انضم إلينا
اغلاق
متلازمة التعالي.. كيف أسهمت فوقية أوروبا في عرقلة الاندماج؟

متلازمة التعالي.. كيف أسهمت فوقية أوروبا في عرقلة الاندماج؟

شريف مراد

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض

"أنا أعتقد أنَّ الوطن أمرٌ شخصيٌ جدًا، لقد تعلَّمت من فيلم فلاسر أنَّ الوطن فكرة إشكالية، وبالتالي قد تكون خسارتك لوطنك شكلاً من أشكال التَّحرر؛ فبخسارتك له تبدأ سعيك لإيجاد وطنٍ جديد؛ وبالتالي تجربة جديدة؛ فالوطن لم يُعد يُعرّف بأنَّه الأصول أو الإقليم؛ بل من المُمكن أن يتمثَّل في كتابٍ جيد، أو حوار، أو نشاط مألوف، أو نشاطٍ تعاوني، أو تجربة جديدة، قد يبدو هذا شاعريًا جدًا وغير واقعي؛ لكن هكذا تبزغ الأفكار الجديدة"

(سغفريد زيلينسكي)

 

حين نفقد الأمن والقدرة على الكلام، وحرية التنقل، وحرية التعبير والفعل، بسبب أنظمة المجتمع والسياسة، أو سُلطة المال والحذاء العسكري، فانعدام تلك المقومّات الأساسية؛ تفقد فكرة الوطن معناها الفعلي، ولا يتبقى منها إلا ما تقيّده الذاكرة عنها، ومع انهيار كهذا قد تكون الهجرة ضرورة؛ ليس فقط لمجرد النجاة بالحياة والتمسك بها، وبالأمل في غدٍ أفضل؛ لكنها فرصة كذلك لبناء أفكار جديدة والمرور بتجارب مختلفة، والأهم التعرف على ثقافات، ومجتمعات جديدة، وطرائق مختلفة للعيش والحياة، ما يُنمي القبول بفكرة الاختلاف كجوهر للحياة وللوطن، وللإحساس بالأمن؛ بدلا عن التجانس، والتعدد والتعايش بين الثقافات المختلفة؛ بدلا عن التنميط والانغلاق الهوياتي.

 

الهجرة والنزوح عن الوطن بأي حال، ليست فكرة جديدة، وليست وليدة لأزمات معاصرة قريبة، فعلى سبيل المثال، كانت هذه الفكرة خلف تاريخ طويل امتلكته القارة الأوروبية من الهجرات والنزوح عن الأوطان واستبدالها بأوطان جديدة(1).

بنهاية الحرب العالمية الثانية تحديدًا، والتى كانت أحد أكبر وأقسى الحروب والمآسي التي عاشتها الإنسانية عامة، وأوروبا بشكل خاص؛ تم تتويج عصر كامل من الصراعات والحروب داخل أوروبا

غيتي

فبسبب المعاناة من الحروب والثورات والمجاعات، والفقر، والحرمان الاقتصادي والاجتماعي، قام ملايين من الأوروبيين بالهجرة خارج أوروبا خلال قرون متتالية، أبحرت فيها مجموعات ضخمة أوروبية عبر المحيط الأطلسي إلى أميركا الشمالية والجنوبية، وإلى أماكن نائية مثل أستراليا، للهروب من البؤس والسعي إلى إيجاد فرصة لحياة أكثر رحابة، خارج لعبة الموت والدمار الأوروبية التى بدا وقتها أنها لن تنتهي!(2).

 

ومع قدوم النصف الأول من القرن العشرين، كان الاضطهاد والعنصرية، والقمع السياسي، ومآسي حربين عالميتين، من أسباب الهروب من أوروبا واللجوء إلى بلدان خارجها، وبنهاية الحرب العالمية الثانية تحديدًا، والتى كانت أحد أكبر وأقسى الحروب والمآسي التي عاشتها الإنسانية عامة، وأوروبا بشكل خاص؛ تم تتويج عصر كامل من الصراعات والحروب داخل أوروبا(3).

 

اليوتوبيا الأوروبية والعودة إلى العالم

يسرد "يوشكا فيشر" المفكر والسياسي الألماني البارز، أنه بعد الحرب العالمية الثانية، ونتيجة للتسويات السياسية والأيديولوجية التي أعقبت الحرب، وبمساعدة هائلة من الولايات المتحدة، استطاعت أوروبا المُثخنة بالجراح أن تقف على قدميها في وقت قصير في ميزان أعمار الدول والشعوب، وأضحت -من جديد-  من بين أكثر مناطق العالم ثراء وتحقيقًا للرفاه.

