انضم إلينا
اغلاق
أصالة الإنسان.. كيف نشأت اللغة؟

أصالة الإنسان.. كيف نشأت اللغة؟

منة التلاوي

محررة في قسم رواق
  • ض
  • ض
يبدو تصورنا عن اللغة تصورا أزليا، فاللغة نشأت منذ الأزل وتمتد حتى فناء الكون؛ ولكن أي لغة تلك التي بدأت منذ الأزل؟ وهل وجدت مجتمعات بشرية لم تتواصل عبر اللغة؛ بل تواصلت عن طريق أصوات مفردة كأسراب الطيور والحيوانات وغيرها؟ وهل اللغة منحة إلهية أم ابتكار بشري؟ وما أهمية اللغة وماهيتها من الأساس؟ هل اللغة هي مجرد التركيبات اللغوية والصيغ البلاغية والإنشاءات النحوية التي تختلف من لغة إلى أخرى؟

 

أم أن اللغة تحمل مقومات أبعد وغايات لدرجة أن يسمى عرق كامل باسم لغته أو تسمى باسمه حتى يذوب أحدهما في الآخر؛ فتتشكل هويته، هوية تندمج فيها عدة عناصر على رأسها اللغة. ولا تتوقف أهمية اللغة عند هذا الحد؛ بل إن التاريخ حافل بأشخاص دفعوا حياتهم ثمنا لأفكار عبروا عنها بشكل ما؛ حيث إنهم ربما لو عبروا بشكل آخرمن أشكال اللغة لعاشوا وانتشرت أفكارهم!

 

يحفل التاريخ -أيضا- بذكر خدع لم تكن غير خدع لغوية؛ ولكنها مرت فأحيت أشخاصا وقتلت آخرين، وكذبا يدفع ثمنها أولئك الذين صدّقوا ما بدا لهم من ظاهر القول. وإن أخذنا بقول هرد "إن الأمة تفصح عن روحها في الكلمات التي تستعملها"1 أو بقول همبولت إن "الاختلافات القائمة بين اللغات ليست مجرد اختلافات صوتية؛ بل إنها تنطوي على اختلاف في تفسير العالم وفهمه من قبل المتكلمين بكل لغة"2 أو بقول بواس "إن البحث اللغوي الخالص جزء من الفحص الدقيق لسيكولوجية شعوب العالم"3 إن أخذنا بأقوال علماء الأنثروبولوجيا أولئك فسنجد أن أمر اللغة يتطلب بحثا عن قرب. لذا سنبدأ بأكثر الأسئلة بساطة؛ كيف نشأت اللغة؟

 

يرى العلماء بأن اللغة ليست حكرا للبشر، فالببغاء الأفريقي الرمادي لديه القدرة على ربط ثلاث كلمات في سياق منطقي

بكساباي

 

النظريات العلمية لنشأة اللغة

يرى العلماء أن اللغة ليست حكرا على بني البشر في الأساس؛ بل إن الطبيعة والكثير من المخلوقات فيها قد يكون لها سبق اللغة عن الإنسان؛ فالغراب مثلا يملك أنواعا مختلفة من النعقات يستطيع التواصل بواسطتها؛ حيث تخبر إحداهن عن خطر محدق؛ بينما تخبر أخرى عن وجود إنسان بالجوار، وتختص الثالثة بالتواصل الطبيعي في السرب، أما الببغاء الأفريقي الرمادي فلديه القدرة على ربط ثلاث كلمات في سياق منطقي.4

 

نظرية "المحاكاة والتقليد":

وهي إحدى نظريات نشأة اللغة عند العلماء، وتقوم بناءً على تصور أن الإنسان أراد تقليد الأصوات من حوله فجرب أن يقلد فحيح الحية تارة وصهيل الفرس وحنين الرعد وما إلى ذلك؛ مما أحاط به من الأصوات، لقد كانت محاولة الإنسان الأولى أن يكون ابن بيئته، أو أن يخفف من اغترابه عن ما حوله من مخلوقات. فهي حتما لا تستطيع أن تحاوره، مما دفعه لمحاولة أن يحاورها وفي خضم تقليده ومحاكاته تلك بدأ يكتشف تطور حنجرته وبدأ يُكون المقاطع، ومن هنا نشأت اللغة، وقد قال بذلك من القدامى: الفراهيدي وتلميذه ابن سيبويه وابن جني ومن المحدثين: جسبرسن وهيردر ومن العرب: إبراهيم أنيس وعلي عبد الواحد وافي5.

