انضم إلينا
اغلاق
الإسلاميون الجدد.. إسلام السوق، النشأة والتجليات

الإسلاميون الجدد.. إسلام السوق، النشأة والتجليات

إبراهيم هلال

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض
"يتعرض المشهد (الإسلامي) للتفكك من الداخل بسبب التوجهات ما بعد الحداثية والعلمانية التي بات يتبناها مناضلوه، وبخلاف الإطار الإسلاموي الكبير الذي يدعو إلى اقتصاد شامل وشمولي بالمعنى الذي يشكل إطارًا خارجيًّا ينظم الحياة الاجتماعية برمتها فإن هؤلاء يتطورون بشكل أكثر وضوحًا في علاقتهم المباشرة بالعالم. وفي الوقت الذي تتصلب فيه الخطابات العامة والتصورات الكبرى في مزاجيات حضارية حادة فإن الممارسة الدينية على المستوى اليومي تسير عكس التيار في كثير من الأحيان بما تقيمه من توفيق ضمني بين الإسلام والغرب، فتؤكد أن تسييس الإسلام ليس حتمية، وأن بإمكانه التعايش مع المظاهر الورعة "ما بعد النضالية" التي تتميز بالانفتاح الثقافي حيث تبرز التوجهات الاستهلاكية والفردانية"(1)

 

كتب الباحث "باتريك هايني" هذه الكلمات في كتابه "إسلام السوق" ليؤكد به ظهور ذلك النمط الجديد من التدين في الوسط الإسلامي، حيث من بين أنماط التدين المتباينة التي ظهرت مؤخرًا على تخوم الحركة الإسلامية سيبرز "إسلام السوق" بمنزلة التيار الأشهر والأكثر انتشارًا والأوفر حظًّا، فرغم تباين خطابات الدعاة الجدد (*) فإنه سيأتي تيار "إسلام السوق/الإسلام الملبرل" ليحتل مكانًا بارزًا في صدارة الخطابات الجديدة، وسيشكل لنفسه مساحات أخرى تخصه وتحاول ابتلاع تلك الخطابات الأخرى المنافسة له والسابقة والممهدة له.

كان طموح هؤلاء الشباب من الطلاب الإسلاميين ليس أقل من "التغيير الشامل" لوجه الأرض

رويترز

فقد خرجت مجموعات وتيارات شبابية من التصورات الكبرى للعالم -التي كانت قد حملتها الحركات الإسلامية- ودخلت في الواقع والآني والاشتباك مع تفاصيله وأجزائه الصغرى، واندمجت مع الحياة العملية، وتبنت مرجعيات أكثر تساهلًا مع المجتمع وظواهره، وخفت النفَس النضالي الثوري الذي يطمح إلى تغيير العالم، وهو ما كان ملمحًا بارزًا للتيار الإسلامي من قبل (2).
 

حيث كان طموح هؤلاء الشباب من الطلاب الإسلاميين ليس أقل من "التغيير الشامل" لوجه الأرض، وكان يجب على العالم -من وجهة نظرهم- أن يرحب بهم وبما ينتظره منهم، فكان شعارهم الأثير؛ "صُمّت أذن الدنيا إن لم تسمع لنا"! فقد كان لدى هؤلاء الشباب رغبة عارمة في التغيير الجذري لبناء مستقبل وعالم آخر صاغته رؤية مثالية كبرى (3).

 

أما بعد ذلك، فقد تبنى هؤلاء الشباب الإسلاميون -ومن لحق بهم- أنماطًا جديدة من التدين تتخلى عن الأحلام القديمة بتغير نظام الدولة وتطبيق نظام إسلامي يطبق الشريعة الإسلامية كخطوة لبناء الخلافة الإسلامية، وتتبنى خيار إقامة دولة تطبيق "القانون"، بل وتجنب السياسة والانفتاح على المجتمع والعالم (4).