 

مع تزايد أعداد اللاجئين إلى أوروبا؛ صار العديد من الأوروبيين يشعرون بأنهم باتوا مهددين مرة أخرى، ليس من قِبَل دول أجنبية تمارس ضغوطا عدوانية وتهدد بالحرب؛ بل بفِعل مهاجرين ولاجئين

مضيفًا؛ أنه طيلة عقود ما بعد الحرب، كان المنتمون إلى الغالبية العظمى من الأوروبيين يعيشون في دول ديمقراطية مسالمة تحترم حقوقهم الأساسية، وتسعى لزيادة معدلات الدخل وتحقيق الرفاهية والسعادة لمواطنيها. وتحول بؤس أوروبا وحروبها وثوراتها وهجرتها مع أجيال ما بعد الحرب إلى ذكرى بعيدة، تحفظها الروايات والأفلام السينمائية والأعمال الفنية لإنتاج الدراما فى حياة باتت أغلب الأحيان هادئة، روتينية، خالية من التاريخ والدراما(4).

 

وبحسب "فيشر" فإنه منذ نهاية الحرب وحتى عامٍ مَضَى، ظل الأوروبيون يعتقدون أنهم يعيشون في ملاذ من نوع ما، في معزل عن الصراعات الحالية التي تجتاح العالم. فبالرغم من أن أخبار المهاجرين الغرقى وصورهم المروعة في النشرات الإخبارية جلبت الكثير من التعاطف داخل المجتمعات الأوروبية؛ لكن المأساة التي بدأت فصولها في جزر البحر المتوسط وجنوب الشواطئ الأوروبية، كانت تبدو بعيدة تمامًا عن ممارسات حياتهم اليومية(5).

 

وبمجرد تلاشي آخر بصيص للأمل فى العودة إلى سوريا، بدت أوروبا لهؤلاء الذين صارو بلا وطن، في صورة فِردوس أرضي، تَعِد بمستقبل من السلام والحرية والأمن، وسائر مفردات الحياة الكريمة، وبدأ عشرات الآلاف من النازحين يحملون يأسهم وجراحهم، وصورة عن العالم والتاريخ الذي نسته أوروبا، مُتوجهين به إليها(6).


قدِم اللاجئون إلى أوروبا عن طريق تركيا واليونان ودول البلقان، أو عبر البحر الأبيض المتوسط هربًا من فوضى مماثلة في إريتريا وليبيا والصومال والسودان(7). ومع تزايد أعداد اللاجئين إلى أوروبا؛ صار العديد من الأوروبيين يشعرون بأنهم باتوا مهددين مرة أخرى، ليس من قِبَل دول أجنبية تمارس ضغوطا عدوانية وتهدد بالحرب؛ بل بفِعل مهاجرين ولاجئين، في مجملهم عرب أو أفارقة مسلمون وفقراء.

أحد المعارضين للحكومة وتوجهاتها للانفتاح تجاه المسلمين (غيتي إيميجز)

 

لتظهر من جديد في مختلف أنحاء أوروبا مشاعر كراهية الأجانب والعنصرية الصريحة، والنزعات القومية، وتتعالى أصوات قديمة تُطالب -بعد ستة وعشرين عاما من سقوط الستار الحديدي- في أغلب بلدان أوروبا تقريبا بعودة سياسات العزل والترحيل الجماعي، وبناء جدران وأسوار جديدة ضد هؤلاء الآخرين الجدد؛ حتى وجدت أحزاب اليمين الأوروبي المتطرف ظروفًا مثالية لهيمنة خطاباتها ونشر رؤاها(8).

 

أوروبا والآخرون الجُدد

بحسب الكاتبة "ناتالى نوغايريد" فإن الادعاء الرئيس الذي تعتمده المؤسسات والقطاعات الأوروبية اليمينية فى الهجوم على المهاجرين واللاجئين، هو أن صورة أوروبا التاريخية وثقافتها سوف تنهار تحت وطأة هجوم الوافدين من ثقافات غير قابلة للاندماج والحياة في أوروبا بشكل سلمي، ففي فرنسا وألمانيا، هناك نظرية "الاستبدال الكبير" التي انتشرت في أوساط اليمين واليمين المتطرف بشكل ملحوظ، وتقول تلك النظرية إنه كنتيجة للهجرة، سيتم إحداث تغيير ديموغرافي  كبير؛ الأمر الذي  من شأنهِ إحداث تحول جذري في هوية أوروبا على المدى المتوسط والطويل(9).

 

يستنكر هنا الأنثروبولوجي طلال أسد -في هذا الجانب- اقتصار الحديث والشكوى على أن المسلمين والمهاجرين غير قابلين للاندماج؛ بينما يتم السكوت عن المجتمع وطبيعة الثقافة المطلوب منهم الاندماج فيها(10).

 

حيث شهدت أوروبا -خلال السنوات الماضية في مواجهة بروز الهوية الإسلامية داخل أوروبا مع الأجيال الثانية والثالثة للمهاجرين وتزايد أعداد اللاجئين- تمددًا خطابيًا مقابلا للهوية المسيحية لأوروبا، وهو تشديد خطابي واضح يظهر بوضوح في تصريحات سابقة للمستشارة الألمانية "أنجيلا ميركل" وغيرها من زعماء أوروبا، على أنه لا مكان لمن لا يقبل بالقيم المسيحية؛ فضلاً عن الإشارة إلى مسيحيّة أوروبا بشكل مُحدد مع كل حديث جدي عن انضمام محتمل لتركيا إلى عضوية الاتحاد الأوروبي.

التعبير الأوروبي بالانتماء  للمسيحية لا يعني زيادة المعدل الإيماني بل بالمرجعية الثقافية والحضارية لمواجهة الثقافة والهوية الإسلامية  (بيكساباي)


غير أنه يجدر بنا أن نذكر هنا أن التعبير الأوروبى عن الانتماء للمسيحية لا يعني بأي حال ارتفاع معدل الإيمان الديني أو الانتظام في ممارسة الشعائر المسيحية، وهو أمر يشهد انخفاضاً ملحوظاً فى أنحاء أوروبا؛ ولكن الأمر يتعلق -فى نهاية المطاف- بمرجعية ثقافية وهوياتية راسخة فى مواجهة الظهور الثقافي والهوياتي للمسلمين في الفضاء الأوروبي(11).

 

يورغن هابرماس أو الحل في أوروبا

ينقد الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني "يورغن هابرماس" -متفقًا مع طلال أسد-فكرة دمج المهاجرين التي يُروج لها بشكل أحادي من جانب الحكومات وقطاع واسع من المؤسسات الأوروبية؛ مشيرًا إلى أن فكرة الاندماج ليست عملية من اتجاه واحد، فعلى الدول والمجتمعات الأوروبية كذلك توسيع أفقها لتقبل الثقافات الأخرى.

 

موضحًا أن مشاكل الهجرة واللجوء تظهر بوضوح في المجتمعات الأوروبية التي تطورت عبر نشأة اصطناعية رومانسية ذات عمق ميتافيزيقي غير عقلاني أو نقدي، وبولاءات قديمة مُلهمة أو ملحمية تكثف الشعور القومي(12).

 

فبسبب هذا النسيج الاجتماعي الهوياتي العضوي شديد التماسك والقابل للاشتعال بسهولة عن طريق تغذية الروح والمشاعر الوطنية بشكل زائد، تجيب المجتمعات الأوروبية التاريخية على مشاكل الهجرة واللجوء بحساسية وصعوبة أكبر من المجتمعات التعددية التى عرفت الهجرة طوال تاريخها؛ دون الكثير من المشاكل مثل المجتمع الأسترالي والأمريكي(13).

 

ويؤكد "هابرماس" على أنه لا حديث فعلي عن الاندماج بدون توسيع الأوروبي لأفقه الثقافي والأخلاقي، والاستعداد لتحمل مجال أوسع من الروائح والأفكار؛ بل حتى احتمال آلام التنافرات المعرفية.
 

ضاربا مثالا بما يسميه المُسلم المجاور؛ باعتباره يشكل اختبارا للثقافة الأوروبية، ومحفزا نقديا للأوروبيين المتدينين والعلمانيين على حد سواء؛ فالمسلم سوف يقدم للمتدين المسيحي الأوروبي حقيقة دينية منافسة، وسيعيد للعلماني الأوروبي ظاهرة المظاهر الدينية العلنية إلى وعيه، وعلى الرغم من أن ذلك قد يذكر الكثير من الأوروبيين بالكثير من المشاعر والممارسات فى التمثُلات التقليدية التى سادت حتى النصف الأول من القرن العشرين، والتى لا تتناسب فى الوعي العلماني الأوروبي مع الديمقراطية وحقوق الإنسان. ليدرك الأوروبي بصفة عامة والعلماني بصفة خاصة، حجم التسرع فى اعتقاد انسحاب الدين من المجال العام نهائيًا، وحجم الاستخفاف كذلك في النظر لمعاصريهم من المتدينين، كمجرد مثال لعيّنات اقتربت من الانقراض.

