انضم إلينا
اغلاق
بين العزلة والمشاركة.. أيهما يعزز إنسانيتنا وقوتنا؟

بين العزلة والمشاركة.. أيهما يعزز إنسانيتنا وقوتنا؟

إبراهيم هلال

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض
حاملا مطرقته، صاعدا الجبل رغم الرياح الشديدة، يأكل طائر الرُخ من كبده الممزق، وتتصاعد أنفاسه اللاهثة من قلب ضعيف واهن، ورغم كل ما عاناه، وجّه الفيلسوف "نيتشه" نقدا صارما وشرسا للثقافة السائدة في عصره، وأنكر الأخلاق المسيحية وادعى موت الإله الذي تؤمن به أوروبا في ذلك الزمن.

 

حيث تتمحور أفكار "نيتشه" عن الفرد قبل كلّ شيء، وحول أكثر الثّنائيّات إثارة: الضّعفاء والعبيد من ناحية، والأقوياء والسّادة من ناحية أخرى. لكن "نيتشه" هنا لا يضع طرفا منتصرا نصرا نهائيا، وطرفا مهزوما للأبد؛ لكنه يعلي من قيم الصراع؛ حين يعيب على الضعفاء والعبيد استكانتهم وضعفهم، وفقدهم للإرادة، وتسولهم للرزق والإحسان من الأقوياء، ويطلب أن يكونوا "أفرادا" ويطلب منهم عدم الذوبان في القطيع؛ حيث يقول في كتابه جينالوجيا الأخلاق "وهم يرغبون في التخلّص من حزنهم الدّفين وإحساسهم بالهوان، يتوق كلّ المرضى غريزيّاً إلى تشكيل قطيع"(1).

 

ويستمد "نيتشه" أفكاره حول الصراع وتحليله السيكولوجي للبشر أولا من أحداث حياته المليئة بالتمرد، وثانيا من قراءته لأدب "ديستوفيسكي"؛ حيث سيبث "ديستوفيسكي" -عملاق الأدب الروسي- أفكاره عن الوحدة والعزلة في أغلب مؤلفاته الأدبية فيقول في روايته "الإنسان الصرصار": لقد فقدنا صلتنا بالحياة إلى درجة أننا لا نملك أحياناً إلا أن نشعر بالاشمئزاز من "الحياة الحقيقية". ولهذا فإننا نغضب حين يذكرنا الناس بذلك. لماذا؛ بل إننا ذهبنا بعيداً جداً في هذا، وصرنا ننظر إلى "الحياة الحقيقية" باعتبارها عبئاً ثقيلاً، ونحن جميعاً متفقون على أن "الحياة" كما نجدها في الكتب هي أفضل بكثير. ولماذا نحدث كل هذه الضجة في بعض الأحيان؟ لماذا نخدع أنفسنا؟ ماذا نريد؟ إننا أنفسنا لا نعرف ذلك(2).

الفيلسوف الروسي فيدوور دوستويفسكي (1821-1881) (غيتي)


وسيتأثر الفيلسوف "نيتشه" بتلك الأفكار تأثرا كبيرا؛ حيث يقول "دوستويفسكي كان -بالنسبة لي- سيكولوجيًا وحيدًا جديرا بالتعلم منه"(3)، فيؤكد "نيتشه" على الفردانية والوحدة؛ حيث يقول "بقدر ما يميل الأقوياء بشكل طبيعيّ إلى التّباعد، بقدر ما يميل الضّعفاء إلى "التوحّد" و"القويّ" الذي يريد من أعماقه أن يكون سيّد نفسه، يحبّ أن يكون فرداً -ذلك التّكوين الأكثر حداثة- إذ أنّ سعادة القطيع أقدم من سعادة الأنا" (4)، ويقول في موضع آخر "تريد ألما أقل؛ انكمش وانضم للقطيع" (5)، حيث  تمثّل العزلة  لـ"نيتشه" الخيار الأوحد المتاح (6)،  وتمثل الوحدة السّبيل الأكثر قسوة وتحفيزاً؛ لكنها الطريقة الأمثل عند "نيتشه" لصقل الموهبة وتحقيق الفردانية والحرية.