 

نظرية "يو-هي-هو":

وتتبنى نظرية "يو-هي-هو" (yo-he-ho) فكرة أن اللغة الإنسانية بدأت بمقاطع عفوية غير مقصودة ناتجة عن استخدام الإنسان لقدراته البدنية في الحمل أو الجر أو الدفع أو القطع؛ ومن ثم تطورت اللغة لتصبح تلك المقاطع العفوية أناشيد وأهازيج يشدو بها العمال حتى الآن لتهوين عملهم، وتنسب هذه النظرية إلى الفرنسي نويري.

كما أن نظرية "فندريس" ترى أن اللغة هي "فعل انفعالي محض تولد في لحظات الخوف والفرح والرغبة."6

 

وفقا لنظرية "بوووه-بوووه" فإن اللغة قامت بدافع غريزي لدى الإنسان للتعبير عن انفعالاته تماما

بكساباي

 نظرية "بوووه-بوووه":

ووفقا لنظرية "بوووه-بوووه" (pooh-pooh) فإن اللغة قامت بدافع غريزي لدى الإنسان للتعبير عن انفعالاته تماما كانفراج أساريره وضحكه وبكائه؛ ليعبر عن السعادة أو الفرح أو الحزن فيصدر أصواتا مثل: "أخ، أوف، آه، أووه" وكانت هذه الألفاظ متطابقة في دلالتها لدى الجماعة الإنسانية بأكملها مما أحدث تفاعلا بين الجماعة.7

 

نظرية "النشوء والتناسل":

وتأتي نظرية النشوء والتناسل لتفترض أن اللغة بالطفرة وبشكل تلقائي؛ أي أن اللغة نشأت متكاملة ثم أعقب نشأتها التوالد والتكاثر، وتعتمد هذه النظرية على نظرية التطور الداروينية وتتكون النظرية من أربعة محاور هي:

 

1ـ مرحلة الأصوات الانبعاثية الساذجة وفي هذا الطور لم تكن أعضاء النطق ناضجة بما يكفي.

2ـ مرحلة الأصوات المنبئة عن الرغبات مصحوبة بالإشارات وخلال هذه المرحلة يظهر التمييز بين طبقات شدة الصوت ورخاوته وإمكانية نطق الأصوات الشفوية.

3ـ  مرحلة المقاطع التي ينطقها الإنسان محاكية لأصوات الطيور والحيوانات.

4ـ مرحلة تكوين كلمات من مقاطع وكانت تلك المرحلة هي بداية نشوء حقيقي للغة.

تأتي هذه المراحل الأربعة لتشبه مراحل اكتساب الطفل للغة إلى حد بعيد.8

 

ربما كان فلاسفة الإغريق القدامى هم أول من نظر في أمر اللغة وحاولوا تفسير لغزها فكونوا مدرستين حاولت كل منهما إيجاد تفسير.. مدرسة النظريين، ومدرسة الوضعيين

مواقع التواصل

 

النظريات الفلسفية لنشأة اللغة

أما الفلاسفة فلم ينظروا إلى علاقة نشأة اللغة باكتمال نضج الحنجرة أو القشرة الدماغية أو العمليات العصبية التي صاحبت قدرة الإنسان على النطق؛ بل ما اهتم الفلاسفة بدراسته هو ما إذا كانت اللغة منحة إلهية صاحبت الإنسان منذ بدء الخليقة أم أنها اجتهاد بشري محض وليد الحاجة والرغبة في التفاعل والاستئناس.

 

ربما كان فلاسفة الإغريق القدامى هم أول من نظر في أمر اللغة وحاولوا تفسير لغزها فكونوا مدرستين9 حاولت كل منهما إيجاد تفسير؛ أولهما مدرسة القياسيين أو النظريين: تبنى أرسطو رأي تلك المدرسة ووافقه أرستار خوسفي في هذا الاتجاه القائل إن اللغة كائن طبيعي؛ ولذلك فهي قياسية ومنطقية في أصل تكوينها أي أن اللغة اتبعت نمطا منطقيا في تسمية الأشياء بمسمياتها وأن قصة اللغة بأكملها إنما هي اجتهاد للإنسان فهو من سمى المسميات وفقا لاستخداماتها أو وظيفتها أو انطباعه عنها.