الشيخ عمر عبد الكافي (مواقع التواصل الإجتماعي)


فقد انتشرت خطابات تلك الأنماط الجديدة التي يعتبر الشيخ "عمر عبد الكافي" من الجيل الأول لها -حسب الباحث وسام فؤاد- وتعيد تشكيل نفسها دائمًا. كذلك -وحسب فؤاد- يمر ذلك الخطاب بتطورات وتغيرات وتشكلات جديدة، حتى أنه يقول في ورقته "التدين الجديد" أن كل ما كتبه قد يكون في لحظة مستقبلية ما شيء قديم لا ينطبق على الواقع"، كما أكدت د. هبة رؤوف عزت في مقدمة كتاب "إسلام السوق" أن الكتاب يحتاج لمراجعات لما طرأ على تلك التيارات الجديدة من تغيرات وتحولات.

 

لكن لو استطعنا أن نوقف الزمن ولو لبُرهة وننظر لتلك الحالة المسماة بـ "إسلام السوق/الإسلام الملبرل/الإسلام منزوع الدسم" كحالة مميزة من أنماط التدين الجديد والدعاة الجدد فسيأتي السؤال: كيف نشأ هذا التيار؟ وما ملامحه -وإن كانت في حالة تغير وتشكل طوال الوقت-؟ وما مساحات التشابك والانفصال بينه وبين التيار الإسلامي التقليدي؟ وأي أفق وأي مسار ينتظر ذلك التيار؟

 

مقدمة ثانية.. ما بعد الإسلام السياسي
عندما يتحدث أي باحث أو مراقب عن حالة "إسلام السوق" كنمط من أنماط التدين الجديد أو الإسلاميين الجدد فهو ينطلق من موقع يقع بعد أطروحة "ما بعد الإسلام السياسي"، فلا يمكن فهم تلك التغيرات التي أصابت المشهد الإسلامي إلا بعد فهم ما قُدم من أطروحات قبلها وما قُدم من تحيليلات لرصدها، لكن ومثل ما هو موجود في الواقع من تشعب لتلك الظاهرة وتشابكها كذلك تأتي أطروحات "مابعد الإسلام السياسي/ما بعد الإسلاموية" كعدة أطروحات متباينة تم تطويرها مع الزمن.

 

كان أوليفيه روا قد استخدم مصطلح ما بعد الإسلاموية إلى جانب أوليفييه كاريه عام 1991 على الرغم من اختلافهما حول الأهداف ووجهات النظر

مواقع التواصل

فقد كان أوليفيه روا قد استخدم مصطلح ما بعد الإسلاموية إلى جانب أوليفييه كاريه عام 1991 على الرغم من اختلافهما حول الأهداف ووجهات النظر، فكاريه كان يعتقد أنه من القرن العاشر وحتى القرن التاسع عشر قام كل من الإسلام الشيعي والسني بـ "فصل العالم السياسي العسكري عن العالم الديني، سواء من الناحية النظرية أو العملية"؛ ونحن الآن نشهد عودة لعصر ما بعد الأسلمة، الذي يُفهم على أنه عودة إلى العصر الكلاسيكي للإسلام. وبحسب كاريه فإن مرحلة ما بعد الإسلاموية هي الخيار الوحيد الموجود لدى الفكر الاجتماعي والسياسي الإسلامي للهروب من الفخ الذي وجد نفسه فيه خلال العشرينيات، فإسلام ما بعد الأسلمة قد يسهّل العودة لتقاليد الإسلام العظيم الذي بدأ تراجعه في القرن الرابع عشر (5).

 

بيد أنه بالتزامن مع أطروحة كاريه قدم أوليفييه روا أطروحته الخاصة حول "فشل الإسلام السياسي" باعتباره حقيقة تاريخية ناتجة عن الخطأ المنهجي للإسلام نفسه، فقد فشلت الحركات الإسلامية عندما واجهت مع الواقع لتحقيق هدفها المتمثل في إنشاء دولة إسلامية. وبدءًا من نهاية الثمانينيات شهد العالم بدايات عصر جديد لما بعد الأسلمة للعالم المسلم المتسم باللجوء إلى الإسلام القومي أو القومية الإسلامية، أي اعتماد الدولة لإعادة أسلمة المجتمع وخسارة الإسلاميين لاحتكار الخطاب الديني (6).