 

بيد أن ليس "نيتشه" وحده من توحد مع أفكار "ديستوفيسكي" عن الوحدة والعزلة؛ حيث ستتحقق نبوءة "دوستويفسكي" والتي سجلها على لسان إحدى شخصيات روايته الضخمة "الإخوة كارامازوف" حين قال:

 

"تسألني متى يتحقق ملكوت السماوات على الأرض؟ فاعلم أن ملكوت السماوات سيتحقق على الأرض في أحد الأيام؛ لكن ذلك لن يحدث إلا بعد انتهاء عهد العزلة.. العزلة التي يعيش فيها البشر، وتتجلى في جميع الميادين ولا سيما في عصرنا هذا. إن عصر العزلة هذا لم ينته؛ حتى إنه لم يصل إلى ذروته. إن كل إنسان في هذا العصر يجهد في سبيل أن يتذوق الحياة كاملة مبتعدا عن أقرانه، ساعيا إلى السعادة الفردية. و لكن هيهات أن تؤدي هذه الجهود إلى تذوق الحياة كاملة، فهي لا تقود إلا إلى فناء النفس فناء كاملا، ولا تقود إلا إلى نوع من الانتحار الروحي بعزلة خانقة. لقد انحل المجتمع في عصرنا إلى أفراد يعيش كل منهم في جحره كوحش، ويهرب بعضهم من بعض، ولا يفكرون إلا في أن يخفوا ثرواتهم عن بعض. وهم يصلون من ذلك إلى أن يكره بعضهم بعضا، وإلى أن يصبحوا جديرين بالكره هم أيضا. إن الإنسان يكدس الخيرات فوق الخيرات في العزلة، وتسره القوة التي يحسب أنه يملكها بذلك، قائلا لنفسه إن أيامه قد أصبحت بذلك مؤمنة مضمونه، إنه لا يرى لحماقته، أنه كلما أوغل في التكديس كان يغوص في عجز قاتل. ذلك أنه يتعود أن لا يعتمد إلا على نفسه، ويفقد إيمانه بالتعاون، وينسى في عزلته القوانين التي تحكم الإنسانية حقا، وينتهي إلى أن يرتعد كل يوم خوفا على ماله الذي أصبح حرمانه يحرمه من كل شيء. لقد غاب عن البشر تماما أن الأمن الحقيقي لا يتحقق في الحياة بالعزلة، وإنما باتحاد الجهود وتناسق الأعمال الفردية"(7). 

 

حيث ستزداد العزلة في عصرنا الحالي حتى تصبح كوباء بين البالغين(8). وستنتشر الوحدة والعزلة في المجتمعات الحديثة؛  لتشكل محنة ليست بهينة لدى البالغين وكبار السن. ففي دراسة اجتماعية حديثة (9) تظهر العزلة كمرض قاسٍ ووباء شرس  أصاب حياة 700 ألف رجل و1.1 مليون امرأة فوق الخمسين في إنجلترا وحدها (10)، والرقم يتزايد بسرعة مدهشة.

 

العزلة.. وجها آخر لحضارة التفرد

أضحت المدن الحديثة عبارة عن جزر منفصلة، تمنع سكانها من التواصل، ويتجنب الناس بعضهم بعضا، فينعزل كل شخص بهمومه وحياته وإن كانوا يسكنون في نفس الحي أو العمارة السكنية

بكسلز

أضحت المدن الحديثة عبارة عن جزر منفصلة، مدن خرسانية محصنة تمنع سكانها من التواصل، ويتجنب الناس بعضهم بعضا؛ حيث يذهب الفيلسوف الراحل "زيجمونت باومان" إلى أن عملية تشكيل أعضاء المجتمع في صورة أفراد هو سمة المجتمع الحديث (11)، حيث توكل مسألة الهموم والمسؤوليات نحو الفرد وحده، فتختفي قيم التضامن الاجتماعي والنضال العام والمساحات العامة المشتركة وتضمر القضايا العامة، وتظهر المسائل الشخصية، وتتضخم المساحات الخاصة، ويبحث الأفراد عن حالات من الوحدة والتفرد والافتراق عن المجموع، فينعزل كل شخص بهمومه وحياته وإن كانوا يسكنون في نفس الحي أو العمارة السكنية.

