انضم إلينا
اغلاق
الاكتئاب.. هكذا ينظر علم النفس للاضطراب الذي يهدد الملايين

الاكتئاب.. هكذا ينظر علم النفس للاضطراب الذي يهدد الملايين

brainpickings

موقع ثقافي
  • ض
  • ض

وصف عالم النفس المخضرم مارتن سليجمان الاكتئاب في أطروحته الأساسية حول التفاؤل المكتسب: "الاكتئاب هو اضطراب في الـ (أنا) التي فشلت بنظرك في تحقيق أهدافك". لكن مثل هذا التعريف للاكتئاب -رغم أنه صحيح- يبدو غير كافٍ إلى حد ما حيث يتغاضى عن كثرة الحقائق الجسدية والنفسية للمرض بما يتجاوز الإحساس بالفشل الشخصي.

 

ربما اقترب ويليام ستيرون في مذكراته المأساوية التي سكن الاكتئاب ثناياها تحت عنوان "ظلام مرئي" (Darkness Visible) حيث كتب عن "الغابة المظلمة للاكتئاب" و"عذابها غير القابل للتفسير"، والصراع القاسي للمبتلين بالاكتئاب الذين يقضون حياتهم وهم يحاولون الخروج من أعماق هذا الجحيم المظلم بشق الأنفس. ومع ذلك، فإن ما يميز كلا من الشعراء والأخصائيين النفسيين هي نظرتهم الثاقبة لمظاهر الاكتئاب، حيث تصارع كل منهم بشكل عقيم لفهم الأسباب المعقدة للاكتئاب -من حيث الوصف العلمي والإنساني- وعلاجه.

  

كتاب "ظلام مرئي" (Darkness Visible)  ل "ويليام ستيرون"  (مواقع التواصل)

  

هذا بالضبط ما يعمد عالم النفس جوناثان روتنبرغ إلى تقديمه في كتابه "الأعماق: الأصول التطورية لوباء الاكتئاب" (The Depths: The Evolutionary Origins of the Depression Epidemic) حيث يسرد رحلة -بطموح واستقصائية، وعبر دراسة الاكتئاب بدقة- الوقوع في هاوية الروح والعودة منها، مسلطا الضوء على أحد الأوبئة الأكثر انتشارا والأكثر تعقيدا التي استعصى علينا فهمها من بين مختلف الأوبئة التي واجهتها البشرية على مر العصور.

 

(ملاحظة واقعية للمبالغين والمتخوّفين: 22% من السكان حول العالم على الأقل قد عرفوا عرضا واحدا من أعراض الاكتئاب طوال حياتهم، كما توضح مشاريع منظمة الصحة العالمية أنه بحلول عام 2030 سيؤدي الاكتئاب إلى مزيد من العجز وخسارة أرواح حول العالم أكثر من أي آفة أخرى، بما في ذلك السرطان والسكتة الدماغية وأمراض القلب والحوادث وحتى الحروب؛ سيتربع الاكتئاب على مسببات الوفاة والعجز). 

  

يتخذ روتنبرغ مقاربة جذرية للاكتئاب لا يعتمد فيها على نموذج مرض عقلي بل على علم التطور المزاجي، وهو اقتراح يتنافى مع افتراضاتنا الثقافية التي قدمت موضوع الاكتئاب على أنه من المحرمات. ويضع هذه القيود في مكانها الصحيح: "لأن الاكتئاب بغيض ومؤذٍ إلى حد بعيد، فقد يكون من الصعب تخيل أنه قد يكون هناك طريقة أخرى للتفكير فيه؛ فأمر بهذا السوء لا بد أن يكون مرضا. ومع ذلك، فإن النموذج الذي يتعامل مع الاكتئاب على أنه خلل ينطوي على مشاكل في ذاته. حيث يتجنب بعض المعانين الحصول على المساعدة لأنهم يشعرون بالقلق من وصمهم بالمعيبين أو المتخلفين عقليا. بينما يحصل آخرون على المساعدة لينتهي بهم الأمر بتصديق ما يقال لهم مرارا وتكرارا في نظامنا للصحة النفسية: بأنهم ناقصون. لا يزال الناس يشعرون بالميل إلى الهمس عندما يتحدثون عن الاكتئاب. لا يوجد لدى الاكتئاب (سباق للبحث عن الترياق)؛ ونادرا ما يتم عمل سباقات ماراثون أو غسيل سيارات أو بطولات جولف في سبيل دعم قضية الاكتئاب. وبالتالي، فإن الألم الممزق للاكتئاب لا يزال خاصا بشكل مقلق".

