انضم إلينا
اغلاق
فورين أفيرز: كيف اختُرع العالم الإسلامي؟

فورين أفيرز: كيف اختُرع العالم الإسلامي؟

فريق الترجمة

مجموعة من المترجمين
  • ض
  • ض
"دونالد ترمب يدعو إلى منع تام وكامل لدخول المسلمين إلى الولايات المتحدة حتى يتمكن ممثِّلو بلادنا من معرفة ما يجري".

 

كان هذا هو البيان الذي قرأه ترمب بصوت عال في تجمع في (ديسمبر/كانون الأول) 2015 خلال حملته الرئاسية، وفي إحدى الجمل وصف ترمب المسلمين بأنهم تهديد خارجي، وقد استمر على هذا التوصيف وهو رئيس، موقعا أوامر تنفيذية سعت إلى حظر مواطني العديد من البلدان ذات الأغلبية المسلمة من دخول الولايات المتحدة.


أثار دفع ترمب لما يسمى الحظر الإسلامي جدلًا شديدًا. ومع ذلك، فإن معناه الضمني -أن هناك وجود لمجتمع متجانس أجنبي من المسلمين على كوكب الأرض- هي فكرة قديمة، كما يظهر المؤرخ سميل أيدين في كتابه "فكرة العالم الإسلامي"، أن مفهوم "العالم الإسلامي" ليس نتيجة لـ "متطلبات دينية أو مستوى فريد من التقوى الإسلامية". بل هي نتاج "للتصنيف العرقي الإمبريالي للإسلام" التاريخي الغربي، من ناحية، و "للمقاومة الإسلامية لهذه الهوية العنصرية" من ناحية أخرى.

عملية التبادل هذه، والتي تركزت في القرنين التاسع عشر والعشرين، جعلت فكرة العالم الإسلامي لمن هم خارجه وداخله ذات مغزى. لا يشير المصطلح إلى مكان بل لسلسلة من النصوص التي طورها المسلمون وغير المسلمين للتنقل بين المفاهيم العرقية للإيمان، والغربة، والحداثة. 

العالم الإسلامي ليس ثابتا

في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين حكمت الإمبراطورية البريطانية جزءا كبيرا من العالم الإسلامي، حتى إنه ربما ليس مستغربا أن الإدارات الاستعمارية استخدمت عدسة الإسلام لتوصيف الأراضي التي كانوا يحكمونها. فعلى سبيل المثال قامت المحاكم في الهند البريطانية بإيفاد القانون الإسلامي بشكل موحد لتسوية النزاعات بين المسلمين في شبه القارة على الرغم من تنوعهم "كما ساعدت المحاكم على تفريق المسلمين عن معتنقي الديانات الأخرى في الهند".

 

المفكر الإسلامي أبو الأعلى المودودي

مواقع التواصل

 

وفي الوقت نفسه زاد المسلمون تحت الحكم البريطاني من التضامن للتغلب على الأفكار القائلة إن المسلمين كانوا متخلفين وإن الإسلام لا يتفق مع الحداثة، فقد كتب الفقيه الهندي سيد أمير علي -على سبيل المثال- عن النبي محمد باعتباره مبدعا حضاريا، وعن الإسلام باعتباره تقليدا عقلانيا وعالميا أقرب إلى تقاليد التنوير واليونان الكلاسيكية. قام المفكرون الإسلاميون الإصلاحيون الآخرون في جميع أنحاء العالم -من البريطاني المتحول ويليام هنري كيليام من القرن التاسع عشر، إلى العالم الباكستاني أبو الأعلى المودودي من القرن العشرين- بالترويج إلى رؤاهم الخاصة "للعالم الإسلامي" لتحقيق أهداف مماثلة.
 