 

وثانيهما مدرسة الوضعيين: واعتمدت هذه المدرسة منهج أفلاطون وتولى زعامتها كراتيس، وتُرجع هذه المدرسة نشأة اللغة إلى الفطرة الإنسانية أي أن الأسماء انبثقت في ذهن الإنسان بشكل فطري؛ فهو حين رأى شيئا ما أخبرته غريزته أن ذلك الشيء يدعى كذا.

 

نظرية الغريزة الكلامية:

ونجد نظرية أخرى أحدث كثيرا؛ ولكنها تملك نفس الوجهة وهي نظرية الغريزة الكلامية التي تشرح نشأة اللغة على النحو الآتي: إن كل إنسان مزود بغريزة خاصة كانت تحمل الإنسان على التعبير عن كل مدرك حسي، أو معنوي بكلمة خاصة ولذا اتحدت المفردات والتعابير عند الإنسان الأول، وأنه بعد نشأة اللغة لم يستخدم الإنسان هذه الغريزة؛ فانقرضت وقد قال بهذه النظرية الفرنسي رينان والألماني مولر وهما عالما لغة جليلان.10

 

تفسير الأديان لنشوء اللغة

أما نظريات نشأة اللغة الأكثر شيوعا فيمكن حصرها في نظريتين، هما:

"وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ" (سورة البقرة آية 31)

بكساباي
 

نظرية التوقيف: وتقول هذه النظرية إن اللغة هبة من عند الله لا شأن للإنسان بها سوى قيامه بدور المتلقي أو المتعلم، أول من قال بهذا القول هو الفيلسوف اليوناني هيرقليطس القائل بأن "الأسماء تدل على مسمياتها بالطبيعة لا بالتواطؤ والاصطلاح، وأن هذه الأسماء قد أعطيت من لدن قوة إلهية لتكون أسماء مسمياتها."11

 

وقد لقيت هذه النظرية رواجا واسعا بين العلماء اليهود والمسيحيين والمسلمين؛ حيث جاء في التوراة "والله خلق من الطين جميع حيوانات الحقول، وجميع طيور السماء، ثم عرضها على آدم ليرى كيف يسميها، وليحمل كل منها الاسم الذي يضعه له آدم، فوضع آدم أسماء لجميع الحيوانات المستأنسة وطيور السماء ودواب الحقل12." وفي الإنجيل ذكر أن "فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ13." وذهب هذا المذهب "الأب لامي" في كتابه "فن الكلام."

 

كانت الانتقادات الموجهة لهذه النظرية هي أن اللغة تحوي الكثير من التناقضات التي لا يصح نسبها إلى ذات الله سبحانه فلو كانت من عند الله لما كان للاسم الواحد معان كثيرة وللأسماء المتعددة معنى واحدا

أما في القرآن فقد ذكر "وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ" (سورة البقرة آية 31).

 

وقد فسرت هذه الآية عدة تفاسير تناولت كيفية تعلم آدم اللغة وفحوى ما تعلمه من اللغة؛ فذهب قول إلى أن آدم تلقى اللغة عن الله سبحانه مباشرة دون وساطة فقلد ما سمع حتى تعلم، وقول آخر أن الله أوحى باللغة إلى آدم وحيا فدخلت نفسه كأنه يعرفها معرفة تامة، وذهب رأي إلى أن الله أنطق شيئا يعلم آدم اللغة. أما عن مضمون التعلم وتباين الآراء فيه أيضا، فذهب ابن عباس إلى أن "عرض عليه أسماء ولده إنسانا إنسانا، والدواب، فقيل: هذا الحمار، هذا الجمل، هذا الفرس14". وذهب رأي آخر إلى أن آدم تعلم ذوات الأشياء وأفعالها15 أي أنه تعلم كل الأسماء من أهمها إلى أقلها استخداما. وقيل "علمه اسم كل دابة، وكل طير، وكل شيء".15 وقيل تعلم أسماء الملائكة وحدها، وقيل أسماء النجوم، وقيل أسماء ذريته.

 

ويوافق الإمام الغزالي هذا الرأي فيقول "لعل الله ألهم آدم الحاجة إلى وضع الأسماء، فوضعها بتدبيره وفكره، ونسب ذلك إلى تعليم الله تعالى؛ لأنه الهادي والملهم. أو لعل الله علم آدم لغة، كان قد اصطلح عليها الجن، أو فريق من الملائكة. ولعل آدم تعلم اللغة ثم نسيها، أو لم يعلمها غيره، ثم اصطلح بعده أولاده على هذه اللغات المعهودة".