 

ويذكر "باومان" تنبؤ "دو توكفيل" حول مسار تحرير الفرد، وهو أن "تحرير الناس ربما يجعلهم في حالة من اللامبالاة، فالفرد هو ألد أعداء المواطن. ذلك لأن المواطن شخص يميل إلى البحث عن رفاهيته عبر رفاهية المدينة، بينما يميل الفرد إلى اللامبالاة والشك في القضية المشتركة والمصلحة العامة"(12).

 

هذه الشكوك قد تصل بالإنسان الحديث إلى شكوك في الحياة نفسها، في جدوى الحياة، وجدوى التواصل مع البشر الآخرين، وإلى اليأس في أن يجد الإنسان شخصا يثق فيه، أو شخصا يفهمه؛ حتى باتت العزلة الاجتماعية قوية لدرجة "تمكنها من أن تتسبب في الموت المبكر كما يتسبب فيه تدخين 15 سيجارة يوميا" (13). فالبحوث تشير (14) إلى أن "الشعور بالوحدة له ضعف الأثر السلبي للسمنة على الإنسان، فالجنون، وضغط الدم المرتفع، وإدمان الكحوليات، وحوادث الطرق جميعها مثل الاكتئاب، وجنون العظمة، والقلق، والانتحار، أصبحت منتشرة كلما انقطع تواصلنا مع بعضنا البعض"(15).

 

الإنسان الحديث بين الوحدة والعزلة


"لقد كنت فى مزاج سيئ وقلق مستمر، وشعرت إلى الحاجة لإغلاق نفسي على نفسي فقط، وتحمل مصيبتي في عزلة..!"
(دوستويفسكي من رسائله إلى صوفيا ألكسندروفنا)

لا تزال الوحدة تنتشر بقوة بين الناس، فالتغيرات الحديثة وحدها "فشلت في شرح انهيارنا الاجتماعي. هذا التغير الهيكلي رافقته أيديولوجية "تجاهل الحياة"، والتي تُفرض علينا؛ بل وتحتفل بعزلتنا الاجتماعية"

بكسلز

رغم التقدم التكنولوجي الكبير في عصرنا الحديث، وتقدم وسائل الاتصال، وانتشار وسائل الترفيه والتسلية؛ حيث تبدلت وتطورت وسائل السفر، وانتشرت وسائل التواصل الحديثة، وأصبح بإمكان كل شخص أن يصل لأي شخص آخر في العالم ويتواصل معه، إلا أن الوحدة لا تزال تنتشر بقوة بين الناس، فهذه التغيرات وحدها "فشلت في شرح انهيارنا الاجتماعي. هذا التغير الهيكلي رافقته أيديولوجية "تجاهل الحياة"، والتي تُفرض علينا؛ بل وتحتفل بعزلتنا الاجتماعية"(16).

 

فأضحت الحياة عبارة عن حرب الجميع ضد الجميع. حرب الفقراء ضد الأغنياء، وحرب الأغنياء لاستغلال الفقراء، وحرب النساء ضد الرجال، وحرب الرجال لاستعادة مكانتهم، وحروب الجيل الجديد ضد القديم. الحياة اليومية نفسها أمست في عصرنا ساحة معارك لا تنتهي، مكابدة يومية للحصول على الرزق، أو الحفاظ على الوظيفة غير الثابتة، أو الحصول على مقعد في سيارة أجرة.

 

وهذه المعارك أصبحت "مسوغة ومقبولة بميثولوجيا الأبطال، أصحاب الأعمال الخاصة، أصحاب المشاريع الناشئة، والرجال والنساء العصاميين، كل هؤلاء يسيرون في الحياة بمفردهم".  فكل هؤلاء الآن لا تهمهم حياة اجتماعية آمنة؛ بل النجاح وحده، النجاح والتفرد وإثبات الذات، والانتصار على الجميع؛ ذلك مطلب كل الأبطال المتفردين الآن.