في حالات كثيرة كانت أهدافهم اجتماعية وسياسية وليست دينية، إذ استخدم المفكرون الإسلاميون فكرة وجود عالم إسلامي موحد "الأمة" لتصور مستقبل تعكس فيه الأمة الإهانة التي تعرضت لها على يد القوى الاستعمارية، ولكن من خلال المطالبة بعالم إسلامي قادر على الحكم الذاتي، قام الإصلاحيون المسلمون أيضا بـ "تعزيز الخطاب العرقي الأوروبي الذي كان فيه المسلمون موحدين ومميزين عن الآخرين بدينهم وتراثهم".

 

إذا كانت الأفكار الغربية قد مثّلت خدمة للمفكرين المسلمين، فهي قد وفرت نوعا من الإطار الفكري. ويقول أيدين إن الغربيين مثل الباحث الفرنسي إرنست رينان والعالم السياسي الأميركي صمويل هنتنغتون والمؤرخ البريطاني أرنولد توينبي تشاركوا في "نموذج لعالم إسلامي عنصري وحضاري وجيوسياسي متميز عن الغرب" أفرغه المفكرون الإسلاميون لإقامة هويات على نفس النسق.

 

كما فعل القادة السياسيون المسلمون الشيء نفسه، مثل السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، والفلسطيني الحاج أمين الحسيني، والملك فيصل في المملكة العربية السعودية، والخميني في إيران، وكلهم أسسوا مشاريعهم السياسية على ضوء فكرة الأمة الإسلامية.

 

التحدي الذي واجهه أيدين هو تحديد متى وكيف حدث هذا الانتقال. انظر إلى مناقشته لكيفية استقبال الكُتَّاب المسلمين لأفكار توينبي خلال الحرب الباردة. شاعرًا بخيبة الأمل بسبب ويلات الحرب العالمية الثانية، احتجَّ توينبي بأن الغرب كان يعاني من التدهور، وحض المجتمعات الأخرى على مقاومة ماديته وتدميريته. وزعم توينبي أن الحضارة الإسلامية هي الأكثر ملاءمة لهذا الدور لأن قيمها الثقافية والفلسفية والدينية كانت تتعارض بشكل أساسي مع قيم الغرب العلماني.

 

 أرنولد جوزف توينبي مؤرخ بريطاني  (مواقع التواصل)

 

يقول أيدين: "كان من بين أكبر المشجعين لتوينبي أنواع المفكرين الذين عُرفوا فيما بعد باسم الإسلاميين". الكاتب التركي سيزاي كاراكوك الذي انجذب إلى محاولة توينبي للترويج إلى النهضة الإسلامية كبديل للاشتراكية والرأسمالية هو واحد من الأمثلة. كانت نتيجة هذه الانتماءات أن بعض المثقفين المسلمين تبنوا أفكارا كانت في الواقع "إهانة لتراثهم الديني والثقافي"، وبدلا من أن يروا أي شيء داخل الإسلام يمكن أن يكون متوافقا مع العلمانية أو الاشتراكية -يقول أيدين- نظر الإسلاميون إلى المحاولات الهادفة إلى التقريب بين دينهم وتلك المشاريع السياسية على أنها عروض لتقليد قيم  أعداء العالم الإسلامي الغربيين. ولكن باستثناء تقديم بعض الأمثلة الممتازة، لا يفعل أيدين الكثير لإثبات ادعاءاته حول تأثير توينبي، غالبا يُترك القراء لافتراض أن توينبي أثر في الإسلاميين المعاصرين بسبب التشابه بين أفكارهم.

 

وبشكل أعم، من خلال تعزيز تأثير الفكر الأوروبي على المثقفين المسلمين يجعل أيدين هؤلاء المفكرين أسرى لنسخة من التاريخ لم يُنشئ المسلمون فيها هويات موحدة بشروطهم الخاصة قبل التوسعات الاستعمارية في القرن التاسع عشر، والنتيجة هي أن أيدين يحد من أهمية الحالات السابقة من تشكيل الهوية السياسية الإسلامية.

