انضم إلينا
اغلاق
تعليم المقهورين.. ما أفق التحرر من استبداد المنظومة التعليمية؟

تعليم المقهورين.. ما أفق التحرر من استبداد المنظومة التعليمية؟

  • ض
  • ض
في أحد التجمعات الحوارية حول المفهوم الأنثروبولوجي للثقافة، في تشيلي، يروي الدكتور والخبير التعليمي باولو فريري أن أحد الفلاحين الجهلاء -وفق المفهوم النظامي للتعليم الحديث- قاطعهم قائلا: لقد عرفت الآن أنه دون الرجال فليس هناك عالم. فردّ عليه أحد المُناقشين: لا، فلو افترضنا جدلا أن كل الرجال في هذا العالم قد ماتوا، ألا يبقى العالم بأشجاره وأطياره وحيواناته وأنهاره وبحاره ونجومه؟ أفلا يكون كل هذا العالم؟ فأجاب الفلاح بثقة: لا، لأنه لن يوجد حينها شخص ليقول: هذا هو العالم(1).

 

انطلاقا من هذا التعليق بنى فريري نظريته عن تعليم المقهورين، قائلا: إن عدم الإحساس بالعالم يعني عدم وجوده، فلِكيْ يعيش الإنسان ينبغي له أن يستشعر وجوده، وليحدث هذا فإنه بحاجة للتعليم الذي يكشف له عن ملكاته الإبداعية في فهم العالم ونقده وتطويره، وهو ما لا يحدث إلا من خلال عملية تعليمية تأخذ الطالب إلى العلم دون أن تقهره عليه، بل تكتفي فقط بسدّ الثغرة بين فهمه الخاص وبين المادة العلمية على حد تعبير جاك رانسيير(2)، ثم تترك له بعد ذلك المجال في الخيال والحوار والبحث، وهو الأمر الذي اعتراه القصور تارة، والغزو تارة، والمقاومة تارة أخرى.

 

فما التعليم في حقيقته؟ وما الفرق بين هذه الحقيقة وبين ما هو كائن في الواقع؟ والأهم من هذا وذاك: ما الأسلوب الذي ينبغي أن يكون عليه التعليم ليكون به الإنسان إنسانا بحق؟

 

التعليم في العالم المتحضـر يعتمد على الفكر أكثر مما ينبغي، والجانب الإنساني فيه أضأل مما ينبغي، فمن الممكن أن نتخيل شابا قد مرّ بجميع مراحل التعليم دون أن يُذكر له أهمية أن يكون خيّرا وأمينا

بكساباي
 
التعليم بين خدمة الإنسان واستغلاله

في كتابه الشهير "الإسلام بين الشـرق والغرب" يتناول بيغوفيتش نظرية التعليم كونها قضية ذات جانبين: جانب إنساني يُعنى برُقيّ الإنسان وخدمته على الجانب المعنوي، وإخراجه بصورة متناسقة بين الفكر والروح. وجانب تقني، أو أداتي بتعبير باومان(3)، يهتم باستغلال الإنسان بأفضل صورة ممكنة لخدمة الرأسمالية الحاكمة. "فالتعليم المدرسي في العالم المتحضـر يعتمد على الفكر أكثر مما ينبغي، والجانب الإنساني فيه أضأل مما ينبغي، فمن الممكن جدا أن نتخيل شابا قد مرّ بجميع مراحل التعليم دون أن يُذكر له أهمية أن يكون خيّرا وأمينا"(4).