 

أما آصف بيات فكان من أوائل الباحثين في اعتماده "ما بعد الإسلاموية" كأداة تحليلية، ففي كتابه "جعل الإسلام ديمقراطيًّا: الحركات الاجتماعية والتحول ما بعد الأسلمة، 2007" يوسع بيات تعريف ما بعد الإسلاموية باعتبارها "مشروعًا" وليست "حالة" تقوم على محاولة واعية لوضع تصور وإستراتيجية لمنطق وطرائق لتجاوز الإسلاموية في المجالات الاجتماعية والسياسية والفكرية.

 

فمرحلة ما بعد الإسلاموية بحسب بيات ليست معادية للإسلام ولا هي علمانية، بل تمثل محاولة لدمج التدين والحقوق، الإيمان والحريات، الإسلام والحرية، فهي محاولة لتحويل وقلب المبادئ الأساسية للإسلام رأسًا على عقب بواسطة التأكيد على الحقوق بدلًا من الواجبات، وعلى التعددية في مجال الصوت الفردي السلطوي، وعلى التاريخية بدلًا من الكتاب المقدس الثابت، وعلى المستقبل بدلًا من الماضي. وقد ركز "بيات" على البعد الاجتماعي، أي التحول من الحركات الجماهيرية ذات الإطار الأيديولوجي الثابت والقادرة على التعبئة وذات الأهداف طويلة الأجل إلى مرحلة يبرز فيها حركات يقودها الشباب بالأساس ذات طبيعة رخوة ترفع مطالب تتعلق بالذات وبالكرامة والحقوق والمطلب الديمقراطي بالأساس (7).

 

الباحث "إسماعيل الإسكندراني" فرق بين "الإسلاميون الجدد" الذين يتبنون مواقف أكثر انفتاحًا وتحررًا ملتجأين إلى المقاصدية والاعتماد على فتاوى أكثر تجديدًا

مواقع التواصل

أما الباحث "إسماعيل الإسكندراني" فقد فرق بين ما سماه "الإسلاميون الجدد" وهم الذين يتبنون مواقف أكثر انفتاحًا وتحررًا ملتجأين إلى المقاصدية والاعتماد على فتاوى أكثر تجديدًا لكن دون أن يتخلوا عن مشروعهم الإسلامي وإن كان في أثواب وأشكال جديدة، وبين "ما بعد الإسلاموية" الذين يختلفون مع الإسلامين الجدد في أنهم جعلوا مرجعيتهم مختلفة عن المرجعية الكلاسكية الصلبة من مقاصد وفتاوى تصدر من الفقهاء والعلماء إلى مرجعية تستند إلى أنماط التدين الشعبية ونمط ثقافة المجتمعات التي ينتمي إليها هؤلاء معتمدًا على نمط اختيارات حزب "العدالة والتنمية" بتركيا(8).

 

لكن ومع مرور الزمن فقد أبقى الواقع على كل تلك الأشكال والتمايزات التي تصفها الأطروحات السابقة، فما بين العودة للإسلام الكلاسيكي وبين اعتماد مرجعيات رخوة تستند لأنماط التدين الشعبي والاجتماعي والثقافي تضم كل تلك المساحة ما يمكن تسميته بـ "الإسلاميون الجدد".

 

فظاهرة "إسلام السوق/الإسلام الملبرل "حسب هايني هي نتيجة وظاهرة تتجلى فيها أطروحة "ما بعد الإسلام السياسي" حيث تعبر عن سأم مجموعات شبابية معينة داخل الحركات الإسلامية من التصورات الكلاسيكية القديمة ومن الصدام مع النظم الحاكمة وعن اليأس من مناهج التعليم والدعوة داخل تلك التنظيمات، فلجأت تلك المجموعات وهؤلاء الأفراد إلى أنماط جديدة من الدعوة وتبنوا خطابًا جديدًا يمكنهم من التواصل مع المجتمع وفي نفس الوقت تجنب الصدام مع السلطة.