 

وكانت الانتقادات الموجهة لهذه النظرية هي أن اللغة تحوي الكثير من التناقضات التي لا يصح نسبها إلى ذات الله سبحانه فلو كانت من عند الله لما كان للاسم الواحد معان كثيرة وللأسماء المتعددة معنى واحدا16. وكما هو معروف أن اللغة هي وسيلة التواصل فمن هنا انتفت حاجة آدم إلى تعلم جميع اللغات؛ إذ إن لغة واحدة كانت لتفي بالغرض.

 

 ديمقريطوس (460 ق.م - 370 ق.م) (مواقع التواصل)

 

التفسيرات الاجتماعية لنشوء اللغة

تذهب نظرية الاصطلاح إلى أن اللغة قد نشأت نتيجة التواطؤ بين أفراد المجتمع؛ حيث اقترح شخص اسما ما لمسمى، وبدأ هذا المسمى في الشيوع دون أن يرتبط الاسم بالمسمى ارتباطا منطقيا واضحا.

 

وأول من قال بهذه النظرية كان الفيلسوف اليوناني ديمقريطس الذي "اعتبر منشأ اللغة عملية تواطؤية؛ لأن الاسم الواحد ذاته كثيرا ما يقبل عدة مسميات، ولأن الشيء الواحد كثيرا ما يقبل عدة أسماء أو قد يتبدل اسمه ولا يتبدل هو، وتوسعا بهذا المبدأ انتهى ديمقريطس إلى القول بأن الأسماء تعطى للأشياء من لدن الإنسان لا من لدن قوة إلهية".17

 

وقد لاقت هذه النظرية قبولا لدى العالم فرديناند دي سوسير وهو رائد من رواد الدراسات اللغوية الحديثة. وبالطبع تعرضت هذه النظرية لانتقادات لعل أبرزها ما وجهه لها العالم الألماني ماكس مولر الذي رأى أن "اللغة الإنسانية الأولى لم تكن نتيجة تواضع واتفاق خلافا لما ذهب إليه أصحاب النظرية التواطئية؛ إذ لو كان الأمر كذلك -وهو ما تأباه طبيعة النظم الاجتماعية- لوجب أن يكون في أيدي المتواضعين وسيلة للتفاهم فيما بينهم، ولا يمكن أن تكون هذه الوسيلة اللغة الصوتية؛ لأن المفروض أن اللغة الصوتية هي موضوع التواضع".18

 

اللغة كدليل على أصالة الإنسان وابتكاره

أما في زمن ليس بالبعيد في خمسينيات القرن الماضي تحديدا، فقد أحدث نعوم تشومسكي نظرية ومصطلحات كان لها السبق، وقد دار حولها جدل واسع؛ فقد حاول تشومسكي تفسير اكتساب المعرفة اللغوية عند الطفل، هل هو فطري أم وليد البيئة؟ وقد ذهب إلى فرضية قوامها أن جميع البشر يولدون بقدرة فطرية على اكتساب اللغة وهو ما أسماه بجهاز امتلاك اللغة.

 

يتفق المسيري مع تشومسكي على مبدأ العقل التوليدي الذي يستطيع أن يبتكر في اللغة؛ لكنه يأخذ عليه استناده في مصطلحه "معجزة اللغة" على الإنسان وليس لسند غيبي

رويترز
 

فمنهجه الذي سمي بـ"المنهج التوليدي" يفترض أن العقل خلاق؛ فهو يكتسب اللغة؛ بل ويطورها بشكل غريزي حتى يكون الطفل مالكا للغته منذ سن الرابعة أو الخامسة؛ إذ يعتمد تشومسكي على الملكة اللغوية لدرجة تسميتها بمعجزة اللغة، ويهمل عوامل البيئة والمهارة والتجربة وغيرها .19

 

وقد ناظر تشومسكي في أفكاره كثيرون منهم أندريه مارتينيه وجان بياجيه وجوناثان كوهين، ونعرض جزءا من مناظرة بياجيه معه؛ حيث عرض تشومسكي تصوره بأن اكتساب اللغة أمر أشبه بتطور الرؤية وتمييز الألوان وقد عرض بياجيه هذا التصور بأن الوصول إلى اللغة مشروط بالذكاء الحسي الحركي؛ فاكتساب اللغة عملية تدريجية؛ فالتمكن من اللغة هو -إذن- تعبير عن ذكاء عام، يتطور على مراحل. لا يمكن من هنا بلوغ الفئات التجريدية إذا لم يكن الحسي موجوداً قبل ذلك. ويتكون المنطق الذي يشكل أساس المقدرات التنظيمية للغة على شكل جُمل، من البسيط إلى العام، من الحسي إلى التجريدي.20

