انضم إلينا
اغلاق
هل التصويت حق لكل مواطن؟

هل التصويت حق لكل مواطن؟

محمد أسامة

مترجم
  • ض
  • ض

صحيح أن هناك ارتباط بين الديمقراطية وارتفاع مستويات المعيشة، لكن ماذا لو كان هناك نظام سياسي جديد، يسعى للتغلب على سلبيات الديمقراطية؟ هذا ما يناقشه الفيلسوف والمفكر السياسي الشهير جيسون برينان في هذه المقالة، حيث يطرح أفكارا جديدة عن حق التصويت، أهو حق لكل مواطن؟ أم أنه عبء يجب أن لا يفرض على غير القادرين؟ ماذا لو سمحنا للجميع بالتصويت مع منح أصوات إضافية للأكثر معرفة؟ وهل سيؤدي ذلك إلى انحياز الحكام لمصالح القلة المثقفة؟ إنها مقالة عن الصراع الجديد بين الإبستقراطية والديمقراطية.
 

على من يجب تولي السلطة القلة أم الكثرة؟ يؤدي تركز السلطة في أيدي القلة -في النظم الملكية، والديكتاتورية، والأوليجاركية- إلى استغلال هذه السلطة في المصالح الشخصية على حساب الآخرين، إلا أن توزيع السلطة على نطاق واسع -مثل الحال في الديمقراطية- يجعل التصويت الفردي عديم الأهمية، وحينئذ يبقى أغلب الناخبين في جهل وتعصب وضلال.
 

إنها معضلة!
 

للقرارات السياسية مخاطر كبيرة، والديمقراطيات توكل بعض هذه القرارات الخطيرة إلى أشخاص يفتقرون إلى المعرفة والكفاءة
غيتي
 

 تحاول الديمقراطية التمثيلية في صورتها الجمهورية اللعب على الجانبين، فهناك المراجعات القضائية ووثيقة الحقوق وانتخابات النواب، التي صممت جميعا لضمان مساءلة القادة أمام الجماهير، وكبح جماح الجماهير الجاهلة في الوقت نفسه، وإجمالا نرى أن هذه المؤسسات تعمل جيدا فالناس في الدول الديمقراطية تتمتع بأعلى مستويات المعيشة، لكن ماذا لو كان بإمكاننا تحسين الأوضاع؟
 

فلنتخيل نظاما سياسيا بديلا يدعى الإبستقراطية تبقي الإبستقراطيات على مؤسسات الديمقراطية التمثيلية نفسها، بما فيها القيود الدستورية الليبرالية على السلطة ووثيقة الحقوق والضوابط والتوازنات وانتخابات النواب، والمراجعة القضائية، لكن بينما تمنح الديمقراطيات حقا انتخابيا يتساوى فيه كل المواطنين، تقسم الإبستقراطية السلطة السياسية قانونيا وفقا للمعرفة والكفاءة.
 

قد لا تمنح الإبستقراطية المواطنين حق الانتخاب إلا بعد النجاح في اختبار عن المعلومات السياسية الأساسية، وقد تمنح جميع المواطنين صوتا واحدا، مع منح أصوات إضافية للمواطنين الذين ينجحون في اختبار ما

ليس المقصود هنا هو أحقية الأشخاص ذوي المعرفة بالحكم؛ بل إن البقية يستحقون الفكاك من اتخاذ القرارات السياسية التي ليسوا أهلا لها، إن للقرارات السياسية مخاطر كبيرة، والديمقراطيات توكل بعض هذه القرارات الخطيرة إلى أشخاص يفتقرون إلى المعرفة والكفاءة، حيث تميل الديمقراطيات إلى تمرير القوانين والسياسات التي تروق للناخب المتوسط، إلا أن الناخب المتوسط لن ينجح في اختبار عن مبادئ الاقتصاد أو التاريخ أو علم الاجتماع أو السياسة، وتظهر الدراسة التجريبية أن الناخبين كانوا سيساندون سياسات مختلفة لو توفرت لهم معلومات أفضل.
 

أغلب الناخبين من ذوي النية الطيبة، لكن إحسان التصويت يحتاج أكثر من مجرد قلب طيب، فهو يحتاج معرفة علمية اجتماعية هائلة، وهي معرفة يفتقد إليها أغلب المواطنين، فأغلب المواطنين لا يعرفون شيئا، لكن بعضهم يملك قدرا عظيما من المعرفة، وبعضهم تقل معلوماته عن الصفر.


إن هدف الجمهورية الإبستقراطية الليبرالية هو تجنب سلبيات الديمقراطية، عبر تقليل سلطات الناخبين الأقل معرفة، أو زيادة سلطات الأكثر معرفة.

 

وهناك عدة طرق لتشييد الإبستقراطية تتفاضل في الجودة، على سبيل المثال قد لا تمنح الإبستقراطية المواطنين حق الانتخاب إلا بعد النجاح في اختبار عن المعلومات السياسية الأساسية، وقد تمنح جميع المواطنين صوتا واحدا، مع منح أصوات إضافية للمواطنين الذين ينجحون في اختبار ما أو يحصلون على شهادة ما.
 

وقد تمرر جميع القوانين عبر الطرق الديمقراطية التقليدية، مع منح حق الفيتو لفريق من الخبراء في حالة التشريعات المعيبة، وقد يحوز مجلس من الخبراء الاقتصاديين حق الفيتو في حالة قوانين الإيجار، مثلما تملك المحكمة العليا حق الفيتو في حالة القوانين التي تمثل انتهاكا للدستور.