 

الأفكار أم الواقع.. بين ماكس فيبر وماركس

كارل ماركس (مواقع التواصل الإجتماعي)

يجادل الباحثان باتريك هايني وحسام تمام أن ظاهرة "إسلام السوق" هي نتيجة توغل مناهج "الإدارة" داخل الفضاء الديني بشكل متزايد، فباتت تستهدف الشأن الشخصي والمعتقدات والقيم، وأن هذه المناهج من إدارة وتسويق وتنمية تحمل طابعًا إنجيليًّا بسبب لجوئها إلى الأنماط الدينية من جهة ودخولها عالم الموضة من جهة ثانية، وأن ظاهرة خطاب الإسلام الذي يحث على النجاح الفردي وعلى الرفاهية وعلى عدم الصدام مع التدين الشعبي للمجتمع وتجنب السياسة والمؤسسات تشبه إلى حد كبير ظاهرة المتحولين إلى الإنجيلية البروتستانت في الولايات المتحدة الأمريكية(9).

 

فالتداخلات بين الميادين الدينية والاقتصادية وتأثرهما ببعض في أنماط التدين مؤخرًا بمصر وإندونسيا وتركيا وغيرهم من البلاد ذات الأغلبية المسلمة يشبه تدخل العنصر الديني ومذهب الازدهار ذا الأصل البروتستانتي للكنائس الاستهلاكية في أنماط الاستهلاك الجماهيري، مثل ظهور "البوب" الديني والمتنزهات الروحية وإعادة تشكيل الدعوة الدينية عبر استخدام تقنيات التسويق والإدارة. ويذهب تمام أن تلك الظواهر تجعل نقاط الالتقاء بين "روح الرأسمالية" والتمثلات الإنجيلية المرتبطة بإعادة صياغة الدين وانتشاره واضحة جدًّا.

 

 حيث إن ذلك الالتقاء هو امتداد لتصور ماكس فيبر عن الأخلاق البروتستانتية التي سيكون لها دور كبير في نمو الرأسمالية حين أباحت البروتستانتية المعاملات الربوية وحثت الكنائس رعاياها على العمل والنجاح والتفوق الفردي، فحسب ماكس فيبر التغير في الأفكار أنتج تغيرًا كبيرًا في الواقع والاقتصاد ارتد أثره مرة أخرى على أنماط التدين الحديثة وتجلياتها في مظاهر الغناء والملابس والمعاملات اليومية (10).

 

وبذلك يأتي فيبر ليثبت خطأ ماركس الذي طرح أن البنية التحتية المتمثلة في الاقتصاد هي المسؤولة عن التغيرات التي تحدث في البنية الفوقية المتمثلة في الثقافة والأفكار. فهل أثبت فيبر حقًّا خطأ ماركس؟

 

ملامح وتجليات إسلام السوق

رصد تمام التغيرات التي حدثت داخل حركة الإخوان المسلمين بمصر كنموذج للتحولات التي حدثت في الحركة الإسلامية بكل أطيافها

الجزيرة

يرصد تمام التغيرات التي حدثت داخل حركة الإخوان المسلمين بمصر كنموذج للتحولات التي حدثت في الحركة الإسلامية بكل أطيافها، ويؤكد أن تلك التحولات التي عاشتها حركة "الإخوان المسلمين" على مستوى الرؤية والمشروع والتنظيم وطبيعة الكوادر والقواعد تعكس تحولًا في "الروح الإخوانية" التي عرفناها قبل عقدين من الزمان.



فقد أفلتت الروح الثورية النضالية من "الإسلاميين" حتى في الأناشيد -صارت تسمى أغاني-، فصارت تحفل بالمتعة وتحتفي بالترفيه والبهجة بعدما كانت تمجد الشهادة والتضحية في سبيل العقيدة والأوطان، وبعدما كانت تستمد كلماتها من أشعار هاشم الرفاعي والشهيد سيد قطب التي تفيض ثورة وتمردًا صار يكتبها مؤلفو الأغاني الجدد الذين تغلب عليهم روح "الشعبية" والفكاهة وبعضها من رومانسيات الراحل سيد درويش في الغرام والغزل! (11)

 

أما هايني فيؤكد أن الأغنية الدينية أو النشيد الإسلامي يرسمان قصة المسار الذي سارت فيه الحركات الإسلامية خلال العقود القليلة المنصرمة حيث سماها "العودة إلى إيقاع العالم"، فقد بدأت ثورية المنحى ثم تحولت إلى مآل آخر حين انتشرت الأغنية الدينية في كل جهات العالم يقودها موسيقيون مسلمون يقعون خارج إطار الحركات الإسلامية التقليدية في غالب الأحيان (12).
 

