انضم إلينا
اغلاق
الشريعة بين عالمين.. قراءة لكتاب سقوط الدولة الإسلامية ونهوضها

الشريعة بين عالمين.. قراءة لكتاب سقوط الدولة الإسلامية ونهوضها

شريف مراد

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض

بنهاية الحرب العالمية الأولى بدأ يتشكل عالم جديد ومختلف جذريا عن كل ما عاشه العالم الإسلامي لقرون عديدة مضت، عالم تَم فيه تعميم نُظم قانونية وسياسية واقتصادية على أغلب البلدان العربية والإسلامية، شكلت في مضمونها وهويتها قطيعة تاريخية مع التاريخ الإسلامي الممتد منذ قرون الإسلام الأولى.
 

كانت تلك القطيعة التاريخية هي العنوان الأبرز لسنوات القرن العشرين التي أعقبت الحرب؛ حيث كان هناك شبه إجماع سياسي وثقافي بين أغلب النخب داخل العالم الإسلامي وخارجه أن الدولة الإسلامية التاريخية التقليدية -مُمثلة في السلطنة العُثمانية- قد فشلت، وبات من الواجب التاريخي حلول أنظمة وسياسات جديدة محلها.


إلا أنه مع نهايات القرن ذاته بدا واضحًا أنه لم يكن نموذج الدولة الوطنية التي ورثت السلطنة العثمانية، أو دولة ما بعد الاستعمار أفضل حالاً ولا أقلّ استبداداً؛ بل كان الاستبداد وغياب منظومة العدالة والاحتكام إلى القانون هو تاريخها الرئيس، بالإضافة للفشل فى تحقيق وعودها بالنهضة والتنمية.

أعاد هذا الفشل الهيكلي الواضح للدولة الوطنية العلمانية القائمة الجدل والنقاش حول الدولة الإسلامية والنظام الإسلامي، ممثلا في شكل قوي في ظهور اتجاهات ثقافية وتيارات سياسية تنادي بتطبيق الشريعة وإقامة الدولة الإسلامية.


في هذا السياق يأتي كتاب "سقوط الدولة الإسلامية ونهوضها" للأكاديمي الأميركي نوح فيلدمان، بترجمة عربية للطاهر بوساحية عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بعد أن صدر بطبعته الإنجليزية في عام 2008، وفي مقدمة وثلاثة فصول يحاول خلالها نوح فيلدمان أن يفسر أسباب صعود فكرة الدولة الإسلامية في مطلع الألفية الجديدة، موضحا شكل الدولة الإسلامية التقليدية قديمًا، ومفسرًا معنى المناداة بتطبيق الشريعة والدولة الإسلامية في عالم اليوم.
 

هامش نقدي حول المؤلف والكتاب: الديمقراطية الإسلامية والنظام العالمي

نوح فيلدمان لا يكتفي فقط بكونه أكاديميًا وكاتبا؛ بل أيضا يشتبك مع المجال العام كمثقف عمومي يناقش قضايا متعلقة بالدين، وفلسفة القانون، والسياسات الدولية

مواقع التواصل
 

نوح فيلدمان باحث وأكاديمي أميركي، يهودي الديانة وأستاذ في القانون السياسي في جامعة هارفارد، وله كتابات دورية في مجلة نيويورك تايمز، ويحمل شهادة الدكتوراه في الفكر الإسلامي من جامعة أكسفورد.


وهو يُعد واحدا من الباحثين الأميركيين المثيرين للجدل دوما، فنوح لا يكتفي فقط بكونه أكاديميًا وكاتبا بل يشتبك أيضا مع المجال العام كمثقف عمومي يناقش قضايا متعلقة بالدي، وفلسفة القانون والسياسات الدولية، وتُعتبر الظاهرة الإسلامية وقضايا الديمقراطية فى الشرق الأوسط مجال اهتمامه وإسهامه الرئيس.


