انضم إلينا
اغلاق
التلاعب بالعقول.. دروس مهمة للتحكم بالبشر

التلاعب بالعقول.. دروس مهمة للتحكم بالبشر

  • ض
  • ض
مقدمة المترجمة
احتلت فكرة إمكانية التحكم بالعقل البشري مركز الصدارة من اهتمام السياسيين والعلماء؛ بل والعامة أيضا؛ بالأخص في فترة الخمسينيات من القرن الماضي، وانعكس ذلك في دراسات وكتب واختبارات لحالات قيل إنه قد جرى التحكم بعقول أهلها والتلاعب بهم، وامتد هذا الأثر -حتى الآن- حاملا معه دلالات ومفاهيم كثيرة، يتناولها المقال التالي.

 

نص المقال
في منتصف التسعينيات كان عمر جيسي مورتون 16 عاما عندما هرب ليلحق بجولة لفرقة روك ويكسب عيشه من عائدات المخدرات المتداولة خارج الحفلة الموسيقية. وأُلقي القبض عليه وسجن بتهم تتعلق بالمخدرات، وفي أحد السجون في ولاية فيرجينيا الأميركية، صار بن لادن قدوته، وأصبح (هو نفسه) يجنّد أفرادا للقاعدة. ويقال إنه ألهم بعض الذين خططوا لإرسال الطائرة المتحكم بها عن بعد والمحملة بالمتفجرات إلى البنتاغون.


وبعد ما يسمى بعملية "عكس التحول" وعمله في مكتب التحقيقات الفدرالي، يشاع -على نطاق واسع- أنه اليوم يسعى للعمل بمهنة جديدة لاسترجاع قلوب وعقول  أولئك الذين ساعد على زرعهم سابقا لمحاربة الغرب. وفي حديث لصحيفة "نيويورك تايمز" في (آب/أغسطس) أعلن مورتون أنه: "100 في المائة خال من التطرف".
 

نعم هناك اختلافات واضحة بين مخاوف الماضي والحاضر من السيطرة على العقل، ولكنها جديرة بالملاحظة، ومع ذلك كثيرا ما تتبع الخبراء رائحة افتراضات خفية حول طبيعة العقل والجماعة تفوح من ماضي الحرب الباردة

يفترض مورتون تفسيرا نفسيا معينا لحالته؛ فهو يصف نفسه باعتباره شخصا قامت طفولته المضطربة بالتمهيد للقرارات اللاحقة التي غيرت حياته، حيث ازداد الشعور بالخذلان في مدرسة أخفقت في حمايته من سلوك أمه وإساءتها له. ويرى مورتون أنه، في سن المراهقة، كان يزرع رغبات الانتقام مجذوبا نحو خطابات الاستقطاب للأصولية، واقعا في براثن الزعماء أصحاب النفوذ المعادين للغرب.

 

ولكن كيف ولماذا بعض الناس "تتحول" بهذه الطريقة أو تلك؟ وإلى أي مدى يستطيع "زارع فكر التطرف" أو "نازع التطرف" تجاوز الإرادة الواعية للعقل البشري؟ كل هذا قد يبدو وكأنه معضلة جديدة، ولكن في الواقع قد شهد العالم هذا الأمر من قبل.
 
إن الجدل الحالي حول التطرف يحمل وجه شبه مع مخاوف سابقة في القرن العشرين من "غسيل المخ"! في مشروع بحثي اسمه "الدوافع الخفية" بتمويل من ويلكوم ترست (ومقرها في بيركبيك، جامعة لندن) نستكشف تاريخ غسل الدماغ، نرصد الأفكار والتجارب والخيال والخرافات والسياسات التي تبلورت في خمسينيات القرن الماضي، وحازت صدارة اهتمام علماء النفس.


شوهدت في ضوء التاريخ، حالات مثل مورتون، وعادة ما تأخذ الطريقة التي تفسر بها منحى مألوفا. نعم هناك اختلافات واضحة بين مخاوف الماضي والحاضر من السيطرة على العقل، ولكنها جديرة بالملاحظة، ومع ذلك كثيرا ما تتبع الخبراء رائحة افتراضات خفية حول طبيعة العقل والجماعة تفوح من ماضي الحرب الباردة.
 

