انضم إلينا
اغلاق
الإسلاميون الجدد.. محددات التشابك والافتراق في الحركات الإسلامية

الإسلاميون الجدد.. محددات التشابك والافتراق في الحركات الإسلامية

إبراهيم هلال

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
       
"إنه لابد من طليعة تعزم العزمة وتمضي في الطريق، تمضي في خضم الجاهلية الضاربة الأطناب في أرجاء الارض جميعًا، تمضي وهي تزاول نوعًا من العزلة من جانب، ونوعًا من الاتصال من الجانب الآخر بالجاهلية المحيطة."

(سيد قطب، معالم في الطريق)


لم يكن يعلم ذلك الرجل الذي قدم حياته لحبل المشنقة طلبًا لقيام تلك الطليعة المؤمنة وذلك الجيل القرآني جيل النصر المنشود أن تلك الأجيال ستحيا حياة من الشتات والبعثرة، وتيه سيدخل فيه أجيال متلاحقة من الإسلاميين الذين اعتنقوا أفكار الشهيد قطب والذين لم يعتنقوها بدءًا من ستينيات القرن الماضي وحتى الآن.

 

حيث ستنمو معظم "التنظيمات" الإسلامية داخل بِنية حداثية(1)، وبعيدًا عما تقوله تلك التنظيمات عن نفسها أو كيف يصنفها غيرها ستتجه إلى "التقسيم والتعقيد وتوزيع المهام بشكل يقسم المسؤوليات ويحجب المبررات ويخلق الحُجُب بين المستويات، وبناء الطاعة على الثقة لا المساءلة، ومركزية القيادة، والفصل بين من هم داخل التنظيم ومن هم خارجه، وغياب الشفافية في التمويل وانعدام المساءلة في التصرف وتحمل التبعات عند الخطأ -الذي هو دومًا اجتهاد مأجور-، وخلق ثقافة خاصة بالمنتمين وأدبيات خاصة (بالتنظيم/الهيكل) تعيد تأويل المرجعية في أصولها وتخلق نصوصًا يحفظها المنخرطون بأكثر مما يطلعون على العلوم الشرعية أو المصادر الأصلية.

  

بالإضافة إلى الضيق بالنقد واتهام صاحبه، وبناء معالم سلوكية تحقق الاختلاف عن الآخرين حتى وإن خالفت أحيانًا ما في الأصول من سَعة وسقطت في تقليدية كامنة غير واعية، وتحقيق الشعور المستمر بالتمايز والمفاصلة. والأهم اعتبار الوصول للسلطة هو غاية التمكين واعتبار الفشل مؤامرة، والكوارث ابتلاءات لا توجب الإقرار أو الاعتذار أو المراجعة أو تنحي المسؤول عنها؛ لوضوح افتقاده القدرة والأهلية، أو طرح أي احتمال للفساد والهوى "عِصمة خفية من نوع ما"(2)".

     

ستنمو تيارات جديدة نشأت على تخوم الحركات الإسلامية الكلاسيكية والتي كان مشروعها الأساسي هو الدعوة لإعادة الخلافة أو بناء الدولة المستندة على الشريعة الإسلامية

مواقع التواصل

   

لكن ستنمو تيارات جديدة على هوامش وتخوم تلك التنظيمات حيث يُعرِّف الباحث "باتريك هايني" التيارات الإسلامية الجديدة -والتي ظهر دعاتها مبكرًا منذ الشيخ الشعراوي والشيخ محمد الغزالي والشيخ عمر عبد الكافي ولاحقًا ظهرت أجيال جديدة من الدعاة ومن الجمهور المتدين ومن أنماط التدين- بأنها تيارات نشأت على تخوم الحركات الإسلامية الكلاسيكية والتي كان مشروعها الأساسي هو الدعوة لإعادة الخلافة أو بناء الدولة ذات المرجعية التشريعية المستندة على الشريعة الإسلامية (3).

 

لكن هذه التيارات سيتنوع مزاجها ما بين اختيار نمط التدين الذي سماه هايني "إسلام السوق" وبين أنماط تدين تنحو نحو التصوف وتدير ظهرها للعمل السياسي وتهتم بالعمل الدعوي وأحيانا الخيري فقط، وحتى الاختيارات ذات الطابع المتشدد أو الراديكالي والتي تريد حلًّا عاجلًا يستند إلى القوة أو إلى الصدام مع الدولة الوطنية القومية لبناء نموذج الدولة الإسلامية التي تطبق شريعة الإسلام، وأحيانا تكون أنماط التدين الجديدة خليطًا من كل تلك الاختيارات.

 

سنتناول في هذا الجزء حدود العلاقة والتشابك بين الإسلاميين الجدد وبين الحركات الإسلامية الكلاسيكية، وهل تعد تلك الأنماط الجديدة امتدادًا للحركات الإسلامية أم معرقلا لها؟

لكن يرى باتريك هايني في كتابه "إسلام السوق" والذي يسلِّط الضوء فيه على نمط واحد من تلك الأنماط العديدة وهو "إسلام السوق" أن السردية الإسلامية الكبرى والتي يعني بها المشروع الإسلامي الهادف لإقامة الدولة الإسلامية والتي طالما استندت إلى مركزية المكون الديني في تقديم البديل الحضاري الكامل فقدت نفَسَهَا الطويل، وهذا التراجع مرتبط بحركة "البرجزة" وتغير النمط الاجتماعي للشرائح داخل الحركة الإسلامية وهو ما يمكن اعتباره نقطة انطلاق كل التحولات الجارية (4).

   

حيث ربط هايني هذه التحولات والتغيرات في أنماط التدين وأمزجة التدين عند الحركات الإسلامية وجمهورها بثلاث متغيرات وهي: نزع القداسة عن التنظيمات الإسلامية التي كانت موجودة من قبل كحالة متوهمة من الطهارة التي تصاحب العمل الدعوي والنضالي، ونقل المبادئ التي تأسست عليها جزئيًّا من مساحة المطلق إلى مساحة النسبي، وأخيرًا ظهور أنماط جديدة من التدين يغيب عنها الاهتمام بمسائل السياسة والدولة مع ميل واضح نحو الانفتاح الثقافي على الخارج (5).

    

تناولنا في الجزء الاول من هذا التقرير محدِّدات ظاهرة التدين والدعاة الجدد، ثم تناولنا في الجزء الثاني نشأة نمط التدين الذي سماه هايني بإسلام السوق، وتجليات ذلك النمط في مظهر وسمت الإسلاميين الجدد من نظرتهم إلى الحياة التي تبدلت من مقولة "الدنيا سجن المؤمن" إلى شعار "المؤمن الغني الناجح"، ومن اختياراتهم في الموسيقى من أناشيد الغربة إلى أناشيد نشر المحبة والسعادة، كذلك في اختياراتهم في الملابس فعلى سبيل المثال تغير شكل الحجاب عند الإسلاميين الجدد من الصرامة في شكل الحجاب والألون إلى التماشي مع الموضة دون الإخلال بمواصفات الملابس الفضفاضة والحجاب الطويل.

 

وسنتناول في هذا الجزء حدود العلاقة والتشابك بين الإسلاميين الجدد -متمثلين في أنماطهم المختلفة- وبين الحركات الإسلامية الكلاسيكية، وهل تعد تلك الأنماط الجديدة امتدادًا للحركات الإسلامية أم معرقلا لها؟ وما أفق تلك الأنماط الجديدة؟ وهل ستبقى مقترنة بحركات الإسلام السياسي؟

   

مظاهرة يقودها حسن البنا (مواقع التواصل)
   

جدل التقاطع والافتراق

يجادل الباحث "علاء النادي" حول علاقات التقاطع والافتراق بين الإسلاميين الجدد ودعاتهم وبين حركات الإسلام السياسي فيقول إن تلك الأنماط الجديدة من الإسلاميين ومن الدعاة ظهرت بسبب الاستبداد وانسداد الأفق السياسي، مما تسبب في دفع جماعات إسلامية لنهج طريق التغيير العنيف منذ ستينيات القرن السابق وحتى عقد التسعينيات، مما جعل السلطة تدفع وتشجع على أنماط التدين الجديدة، وتفسح المجال للدعاة الجدد والذين يتسم خطابهم بالتخفف من المنحى السياسي وتجافيه مع منابع التسيس واللغة الصدامية مع المجتمع والدولة وتبنّي مفردات عصرية ونموذج للتدين يدعو إلى النجاح الفردي والحب والتسامح ويهمل الدعوة إلى التغيير السياسي وينبذ العنف كليًّا ويدعو إلى التعايش مع المجتمع مهما كان دينه وثقافته وعاداته (6).

 

لكن يعود "علاء النادي" ليوضح أنه ليس باستطاعة السلطة أن تُنشئ ظاهرة بهذا التجذر الاجتماعي وإنما يرجح حدوث تقاطع بين مصلحة الدولة في ظهور ذلك الخطاب وبين ظروف موضوعية شهدت صعود شرائح اجتماعية جديدة داخل الحركات الإسلامية أصابها التململ والضجر من تكلفة الصِدام المستمر مع السلطة، كما أصابها شكوك حقيقية بشأن رؤية الحركات الإسلامية وحركات الإسلام السياسي ومشروعها الاجتماعي والنهضوي، ويذهب "النادي" إلى أن تلك الشرائح الاجتماعية بحثت عن دور ملائم لها يحتفظ بصيغ مقبولة من التدين وحد من الشغف نحو تحقيق مشروع إسلامي وبين تجنب السياسة وتكلفتها الباهظة (7).

 

ويذكر علاء في دراسته عدة نقاط توضح ملامح التشابك والافتراق بين الإسلاميين الجدد والحركات الإسلامية، ومنها هذا التململ والضجر من خطاب الإسلام السياسي المفعم بالوثوقية المتوهمة عن قدرات التنظيم واعتماده على العمل الجماعي والحشد واستمالة الجموع من كل الطبقات والتوجهات والتغلغل في جميع المؤسسات والمنظمات سواء الحكومية أو النقابية دون خطة أو رؤية واضحة تلتزم بقوانين التحرك الاجتماعي وسنن التغيير الكوني، مما أدى إلى مراعاة توجيه خطاب يتسم بالميوعة ويرضي كل الفئات بدون أي اعتبار لأي خصوصية أو توجه اجتماعي واضح.

 

وفي عصرٍ يعزّز من الاختيارات الفردية ويعظّم من الوعي الفردي أصبح هذا النمط من الانتماء والوجود كترس داخل آلة كبيرة دون وظيفة محددة تتسم وظائفها العديدة بالفوضى والغموض يصعب على أبناء الحركة الإسلامية من أجيال ذات تعليم مختلف التواجد خلاله، فبدأت تظهر عملية انزياح للقيادات داخل تلك التنظيمات على مر السنين من الفقهاء إلى التكنوقراط (8)، ثم حدث الافتراق بين التكنوقراط القدامى وبين أفراد لديهم توجهات جديدة تنحو نحو تدين بلا خسائر، وتكونت مجموعات رضيت بالتهميش السياسي مقابل التحقق الاقتصادي والنجاح الفردي. وعلى صعيد آخر أنتج هذا الخطاب ذو الميوعة السياسية والتوجه الإصلاحي مجموعات تتبنى الثورية سواءً بنيّة التصادم مع هذا النظام وبناء آخر على أسس ديمقراطية أو على الفصام مع الدولة نهائيًّا وبناء نموذج آخر من دولة إسلامية تطبق الشريعة (9).

   

نشأت أنماط تدين تمزج بين المزاج الصوفي وبين العمل الدعوي، حيث أعاد هؤلاء الإسلاميون صياغة مقولات الإسلام السياسي الكلاسيكية في قوالب جديدة لكن بقي جوهرها كما هو

غيتي

    

وبين هذا وذاك نشأت أنماط تدين جديدة لا تمثل قطيعة مع حركات الإسلام السياسي، بل -وحسب الباحث علاء النادي- تمثل بؤر تواصل، فمزجت تلك الأنماط بين المزاج الصوفي وبين العمل الدعوي، حيث أعاد هؤلاء الإسلاميون صياغة مقولات الإسلام السياسي الكلاسيكية في قوالب جديدة لكن بقي جوهرها كما هو، فمنهم من دعا إلى العودة إلى الرقائق والتربية ونبذ السياسة حيث تقوم النهضة الإسلامية على تطهير القلوب ومساعدة الغير وفعل الخير(8)، ومنهم من دعا إلى معركة المصحف والفصام التام مع الدولة، ويعد العمل العسكري والدعوة لتصحيح العقيدة ونبذ المشروع التحديثي الغربي هو بداية صحوة الأمة وتدشين التغيير المنتظر.

 

التحولات الدينية والتدين الفردي

رغم تنوع أنماط التدين الجديد ما بين إسلام السوق أو الإسلام منزوع الدسامة الذي يتجنب السياسة وبين الاختيارات الراديكالية والجذرية والثورية فإن جميع تلك الأنماط في عصرنا مؤطرة بإطار الاستهلاك الذي يعد السمة الأكبر في عصرنا. فبحسب الدكتور رشيد جرموني "فإن الطقس الاستهلاكي "المفرط" لكل السلع والمنتوجات والقيم والرموز، أدى إلى بناء مجتمعات تنشد الخلاص الفردي وتبحث عن الربح بأي ثمن، وهو ما يضرب -في العمق- كل الأيديولوجيات والفلسفات الكبرى التي كانت تؤطر المجتمع، وحلّت محله قيم السوق بكل ما تحمله الكلمة من معنى"(10).

    

مثلت العولمة فكرا ومنظومة قيم ومشروعا حداثيا ساهم في إحداث مجموعة من القطائع والتصدعات في الخصوصيات الثقافية للعديد من المجتمعات

ويوضح جرموني أنه قد تولَّد عن هذه القيم الاستهلاكية "قيم جديدة تنحو نحو الفردنة والعزلة والغربة أحيانًا، مما يقوِّض -في العمق- الروابط المجتمعية؛ الأسرة والقبيلة والحي وأشكال التجمع التي خلقتها حركات الإسلام السياسي، خصوصًا في المدن التي يكثر فيها هذا النمط من العيش". ويشير الباحث "لويك هولمان" إلى "كون مجتمعات التحديث وما بعد التحديث لم تعد تستمد توجهاتها القيمية من الدين ومؤسساته، وإنما من الاستقلالية الفردية، فكل فرد أصبح هو المرشد الأخلاقي لنفسه، وبذلك تراجع التوجيه الأخلاقي الجماعي لصالح الاستقلال الفردي الذي أخذ يُملي على الأفراد اختياراتهم الخاصة وأساليب حياتهم"(11).

 

وحسب جرموني فإن أهم ما ميَّز الثورة المعلوماتية الجديدة هو الصعود القوي لمجتمع "الفُرجة والتلذُّذ" وطلب النجومية، حيث يقول "بودريار": "لقد وصلنا إلى النقطة التي يحيط فيها الاستهلاك بكل شيء، حيث تتسلل كل النشاطات طبقًا لنمط تركيبي واحد، وحيث ترسم مسبقًا لوحة الإشباعات ساعة فساعة، فالاستهلاك هو طقس"(12).

 

وفي معرض حديثه عن التحولات الاجتماعية للتدين يوضح جرموني دور العولمة -خصوصًا الثقافية- في تغيير مجموعة من المرجعيات والمفاهيم والرؤى والتصورات والمعتقدات، حتى تلك التي تبدو عصيّة على التغيير والتحول والانتقال، ويظهر هنا التدين الفردي كأحد أهم المظاهر الكبرى لهذه التحولات، حيث مثلت العولمة "فكرا ومنظومة قيم ومشروعا حداثيا ساهم في إحداث مجموعة من القطائع والتصدعات في الخصوصيات الثقافية للعديد من المجتمعات، لا سيما الإسلامية منها تحديدًا. وخلقت موجات التحديث القسري أو المفكر فيه مجموعة من المظاهر المؤرقة التي تؤشر على وجود "أزمة هويّة" عند غالبية أبناء العالم الإسلامي"(13).

   

نتيجة لخطاب العولمة ظهر خطاب الهوية إلى حد التقوقع أو توقع أن الحضارة كلها على وشك الانهيار والدعوة للفصام التام معها كما عند الشهيد سيد قطب ومن تبعه من دعاة حتى حازم صلاح أبو إسماعيل

رويترز

   

فقد أدى خطاب العولمة الذي يميل إلى سحق كل الخصوصيات الثقافية والدينية والقيمية باسم التحرر والتحديث إلى ظهور ردود فعل عنيفة أحيانا تدعو إلى التعلق بالقيم والخصوصية، وظهر خطاب الهوية إلى حد التقوقع أو توقع أن الحضارة كلها على وشك الانهيار والدعوة للفصام التام معها كما عند الشهيد سيد قطب ومن تبعه من دعاة حتى حازم صلاح أبو إسماعيل، أو إلى ظهور خطاب توفيقي تلفيقي مفاده أنّ المسلم يمكنه أن يعيش في هذا العالم المعولم، لكن مع الاحتفاظ بقيمه وبدينه وبثقافته كما عند بعض قيادات جماعة الإخوان المسلمين أو حركة النهضة التونسية.

 

ويوضح جرموني أن "مفهوم التدين الفردي جاء نتيجة طبيعية للتحولات الكبرى التي عرفها الحقل الديني، وهو يعني أنّ (الفرد/المسلم)، خصوصًا الشاب، يصبح مرجعًا لنفسه في الاستمداد والتلقي والممارسة والتوجيه والسلوك والتمثل. حيث يسقط كلّ المرجعيات والسلطة الدينية، سواء كانت تقليدية كالمسجد والأسرة والزاوية، أو حركات الإسلام السياسي، أو غيرها من المؤسسات الرسمية أو غير الرسمية التي كانت تنتج وتعيد إنتاج القيم الدينية.

 

ولا شك أنّ هذا المفهوم جاء ليحلّ محلّ التدين الجماعي المرتبط بالولاء للأسرة وللقبيلة وللأمّة وللجماعة وما إلى ذلك. ومن بين مميزات التدين الفردي أنّه يستطيع أن ينشئ نموذجه التديني بمعزل عن كلّ المؤثرات والحيثيات والقواعد والأعراف والمؤسسات التي كانت تشرط طبيعة التدين عمّا سبق"(14) ويرجع جرموني ذلك لسببين:

 

كان لافتًا أن يتلقى الجيل الحالي أطره المرجعية وتصوراته وأفكاره من خلال فئة من "الدعاة" قدّمت خطابًا دينيًّا يركز على القيم الفردية في التدين، وكأنّ الشاب المسلم والشابة المسلمة يتدينان في عالم منعزل عن الآخرين

أولاً: الثورة المعرفية وتأثيرها على إنتاج وإعادة إنتاج القيم الدينية

حيث مثلت الثورة التربوية التي عرفتها مجتمعاتنا الإسلامية محطة هامة في تدويل المعلومة، وفي الوصول إليها وفي انتشارها وفي إنتاجها وإعادة إنتاجها. "إذ أنّ وصول أعداد لا بأس بها إلى مصادر المعرفة والكتابة والقراءة وفي بعض الحالات القدرة على التأليف، فرصة لتملُّك جزء من السلطة المعرفية الدينية"(15)، وقد أظهر هذا التحول قدرة على انتزاع التحكم المعرفي الديني، ويعلق جرموني أن "من أبرز سماته الكبرى التنامي الكبير للفتاوى في حياة المسلمين اليوم، وما يصاحبها من تداعيات في تمثل الدين والعيش به. هذا علاوة على قدرة الأجيال الجديدة على بناء معرفتها بالمقدّس بطريقة عقلانية وتلفيقية واستهلاكية، حتى في التعامل مع نصوص الوحي، سواءً أكان قرآنًا أم سنّة"، حيث ساعدت المعرفة الدينية سهلة التداول على مزاحمة المؤسسات التقليدية والمعرفة التقليدية وطرق التعلم التقليدي لدى أبناء الحركة الإسلامية الجدد.

 

ثانياً: تأثير الإعلام الديني على التدين الفردي

كان من أهم الأدوات التي ساعدت العامل المعرفي أن يخترق وحده طبيعة التدين ويحدث كلّ تلك التحولات المهمة والخطيرة في آن واحد هو كونه مسنودًا ببروز فاعلين جدد في الساحة الدينية -الذين كانوا نتيجة الآثار العميقة للعولمة ولموجة الثورة الإعلامية الجديدة- وهم الذين يمكن وسمهم بـ"الدعاة الجدد"، حيث عمل الإعلام الديني الجديد على فك الارتباط بالمؤسسات التقليدية وبالمنبر وبالخطيب الأرضي، "والتلقي المباشر إلى نوع جديد من الخطاب الفضائي -نسبة إلى الفضائيات التي أصبحت تؤثث مشهدنا الإعلامي الإسلامي-، وإلى "دعاة عصريين حداثيين"، وإلى لغة وخطاب جديد متساهل في القضايا الأخلاقية، منفتح على قضايا العصر "محاربة التلوث، المخدرات، حوادث السير، ..."، ومستلهم للأدبيات الجديدة في التنمية البشرية، وقدرة على التواصل والإقناع والتعبئة"(16).

 

ويذهب جرموني أن كلّ ذلك أفضى إلى بناء منظومة جديدة من القيم الدينية عند الشباب المسلم -بشكل خاص- وعند الفتيات بصفة تستحق كلّ المتابعة والاستكشاف. "وقد كان لافتًا أن يتلقى الجيل الحالي أطره المرجعية وتصوراته وأفكاره من خلال فئة من "الدعاة" قدّمت خطابًا دينيًّا يركز على القيم الفردية في التدين، وكأنّ الشاب المسلم والشابة المسلمة يتدينان في عالم منعزل عن الآخرين، ودون مراعاة للشروط البنيوية التي تؤثر في السلوكيات والممارسات والاتجاهات"(17).

المتابع لأحاديث الشباب على الفضاء الإلكتروني سيلاحظ ظاهرة "تعالي الأنا الإلكترونية" وهي ظاهرة تستحق التوقف، حيث تعطي وسائل التواصل الاجتماعي فرصة للمرء في أن يكوِّن الأنا التي طالما تمنى

غيتي
ومن ذلك يمكن أن نفهم كيف وقع الصعود القوي للدعاة الجدد عبر الشاشات التلفزيونية وكيف بدأوا يشكلون "موضة" في هذا الحقل الديني الشديد التعقيد والتركيب. ولا يخفى على أحد أن أهم ما يسم طبيعة المجتمع الشبكي هو أنه يصنع هويات جديدة تعيش على وقع "مجتمع الانغماس في العوالم الافتراضية" أو ما سماه أحد الباحثين الحياة الثانية (18).
 

 في هذا الصدد يقول أحمد توفيق وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربي: "يجد المدمن على الوعظ الإلكتروني نفسه في حالة تشبه اليُتم، تقوِّي الشعور بالغبن والعزلة وتدفع إلى تضخيم الأنا وإلى الإعلاء المتطرف للذات"(19). وهذا التطرف من الإعلاء للذات لا يتوقف فقط على الدعاة الجدد بل على جميع الشباب الذين يمكن تسميتهم بالإسلاميين والذين يجدون في الفضاء الإلكتروني مساحات جديدة وموازية للنقاش والدعوة إلى اختياراتهم الفردية سواء الليبرالية أو الراديكالية.