 

بدلا من الاكتفاء بمثل هذا النموذج المتكرر في التعامل مع الاكتئاب على أنه عيب وخلل، يجادل روتنبرغ بأن العلم الانفعالي، وهو الدراسة التجريبية للحالة المزاجية، يقع في جوهر فهم الحالة (الاكتئاب). يعرّف روتنبرغ الحالة المزاجية على أنها "إشارات داخلية تحفز السلوك وتحركه في الاتجاه الصحيح"، ويجادل بأن أجسادنا عبارة عن "مجموعة من التكيفات والموروثات التطورية التي ساعدتنا على البقاء والتكاثر في مواجهة المجهول والمخاطر"، ويرسم خلفية لفهم الاكتئاب: "نظام الحالة المزاجية هو نظام وحدة المعالجة الأكبر (كما في جهاز الحاسوب) أو يمكن تشبيهه بالمكامل في الدارة الكهربائية؛ يستقبل معلومات حول العوالم الخارجية والداخلية ويلخص ما هو ملائم أو غير ملائم من حيث تحقيق الأهداف الرئيسية المتعلقة بالبقاء والتكاثر. بمجرد الشروع في الهدف، يراقب نظام الحالة المزاجية التقدم نحو تحقيقه، كما أنه يضاعف الجهد عندما تنشأ عقبات طفيفة. إذا توقف التقدم بالكامل بسبب عائق لا يمكن تجاوزه، فإن نظام الحالة المزاجية يتوقف واضعا ثقله على الجهود التي تتضاءل بدورها".

 

كتاب "الأعماق: الأصول التطورية لوباء الاكتئاب" ل "جوناثان روتنبرغ" (مواقع التواصل)

     

في إطار هذا النموذج، تتمتع الحالة المزاجية بوظيفة تطورية كوسيط لإستراتيجيات البقاء على قيد الحياة. يستشهد روتنبرغ بعدد من التجارب التي أشارت إلى أن الحالة المزاجية السلبية تحرّض الترسانة النفسية والوجدانية لدى المرء عندما تصبح مهمة ما في غاية الصعوبة. مثلا، عندما يتم وضع المشاركين في الدراسة بشكل متعمد في حالة مزاجية سلبية ويطلب منهم أداء مهمة صعبة، فإن ارتفاع ضغط الدم لديهم هو علامة على أن الجسد يتم تعبئته من أجل مزيد من اليقظة والجهد. ولكن إذا تم وضع المهمة لتكون مستعصية بطريقة يتعذر النجاح فيها، يتوقف ارتفاع ضغط الدم ويخفف نظام الحالة المزاجية من هذا الجهد. بهذا المعنى، فإن الحالة المزاجية -التي تشكل أرضا خصبة للاكتئاب- ليست حالة تعسفية تغمرنا على حين غرة، بل تعتبر الحالة المزاجية غربالا يفصل الأهداف التي تستحق المتابعة عن تلك التي لا مفرّ من أنها ستنتهي بخيبة أمل.

 

يجادل روتنبرغ بأن علاقتنا بنظام الحالة المزاجية تتشكل بالطريقة التي نتحدث بها عن هذه الحالة وهي غارقة في التركيبات الثقافية السامة التي تصطبغ بها لغتنا: "أحد الأمور المدهشة في نظام الحالة المزاجية هو كم يعمل خارج الإدراك الواعي. الحالات المزاجية مثلها مثل معظم التكيفات قد تطورت في المخلوقات التي لم يكن لديها لا لغة ولا ثقافة. لكن الكلمات هي أول الأشياء التي تتبادر إلى الذهن عندما يفكر معظم الأشخاص في الحالات المزاجية. نحن "غاضبون"، نحن "حزينون"، نحن "سعداء". لذا فنحن مفتونون بلغة يجدها كل من الأشخاص العاديين والعلماء مغرية لمساواة اللغة التي نستخدمها لوصف الحالة المزاجية بالحالة أو المزاج نفسه".

