت نقداً لاذعاً وهجوماً شرساً بسبب انتقادها لجيل السبعينيات ذلك الجيل الذي انتمت له.. وبعد وفاتها صدر كتاب (سرطان الروح) عن دار النهر في 1998،  وضم أعمالها غير المنشورة،  فقد جمع أصدقائها بعض مما كتبته في ذلك الكتاب
(**) تعود نشأة "حركة مقاومة" إلى عام 2005/2006 بجامعة حلوان، حيث اسسها مجموعة من الطلاب الاشتراكيين، ونشأت في البداية تحت مسمى "طلاب من اجل التغيير" والتي كانت الذراع الطلابي لحركة"كاية" داخل اسوار الجامعة
(***)يلاحظ هنا أن أعداد القتلى والمعتقلين المذكورة،  هي لمن قتلوا أو اعتقلوا من الطلاب في الجامعات،  أما إذا أضفنا أعداد الطلاب الذين تمّت تصفيتهم،  والمعتقلين من أماكن أخرى،  فهذا الرقم سيتضاعف بالتأكيد
(****) صديق "زينب مهدي" يروي قصتها: "كانت عايزة تنتحر وافتكرتها بتهزر".

المصادر

مئوية سايكس بيكو

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار