انضم إلينا
اغلاق
كيف عكس عمران المدن آليات السلطة والقهر في مصر؟

كيف عكس عمران المدن آليات السلطة والقهر في مصر؟

إبراهيم هلال

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض

"الحداثة لا تعني بالضرورة الحيوية، والتغير لا يكون دائما للأفضل."

(المعماري حسن فتحي)

 

اضغط للاستماع

 

يكفي أن تنظر لشوارع مدينة القاهرة الملقبة "بعاصمة التراب والدخان" لتشعر بالحنق والغضب، وكأن المدينة قد صممت كي لا يشعر أحد فيها بالراحة، وكأن المدينة قد خُططت لتمتص كل طاقة الإنسان وكل يومه؛ حتى يعود إلى بيته آخر النهار وقد استنفذ كل طاقاته فيتمدد على فراشه غير قادر على فعل شيء إضافي.

 

شوارع مدننا عبارة عن ممصات عملاقة، كتل خرسانية تحبس صرخة الإنسان المُعذب داخلها، تحذره قبلا "لا سبيل للهروب ولا جدوى من المحاولة" حصار خرساني كامل شعاره "اضرب رأسك بالحيط".

 

في مدينتنا يعاني الإنسان ليمارس حياته الطبيعية، يصارع من أجل حياة كريمة، يصارع من أجل أن يجد وسيلة مواصلات تنقله، من أجل رغيف خبز، مقعد في "باص" أو قطار، من أجل أن يجد وظيفة؛ حتى من أجل أن يعبر الشارع الواسع. وفي خضم أحداث المدينة المتسارعة، لا يفهم الإنسان أقل إجراءات السلطة في طريقه وفي حياته.
 

يتساءل السكان كل يوم: لماذا يتم هدم ذلك الطريق، لماذا تم سد هذا الشارع، لماذا تتواجد هذه الحواجز الخرسانية والحديدية هنا؟

رويترز
 

يتساءل السكان كل يوم صباحا ومساء: لماذا يتم هدم ذلك الطريق، لماذا تم سد هذا الشارع، لماذا تتواجد هذه الحواجز الخرسانية والحديدية هنا، لماذا لم يتم إصلاح الطريق حتى الآن، من المسؤول عن تلك المدينة؛ لمن نشتكي؟!



ووسط كل تلك الأسئلة يبدو المنظور البصري لشكل السلطة في المدينة غير واضح بالمرة، فعلى سبيل المثال عندما تدخل لندن تعرف كيف تحكم بريطانيا على المستوى البصري، ولا تحتاج إلى القراءة في السياسة والعمارة كي تفهم "كيف يمر دم السلطة في شرايين ذلك البلد، الذي كان يوما ما إمبراطورية، وهذا على العكس من القاهرة" (1).

 

وما إن يتحرك بصرك فتنظر بعيدا في اتجاه نهر التيمز "حتى ترى أضخم وأجمل شكل معماري في المدينة، في الجانب الغربي من النهر، وهو قصر وستمنستر العظيم، وبرج ساعة بيغ بن الشهيرة، هذا القصر الذي يضم مجلس العموم أو البرلمان أو مجلس الشعب هو أكبر قطعة معمارية تراها العين، فتعرف منها ببساطة أين تقبع السلطة. السلطة معماريا لمن يمثل الشعب"(2).

في مددنا العربية وخاصة القاهرة، لا توجد أي علاقة بصرية يحدد من خلالها الإنسان آليات السلطة، فتحكمات السلطة بمدننا في العمران البشري غير واضحة بالمرة؛ بل تخفيها طبقة من السرية والتسلط والاستبداد

رويترز


وعندما تقارن حجم المبنى الخاص برئيس الوزراء مع مبنى البرلمان تعرف الحجم النسبي لسلطات كل منهما. فلا تحتاج إلى متخصص في السياسة البريطانية كي يقول لك إن بريطانيا دولة لديها آليات واضحة لممارسة السلطة، وإن رئيس الوزراء هو مجرد شخص تنفيذي محدود الصلاحيات.

 

أما في مددنا العربية وخاصة القاهرة، فلا توجد أي علاقة بصرية يحدد من خلالها الإنسان آليات السلطة، فتحكمات السلطة بمدننا في العمران البشري -وهو مصطلح يتسع ليشمل العمارة والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية بين الحاكم والمحكوم كما صاغه ابن خلدون- غير واضحة بالمرة؛ بل تخفيها طبقة من السرية والتسلط والاستبداد، وتتشعب منها بشكل شيطاني توجهات مختلطة بين سلطوية استبدادية جامحة وبين نيوليبرالية تركز على الاستهلاك؛ مما دعا الفيلسوف الراحل زيغمونت باومان لأن يطلق على المدن الحديثة "مقالب للقمامة".(3)

 

وكما يخبرنا ابن خلدون فالعمارة والعمران البشري مدخل لتنظيم علاقات السلطة والاجتماع والاقتصاد بين الحاكم والمحكوم وهو ما نحتاجه في مدننا لإعادة حقوق الإنسان العادي في المدينة وإعادة رسم هيبة المقدس ورسم مسارات لحياة لا تنتهكها السلطة والاستهلاك، فكيف تتداخل الثورة كطريقة لفرض قواعد جديدة في علاقات السلطة مع العمارة، وكيف يقاوم الإنسان تمثلات السلطة ورموزها في العمارة التي يراها أمامه يوميا؟

 

العمارة والسلطة.. تاريخ ورموز
 قلعة صلاح الدين التاريخية 2015 (رويترز)


قبل أن تحاط السلطة في القاهرة بكل ذلك الغموض، كانت العمارة في القاهرة تعبر تعبيرا واضحا عن السلطة، كان مقر الحكم واضحا وآليات السلطة ورموزها على العمارة واضحة. لم تكن المدينة محاطة بكتل خرسانية وحواجز حديدية، وتعديات على مساحات الإنسان الخاصة، لم يكن هناك مواكب فخمة تُخلى الطرق لها حين عبورها وسط المدينة، ولم يكن مكان إقامة الحاكم مجهولا، ولم تكن آليات تنظيم المدينة معقدة كل هذا التعقيد، المليء بمتاهات المكاتب وروتين البيروقراطية ورزم الورق والأختام وتراكم المظالم وغياب الرقابة والعدل.

 

يرصد الدكتور خالد عزب في كتابه "دار السلطنة في مصر: العمارة والتحولات السياسية" علاقات العمارة في القاهرة بالسلطة عبر التاريخ فيتحدث الكتاب عن قلعة صلاح الدين الأيوبي التي شيدها ببراعة بهاء الدين قراقوش، "ومقومات هذه القلعة كمقر للحكم من دواوين وأسوار وأبراج وقصور ودار عدل وغيرها من المنشآت التي توحي بوجود مقر سلطاني يليق بدولة عظمى، استمر مقراً للحكم حتى جاء الحكم العثماني إلى مصر"(4).


وحسب عزب فإن التغيرات التي طرأت على مقار الحكم في مصر، تبرز دور السياسة في صياغة العمران، خاصة وقد تميزت مصر بالحكم المركزي " تلك المركزية التي نراها في سطوة مقر الحكم للعاصمة المصرية منذ العصر الأيوبي إلى عصر الخديوي إسماعيل."(5)
 

كان صلاح الدين الأيوبي يحمل مشروعا دفاعيا في وجه الهجمة الصليبية، فكانت من هنا أهمية بناء وتشييد قلعة الجبل والأسوار في العاصمة المصرية "القاهرة"

مواقع التواصل


فقد عبر عمران المدن عن توجهات السلطة والحكام في مصر منذ القدم، فيبدأ عزب من مدينة الفسطاط التي عبر عمرانها عن المشروع الفكري والحضاري للدولة الإسلامية آنذاك، "فعمرو بن العاص أراد أن يكون مجتمع الفسطاط منفتحاً على المجتمع المصري؛ لذا لم يشيّد سوراً للفسطاط؛ بل جعلها مدينة مفتوحة وشجع الأقباط على الإقامة بها، وشيدوا كنائس فيها." (6)


بينما حملت الدولة الفاطمية مشروعاً يقوم على فرض الخلافة الفاطمية الإسماعيلية في مصر، لذا كان مقر حكمهم منعزلاً عن المصريين، ولم يشرعوا في كسب المجتمع إلا في عصر ضعفهم حين شيدوا أضرحة لآل البيت لكسب العاطفة الدينية عند المصريين.(7)

 

أما صلاح الدين الأيوبي فكان يحمل مشروعا دفاعيا في وجه الهجمة الصليبية، فكانت من هنا أهمية بناء وتشييد قلعة الجبل والأسوار في العاصمة المصرية "القاهرة" (8) أما دولة المماليك فكانت تقوم على القوة العسكرية لأفرادها والهيبة والأبهة، فيمكن من هنا رصد محاولاتهم الحثيثة والمتكررة للاستيلاء على القلعة رمز السلطة، وبنائهم المساجد الضخمة والمآذن العالية.
 

صورة تاريخية لمبنى مجلس النواب المصري (العين)


ويشير عزب من خلال كتابه إلى وجود ثلاثة مستويات من العمران كانت متواجدة في العمران البشري في المدن الإسلامية عامة، المستوى الأول: يتعلق بالسلطة، ويتمثل في مقر الحكم أياً كان موقعه من العاصمة أو المدينة.

 

والمستوى الثاني: يتعلق بالخدمات والمرافق داخل المدينة، وهذا المستوى مشترك بين السلطة والمجتمع، ويبرز بصفة خاصة في مؤسسة يمكن أن نعتبرها وسيطة، وهي مؤسسة الأوقاف.

 

والمستوى الثالث: عمران المحكومين، وهو لا يخضع لسيطرة السلطة؛ إذ إن حركة العمران داخل الأحياء تخضع للسيطرة الجماعية لقاطنيها وحقوق أفراد المجتمع. (8). ويؤكد عزب أن المدينة في العصور الإسلامية تشكلت فيها المسؤولية عن طريق الولاية أو ما نعرفه حالياً بالمسؤولية والمراقبة الذاتية، فهناك ولاية عامة وولاية خاصة.

 

فالولاية العامة دورها كان يتجسد في أغلب الأحيان في السلطة الحاكمة ونراه بصفة خاصة في دار الإمارة بإصدار المراسيم العامة وتنظيم الأمور العامة، والمسجد الجامع وما كان يمثله من سلطة ومكانة مقدسة عند المسلمين بجانب سلطة الفقهاء على الناس، وأسوار المدن وهي من ترسم الحدود بين ما هو داخل المدينة وما هو خارجها. وتمثلت الولاية الجماعية في الهياكل الحضرية الوسيطة وتواجدت في الأحياء السكنية والتنظيمات الحرفية والدروب المشتركة والملكيات الجماعية وغير ذلك. أما دور الولاية الخاصة فيرتبط بالحياة الفردية من بناء المساكن واستعمالها اليومي والتصرف فيها (9) وهي ما كانت مساحات خاصة بالناس لا تتدخل فيها السلطة وحتى لو تدخلت فيها بأي شكل من أشكال التدخل والرقابة كان تدخلا يراعي ما رسمه الشرع من حدود وإلا كانت ثورة الناس والتجائهم للفقهاء أو تترسهم خلف الحارات الضيقة وتحالفات الحرفيين وانتماءاتهم القبلية.
 

 محمد علي باشا (1769-1849) (مواقع التواصل)


بيد أنه ومع مجيء محمد علي باشا، بدأت المفاهيم السياسية وتصورات السلطة في التغير، وأصبح دور الدولة يتعاظم داخل المجتمع؛ بل يتضخم ليستولي على مساحات المجتمع والناس، حتى صارت حياة الأفراد مرهونة بسياسات الدولة ومرتبطة بالمراسيم والقوانين التي تصدرها، "ومع انتقال الحكم إلى المدينة بعد سنوات من عزلته، أصبحنا أمام نقلة سياسية وعمرانية، فالحاكم الذي كان يتحصن خلف الأسوار، أجبرته المدفعية على مغادرة الحصن. وصار مقر حكمه في داخل المدينة وسط الناس متحصناً بالمدينة والناس. وتحولت المدينة كلها إلى مقر للحكم، فيها قصر الحاكم والدواوين أو الوزارات"(10).

 

واستتبع هذا إخضاع المجتمع لسيطرة السلطة من خلال فكرة الدولة التي تنظم كل شيء، وتحدد أهدافه طبقاً لسياستها، وفكرة الدفاتر والمستندات التي تسجل الواقع وتراقبه بصرامة كانت مرتخية في البداية (11) لكنها أصبحت تشكل قيودا شديدة على الإنسان فيما بعد؛ فأصبحت الشوارع منظمة والتعليم منظماً، وحتى وقت الناس خاضعاً لفكرة النظام الذي يفرض هيمنة الدولة على كل شيء.


وتقلص في ضوء ما سبق دور الولاية والمسؤولية الجماعية والولاية والمسؤولية الخاصة إلى أبعد حد يمكن تصوره لمصلحة الدولة، فبعد ما كانت حركة العمران تخضع لسلطة المجتمع المتمثلة في فقه العمارة، والتي كانت قانوناً يطبقه الجميع دون الرجوع إلى الدولة، فرضت الدولة على المجتمع قوانين عمرانية ومعمارية، وأنشأت جهازاً يتولى تنفيذ هذه القوانين ومراقبة حركة العمران في المجتمع، وهو ديوان الأشغال (12) والذي سيتطور فيما بعد لوزارة الإسكان وستتفرع منه هيئات أخرى تفرض سلطتها على شكل العمران وطرق تنظيمه.

 

عمارة ما بعد الاستعمار.. الثورة من ميادين الخديوي؟!

أتى من سلالة محمد علي الرجل الأهم (13)، "الذي أسس لعلاقات جديدة بين العمارة وتخطيط المدن والسلطة، ورسم وسط القاهرة على طريقة باريس بوضوح شوارعها وعلاقة السلطة بالمجتمع. قصر عابدين ومجلس شورى النواب والأوبرا إلى آخر هذه العلاقات الواضحة"، هو الخديوي إسماعيل. وفيما بعد تغيرت علاقة الدولة بالمجتمع من الخديوي إسماعيل وعالمه المنظم والمرسوم هندسيا، إلى عالم ما بعد حقبة الاستعمار الإنجليزي؛ حيث انقلاب يوليو وجمال عبد الناصر وحكم الضباط "الأحرار" في استبدادهم، ثم السادات ومن بعده مبارك.
 

تغير شكل العمارة كثيرا حتى أصبح أشبه "بعلب التونة" فقد تحولت المساكن والمباني الحكومية إلى كتل خرسانية مصمتة، تخنق الإنسان وتحاصره وتحدد مساحاته بشكل صارم وظالم

رويترز


حيث تغير شكل العمارة من عمارة إسلامية ثم أوروبية إلى عمارة "علب التونة" إذ ستتحول المساكن والمباني الحكومية إلى كتل خرسانية مصمتة، تخنق الإنسان وتحاصره وتحدد مساحاته بشكل صارم وظالم، وتعبر عن قهر الإنسان داخل المبنى، وعن تيهه داخل متاهات حكومية لا يستطيع أن يصل الإنسان من خلالها إلى سلطة واضحة يعارضها أو يعرض لها شكاويه ومظالمه، ومتاهات سكنية عبارة عن صناديق إسمنتية تعزل الإنسان عن جاره وتزيد من وحدته وتزيل علاقات التراحم والمودة بين البشر بشكل تعسفي.

 

مثلت ثورة يناير تمردا على دولة يوليو، التي كانت توجهاتها في حقبة مبارك مزيجا من الاستبداد والتوسع الرأسمالي، الذي يسلب ملكيات الناس لتلبية احتياجات فئة صغيرة من الأثرياء

وداخل تلك الكتل الإسمنتية، اختفت علاقات السياسة، وتباعدت الأواصر بين السلطة والمجتمع، فهي ليست متمثلة في قلعة خارج المدينة؛ لكنها مع ذلك معزولة عنها، تحتل مباني السلطة مساحات داخل المدينة يُمنع اقتراب الناس منها، كأنها مساحات محرمة على الإنسان العادي. وفي نفس الوقت أصبح الناس يختبئون من السلطة وأذرعتها "الحكومة"، فيُنشئون الدكاكين ويسعون لامتلاك مساحات بعيدة عن أعين الحكومة.

 

حتى صار السؤال "مَن اختبأ مِمَن؟ هل الدولة أدارت ظهرها للمجتمع تاركة مسئولياتها، أم أن المجتمع تخفّى من الدولة، تجنبا لدفع الضرائب"، فأصبح الإنسان يشعر أنه عاريا أمام سلطة تستبيحه ولا يستطيع مقاومتها بمنطق واضح، فصار يبحث عن أي غطاء يحميه، فعلى سبيل المثال يقيم الرجل مسجدا في قبو العمارة حتى تُعفى البناية من الضرائب؟! (14) بيد أنه في ثورة يناير قرر الناس العاديون أن يواجهوا السلطة داخل المساحات التي تحتلها والتي يعود تخطيطها لفترة الخديوي إسماعيل؛ لكن أضافت دولة يوليو عليها ركامها المعماري واحتلتها بمباني تشير لسلطتها القاهرة فوق الشعب.

 

الثورة والصراع على المكان

مثلت ثورة يناير تمردا على دولة يوليو، التي كانت توجهاتها في حقبة مبارك مزيجا من الاستبداد والتوسع الرأسمالي، الذي يسلب ملكيات الناس لتلبية احتياجات فئة صغيرة من الأثرياء؛ حيث اتسمت الفترة الأخيرة لمبارك بالتوسع العمراني حتى صارت القاهرة محاطة من جميع الجهات بالمجمعات السكنية الفارهة المسيجة. وهو نوع من العمران يخلق نمطا من حياة الاستهلاك، يمتص كل فائض النظام الرأسمالي ويعيد توجيهه للأغنياء؛ فيضيق المكان على غير القادرين على سكن هذه المنتجعات؛ فينزحون إما إلى وسط المدينة المتهالك لمن ما زالوا قادرين على تحمل تكلفته، أو إلى أطراف أبعد تقام فيها عشوائيات أضخم(15).
 

في يناير قرر الناس العاديون إعادة حشد أنفسهم في تلك المساحات التي تريد السلطة احتلالها وأخذها عنوة، وكان اعتصام ميدان التحرير أكبر مثال على ذلك الأمر

رويترز



وقد شكلت ماسبيرو بوسط القاهرة مثالا حيا على مثل هذه الممارسات؛ "فهي ومن دون مبالغة تعد تجسيدا لنظريات التخطيط العمراني الفوقي، والانحيازات الطبقية، واعتبارات الجدوى الاقتصادية الباردة التي ترى المواطنين عقبة في سبيل التنمية وليسوا موضوعها وهدفها" (16). لذلك ففي يناير وباقي ثورات الربيع العربي قرر الناس العاديون إعادة حشد أنفسهم في تلك المساحات التي تريد السلطة احتلالها وأخذها عنوة، وكان اعتصام ميدان التحرير أكبر مثال على ذلك الأمر؛ حيث يقع في ميدان التحرير "مبنى مجمع التحرير" وهو أضخم مجمع حكومي في مصر كلها؛ إذ يشد المصريون له الرحال لتخليص أوراقهم الرسمية من كل أنحاء مصر، وبجانب ميدان التحرير يقع مبنى البرلمان المصري ومجموعة أخرى من المباني الأثرية والحكومية والعامة.

 

فحين قرر المصريون الاحتشاد في هذا الميدان؛ قد قرروا عن وعي تام شل حركة الحكومة ومواجهتها وجها لوجه؛ وهو ما عملت السلطة في مصر الآن تحت الحكم العسكري على تداركه؛ حيث سيجري نقل المصالح الحكومية للعاصمة الإدارية الجديدة خارج القاهرة، وإلى ذلك الحين ستغلق السلطة ميدان التحرير بالبوابات الحديدية وتعمل آلتها العسكرية بالقتل وسفك الدماء لكل من تسول له نفسه الاقتراب من الميدان، وإعادة كرة يناير مرة أخرى، ولأي أحد يعتبر الميدان قبلة للثورة، وسيتم تغيير ملامح الميدان الذي اصطبغ بصبغة الثورة طوال ثلاث سنوات، فستُرفع صور الشهداء وسيتم طلاء رسومات الجرافيتي على الجدران، ونصب المتاريس والأسلاك الشائكة لتكون الدولة في حالة تأهب قصوى إبان أي محاولة لدخول الميدان.

 

أما الدكتور علي عبد الرؤوف فقد كتب متأملا المشاهد التالية وهي ترصد ماذا حدث وماذا يحدث لميدان التحرير في الثلاث سنوات الأخيرة. وهي مشاهد تعبر عن الجهد الهادف لمحو أي رمزية معنوية أو مادية لميدان التحرير والذي ارتبط في أذهان العالم بثورة يناير؛ وهي:
 

 مبنى ميدان التحرير بعد إغلاقه  (سي إن إن العربية)


"إخلاء مجمع التحرير: مبنى مجمع التحرير هو أحد أهم المباني التي تشكل الجدار العمراني لفضاء ميدان التحرير. وأصدر محافظ القاهرة قراراً بإخلائه قبل "30 يونيو 2016" نشر التصريح في "جريدة الوفد عدد الجمعة 1 يناير 2016". وأوضح القرار أن إخلاء مجمع التحرير يهدف إلى تخفيف الضغط عليه وعلى ميدان التحرير ومنطقة وسط البلد، على أن يتم نقل المصالح الحكومية المتواجدة به إلى المدن الجديدة، وإعادة أفرع المصالح التابعة للوزارات إلى مقر كل وزارة.

 

يحيلنا كل ذلك إلى عدة أسئلة مهمة: لمن الحق في المدينة، وكيف تنشأ الثورات في المدينة، وكيف يمكن تغيير المدينة لمساحات تسع الإنسان، وتغيير عمرانها لعمران يقوم على العدل والحرية؟!

المتحف المصري وانتقاله إلى متحف جديد على طريق القاهرة الإسكندرية الصحراوي، وتحول المقر الحالي للمتحف وسياقه المحيط إلى ثكنة عسكرية أمنية طاردة لأهل المدينة. وتهميش مسجد عمر مكرم وإنهاء دوره الاجتماعي بعد أن كان أحد أهم أماكن التواصل للدوائر الرسمية خارج نطاق العمل وذلك باستخدامه الأشهر مقراً لسرادقات عزاء علية القوم وأصحاب المناصب، وهو نفسه ما حدث لمسجد القائد إبراهيم في الإسكندرية والذي ارتبط بأحداث الثورة.

 

هدم مبنى العلوم بالجامعة الأمريكية وإزالة حائط الثوار: قرار الجامعة الأمريكية بهدم مبنى التعليم المستمر والرياضيات بعد أن انتقلت الجامعة فعلياً إلى القاهرة الجديدة؛ حيث قررت الجامعة إزالة مبنى العلوم الكائن بحرمها بميدان التحرير وتحويل مكانه إلى حديقة خضراء في إطار الخطة العامة للدولة لتجميل ميدان التحرير "تصريح الجامعة المنشور يوم 20 سبتمبر 2015". أما إزالة الحائط الذي وثق عليه فنانو الثورة وجوه شهداء ثورة 25 يناير فقد اتسمت تبريرات الهدم بالسطحية والسذاجة؛ فقد صرحت إدارة الجامعة أنه من أجل إزالة مبنى العلوم بحرم التحرير كان لا بد من إزالة السور المتاخم له لدخول المعدات اللازمة ولإتمام عملية الهدم"(17).

 

لكن يحيلنا كل ذلك على سؤال أكثر أهمية: لمن الحق في المدينة، وكيف تنشأ الثورات في المدينة، وكيف يمكن تغيير المدينة لمساحات تسع الإنسان، وتغيير عمرانها لعمران يقوم على العدل والحرية؟!

تقارير متصدرة


آخر الأخبار