يتنبأ "هابرماس" بأن استكمال بناء الهوية الأوروبية هو الحل الأوروبي الأكثر مثالية؛ حيث يؤكد على ديناميكية الهوية الأوروبية التعددية عرقيًا وإثنيًا وقابليتها للانفتاح والتعامل بشكل إيجابي فى دمج المهاجرين واللاجئين

غيتي

وهو ما يفرض على جميع المشاركين فى المجال العام الدخول فى عملية تواصليه نقدية مع الآخر، فالاندماج كما يضيف "هابرماس" عملية تعليمية تواصلية ونقدية بالأساس تقوم على أساس المعاملة بالمثل(14).

 

على الرغم من تحذير "هابرماس" الواضح من عسكرة العقل الأوروبي على طريقة الرئيس الأمريكى جورج بوش، وهيمنة الأمني والعسكري على الثقافي والاجتماعي والسياسي فى التعاطي مع قضايا المهاجرين واللاجئين؛ إلا أنه لا يخرج في كثير مما يطرحه من حلول عن الأُطر الدولتية والمؤسسية التقليدية.

 

حيث يؤكد على أن دور الدولة الليبرالية الأوروبية الحديثة، هو الدور الرئيس فى إدارة عملية الاندماج مع إشارة إلى مؤسسات المجتمع المدني، فحسب "هابرماس" على الدولة الليبرالية -عن طريق أجهزتها التربوية والتعليمية- أن تلزم جميع المعتقدات الدينية بحسن المعاشرة بين الإيمان والعقل، وبتأكيد اختصاص المؤسسات العلمية العقلانية فى إنتاج المعرفة، وبمرجعية المبادئ الكونية الأساسية والقانونية الحديثة(15).

 

وفي الأخير يتنبأ "هابرماس" بأن استكمال بناء الهوية الأوروبية هو الحل الأوروبي الأكثر مثالية؛ حيث يؤكد على ديناميكية الهوية الأوروبية التعددية عرقيًا وإثنيًا وقابليتها للانفتاح والتعامل بشكل إيجابي فى دمج المهاجرين واللاجئين، مقابل الهويات القومية الأوروبية الضيقة وإرثها السيئ(16).

 

طلال أسد.. أو أوروبا كجُزء من المشكلة
طلال أسد: ابن محمد أسد، مفكر الإسلامي نمساوي الأصل وباكستاني الجنسية، له مؤلفات مشهورة عديدة عن الإسلام والقرآن والدعوة. (مواقع التواصل)


على الرغم من الاتفاق بين عالم الأنثروبولوجيا طلال أسد وعالم الاجتماع "يورغن هابرماس" فى نقد تصوير عملية الاندماج؛ أنها عملية تتم من جانب واحد، وهو جانب المهاجرين كدخلاء على الثقافة الأوروبية والتأكيد المشترك بينهم على دور المجتمعات الأوروبية فى التعاطي بإيجابية ونقد ذاتي مع هذه العملية.

 

إلا أن كلا منهما يتناول الموضوع من زاوية مستقلة؛ حيث يذهب الأنثروبولوجي طلال أسد أبعد من "هابرماس" فى نقد وضعية الخطابات والممارسات الأوروبية تجاه قضية المهاجرين واللاجئين.

 

يطرح الدكتور طلال أسد قضية الاجئيين  والمهاجرين للنقد وللمساءَلة عن دورها وموقعها في عملية التفاوض والدمج مع المهاجرين المسلمين

يشير طلال أسد إلى أن قضية اللاجئين في أوروبا تشير إلى مشكلة أوروبا ذاتها قبل أن تشير إلى مشكلة اللاجئين، أوروبا التي لا تزال تصرّ على أنها ذات هوية ثقافية وبنية ثابتة جوهرية تفصلها عن الآخر، والتي -بنفس المنطق- تريد أن تعيش، في اللحظة نفسها، ما قبل وما بعد الاستعمار. تريد -بمعنى آخر- أن تكون "أوروبا" عصر النهضة تمامًا، بكل مُميزاته؛ جماعات ثقافية وعرقية وإثنية أوروبية ومسيحيّة مُتجانسة، و"أوروبا" الاستعمار تمامًا، بكل مكتسباته، وتراكمه الإمبريالي والرأسمالي الذي أنجزته خلال فترة الاستعمار، وهو ما يستحيل تحقيقه(17).