 

إن المعلمين الأكاديمين وغيرهم قد يميلون إلى أن التعليم من أجل التعليم هو ما يحفظ كمال العملية ومثاليتها، ومحاولة تسخيره لأغراض أخرى إنما يقلل من شأنه ومكانته، لكن من الناحية الأخرى لا يتوقع من طلابهم اتخاذ نفس الموقف، فهم يرون التعليم كأداة للفوز بوظيفة 

في نفس السياق، يرى ريتشارد إنغرام أن الغاية النهائية من المدارس والجامعات تتمثل في زيادة معدل النمو الاقتصادي(5)، أو مساعدة الحكومة للفوز في الانتخابات، كما يعلّق باومان الذي يضيف "أما التاريخ القديم والفن والفلسفة، وما إلى ذلك من المجالات التي تزعم أنها تعزز التنمية الشخصية لا المصالح الاقتصادية والسياسية، فقلّما تضيف إلى أرقام النمو ومؤشرات القدرة التنافسية"(6) وهو الأمر الذي أرجعه لطبيعة الواقع الحالية، وأن كل شيء لا يثبت نفعه المادي عبارة عن صفقة خاسرة، فالتعليم في النهاية هو "تعليم وظيفي لخدمة النظام السائد"(7).

 

لقد أكد لينين -مثلا- في أكثر من مناسبة أن الهدف الأساسي لديه من التعليم هو تحطيم البرجوازية، وأنه لا توجد مدرسة خارج السياسة، وأن ادعاء غير ذلك لا يعدو كونه كذبا ونفاقا(8)، وهو ما تناوله بيير بورديو من جانب آخر حين ناقش قضية العنف الرمزي، مُشيرا إلى أن السلطة تستعمل نوعا من العنف الخفي للسيطرة على الجماهير، هذا العنف الذي يعتمد على التعليم كأداة أساسية لصناعة ما تريد الطبقة الرأسمالية المهيمنة(9)، فالتاريخ يبرهن على أن الشعوب المتعلمة يمكن التلاعب بها وجعلها في خدمة الشر أحيانا بصورة أكفأ من الشعوب المتخلفة(10).

 

مشكلة أخرى تقف عائقا أمام عملية التعليم من وراء هذه المنهجية التقنية، وهي فكرة التنميط والخوف من مفارقة هذه الدائرة من قِبل الطلّاب، وهو ما أكّده الاقتصادي جون غالبيرث، حيث ألمح إلى أن الغرض الأساسي من المدرسة أصبح محصورا في تلبية احتياجات النظام الصناعي، والاهتمام المحض بالعلوم البحتة والتقنية بصورة أكبر من الفنون والعلوم الإنسانية التي برزت قلة أهميتها له، ثم يُكمل "فإن هذه النزعات ستضع بالتأكيد عائقا على التعليم، من شأنه أن يخدم أكثر ما يخدم احتياجات هذا النظام"(11).

 

تأسيسا على هذا، يختتم باومان تعليقه عن الأمر في كتابه قائلا إن المعلمين الأكاديمين وغيرهم قد يميلون إلى أن التعليم من أجل التعليم هو ما يحفظ كمال العملية ومثاليتها، وأن محاولة تسخيره لأغراض أخرى إنما يقلل من شأنه ومكانته، لكن على الجانب الآخر، ليس من المتوقع أن يتخذ طلابهم الموقف نفسه، لأنهم يرون التعليم كأداة للفوز بالوظيفة، فهم يصنعون تاريخهم في ظروف ليست من اختيارهم في حقيقة الأمر(12).

 

يرى باولو فريري أن أسلوب التدريس التقليدي ما هو إلا تعطيل للطاقة الكامنة لدى المتعلم، وأنه يستهدف تطويع الطلاب بدافع فكري مرسوم كي يتأقلموا مع عالم القهر

مواقع التواصل

 

تعليم المقهورين: التعليم البنكي كأداة

كان لنشأة باولو فريري البائسة في البرازيل بعد فترة الكساد الكبير 1929م الفضل في اهتمامه الفكري بقضية التعليم، وهو ما دفعه لصياغة مصطلحه "تعليم المقهورين" لما لاحظه من أثر القهر على غياب الوعي وتعطيل الاستجابة مع الواقع بصورة فعالة، وأن النظام التعليمي كان مكرّسا لخدمة هذا القهر(13).