 

ومع ذلك، ففي داخل المناطق ذات الأغلبية المسلمة في العصر القديم لعبت مفاهيم مثل مفهوم "الأمة" -المجتمع الإسلامي-، و"الخلافة" -مجتمع سياسي يرأسه الخليفة-، و"الإمامة" -جماعة سياسية شيعية يقودها الإمام- أدوارا مهمة في الدعوات إلى الوحدة السياسية. في الغرب أيضا كان لفكرة العالم الإسلامي بعض الجذور في الصدامات التي حدثت قبل الاستعمار، مثل العلاقات بين المسيحيين في الغرب اللاتيني والمسلمين في شمال أفريقيا وإسبانيا في العصور الوسطى.
 
القصيدة الملحمية "نشيد رولاند" في القرن الحادي عشر مثلًا تُعيد صياغة هزيمة 778 جندي من جنود شارلمان في معركة رونسيفوكس على أنها معركة أسطورية بين المسيحيين والمسلمين وبين الخير والشر. حتى ولو كانت فكرة أن العالم الإسلامي أخذ شكلا مميزا في القرن التاسع عشر -كما يقترح أيدين- فإن بعض المصطلحات المرتبطة تاريخيا في الغرب بهذا التكوين -"العرب" أو "السراسن" على سبيل المثال- ظهرت في وقت سابق، ما ساعد على إقامة ثنائي طويل الأمد سيأتي فيه الإسلام والعالم الإسلامي ليكونان مرجعين متجانسين سلبيين.

 

مثلما نشر المخططون الاستعماريون فكرة "العالم الإسلامي" لإبلاغ ممارساتهم الإدارية، استولت بعض بؤر اليمين الأميركي على عبارة "الإخوان المسلمون" لوصف المنظمات الإسلامية الدينية بأنها جبهات للإرهاب

 
نحن وهم

تلقى فكرة العالم الإسلامي -تماما كفكرة تجانس المسلمين- رواجا متجددا في الغرب، وما يُسمّى بالحظر الإسلامي هو أحد الأمثلة على ذلك. كما أن مشروع قانون مجلس الشيوخ رقم 68 -وهو تشريع قدمه تيد كروز في (يناير/كانون الثاني)- يطلب من وزارة الخارجية الأميركية تسمية جماعة الإخوان المسلمين -وهي منظمة سنية دولية- جماعة إرهابية. ومثلما نشر المخططون الاستعماريون الأوروبيون فكرة "العالم الإسلامي" لإبلاغ ممارساتهم الإدارية، استولت بعض بؤر اليمين الأميركي على عبارة "الإخوان المسلمون" لوصف المنظمات الإسلامية الدينية بأنها جبهات للإرهاب. وهذا هو المنطق الذي جعل منظمات حقوق الإنسان الإسلامية -مثل مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية- تُنتقد لكونها منافذًا للإخوان المسلمين. "بعد فترة وجيزة من عرض كروز مشروع القانون وصف أمين صندوق ولاية أوهايو ومرشح مجلس الشيوخ جوش ماندل المجلس بأنه "أشخاص سيئون" مرتبطون بجماعة الإخوان المسلمين وحماس".

 

استخدمت حكومات بعض البلدان ذات الأغلبية المسلمة في الشرق الأوسط -مثل مصر والسعودية- منطقا مشابها لتشويه سمعة الإخوان المسلمين، إذ قاد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي حملة قاسية ضد الجماعة وحلفائها المتصورين، كما جعلت بعض دول الخليج -مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة- الإحساس الشعبي للإخوان تهديدا لأنظمتها المحافظة. وعلى غرار فكرة العالم الإسلامي، صار الإخوان رمزا انتشر في الغرب والشرق الأوسط لتحقيق أغراض سياسية، وهنا يثبت كتاب أيدين قيمة كبيرة من خلال الكشف عن الكيفية التي تُشكّل بها التحيزات العنصرية والحضارية والسياسية التي ظهرت في القرن التاسع عشر رؤى معاصرة للعالم الإسلامي داخله وخارجه.

 

=========================================== 

 

هذا التقرير مترجم عن: الرابط التالي

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


آخر الأخبار