 

موضحًا أنه حين نطالب "كأوروبيين" المهاجرين واللاجئين العرب والمسلمين بالاندماج في ما يتم الإشارة إليه "بثقافتنا وقيم مجتمعنا المساواتي العلماني"، بديهي أن يكون لدينا إجابات عن ماذا أو من "نحن" وماذا يعني أن يكون المرء أوروبيًا أو فرنسيًا أو بريطانيا وبعد ذلك، وماذا تعني العلمانية للدين الإسلامي عموما، وللأقليات المسلمة خصوصا، وما يتوجب علينا فعله -مرة أخرى-  كأوروبيين لنغير نواحٍ من أنفسنا حتى نُساهم بشكل إيجابي فى دعم عملية الاندماج والتواصل(18).

 

بيد أنه استمرار الحديث عن أوروبا وكأنها كيان متعالٍ -لا تاريخي- يمنع أي فرصة للانفتاح والنقد الذاتي فى أوروبا، فأوروبا فى القرن السادس العشر لم يكن يُنظر لها أنها أوروبا؛ الكيان الثقافي المتمايز عن غيره، وإنما كانت تُعرّف على أنها "العالم المسيحي" وحتى بعد قوى العلمنة لم تكن أوروبا عصر النهضة مثلها مثل مرحلة ما بعد الحرب العالمية؛ فإن شيئًا في أوروبا لم يبق على حاله بعدها، لا سياسيًا ولا ثقافيًا ولا اقتصاديًا(19).


ما يميز نقد طلال أسد هنا عن طرح "هابرماس" بالتحديد، هو جذرية طلال أسد فى النقد، ففي الوقت الذي ينطلق "هابرماس" لحل أزمة المهاجرين واللاجئين من مسلمات غربية، كنظام إنتاج المعرفة العلماني، ومركزية دور الدولة الليبرالية الحديثة المحايدة، والمبادئ الحقوقية والقانونية كحقائق كونية وإنسانية، يطرحها طلال أسد للنقد وللمساءَلة عن دورها وموقعها في عملية التفاوض والدمج مع المهاجرين المسلمين.

غالبا ما يكون تبرير الأوروبيين العلمانيين لرفض التعالي الديني للمسلمين باعتبارهم يتبعون تعاليم متعالية "غيبية"، وهو ما يقف عقبة لاندماج المسلمين في أوروبا

غيتي

يذهب طلال إلى أن تبرير الرفض العلماني الأوروبي للتعالي الديني للمهاجرين والأٌقليات المسلمة باعتبارهم تابعين لمقدسات وقوى وتعاليم متعالية "غيبيّة" غير عقلانية، كعقبة رئيسة  تمنع المسلمين من الاندماج في أوروبا، غالبا ما يكون نقدا غير مكتمل وغير مُنصف، ويغفل عن العديد من أشكال التعالي العلماني في الجهة الأخرى؛ فحسب طلال فإن كثيرا من القوى العلمانية والعقلانية في أوروبا يتبعون عن طيب خاطر قوى متعالية غير عقلانية بدورهم، من قبيل متعالي السوق ومتعالي السيادة والدولة الحديثة، وبالطبع العديد من أشكال الحرية الفردية التي ينظر لها داخل المجتمعات الليبرالية أنها المساحة الأكثر قداسة، وأخيرًا أحد أهم أشكال التعالي وهو مفهوم "الإنسانية" وما ترتب عليه من ترتيبات وتعميمات قانونية وأيديولوجية خدمت الغرب على حساب العديد من الثقافات الأخرى.

 

ويرى طلال أن الخطوة الأهم فى سبيل تحقيق الاندماج، وتجفيف منابع العنف الهوياتي والثقافي في أوروبا، هي أن الأشكال المختلفة من التعالي العلماني الميتافيزيقي المستقرة في الوعي والوجدان الأوروبي لابد أن تُمتحن بشكل نقدي من الأوروبيين أنفسهم قبل السؤال عن الثقافات الأخرى(20).

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


آخر الأخبار