 

بيد أن الحياة الآن -خاصة في عالمنا العربي- أضحت لا تستحق المشاركة، حياة مليئة بالأخطار والمصاعب والغد فيها غير مضمون، حياة باهتة وغير حقيقة، يحاصرها الفساد، والاستبداد السياسي، ويسمم هواءها الكذب والنفاق والفقر والظلم، وقد عبر الأديب نجيب محفوظ عن تلك الحياة في روايته "ثرثرة فوق النيل" حيث سيصبح الموظف مثل المثقف التقليدي مثل الفنان التافه.. كلهم عديمي الفائدة، يحيون حياة مضطربة بلا معنى، وسيتم اعتبار رواية "ثرثرة فوق النيل" ضمن روايات "اللامواجهة"؛ "التي تصور الإنسان في حالة هروب من الواقع الاجتماعي، فهو ليس في حالة خضوع للواقع ولا مواجهة، يهرب من واقعه إلى عالم خاص من صنع المُخيَّلة، دون أن يجد ملجأً حقيقيًّا من المشكلات التي تلاحقه، وهي محاولة يائسة لا تزيده سوى حسرة وغربة، فهذا الوهم الذي صنعه لا يقل تعاسة عما كان عليه قبله، فالوهم نفسه أصبح سجنًا آخر"(17). فشخصيات الرواية يحيون غير منعزلين عن الناس يذهبون لأعمالهم صباحا؛ لكن كلا منهم يحيا في وحدته الخاصة؛ فينعزلون آخر الليل في "العوامة" ويسخرون من كل شيء حتى من أنفسهم .

 

العزلة كطريق إلى الذات

"ألا ليتَ شِعري هل أصادفُ خلوةً
لديكِ فأشكو بعضَ ما أنا واجدُ؟!
رعى اللهُ يومًا فيه أشكو صبابتي
وأجفانُ عيني بالدموعِ شواهدُ"

(ابن زيدون)

يمكن أن تأتي الوحدة والعزلة في سياق آخر مفيد للإنسان، وهو أن يعتزل الناس بحثا عن ذاته، ولتحقيق حريته الوجدانية الخاصة على طريقة "نيتشه"

بيكساباي

يمكن أن تأتي الوحدة والعزلة في سياق آخر مفيد للإنسان، وهو أن يعتزل الناس بحثا عن ذاته، ولتحقيق حريته الوجدانية الخاصة على طريقة "نيتشه"؛ حيث اعتزل "نيتشه" الناس وعاش وحيدا في نهاية حياته حتى مات، وفي تلك الفترة كتب "هكذا تكلم زرادشت" الذي يعد من أهم كتبه، كما قدم قبل ذلك الإمام أبو حامد الغزالي تجربة ملهمة في الاعتزال؛ حيث سيترك حياة التدريس والمناظرات والمناكفات مع الشيوخ والطلاب، ويعبر الصحراء وحده بحثا عن ذاته؛ متأملا في وجوده، وفي حياته السابقة. وهذا ما سيعتاد عليه الأشخاص الموهوبون في عصرنا؛ حيث لا يصبح هناك مشتركا يجمعهم بالناس خاصة، وقد امتلأت الحياة بالزيف؛ فيلجؤون إلى عزلة يحاولون فيها تجنب الحياة المزيفة والعلاقات المزيفة المليئة بالكذب والنفاق.

 

وقد كتب المفكر علي عزت بيجوفيتش من محبسه "الإنسان ليس حيوانا اجتماعيا؛ بل كلما زادت إنسانيته زادت فرديته، وسعيه نحو العزلة. والإنسان العادي ليس اجتماعيا بسبب حبه للآخرين؛ ولكن لأنه غير مكتف بذاته، إنه هروب من الخواء والرتابة والحياة الخاصة، والعكس صحيح؛ فالإنسان الروحاني حقا؛ الناسك والزاهد، يمكن أن يقضي حياته كلها وحيدا"(18).

 

لكن يعود بيجوفيتش ويؤكد على الحياة الاجتماعية، وعن احتياج البشر لرفقاء مهما كانت مساحات العزلة والوحدة مهمة للإنسان؛ كي يعيد النظر في حياته وأفكاره فكتب أيضا "مشكلة العزلة؛ يعتقد البعض أن العزلة هي الطريقة الوحيدة لكي يؤكد الإنسان إنسانيته أو يثبتها، ويعتقد آخرون العكس: لا يمكن للإنسان أن يصبح إنسانا ويبقى كذلك إلا عندما يكون محاطا بالآخرين. فقد كتب زوسكيند، وهو كاتب ألماني من الجيل الجديد، قصته "الحمامة" ليوضح فقط أن الإنسان يفقد إنسانيته في العزلة، وأن الوجود الإنساني يكون إنسانيا فقط عندما يكون مع بشر آخرين".

إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


آخر الأخبار