وقد ظهر التوجه الثقافي لفيلدمان في العالم العربي بعد ترجمة كتابه "ما بعد الجهاد.. أميركا والنضال من أجل ديمقراطية إسلامية"، ظهر من خلاله كأحد الداعين للولايات المتحدة إلى مراجعة موقفها التقليدي في علاقتها بالحركات الإسلامية السياسية، والذي تبنته بشكل صارم بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، مؤكّداً على أن الحركات الإسلامية المعتدلة هي القوى السياسية الحقيقية القادرة على تحقيق الديمقراطية في العالم الإسلامي، وأنه من غير الممكن تأسيس ديمقراطية في العالم العربي بتجاهل التراث القانوني الإسلامي والروح الإسلامية الصاعدة لدى شعوب المنطقة.
 

ويوضح الباحث أسامة غاوجي أن ما أثار الجدل تحديدًا حول أطروحات فيلدمان هو "خروجها عن الخط الثقافي الاستشراقي الأساسي فى غرب أوروبا والولايات المتحدة المتعلق بفهم الإسلام والحركات الإسلامية، وهو الخط الثقافي الأيديولوجي الذي تم تدشينه مع أطروحات صمويل هنتجتون وبرنارد لويس، ويتأسس على نظرة ثقافية استشراقية تعلل التخلف في العالم الإسلامي بوجود تشوّه جوهري وخلل ثقافي أصيل فى طبيعة الدين الإسلامي ذاته"؛ حيث ترى بأن دين الإسلام مطبوع على العنف والاستبداد والشهوانية، وترى بأن الصراع مع العالم الإسلامي (ذي الحدود الدموية كما يصفه هنتنغتون) صراعٌ لا يمكن أن يتوقف، وأن فترات السلم والاستقرار ما هي إلا استثناء مؤقت.

الثنائية الملفتة بين: الخطاب والسياسة، الثقافة والإمبريالية، المعرفة والأيديولوجيا، الاستشراق والهيمنة، هي ثنائية ضرورية لفهم أطروحة فيلدمان حول "سقوط الدولة الإسلامية ونهوضها

على النقيض من ذلك يرى فيلدمان أن على الولايات المتحدة أن تتعاون مع القوى الديمقراطية فى حل مشاكل الشرق الأوسط، منتقداً دعمها للأنظمة الاستبدادية السُلطوية في العالم العربي، ومُعتبراً أن هذا خيانة لمبادئ الولايات المتحدة الأمبركية.


ويضيف أسامة هنا أن "فيلدمان بتبنيه لهذا الطرح فإنه يدخل في خصومة أيديولوجية مع منظري الأيديولوجيا الاستشراقية السائدة في الولايات المتحدة، كالمفكر الأمريكي الصهيوني ليون ويستر، والكاتب والمستشرق صهيوني النزعة مارتن كرامر التلميذ الأيديولوجي لبرنارد لويس؛ حيث يرى كرامر أن الإسلاميين "المتطرفين" هم الذين يحوزون على إعجاب الرأي العام الإسلامي، وأن عدم تنديد من يصفهم بـ"الإسلاميين المعتدلين" بعمليات "العنف والإرهاب" التي يمارسها "المتشددون" يعني اتفاقهم الضمني معها.


أما التاريخ الذي ظهر به نوح فيلدمان في العالم العربي فيبدو للوهلة الأولى مناقض للتوجه الثقافي له ولخطابه الداعي لنشر الديمقراطية فى الشرق الأوسط، فكان ظهور فيلدمان المستشرق الجديد الذي يتقن العربية منذ أن بلغ الخامسة عشرة من عمره، مع الغزو الأميركي لأفغانستان والعراق؛ حيث عمل مستشاراً لحاكم العراق بول بريمر وهو من صاغ الدستور الأفغاني المعمول به حالياً، وهو من صاغ مسوّدة الدستور العراقي الانتقالي التي تم الاستفتاء عليها وإقرارها، وهو ما ندد به إدوارد سعيد بقوله "بأن إناطة مهمة كتابة الدستور العراقي لشاب تنقصه الخبرة (فيلدمان من مواليد 1970) هي إهانة لآلاف القانونيين العرب" .