 

وفي مناظرته مع المفكر عبد الوهاب المسيري، سأله المسيري عن تفسيره لظاهرة ما بعد الحداثة وهي فلسفة تقف على النقيض من نظريته؛ فكان رده صارما؛ وهو أنّ ما بعد الحداثة ليس سوى ثرثرة مفكرين فرنسيين على المقاهي، وحين عاب عليه المسيري عدم استخدامه لنصوص أدبية وإن كان النص الأدبي هو ما يعرض لمعجزة اللغة بحق؛ أجابه أن ذلك النقد وُجه إليه من قبل .21

 

ويتفق المسيري مع تشومسكي22 على مبدأ العقل التوليدي الذي يستطيع أن يبتكر في اللغة؛ لكنه يأخذ عليه -فقط- عدم استناده في مصطلحه "معجزة اللغة" على سند غيبي؛ أي أن تشومسكي يسند معجزة اللغة للإنسان دون أن تكون للخالق يد في صنعها ورعايتها.

أصبح للطفل لغة خاصة وبات يحاول اكتساب لغته الأصيلة بطريقة تعلمه لغة أجنبية؛ مما لا يهدد بقاء اللغة وحسب؛ بل وثقافة وفكر الطفل

رويترز
  
إشكاليات ازدواجية اللغة

لعل من أبرز سمات العصر الحاجة إلى تعلم لغة أو أكثر بجانب اللغة الأم؛ حيث ترتبط خاصية اكتساب اللغة الثانية ارتباطا وثيقا بنظرية "القواعد الكلية" لتشومسكي فهو يرى أن اللغة تحُكم بمجموعة من القواعد التي توجد في كل لغة؛ فإذا سلمنا بوجود هذا المبدأ فبإمكاننا القول إنه من الممكن لأي شخص أن يتعلم أي لغة ما دام يمتلك عموميات مشتركة موجودة لديه.23 وهو بذلك يعطي السبق للتعلم الشفوي قبل غيره من طرق التعلم.

 

على صعيد آخر تأتي مشكلة ازدواجية اللغة كمشكلة معاصرة لتعلم اللغات والثقافة الحالية، ومعنى الازدواجية هو صراع بين نوعين لغويين للسان واحد أو ما بات يعرف بالفصحى والعامية، فاللغة العربية في الأصل منذ نشأتها هي لغة ذات ألسن -وهذا ليس بالجديد- ولكن لماذا تشكل الازدواجية خطرا في الوقت الراهن؟ فالتفاوت بين العامية والفصحى بات تفاوتا حادا يشكل حالة انقلابية تكاد تعصف بالفصحى لتحل العامية محلها. ووفقا لما يراه تشومسكي من أن اللغة تكتسب بشكل شفهي؛ فكأنما أصبح للطفل لغة خاصة وبات يحاول اكتساب لغته الأصيلة بطريقة تعلمه لغة أجنبية؛ مما لا يهدد بقاء اللغة وحسب؛ بل وثقافة وفكر الطفل والجانب الاجتماعي والتعليمي والقومي والتراثي للناطقين بها.

 

لذا فإقصاء العربية يهدد وحدة لأمة بات لا يجمعها سوى اللغة تقريبا وذات التفاوت المقصود بين جعل العامية لغة العامة والفصحى لغة الكُبرَاء ولغة المؤسسات واللغة الرسمية بشكل عام يفت عضد اللغة بالأساس، والعامية مهما حسنت فلا يحسن التعبير عبرها لخلوها من الأنماط الإبداعية وقصورها على تسيير أمور اعتيادية في الحياة اليومية، فالازدواج سبب رئيس في تصدع البنية الثقافية للأمة؛ لتصير عدوا لكل ما هو فكري وحضاري.24                                            

 

وأخيرا؛ إذا وافقنا على أن الإنسان هو من صنع اللغة فكيف صنعها؟ وكيف وجد اللغة؟ كيف تحدثها وكيف تباينت الألسن واللهجات؟ وهل نحن نتحدث فنفكر؛ أم نفكر فنتحدث.. أيهما أسبق؛ اللغة أم الفكر؟! وكيف تؤثر اللغة على الفكرة؟
المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


آخر الأخبار