 

والمتابع لأحاديث الشباب على الفضاء الإلكتروني سيلاحظ ظاهرة "تعالي الأنا الإلكترونية" وهي ظاهرة تستحق التوقف، حيث تعطي وسائل التواصل الاجتماعي فرصة للمرء في أن يكوِّن الأنا التي طالما تمنى صورته داخلها، حيث تظهر المعاملات الرسمية الزائدة عن الحد والتعقيد اللفظي والتعبير عن الاستعلاء الأخلاقي والتعليق على كل ظاهرة، كذلك ظهور النجومية والشهرة الإلكترونية التي تضخّم من أنا صاحبها.
  

 وقد يرى شخصًا نفسه من الثوابت التي يجب أن يحافظ عليها أمام عملية "الجلد للذات" المنتشرة خاصة مع ما تعرض له الإسلاميون من انكسار وقهر جسدي ونفسي وتشظٍّ نفسي واجتماعي في الفترة الأخيرة، أو قد يكون بحثًا عن نوع من التفرُّد في عالمٍ أصبح من التشابه إلى حد الملل وفي عالمٍ أصبح ينظُرُ للأشخاص العاديين البسطاء شزرًا.

     

خاتمة


   
يقول الباحث السويسري باتريك هايني في كتابه "إسلام السوق" أنه "لم يعد التحدي يكمن في المواجهة مع نماذج الفضاء العالمي، ولكن في إعادة صياغتها بهدوء داخل هذا الفضاء الخاص عبر اشتقاقها إسلاميًّا وفي النهاية ستخيب آمال أنصار "العولمة المحلية" وأولئك الذين يحلمون بقدرة الشعوب على الإبداع، وستُبنى في الواقع كونية إسلامية برجوازية مستوحاة من أنماط الثقافة الاستهلاكية، تكرِّس التخلي عن إستراتيجية التمايز الجذري لصالح عمليات إعادة صياغة متواضعة"(20).

 

فهل ما جزم به هايني صحيح؟ خاصة في مرحلة ما بعد الربيع العربي حيث ستظهر صِيَغُ تديُّنٍ أشدُّ صلابةً مما وصفه هايني بإسلام السوق تحاول تحقيق حلم الشهيد سيد قطب القديم بقيام الطليعة المؤمنة، فإلى أي مدى ستصمد هذه الأفكار التي تدعو إلى نخبة برجوازية إسلامية عالمية تعيد فتح أفق للتعايش مع العالم بصورته الحالية؟ خاصة في مرحلة أصبح فيها الصراع بين الحركات الإسلامية وجميع صيغ وأنماط التدين وبين القوة العسكرية التي استردت السلطة في شكل جديد أكثر عنفًا وتسلطًا، وبينهما تغيب الروح الثورية، حيث دخل أبناء الحركة الإسلامية في شتات يحاولون فيه إعادة شرذمات أفكارهم التي تبعثرت أمام ضربات الدولة الأمنية.

في حين ظهرت تنظيمات جديدة وفي مقدمتها "تنظيم الدولة الإسلامية" المعروف إعلاميًّا بـ "داعش" والذي يحاول إعادة إنتاج السرديات والمقولات التراثية، بل وفي سابقة وتجربة جديدة بدأ هذا التنظيم الوليد مبكرًا في تطبيق سردياته على أرض الواقع بالجمع بين القوة العسكرية وخطاب الملاحم مرة أخرى، فما مآل الإسلاميين الجدد الذي يسير في شق منه في مسار متنافر مع نمط "إسلام السوق"؟ على الجانب الآخر تسير أنماط التدين بين توليفة من الأصوات والاتجاهات المختلفة، فنجد الإسلاميين الثوريين بطابع برجوازي، والإسلاميين البرجوازيين بطابع ثوري، وأحيانًا بطابع معرفي، وأحيانا بطابع حركي معرفي، فإلى أين يتجه الإسلاميون؟

المصادر

تقارير متصدرة


آخر الأخبار