تلك الثنائية الملفتة بين الخطاب والسياسة، الثقافة والإمبريالية، المعرفة والأيديولوجيا، الاستشراق والهيمنة، هي ثنائية ضرورية لفهم أطروحة فيلدمان حول "سقوط الدولة الإسلامية ونهوضها "، وإذا كانت هذه الأطروحة في هذا الكتاب يتم تأويلها، بعد تحليل تاريخي ودستوري معمّق لانهيار الدولة العثمانية وصعود الدولة الوطنية الحديثة، إلى خلاصة أن الإسلاميين الديمقراطيين هم المستقبل الذي ستختاره الشعوب المسلمة إذا ما أتيحت لها فرصة الانتخاب الحر؛ فإن السؤال الذي يبقى عالقاً "ألا تخفي هذه الدعوة إلى التفاهم مع الإسلاميين وإتاحة الفرصة لهم لممارسة السُلطة، شرطاً مبطّناً باستجابتهم وحفاظهم على المصالح الأميركية المتمثلة في استمرار تدفق النفط وأمن إسرائيل؟".

أليس علينا أن نقرأ ما قاله فيلدمان في كتابه ما بعد الجهاد بأنه "ومع مرور الوقت ستجعل الديمقراطية في العالم العربي السلام مع إسرائيل أكثر ديمومة"، أليس علينا أن نقرأه كموجّه لسياسات المحافظين الجدد لإعادة بناء سياسة الاستقرار على قواعد من الديمقراطية الموالية للغرب؟ وهل يمكن للديمقراطية أن تأتي قسراً على ظهر الدبابة الأميركية الغازية؟
 

صعود الدولة الإسلامية



خلال الفصل الأول من الكتاب تحت عنوان "أين مَكمن الصواب" يشرح فيلدمان الصورة العامة للحياة الدستورية الإسلامية والعلاقة بين القانون والسُلطة التنفيذية من جهة وبين ممثلي القانون أي العلماء، وممثلي السلطة أي الحكام من جهة أخرى.

يبدأ فيلدمان في توضيح زاوية تأسيسية فى الكتاب؛ وهي أن المحللين والمراقبين الغربيين لم يُصابوا بالدهشة من بروز حركة سياسية تدعو إلى تطبيق الشريعة، بما هي في دلالتها العميقة "بنية جامعة مانعة تقوم بضبط وتنظيم العلاقات الاجتماعية وتسهّل العدالة الاقتصادية"، وهي مهام تقوم بها الدولة الحديثة فى السياق الغربي.


وبالتالي فإن صعود الدعوات الإسلامية لإعادة بناء الدولة الإسلامية أضحت ذات وجاهة، خاصًة بعد فشل الدولة القومية العربية والاشتراكية الحديثة؛ بل وتحوّل الدولة العربية العلمانية إلى دولة سُلطوية استبدادية ظالمة.


ترتب على ذلك اقتران مقولة الشريعة بالعدالة في المخيلة الإسلامية الحديثة، اقترانٌ وثيق عزز حضوره وارتباطه استبداد السُلطة التنفيذية الحديثة الدائم وهيمنتها على تأويل وتفسير وتطبيق القانون الوضعي طوال الوقت، فالشريعة كفكرة قانونية أخلاقية كانت جوهر الحياة الإسلامية ومدار السُلطة والمجتمع فى العصر الوسيط، وهي مرتبطة في الوعي الإسلامي بكونها العنصر الجوهري الذي صنع مجد الدولة الإسلامية القديمة.

ويوضح فيلدمان في هذا الجزء من الكتاب أن نجاح الحياة الدستورية الإسلامية قد اعتمد بشكل أساسي على التوازن بين العلماء والحكام؛ لذلك فإن السؤال المركزي الذي يدور حوله الفصل الأوّل هو من أين يستمدّ العلماء سُلطتهم التي حققت هذا التوازن أمام السُلطة المادية والسياسية للحكام؟

إن الحاكم كان مجبراً على اختيار القضاة من طبقة العلماء؛ "فإن حقّه في عزل القضاة لم يكن يمكنّه من انتهاك الشريعة

كان التفسير الاستشراقي المعتاد يُصوّر الشريعة كدستور معطّل يتَحكم به الحكام -لا العلماء- كيفما شاؤوا، بينما فيلدمان -على العكس من ذلك فى عرضه وتحليله للبنية السياسية الإسلامية التقليدية- يوضح دور الشرع ودور العلماء، كطبقة اجتماعية تُنظم نفسها بنفسها ولها قوانينها وآلياتها التي تنبع من داخلها، كمفسرين للشرع ومساهمين فى تشكيل طبيعة النظام السياسي نفسه وإضفاء الشرعية عليه، ومدى انفصالهم عن السُلطة التنفيذية الممثلة في الحكام وأجهزتهم.
 