ففي إندونسيا وماليزيا وفي الأردن ومصر وفي الولايات المتحدة ثم لاحقًا أوروبا ابتُدعت تقاليد موسيقية مستوحاة بشكل فضفاض -إلى حد ما- مما يتيحه التراث الموسيقي الإسلامي، فاتجهت بدلًا من المناجاة والإنشاد للغربة والحنين والملاحم إلى حب الله والإيمان الذي يجمع البشرية كما هو الحال لدي الإنجيليين الجدد في مجموعات الروك المسيحية.

 

ويذهب هايني أن تلك الفرق الموسيقية تسهم -سواء بوعي منها أو بدونه- في تجاوز الأصل "السلفي"، ثم هم يشاركون بوجه عام في بلورة نمط جديد من التدين "منفتح ومريح". فقد شهد العالم العربي تحولات في النشيد الإسلامي الذي كان يتميز بالتعبئة والحماسة إلى أشكال أخرى أكثر خفة تدعو للاندماج في الحياة وحب الناس والعالم.

حسب هايني فإن المحرمات المتعلقة بالنشيد الإسلامي ستنكسر بتأثير المهرجانات المختلفة التي نُظمت في بلاد الشام والكويت دعمًا للانتفاضة الفلسطينية

مواقع التواصل

وحسب هايني فإن المحرمات المتعلقة بالنشيد الإسلامي ستنكسر بتأثير المهرجانات المختلفة التي نُظمت في بلاد الشام والكويت دعمًا للانتفاضة الفلسطينية، فقد دفعت هذه المهرجانات إلى الواجهة بمجموعات موسيقية قريبة من حركة حماس جمع أعضاؤها بين كونهم مناضلين وفي الوقت نفسه أقل ميلًا إلى السلفية.

 

وسيظهر نفس النمط من الفرق الموسيقية في مصر ليشكل مدرسة قائمة بحد ذاتها، وستحيي تلك الفرق الأفراح الإسلامية وتُدخل كلمات جديدة بعيدة عن الملاحم والنضال والغربة والحنين والبطولة والدماء لتتجه للكلمات المعبرة عن الفرح والحب والسعادة والأمل بالحياة وحب العالم، ثم بعد النصف الثاني من التسعينيات مباشرة ستصبح المجموعات الموسيقية أكثر احترافية وسيتوسع سلم الأدوات الموسيقية المستخدمة، وسيتحسن مستوى الأداء مقابل الحصول على أجر، ثم ستقتحم هذه المجموعات سوق الأشرطة السمعية.

 

ويتعرض مشهد الملابس الإسلامية لنفس التحولات وفقا لإيقاعات ومستويات متنوعة، فالحجاب الذي ارتبط في بداياته بتجربة الإسلام السياسي تحديدًا نُقل إلى سياق استهلاكي سرعان ما سيدمغه بقيمه ومعاييره الخاصة. ويؤكد هايني أن ذلك الأمر يمكن ملاحظته بوضوح في تركيا حيث ينتج الأمر عن الترابط بين واقعين؛ اندماج تركيا في اقتصاد السوق من جهة والظهور المتزامن لبرجوازية (الطبقة فوق المتوسطة) إسلامية تؤسس فضاءً إعلاميًّا جديدًا في تركيا العلمانية يؤدي إلى إحداث تحول في تفضيلاتهم الشخصية (12).