 
في الواقع حدث هذا أكثر مما نعبأ بالاعتراف به، ونحن الآن نروي حياة هؤلاء "الآخرين المتطرفين".. إن الكشف عن تراث الحرب الباردة و"غسيل المخ" مهم لسبب آخر كذلك، فالعديد من الأطروحات الكبيرة التي تناولت هذا الموضوع، والتي ظهرت منذ أكثر من نصف قرن، لا تزال تقدم رؤى تستحق التذكير الآن.

  

العقلية الإرهابية
يسعى صانعو السياسات والباحثون إلى تتبع أوجه الشبه بين الحالات مثل حالة  مورتون، وتفسير دوافع أولئك الذين "يفسدون". ولكن قد يصرفنا  التركيز على الأمراض الظاهرة لأفراد معينين عن الظروف الاجتماعية والسياسية الكامنة التي تغرب مجتمعات بأكملها أو جماعات سكانية كبيرة.

ومن المؤكد أن حياة الأفراد قد تعطي أدلة تشير إلى أولئك الذين من المحتمل أن يكونوا عرضة لذلك، ولكنها يمكن أن تقدم أيضا اطمئنانا وهميا، كما لو أن المشكلة -ببساطة- ستكون موجودة داخل مجموعة فرعية منعزلة تبث سمها.

إن الإدانة واسعة النطاق اليوم بأن هناك "سمات راديكالية إرهابية" جوهرية قد تكون بمثابة العلامات والمؤشرات لكون هذا الشخص متطرفا أو إرهابيا، قد تكون دلالة ارتباك شديد.! وقد لا تبين أي تطور في المعرفة العلمية، بل بالأحرى اليأس والفشل في شرح الأزمة عن طريق قَصر المناقشة على تشخيص حالات نفسية وراء طبيعية.

من سمات الأشخاص المعرضين للميل إلى الإرهاب: الميل إلى الإثارة والمغامرة، والشعور بالتهديد وانعدام الأمن، والشعور بالغضب والتطلع للسلطة

بيكساباي

وفي
الواقع، فإن العديد من السمات التي تُناقَش بشكل روتيني كعلامات للعقول الإرهابية هي من أكثر العواطف البشرية شيوعا، وفي غاية البداهة والوضوح. نشرت في قائمة من 22 نقطة عام 2015 كجزء من استراتيجية مناهضة الإرهاب التي تتبعها الحكومة البريطانية وخاصة ضمن نطاق القسم الخاص "بالمنع".


ويمكن للمعايير المقترحة لأولئك المعرضين لخطر "قابلية الميل للإرهاب" أن  تحدد مصير أي فرد منا في أي وقت، وتشمل تلك السمات أمورا مثل: الميل إلى الإثارة والمغامرة، والشعور بالتهديد وانعدام الأمن، والشعور بالغضب والتطلع للسلطة. وهناك بالفعل جدل حول الأساليب المستخدمة لبناء مثل هذه القوائم والسمات، وكذلك حول وعي أولئك الذين يستخدمونها بالطبيعة المخيفة لهذه الفئات. ىوقد يكون من الأفضل لصانعي السياسات قراءة المزيد من الروايات والمذكرات المتعلقة بالعنف السياسي والإرهاب لاستخلاص مدى تعقد الأمر.


وينفي ذلك أي اعتقاد يفيد أن نوعا محددا مسبقا من الأفراد الخطرين يمكن تأطيرهم أمنيا بشكل مسبق، وقد سلط كل من جوزيف كونراد في المسلسل التليفزيوني "العميل السري" ومؤخرا فيليب روث في فيلم "ذي أميركان باستورال" أو "الرعوية الأميركية" الضوء على حقيقة أن "الإرهابي" هو أيضا شخص وإنسان، وليس مجرد ترس في آلة. فنحن كبشر أكبر من مجموع التأثيرات الاجتماعية، ولسنا مجرد حالات يمكن التنبؤ بها من خلال عمليات مجردة.

  

إن رواية "إيما كلاين" الأكثر مبيعا، الفتيات (2016) هي "وصف سميك" خيالي ومقنع لما يمكن أن يقود شخصا  للانغماس والخروج من أعمال العنف المروع التي ترعاها المجموعة. تستكشف القصة الجاذبية الكاريزمية لزعيم العامة القاتل في ولاية كاليفورنيا -رجل يتشابه كثيرا مع تشارلز مانسون-  برواية امرأة شابة. التي تشكّل عددا لا يحصى من العوامل الشخصية -بغض النظر عن الحظ- عملية دخولها وخروجها من طائفة وهمية مرعبة. والفكرة هنا أن القصة تخصها فقط، ولوصف ما يخص ظروف وقصص الأعضاء الآخرين سنحتاج رواية لكل منهم.

 


بسط
فرويد  الطابع المزدوج، حيث أصر على اعتبار بعض السمات العامة للإنسان على الرغم من  كونه قد برهن أن لا أحد منا ثابت ولا متسق داخليا، ولا تتشابه قصة أكثر من شخصين أبدا، وتبدو حالاته كما الروايات أكثر منها ملفات دراسة الهوية.

حتما يؤثر علينا تاريخنا أحيانا بصورة صادمة، ونحن نعلم أن كثيرا من الناس الذين يرتكبون جرائم مروعة (القتلة المسلسلون مثلا) كثيرا ما كانوا يمرون بماض مخيف ومروع، ولكن لا تمثل الأعداد الكثيرة للأطفال الذين عانوا من طفولات مروعة تهديدا على القانون. يمكننا النظر للوراء ووضع افتراضات واستنتاجات كثيرة عن الآثار المدمرة لبيئات النشأة المعينة، وطرق التربية والخبرات الاجتماعية. ولكن لا يمكننا أن نتنبأ بثقة بأن الظروف الاجتماعية (أ) سوف تنتج بالضرورة السلوك (ب) في الإنسان (ج)، بعد أشهر أو سنوات لاحقة.

روبرت جاي ليفتون، هو أحد أكثر المعلقين على أساليب الإقناع القسري خلال الحرب الباردة ألقى الضوء في كتاباته على ما أسماه التخدير النفسي، وكذلك على طوائف بعينها، وإجراءات التلقين، ومختلف جوانب الإقناع الغامضة على وجه العموم. ساعد كتابه الذي يحمل عنوان إعادة تشكيل الفكر وسيكولوجيا الشمولية -وهو عبارة عن دراسة عن غسيل المخ في الصين- على تشكيل هذا المجال.


وأوضح كيف لعمليات مختلفة -حددها- أن تضمن السيطرة على الوسط الاجتماعي، واللغة المقدسة، والتلاعب الخفي، وسيادة المذهب على الخبرة وممارسة السلطة الكاملة على الحياة والموت، القدرة على ترك الضحية عرضة  للحزبية والتلقين. وفي الوقت نفسه، رفض ليفتون الافتراض بأن هناك طريقة موثوقة ذات مسار سريع لتصنيع الأشخاص الآليين، ولذا كان حذرا من تبني مصطلح "غسيل المخ".

ليس الناس مجرد روبوتات، على الطريقة الساخرة في أكثر الأعمال شهرة عن فترة الحرب الباردة والتحكم بالعقول في الحرب الباردة فيلم (المرشح المنشوري) - نسبة إلى منشوريا في الصين (1962).
  

القصة وراء "غسيل المخ"

 
صيغ
مصطلح "غسل الدماغ" عام 1950، في الوقت الذي كانت فيه الديمقراطيات الليبرالية -التي تخشى من اندلاع النازية مرة أخرى في ألمانيا، أو في أي مكان آخر- ما زالت تمر بالآثار العصيبة لتلك الفترة، وتتزايد المخاوف من "الستالينية" و"الشيوعية " وما كان يعرف حينها باسم "الشمولية ".

 

واعتبرت الحرب الباردة ساحة ممتازة للمعارك النفسية، وحلبة للمباريات التي بلا نتيجة بين "الحرية" و"الطغيان". في الوقت نفسه، استكشفت مجموعة من القصص إمكانية تحقيق الآلية النفسية. ونوقشت مخاطر غسيل المخ في العلوم الإنسانية، وصورت في الثقافة الشعبية في أفلام مثل "غزو مختطفي الأجساد" (1956). وقد نوقش الصراع العظيم بين "المجتمع المفتوح" و"أعدائه" في عدد من الأعمال المؤثرة في الأربعينيات وبعدها، على يد الفلاسفة والاقتصاديين.
 

في العقود التي تلت هزيمة هتلر، غالبا ما شبهت النفسية من قبل الليبراليين بالدولة: بها التعددية، والتسامح، والانفتاح على الأصوات المعارضة، وهيكل من "الضوابط والتوازنات"، كان ينظر إليها على أنها صورة للعقل الصحي الطبيعي.

وصيغ مصطلح "الشمولية" لنقل المعادلة النفسية للاستبداد، كما ظهرت مصطلحات جديدة أخرى مثل (Menticide) أو "قتل العقل" في الخمسينيات من القرن الماضي، واستحوذت على الشعور النفسي والتهديد الاقتصادي والسياسي الذي يشكله التقدم العالمي للشيوعية.

 بيد أنه غالبا ما حجب مفهوم "غسيل المخ "، الذي لا يقل عن "التطرف"، أكثر بكثير مما أظهر. ويمكن أن يكون كلا المصطلحين وسيلة للتكاسل ورفض التقصي أكثر في تاريخ وماضي الأفراد، بدعوى الافتراض بأن الطريقة التي يتصرف بها الناس يمكن أن تكون معروفة مسبقا. ويمكن أن يخدم كلا المصطلحين أيضا على اعتبار أي أيديولوجية معارضة لا تزيد عن كونها مجرد تنويم مغناطيسي شامل، فالتطرف وغسيل المخ علامات حديثة -وعلمية على ما يبدو- للحكاية القديمة للنداهة.
 
أصبحت
قصة غسيل المخ -باعتباره علما حديثا خطيرا- جرعة أخبار يومية تمتد على جانبي المحيط الأطلسي، ففي عام 1953 وفور انتهاء الحرب الكورية، اتخذت مجموعة من 21 أسيرا أميركيا قرارا هاما، وهو عدم العودة إلى وطنهم الولايات المتحدة، وأن يعيشوا بدلا من ذلك في الصين.

 

أحد جنود المارينز يقتاد سجناءً كوريين شماليين أثناء الحرب الكورية عام 1953 (مواقع التواصل)

 
أسقط "اختيارهم" جبلا من الانتقادات على رؤوسهم، وأصبح محور جدال عن حركة تحول جماعي بعد الحرب الباردة. وقد أثارت تصرفات الجنود هجمات شرسة، حيث وصموا بأنهم "ليسوا أميركيين" أو "منقلبين" هرعوا باختيارهم للعدو، فضلا عن الكثير من الذعر الذي لحق بهؤلاء. و لم يعتبرهم الكثيرون "مرتدين" فحسب، بل كذلك حالات تحتاج لعلاج نفسي، وعلت الهتافات "أحضروا الأطباء النفسيين!". 


ديفيد هوكينز كان أصغر هؤلاء الـجنود الـ21، والذي تبين أن حياته الماضية  -مثل مورتون- مليئة بالتقلبات المثيرة والانعطافات فكانت عامل جذب للكثير من وصمات العار، عاش عدة سنوات في ظل حكم "ماو تسي تونغ" للصين قبل عودته إلى الولايات المتحدة لمواجهة الفحوصات العدائية، خاصة تلك الهجمة التليفزيونية  في برنامج مايك والاس عام 1957.

عندما التقينا بهوكينز العجوز عام 2014، كان حينها يعيش في لوس أنجلوس، وحدثنا عن رؤيته "لتحوله" مع زملائه الأسرى العشرين، وتفكيرهم في الرجوع عن القرار، حكى عن الماضي المضطرب الذي خلفه وراءه، والخبرات السيئة في مرحلة الطفولة والمراهقة، والتوترات الأسرية، ومن ناحية أخرى، روح المغامرة التي كانت عنده وبحثه الدائم عن شواطئ جديدة يرسو بها. واعترف هوكينز بعناده الخاص الذي كان دافعا من الدوافع عندما أثار غضبه عدم اكتراث المسئولين بقرارهم حول العودة للوطن. وكان قرار البقاء في الصين "وليد اللحظة".