فالعنصر الحاسم الذي يطرحه فيلدمان هنا ليس في مركزية دور العلماء في النظام السياسى الإسلامي مفسرين للشرع وحُماته وحسب؛ ولكن في مركزية "الانفصال" بين علماء الشريعة السُلطة المعرفية من ناحية، وبين السُلطة التنفيذية من الناحية الأخرى في طبيعة النظام السياسي والدستوري التقليدي، مما شكل حالة توازن دستوري معرفي وسياسي ساهمت في خلق حالة خاصة من العدالة السياسية والقانونية مميزة في التاريخ الإنساني مثلت فيها الدولة الإسلامية -على مدار تاريخها الطويل- دولة قانون بامتياز.


موضحًا أن مركزية هذا الانفصال المعرفي والهيكلي بين العلماء أو بين السُلطة المعرفية عن السُلطة التنفيذية والسياسية للحكام ، ساهم في إنتاج نخبة من العلماء مُستقلة تمامًا عن الدولة، وأنها طوال تاريخها المُمتد لقرون لم تكن تمتلك طموحاً دنيوياً لتكون منافسة للدولة، وقد أمّنت مؤسسة الوقف استقلالاً ماليًا للعلماء".


وحيث إن الحاكم كان مجبراً على اختيار القضاة من طبقة العلماء؛ فإن حقّه في عزل القضاة لم يكن يمكنّه من انتهاك الشريعة، فهذه النخبة التي نظمت نفسها بنفسها كانت عبر صيرورتها الخاصة قد طوّرت مذاهب فقهية مستقرة قابلة للتنبّؤ والاستقرار، الأمر الذي شكّل منظومة معرفية مستقلة تمامًا عن السُلطة، كانت الموجه الأساسي للحياة القانونية والاقتصادية في العالم الإسلامي.
 

سقوط الدولة الإسلامية

كانت السلطنة العثمانية هي من بدأ مسيرة تدخل السُلطة السياسية كبنية حداثية في المجتمع، وأتى ذلك خصمًا من رصيد ولاية الشريعة الروحية والتشريعية

مواقع التواصل
 

في الفصل الثاني من الكتاب يفكك فيلدمان الربط الإيديولوجي المتعسف بين التحديث والدولة الوطنية الحديثة، بالإشارة إلى التاريخ المتأخر للسلطنة العُثمانية، وتحديدًا مرحلة الإصلاحات العثمانية، والتي يجعل منها نقطة البداية لتاريخ التحديث في الشرق الأوسط (عمليات المأسسة والبيروقراطية، الدسترة والتقنين، العلمنة)، والتي تمثلت بشكل واضح في عملية تقنين الشريعة، والتي انتهت -بحسب فيلدمان- إلى دخول العلماء داخل السُلطة التنفيذية وفقدانهم لموقعهم السياسي والمعرفي أمام السُلطة، وقبولهم بتقنين السلطة التنفيذية للشريعة؛ مما أدى لفقدان الشريعة استقلاليتها ومصدر حُجيّتها وأسبقيتها المعرفية على الدولة، وبالتدريج تحول وعي العلماء والقضاة بذواتهم من كونِهم علماء ومفسرين للشرع منتمين للقانون، إلى موظفين داخل جهاز الدولة، فضلا عن اختزال الشريعة إلى مجموعة من القواعد تفسرها السُلطة السياسية.
 