الحجاب التركي (مواقع التواصل الإجتماعي)

ولا يقتصر الأمر على تركيا، فقد ظهر كذلك في مصر تحولات بارزة لنمط الاحتشام الإسلامي، فقد كان نمط الحجاب والملابس في بداية مسار الحركة الإسلامية يتميز بالصرامة وغير عابئ بالألوان ولا بالعلامات التجارية، ثم شيئًا فشيئًا ومع ظهور رجال الأعمال الإسلاميين وأسرهم ظهر نمط جديد من الاحتشام يعبر عن مرحلة جديدة من الرفاهية، حيث صار الاحتشام الصارم مزين بالألوان وبنمط الحجاب التركي، كما ظهرت متاجر جديدة وفخمة لبيع الأزياء العصرية لملابس المحجبات.

 

ويقول هايني: "وسواء أكان الحجاب مستوردًا من تركيا أو مستوحًى من الأوشحة التقليدية الباكستانية أو الإيرانية فإن قوانين ألوان الموسم التي يصدرها مصممو الأزياء في باريس أو تورينو هي المعتمدة. فبات الحجاب لا يجسد بديلًا هوياتيًّا يعبر عن انتماء ثقافي معين، لكنه يُقحم عبر المنطق التجاري كمنتج محليّ يحظى بالتقدير اجتماعيًّا"(13).



وهكذا وكما يذهب تمام فإن الإسلاميين انتقلوا من "حقبة الحلم" -كما يسميها تمام- التي كانت فيها الكوادر تستغرقها روح زهد وتقشف وانصراف عن زينة الدنيا ومتاعها، وكانت روح الجد حد الصرامة والتجهّم سمتًا يعرفون به، حتى في أوقات الفرح والسرور كانت تستغرقهم حالة الصرامة والجد، فيستحضرون وصية الإمام الشهيد حسن البنا التي تقول: "لا تكثر من الضحك فإن الأمة المجاهدة لا تعرف المزاح" إلى حالة أخرى تغير فيها النموذج الذي يلهب "الشاب الإخواني/الإسلامي" من نموذج "رهبان بالليل فرسان بالنهار" الذين كانت تتغنى لهم الأنشودة الإخوانية: "إذا جن المساء فلا تراهم من الإشفاق إلا ساجدينا"! إلى نموذج "الجنتلمان الإسلامي" الذي يرتدي أبهى الحلل ويقتني أفخم السيارات ويعتلي أهم المناصب ولكنه يسخّر ذلك كله في سبيل الله!



ففي الحالة الجديدة لم تعد الدنيا دار الابتلاء والشرور، ولم تعد "جحيم المؤمن" أو مجرد "شجرة" يستظل بها ثم يغادرها إلى الآخرة، بل صارت مرغوبة ومقصودة، والنجاح فيها معيار للإيمان الديني ومؤشرًا على النجاح في الآخرة، إنه عضو إسلامي راغب في الدنيا بعد أن كان راغبًا عنها، همّه أن يبني ذاته ويتعلم إدارتها ليستعد لمواجهة متطلبات الحياة أكثر مما يستعد لسؤال الآخرة، فحظه في الدنيا هو عنوان حظه من الآخرة، ولديه من التراث ما يدعم رؤيته الجديدة فالمشروع الإسلامي يقوم به أمثال عثمان بن عفان والزبير بن العوام -رمزًا لليسر والغنى- وليس أهل الصُفّة من فقراء المهاجرين!(14)


لكن عودة لسؤال فيبر وماركس: هل هذه الملامح والتجليات حدثت بسبب تغير في التوجهات الاقتصادية والخطابات؟ أم أن التماهي مع رأسمالية العصر وأنماط الحياة الحديثة وتجلياتها هي من أنتجت توجهات اقتصادية جديدة نحو السوق الحر والاقتصاد الليبرالي؟

 

نشأة تيار إسلام السوق والتنمية الإسلامية
بسبب تزامن ظواهر الواقع مع تغيرات الرؤى والأفكار والتصورات لا نستطيع أن نجزم بأسبقية أحدهم على الآخر من الناحية التاريخية، لكن السؤال يبقى ملحًا على المستوى المنهجي، بيد أن المستوى المنهجي تتداخل فيه عناصر نظرية وأخرى تاريخية واجتماعية وسياسية.