ووصف الآخرون الذين مكثوا في بكين (منهم الجندي الأميركي الأفريقي، كلارنس آدامز، والذي ألف مذكرات ذات صدى نشرت بعد وفاته تحت عنوان "حلم أميركي" في عام 2007) رحلتهم الشخصية المعقدة وتجاربهم مع العنصرية. وأصروا على أنهم كانوا يتصرفون بشكل مستقل، معلنين حقهم في صنع طريقهم الخاص بهم في العالم، ويتصرفون كما يحلو لهم. كانت معاني اختياراتهم، وما إذا كان هناك دور لعمليات اللاوعي زرعت الأفكار بداخلهم محل نقاش لا نهاية له في الولايات المتحدة. وتناحر الخبراء المتنافسون مع بعضهم حول حقيقة الأمر، وقلة منهم -فقط- من نظروا لتصرفات الجنود بوصفها تعبيرا عن الحرية الحقيقية.

 

ومع ذلك في عام 1953، لم يكن هوكينز على دراية بالتسمية التي أطلقت عليه أنه "تعرض لغسيل المخ " على الإطلاق، ولكنه -لاحقا- منح المصطلح بعض المصداقية، فقد نسجه بقوة في فهمه الذاتي لنفسه آخذا بالاعتبار التحليل النفسي لفرويد، وبناء على اقتراح من أطباء نفسيين، بدأ في النظر فيما إذا كانت خبراته مرتبطة بـ"اضطراب إجهاد ما بعد الصدمة"، وهي حالة "اكتشفت" نتيجة التجارب العسكرية الأميركية خلال الكارثة العسكرية الأخلاقية للتدخل الأميركي في فيتنام.

 

صورة لـ الكولونيل تشارلز ميليكين الذي استند إلى دراسة خلصت إلى أن الجنود الأميركيين الذين عادوا من العراق كانوا أكثر عرضة للإبلاغ عن تعاطي الكحول والصراعات العائلية وأعراض الاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة بعد ستة أشهر من فور عودتهم.

 
وقابل هوكينز تسميات أخرى مثل متلازمة ستوكهولم (وتستخدم لوصف مشاعر التعاطف والدفاع التي يكونها الرهائن في بعض الأحيان تجاه خاطفيهم، سميت هكذا بعد حادثة سطو على البنك السويدي في عام 1973) وهي طريقة أخرى للتفكير في رده على السبب القسري. إن أوجه الشبه بين طريقة هوكينز ومورتون في استكشاف الجانب النفسي لخيارات حياتهم، والمحاولات العديدة التي أجريت -فيما بعد- لتفسير أسباب هذه القرارات تثير أسئلة مثيرة للاهتمام، ليس فقط حول صنع القرار السياسي، ولكن أيضا حول ما الذي يمكن أن تعنيه أو تخفيه مفاهيم مثل "غسيل المخ" أو "التطرف".

والذي يتضح من النظر إلى قصص الرجلين كليهما، ووابل التشخيصات التي تقال عنهما، هو شدة المخاوف والخيالات والإسقاطات المعنية والشكوك المتزايدة التي لا يمكننا حلها، حول الدوافع الفعلية والمعقدة للتفاعلات البشرية .

يمكن لوضع مفهوم غسيل المخ أو التطرف النفسي في السياق التاريخي أن يخدم عددا من الأغراض، على الأقل التحذير من الرغبات السياسية والمخاوف، وكيفية أن كلا منهما قد يقدم مفاهيم محايدة. ولعل الطموحات التي يمكن أن ينظر إليها في جهود الحرب الباردة لوضع "غسيل المخ "، أو على الأقل نظرية غسيل المخ، على أساس علمي راسخ، تدفعنا للتوقف والتفكير قليلا.

وقد تؤدي محاولات النماذج العامة عن كيفية جذب الأفراد إلى التطرف، أو الانفصال عنه فيما بعد، إلى تحقيق بعض المكاسب، ولكنها -أيضا- تخاطر بالتقليل  من شأن تعقيد تركيبة الإنسان والسياقات الاجتماعية والسياسية التي يتعرض لها. ومع ذلك، فمن المهم أن يكون كل من واضعي السياسات والسياسيين والباحثين متّسمين بقدر من الشفافية قدر الإمكان حول نموذج السمات العقلية والشخصية الذي يفترضونه، ولماذا يفترضونه؟

قد يكون هناك احتمال أكبر لإجراء حوار جاد حول طبيعة التطرف -منعه وعكسه-  فقط إذا بدأنا بالنظر أكثر إلى استخدام المصطلحات نفسها، والوظائف التي يمكن أن تؤديها، والافتراضات المضمنة التي قد تحملها.

  

____________________

 
المقال مترجم عن: الرابط التالي

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


آخر الأخبار