ولتوضيح هذا التحول يستعرض فيلدمان تحوّلين رئيسين في البنية الدستورية الإسلامية، حدثا في الحقبة الأخيرة من حياة الإمبراطورية العثمانية فيما عُرف بـ"عصر التنظيمات"، فقد كانت النخبة الثقافية العثمانية التي درس بعض رجالها في أوروبا، قد رأت أن سبب تفوق أوروبا وتسارع وتيرة تقدّمها يعود إلى إدارة داخلية متفوقة وفاعلة، وأن الضعف الخارجي للسلطنة العثمانية وتفكك أطرافها، وزيادة ديونها الخارجية، دفع بهذه النخبة للدعوة إلى إجراءات قانونية وإدارية ودستورية لإصلاح النظام العثماني، شملت إصلاحات عسكرية، وتغييرات في آلية فرض الضرائب، وشملت إصلاحات قانونية، هي ما يهمنا في هذا السياق.


كانت السلطنة العثمانية هي من بدأ مسيرة تدخل السُلطة السياسية كبنية حداثية في المجتمع، وأتى ذلك خصمًا من رصيد ولاية الشريعة الروحية والتشريعية، فالإصلاح الأساسي الذي تم في المجال القانوني، هو عملية تدوين القوانين الحاكمة للدولة بعد أن كانت غير مدوّنة، على اعتبار أن منظومة الشريعة كنظام لإنتاج المعرفة والأحكام هي الحاكمة.

التعديلات الدستورية والقانونية التي أحدثتها الدولة العثمانية ساهمت في تراجع دور السلطة الدينية (رويترز)


ويضيف فيلدمان هنا أن عملية التدوين نفسها كانت متأثرة بالقوانين المدنية الأوروبية خاصة الفرنسية منها، وقد بلغت عملية التقنين مداها مع "مجلة الأحكام العدلية"؛ حيث مثلت الخطوة الشاملة والأكثر جذرية للتقنين العثماني، وهي بمثابة تقنين شامل للأحوال المدنية في الشريعة الإسلامية. وقد قامت بوضعها لجنة مميزة من العلماء والخبراء بين عامي 1869 و1876 بتكليف من السُلطة السياسية ممثلة فى السُلطان العثماني .


ويرى فيلدمان هنا بأن هذه التغيرات الجوهرية في بنية النظام الدستوري القديم أدت في نهاية الأمر إلى تقليل الاحتكام إلى القوانين المتضمنة في الشريعة، وبالتالي كانت الخطوة الأولى على مسار العلمنة وربط المعرفة والقانون بالسُلطة، وسبب ذلك أن هذه التحوّلات قد أزاحت طبقة "العلماء" لصالح القانونيين التكنوقراط والموظفين التابعين للدولة دون أن تفسح المجال لبروز طبقة أخرى تمتلك سُلطة مكافأة ومراقبة للسُلطة التنفيذية من خارجها.


ولأن تلك المدونات المأخوذة من القوانين الأوروبية لا تخضع لتفسيرات العلماء والفقهاء، وأصبح بالتالي القضاء تحت سيطرة الجهاز التنفيذي وفقد استقلاليته المعرفية التي استمدها قديمًا من العلماء والفقهاء المستقلين.


ويقول فيلدمان "وأنا أزعم أن هذه الإصلاحات القانونية والدستورية قد أدت إلى عملية إحلال أفضت إلى زوال وتحطيم طبقة الفقهاء"، ويضيف في موضع آخر "إن المرء يمكن أن يرى أن هذه المؤسسات الجديدة ذهبت بعيدًا جدًا نحو إلغاء وظيفة العلماء التقليدية المتمثلة في إعلان مضمون الشرع، وقد ذهب دستور 1876 أبعد من ذلك بكثير؛ لذلك لن يكون من المبالغة القول إن قدوم الدستور المكتوب في العالم المسلم كان علامة على بداية نهاية الدولة الإسلامية".
 