 

فيذهب تمام أن إقبال الإسلاميين المحموم في العقود الماضية على "مناهج التنمية والإدارة" يرتبط جزئيًّا بما أسماه "توجهًا اقتصاديًّا جديدًا" انتهجته حركة الأسلمة في مصر منذ منتصف التسعينيات، وهي الفترة التي بدا فيها للإسلام السياسي أنه لن يحقق هدف الوصول إلى السلطة حيث فقد الإخوان المسلمون جزءًا من قوتهم بسبب اندماجهم في النظام، فيما انكسرت الحركات الجهادية وتمكن النظام من بسط سيطرته على النقابات المهنية معقل الإسلام الحركي.

 

من جهة أخرى يوضح أنه بالتزامن مع ذلك السياق الاجتماعي والسياسي ظهرت شكوك في الأهداف العامة للحركة وتذمر داخل الجماعة من خطاب وتصريحات قادتها الذين تقدمت بهم السن والذين بدَوا خارج الواقع اليومي المعيش. ورغم ذلك كانت قلة نادرة من الإخوان من غادرت الجماعة، حيث لم تُحدث حالة الخروج ضجة بل تحولًا بطيئًا في معنى الارتباط بالجماعة يعززه منحى التوجه الاقتصادي الجديد حيث "يعود الأعضاء النشطون مشحونين بحالة الفشل التي اعترت حركتهم إلى المجتمع ويكوّنون مؤسساتهم الاقتصادية الخاصة"(15).

 

فهذا السأم من حركة التنظيم البطيئة في عالم متسارع وذلك اليأس من مناهج التعليم والدعوة بالجماعة ستدفع مجموعات من الشباب المبادر حديث التعليم كي يتحرك ويؤسس عمله الخاص سواء الدعوي أو الاقتصادي، وسيظهر فيما بعد وفي نفس الإطار "الإسلامي الناجح" صاحب الفاعلية الاقتصادية والمتحرر من الالتزام السياسي مستثمرًا قيم الثروة والإنجاز. ويؤكد تمام أن هذا النوع الجديد من التدين المرتكز على الثروة اخترق بعمق خيال الإسلام الجديد في مصر (16).

انتقلت مناهج الإدارة والتنمية والتي كانت مقصورة على كليات الاقتصاد  إلى أدبيات جمهور الإسلامين عندما انتقل عدد من الإسلاميين لمتابعة دراستهم في الولايات المتحدة الأمريكية

مواقع التواصل

لكن يأتي هنا السؤال: كيف انتقلت مناهج الإدارة والتنمية والتي كانت مقصورة على كليات الاقتصاد وأفق المؤسسات الضيق إلى أدبيات جمهور الإسلامين مع ما تتضمنه من برامج للإصلاح الاجتماعي بشكل يقودها إلى التفاعل مع الديني بل مزاحمته؟

 

يجاوب تمام أن القصة بدأت في أوائل الثمانينيات عندما انتقل عدد من الإسلاميين العراقيين والكويتيين والفلسطينيين لمتابعة دراستهم في الولايات المتحدة الأمريكية، من بينهم طارق السويدان الداعية الكويتي، ومحمد أحمد الراشد الذي يعتبر من أبرز مفكري الحركة الإسلامية، والعراقيان المقيمان في الكويت هشام الطالب ومحمد التكريتي، ثم نجيب الرفاعي وعلاء الحمادي في الإمارات. وقد عاد هؤلاء في أوائل التسعينيات محملين بالفكر الإداري المنتشر بقوة في جامعات الاقتصاد الأمريكية، كما تزامنت عودتهم مع فترة ما بعد حرب الخليج وتحرير الكويت، وهي الفترة التي طُرد فيها العراقيون والفلسطينيون من الكويت بسبب موقف عرفات المساند للعراق. ووجد الإسلاميون ملجأ في الأردن وبدأوا محاولتهم لوضع التعليم الجديد الذي حصلوه في خدمة مشروعهم.