 

قد يريد الطالب أن يكون معلما لا لأجل العلم نفسه ولكن لأجل أن يمارس القهر الذي مُورِس عليه، الأمر الذي دفعه -أي فريري- إلى محاولة الثورة على هذا الطريقة باقتراح بديل

ويري أن أسلوب التدريس التقليدي ما هو إلا تعطيل للطاقة الكامنة لدى المتعلم، وأنه يستهدف تطويع الطلاب بدافع فكري مرسوم كي يتأقلموا مع عالم القهر. فالإدراك في عملية التعليم والتعلم هو المحور الحقيقي، وليست عملية النقل الميكانيكي للمعارف والمعلومات، وهو ما يسميه بالتعليم البنكي.

 

والتعليم البنكي -حسب فريري- هو عملية أحادية يكون فيها المعلم هو صاحب المعلومة الأوحد، فيودع عقل تلاميذه المعلومات بشكل تلقيني كما يودع الناس حساباتهم في البنوك حتى أجل مسمى، وهو أجل الامتحانات التي يتبخر بعدها كل شيء تقريبا من ذهن الطالب، فهو لم يتعلم وإنما تلقّى المعلومة كالوعاء، مما يقلص مهارته في الفهم والتحليل والنقد، ومن ثم قدرته على أي إبداع، فالأستاذ يعرف كل شيء هنا والطلبة لا يفكرون(14).

 

ثم يعبّر فريري عن هذا التعليم بكونه تعليما غير إنساني بامتياز، فهو يضع الإنسان تحت القهر مرة حين يعلّمه ما يريد بالأسلوب الذي يريد، ومرة أخرى حين يغرس في ذهنه أن التمرّد على هذه المنظومة لا يكون إلا باستبدال دور القاهر والمقهور، فمثلا قد يريد الطالب أن يكون معلما لا لأجل العلم نفسه ولكن لأجل أن يمارس القهر الذي مُورِس عليه(15)، الأمر الذي دفعه -أي فريري- إلى محاولة الثورة على هذا الطريقة باقتراح بديل.

 

المنهجية الحوارية وأنسنة التعليم

في عام 1818م طلب جوزيف جاكوطو -أستاذ الأدب الفرنسـي المساعد بجامعة لوفان (Louvain) بهولندا- من طلابه الهولنديين قراءة النصّ الفرنسـي في رواية "طليماك" المُترجمة باللغتين الفرنسية والهولندية، على أن يقوموا بتقديم ملخص مفهوم لما قرأوه، وهو الأمر الذي فاجأه حين خالف الطلاب توقعاته بأن أخرجوا له مُلخصات تعبّر عن حسن فهم للغة التي لم يكونوا يعلمون عنها شيئا، وباجتهادهم الشخصـي دون مساعدته، وهنا يُعلّق جاك رانسيير قائلا: أليست القدرة مقترنة بالإرادة؟(16)

 

يرى رانسيير المنهجية التحاورية في التعليم تقوم بالأساس على حفظ إنسانية المعرفة، فيبدأ أساسه من عند العاطفة، حيث أن الودّ المتبادل بين الطالب ومعلمه، والعلم موضع التناول، هو المحور التأسيسـي الأول (بكساباي)

 

ففي سياق متقارب، يؤكد باولو فريري على عدم حياد العملية التعليمية، فهي إما أن تكون قهرية -بالتوصيف البنكي المذكور- وإما أن تكون تحررية وتحريرية(17)، وهو ما يتوافق مع مغامرة الأستاذ جاكوطو حين يفتح المجال للطالب للمشاركة وقطع الطريق نحو المعرفة بدلا من انتظارها كالوعاء الذي يملؤه أستاذه.

 

وبالتلاقي مع قول رانسيير "تحرير الغير يستلزم بالضرورة أن يكون المرء متحررا"(18)، يضع فريري مجموعة من الأسس التي يمكن أن ينبني عليها التعليم التحاوري بصورة يتبادل فيها الطالب والأستاذ وظيفة المعلم والتلميذ.

 

فتلخيصا لمجمل أفكاره، فإنه يرى المنهجية التحاورية في التعليم تقوم بالأساس على حفظ إنسانية المعرفة، فيبدأ أساسه من عند العاطفة، حيث أن الودّ المتبادل بين الطالب ومعلمه، والعلم موضع التناول، هو المحور التأسيسـي الأول، متبوعا بالأمل المعنوي ضد الإحباطات المحيطة والقهر المسيطر على التعليم.