 

السؤال المهم يتعلق بالمعايير، ومن يحدد المعايير التي تقيس الكفاءة السياسية، أو المعرفة السياسية الأساسية، فنحن لا نريد للسياسيين الانتهازيين أن يتولوا صياغة اختبار الكفاءة السياسية لصالحهم
غيتي
 

أو قد تسمح الإبستقراطية لجميع المواطنين بالتصويت مع إلزامهم باجتياز اختبار في أبجديات المعرفة السياسية وتقديم بياناتهم الديموغرافية، فبهذه البيانات يمكن لأي خبير في الإحصاء حساب "التفضيلات المتنورة" للجمهور، وهي ما كان جمهور من الناخبين المماثلين ديموغرافيا ليؤيد لو أنه حصل على معلومات أفضل، عندها يمكن للإبستقراطية تمثيل تفضيلات الجمهور المتنورة بدلا من تفضيلاتهم الحقيقية غير المتنورة.
 

 السؤال الرئيس هنا يتعلق بالمعايير ومن سيحدد المعايير التي تقيس الكفاءة السياسية، أو المعرفة السياسية الأساسية، فنحن لا نريد للسياسيين الانتهازيين أن يتولوا صياغة اختبار الكفاءة السياسية لصالحهم/ لذلك يمكن استخدام اختبارات موجودة بالفعل تتمتع بقبول شعبي، مثل اختبار الجنسية الأميركية، أو الأسئلة نفسها التي يطرحها مسح دراسات الانتخابات الوطنية الأميركية منذ ٦٠ عاما.
 

لأن أسئلة من طراز من الرئيس الحالي؟ وأي عنصر يستهلك الجزء الأكبر من الميزانية الفيدرالية؟ هي أسئلة مباشرة ولا تقبل الجدال، إضافة إلى أن إجابتها بصورة صحيحة مرتبط بشدة بنوعية المعرفة السياسية اللازمة في الانتخابات.
 

لكن أحد الاعتراضات الشائعة على الإبستقراطية بين فلاسفة السياسة على الأقل، هي أن الديمقراطية ضرورية لإبراز فكرة تساوي الجميع، لكنه ادعاء غريب بشكل واضح أن الديمقراطية نظام سياسي لا قصيدة أو لوحة فنية، والناس يتعاملون مع حق التصويت كما لو كان شهادة تكريم، تدل على أن المجتمع يمنحك عضوية كاملة في النادي الوطني لهذا السبب -نحرم المجرمين من هذا الحق- لكن بإمكاننا النظر إلى حق التصويت باعتباره لا يفضل شهادة السباكة أو الطب في الأهمية، فبينما تحرمني حكومة الولايات المتحدة من هذه الرخص،لا أعتبر ذلك تقليلا من شأني مقارنة بالآخرين.
 

طريقة تصويتنا مهمة لكن نوع اختياراتنا أو حتى قيامنا بالتصويت من عدمه لا يحدث أي تغيير (رويترز)

 
ويعترض آخرون بأن الحق المتساوي في التصويت ضروري كي تتجاوب الحكومة مع مصالحنا، لكن الرياضيات لا تؤيد ذلك، ففي معظم الانتخابات الهامة تتساوي احتمالية إحداثي لأي تغيير مع احتمالية فوزي باليانصيب.

إن طريقة تصويتنا مهمة لكن نوع اختياراتنا أو حتى قيامنا بالتصويت من عدمه لا يحدث أي تغيير، فقد يكون فوز دونالد ترمب بالانتخابات الرئاسية كارثة، لكن تصويتي لصالحه لا يعد كذلك أو كما يقول المنظر السياسي بين ساوندرز " في الديمقراطية تكون سلطة كل فرد صغيرة جدا، حتى إن الإصرار على المساواة فيها يشبه الصراع على فتات كعكة بدلا من طلب قطعة لائقة".
 

 على الجانب الآخر صحيح -على الأقل الآن- أن بعض الجماعات الديموغرافية مثل الرجال البيض الأثرياء أكثر قابلية لاجتياز اختبار في المعلومات السياسية الأساسية من غيرهم مثل النساء السود الفقيرات، وهو ما قد يثير القلق من انحياز الإبستقراطية لمصالح بعض الجماعات على حساب الأخرى.
 

لكن لعله قلق مبالغ فيه فقد وجد المتخصصون في العلوم السياسية أن ضعف فرصة الأفراد في إحداث اختياراتهم الفردية لأي تغيير يدفعهم إلى التصويت لصالح ما يرونه يصب في الصالح العام لا مصلحة جماعتهم، علاوة على ذلك قد يصب استبعاد ثلاثة أرباع أصوات البيض الأقل معرفة في صالح النساء السود الفقيرات أكثر مما قد تفعل الديمقراطية.
 

أشك أن أي نظام إبستقراطي سيشهد انتهاكات من السهل تخيل جميع الأشياء التي قد تفسد، لكن ذلك ينطبق على الديمقراطية أيضا، لذا فالسؤال الأكثر أهمية هو أي النظامين بشكل عام سيعمل بطريقة أفضل في النهاية؟، فليس من الصواب تخيل الإبستقراطية على أنها حكم نخبة من التكنوقراطيين أو "الفلاسفة الملوك"، بل هذه هي الفكرة التي تقوم بها الديمقراطية، لكن بصورة أفضل كل من الديمقراطية والإبستقراطية تقسم السلطة بين الأكثرية، لكن الإبستقراطية تحاول حماية القلة المثقفة من الغرق وسط جموع الكثرة الجاهلة أو المضللة.

________________________________________

المقال مترجم عن: الرابط التالي

آخر الأخبار