 

ويستكمل تمام أن الأمر انتقل من الأردن إلى مصر، فبعد اندلاع المواجهة بين الإخوان والنظام تم قمع الإسلاميين عبر الاعتقالات والقوانين الاستثنائية التي أدت إلى مثول أكثر من 100 كادر أمام المحاكم العسكرية بين عامي 1995-1997. وكان هذا من ضمن ما أدى إلى بزوغ محاولات فعلية للبحث عن حل وسط داخل المشروع الإخواني. وفي ظل تراجع خيال الحصول على السلطة ستقدم "الإدارة" فرصة لتقديم معرفة ذات طابع غير تصادمي.

 

وفي هذا السياق سيتم اكتشاف الطرق الفعالة والمنتجة التي تقيم جسرًا بين الالتزام الإسلامي وتطورات علم الإدارة. حيث يأتي هنا كتاب الشيخ يوسف القرضاوي "العبادات في الإسلام" ليطور تصورًا عن التدين لا يرتبط فقط باحترام الواجبات الدينية التقليدية، بل يتضمن أيضًا فكرة الالتزام الإيجابي للفرد داخل المجتمع، حيث يقول: "الجهاد، الدعوة، هما بالنسبة لنا الطريق إلى الله.. لكن الآن نحن نكتشف شيئًا جديدًا هو الإتقان، الجودة، والتنمية"(17).

 


لكن يبدو أن هذا الجسر ليس جديدًا، ولم يكتشفه الدارسون في الجامعات الأمريكية في التسعينيات فقط، بل هو مرتبط بشكل ما بنمط الصدام بين الحركات الإسلامية والنظام، فكلما أغلق النظام السكك والطرق أمام الحركة الإسلامية وصادر المنابر دفع الحصار الإسلاميين للبحث عن منافذ جديدة للدعوة، فنجد هذا النمط عند الداعية الشيخ محمد الغزالي حيث سيصبح هذا الرجل الذي شهد الصدام بين الإخوان ونظام عبد الناصر وترك تنظيم الإخوان بعد ذلك مرجعًا لهذا التيار الجديد، وهو أول من سيقوم بربط المبادئ الإسلامية بأدبيات الإدارة من خلال كتابه "جدد حياتك" الذي يعد أهم كتبه الصادرة في بداية الثمانينيات(18).

 

وهكذا وكما يؤكد الراشد فقد بدأ ذلك التيار يتمايز عن الحركة الإسلامية دون أن تظهر له قيادة أو مطلب، ولم يمض وقت قصير حتى بدأ هذا الأخير في الابتعاد تدريجيا عن الإخوان المسلمين مثل كل الذين تبنوا الفكر الإداري. وفي ظل هذا التيار سيظهر مساق جديد مع نهاية التسعينيات هو رسالة التحقق الذاتي للناس العاديين في حياتهم اليومية، وأصبح "الإسلامي" هو من يتميز عن كل من حوله بأي شكل، ومع انتشار تلك الأفكار وذلك النمط سيصبح الشخص العادي هو الغريب المنبوذ في هذا العالم الذي يضج بالمتميزين!

 

خاتمة
يأتي نسق "الإدارة" كمنظومة تقع في سياق ما يتميز به عصرنا الحالي من سيولة المفاهيم والقيم، حيث تغيرت مفاهيم النضال والجهاد أو أصبحت متعددة المعاني وذات مفهوم نسبي، فالجهاد أصبح في نسق "الإدارة" هو النجاح الفردي والاقتصار على جهاد النفس. فمن ناحية تمت أسلمة أشكال "الإدارة" مع بقاء المحتوى بطابع أمريكي، ومن جهة ثانية ابتعد عن الطابع الجماعي ليركز على الفرد وتحققه الذاتي.
 

حيث تنتشر مفاهيم الأسلمة التي تعني إعادة قراءة المرجعية الدينية بمفاهيم حديثة، والعولمة التي تعني الانفتاح على العالم كله بكل ثقافاته والابتعاد عن السياسة والتركيز على حياة الفرد ونجاحه. سنتناول في الجزء القادم مساحات التشابك بين نمط إسلام السوق وبين التيارات الإسلامية التقليدية، وكيف ترى الحركات الإسلامية ذلك النمط الجديد؟ وما أفق تلك الظاهرة؟

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


آخر الأخبار