 

ثم ينطلق إلى أهمية تبادل الأدوار بين المعلم والتلميذ، فالأستاذ يطرح الإشكالية والطالب يبحث حولها، ثم يأتي الطالب بما اهتدى إليه ليتعلّم أستاذه طريقة ناجحة في التعليم أتت بثمارها مع المُتعلّمين، كما يوضّح ذلك رانسيير من خلال كتابه "المعلم الجاهل".

 

وهو الأمر الذي يُعزز الثقة بين طرفي العملية: المعلم والطالب، وكذا يعزز ثقة كل منهما في نفسه بسبب قدرته على أداء دوره بشكل إبداعي خلّاق، مما ينمّي المقدرة النقدية عند الطالب، ويشجّع المُعلم على استثارة أفكاره واستفزاز وعيه بالأمور، وهو ما سيقود لعملية حرّة يجد فيها الإنسان نفسه قبل أن يجد المعرفة، ويخرج بها إلى الواقع القهريّ ليحرّره، وهو ما يطالب به فريري منذ وضع نظريته عن التعليم في الأساس(19).

 

 علي عزت بيغوفيتش مؤلف كتاب الإسلام بين الشرق والغرب وهو أول رئيس لجمهورية البوسنة والهرسك  (مواقع التواصل)

 

خطوة إلى الوراء.. ما قبل التعليم

"لقد أمضى تولستوي حياته يفكر في الإنسان ومصيره، بينما كان غاليليو -نبي الحضارة الغربية- قد استولت عليه طوال حياته مشكلة الجسم الساقط".

(بيغوفيتش)(20).

في خطوات هادئة، يمضـي بيغوفيتش في "الإسلام بين الشـرق والغرب" نحو فلسفة المعرفة والحكمة كونها الشـيء الذي يسيطر على وجود الإنسان، ومحلّلا جوانبها على جانبي التعليم والتأمّل، فهما -حسب قوله- نوعان من الطاقة يستهدفان اتجاهين مختلفين، فلو كان الإنسان يصل للطبيعة عن طريق العلم، فإنه يصل إلى نفسه عن طريق التأمّل، ولو كان العلم يجيب عن الأسئلة التي تتعلق بكيفية إدارة المجتمعات والحكومات، فإن التأمل يجيب عن التساؤلات التي يضع بها الإنسان تفسيراته لنفسه وعالمه(21).

 

التأمّل هو الفن والفلسفة والشعر، والعلم هو البحث والاختبار والمقارنة، فالفرق بين العقل والتأمل عند أرسطو -مثلا- هو الفرق بين الإنساني والإلهي، أي الفرق بين ما يستعمله الإنسان للسيطرة على الطبيعة، وبين ما يستعمله لمعرفة الحكمة الإلهية. لذا كان التأمل أسبق من التعلم في عملية المعرفة وتشكيل الحضارة القائمة على الإنسانية قبل الثروات، فتاريخ الإمبريالية الدموي يشهد بأن المستوى التعليمي الراقي للغزاة لم يلغِ أهدافهم الإمبريالية أو حتى يجعلها أقل دموية، ولكنه ساعد فقط على كفائتهم في فرض الهزيمة على ضحاياهم(22)، أو لإنجاح مخططاتهم السياسية الخالية من القيمة الإنسانية كما سبق وأشار باومان.

 

"فالتعليم وحده لا يرقى بالناس ولا يجعلهم أفضل مما هم عليه أو أكثر حرية وإنسانية، إن العلم يجعل الناس أكثر قدرة، أكثر كفاءة، أكثر نفعا للمجتمع"(23)، لكن أن يرتقي الإنسان عن استغلال الرأسمالية والمادة وسيطرتهما القهرية على روحه، باحثا عنها، ومتحررا مما يقيده، فهذا شأن آخر، وهذا ما ينال به الإنسان الحكمة التي يبحث عنها كل أحد.

إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


آخر الأخبار