خطاب الشريعة فى الدولة الحديثة

حركات الإسلام السياسي الديمقراطي؛ وإن كانت تسعى لتطبيق قيم وأحكام الشريعة وتحقيق السيادة المعرفية الدينية؛ إلا أنها تتحرك فى بيئة حداثية تمامًا

رويترز
 

يصف فيلدمان الحراك الواسع للحركات الإسلامية في العالم الإسلامي وانتشارها الكبير خلال العقود الأخيرة بأنه "ركوب لموجة الحنين؛ لكنه يتطلع إلى الأمام أيضا"؛ حيث يريد مُصممو الدولة الإسلامية الجديدة والمدافعون عنها استعادة جوهر ما صنع مجد الدولة الإسلامية التقليدية، وهم يُعلنون ولاءهم للشريعة بينما يصرحون في الوقت ذاته بميلهم إلى الديمقراطية، إلى تحقيق شكل من أشكال الرغبة في استعادة التوازن والسعي نحو العدالة، معتبراً أن دعوة الحركات الإسلامية إلى استعادة الشريعة لدورها في السياسة -وإن كان بصيغة حداثية- يُعد الرد الإسلامي الحديث على الخلل الدستوري في الدولة الحديثة والناتج عن إقصاء طبقة العلماء الذي جعل السلطة التنفيذية في الدولة الحديثة قوة مهيمنة مُستبدة غير خاضعة للرقابة.


فيُناقش الفصل الثالث صعود الأيديولوجيا الإسلامية الحديثة، وطبيعة الحركات الإسلامية المنادية بالشريعة والدولة الإسلامية، وموقعها من السؤال الدستوري وتوازن السلطات، ويقع سؤال موقع طبقة "العلماء" في جوهر النقاش.

الحركة الإسلامية المعاصرة لا تُبدي حماسًا واضحًا فى استعادة دور العلماء القديم وسُلطتهم المعرفية والرمزية، بسبب تحديات الحداثة الحالية وانتماء تلك الحركات لخيارات المساواة والمواطنة

ويرى أن الأيديولوجيا الإسلامية قامت بالدعوة إلى الشريعة بما هي عنوان للعدالة، وهو العنوان الذي تتضمنه أسماء عدة أحزاب سياسية إسلامية فى العالم الإسلامي، إلا أن طبيعة الأيديولوجيا الإسلامية ذاتها الداعية إلى إسلام نقي، وإلى مواطنة ومساواة مطلقة كانت تتعارض بنيوياً مع وجود طبقة فريدة ومتميّزة عن المجتمع هي طبقة العلماء.


الإشكال الأهم هنا، هو الفرق بين الأيديولوجية الإسلامية الحداثية والنظام الإسلامي التاريخي؛ حيث إن حركات الإسلام السياسي الديمقراطي؛ وإن كانت تسعى لتطبيق قيم وأحكام الشريعة وتحقيق السيادة المعرفية الدينية؛ إلا أنها تتحرك فى بيئة حداثية تمامًا، وذلك لأن المجتمع التقليدي الذي أنتج العلماء ومنحهم الشرعية والسُلطة الرمزية لم يعد موجودًا، فضلا عن أن العلماء الشرعيين الموجودين أصبح العديد منهم متورطين مع الأنظمة العلمانية القائمة كموظفين وأصحاب مصالح بعد أن فقدت مؤسساتهم أي حاضنة شعبية قوية فى المجتمع الحديث.

ترتب على ذلك أن الحركة الإسلامية المعاصرة لا تُبدي حماسًا واضحًا فى استعادة دور العلماء القديم وسُلطتهم المعرفية والرمزية، بسبب تحديات الحداثة الحالية وانتماء تلك الحركات لخيارات المساواة والمواطنة، وهي تحديات تتجلى بشكل أوضح فى محاولة إضفاء الطابع الديمقراطي والمؤسساتي على الشريعة.

حيث إن إضفاء الطابع الديمقراطي والمؤسساتي على الشريعة الذي يفكر فيه الإسلاميون فى عالم اليوم؛ يشكل محاولة لإحياء الدولة الإسلامية باعتبارها دولة قانونية دستورية تستمد منظومة قوانينها من الشريعة، من خلال العمل على تطبيق مبدأ الفصل بين السُلطات، والعمل على تأسيس مؤسسات قضائية دستورية فاعلة تحظى بثقة الناس في حيادها واستقلاليتها تقوم بالدور التقليدي الذي كانت تقوم به طبقة العلماء والفقهاء في التاريخ الإسلامي.

آخر الأخبار