 

"هذا خطأ كبير؛ نحتاج إلى أن نتخلص من هذه النظرة المتمركزة حول اللغة للحالة المزاجية، حتى وإن كانت تهدد فخرنا بقبول أننا نشترك في عنصر أساسي من مجموعة أدواتنا العقلية مع الأرانب والطائر الجوّاب (roadrunner). إن التمسّك بأسطورة التفرد الإنساني يضعنا في موقف ضعيف يصعب الدفاع عنه. أولا، إن ذلك يعني أننا ننكر وجود حالة مزاجية للبشر الذين لم يكتسبوا لغة مزاجية حتى الآن (كالأطفال مثلا) أو فقدوا لغة الحالة المزاجية (كمرضى ألزهايمر). يفتقر الصغار والماعز والشمبانزي إلى الكلمات لوصف الإشارات الداخلية التي تتبع جهودهم للعثور على رفقة أو طعام أو حليف جديد؛ يمكن أن تشكّل حالاتهم المزاجية سلوكهم دون أن يتم تسمية هذه الحالات. اللغة غير مطلوبة للحالات المزاجية، كل ما نحتاجه هو بعض القدرة على اليقظة المحترسة والإدراك الواعي -بما في ذلك الإحساس بالألم والمتعة- وهو أمر موجود بالتأكيد لدى جميع الثدييات".

 

ومع ذلك، ينوّه روتنبرغ محذّرا: "ما نقوله عن مشاعرنا هو نافذة واحدة فقط على الحالة المزاجية"؛ نحتاج بدلا من ذلك إلى النظر في مجموعة متنوعة من الأدلة في العقل والدماغ والسلوك لرسم صورة متكاملة ذات أبعاد مختلفة للحالة المزاجية والاكتئاب. في الواقع، يكمن جزء من اللغز في الاختلاف الأساسي بين المشاعر والعواطف والحالات المزاجية حيث إن العواطف عبارة عن استجابات فورية قصيرة الأمد مقارنة مع الحالة المزاجية، والتي تستغرق وقتا أطول حتى تنبت ووقتا أطول حتى تتلاشى. يوضح روتنبرغ أن الحالة المزاجية عبارة عن: "ملخص شامل للعديد من الإشارات حولنا [وعادة ما] يصعب تصنيفها". إن اعتمادنا على الحالة المزاجية أكثر منه على المشاعر هو أحد الأشياء التي تجعلنا بشرا وهو ما يميزنا عن المخلوقات الأخرى؛ وهو فرق مفعم باستخدامنا للغة والرمزية:

     

بالرغم من كل تطوراتنا العاطفية، فإننا نظل غافلين عن العديد من المحفزات والأسباب الحقيقية للحالة المزاجية

مواقع التواصل
     

"إن اعتمادنا الكبير على التمثيل الرمزي يجعل من العوامل المزاجية للمزاج المنخفض أكثر خصوصية لدى البشر من غيرهم. نحن حزينون لأن أم بامبي ماتت في فيلم الرسوم المتحركة، أو لأن هناك أناسا يتضورون جوعا في قارة ما، أو بسبب إغلاق مصنع ما، أو بسبب خسارة نهائيات كأس العالم في أشواط إضافية. على الرغم من وجود موضوع أساسي متعلّق بالخسارة تشترك فيه مختلف المخلوقات، فإن قدرة البشر على تنمية لغة ما والتواصل بها تمكّن عددا أكبر من الكائنات من الدخول إلى نظام الحالة المزاجية وتغييره".

 

بالرغم من كل تطوراتنا العاطفية، فإننا نظل غافلين عن العديد من المحفزات والأسباب الحقيقية للحالة المزاجية، وبدلا من ذلك نميل إلى تبني نزعتنا البشرية في رواية القصص النفسية. يربط روتنبرغ هذا الأمر بالاكتئاب: "على الرغم من توقنا العميق لتفسير الحالة المزاجية، لا يستطيع الشخص العادي رؤية العديد من التأثيرات الأكثر أهمية على الحالة المزاجية. بتشبيه الحالة المزاجية بنظام وحدة المعالجة الأكبر (كما في جهاز الحاسوب) أو بالمكامل في الدارة الكهربائية، فإن نظام الحالة المزاجية يتحكم فيه العديد من الأمور المحتملة، ويتم إخفاء العديد من القوى -التي تعمل على الحالة المزاجية- عن الإدراك الواعي (مثل هرمونات التوتر والإجهاد أو مثل حالة جهاز المناعة لدينا). القصص التي نخبر أنفسنا بها عن حالاتنا المزاجية نبقيها في أجهزتنا الخاصة، وغالبا ما ينتهي الأمر بها مجرد قصص".

 

"يجب أن نفهم الجذور الأساسية للاكتئاب إذا أردنا السيطرة عليها. للقيام بذلك، نحن بحاجة إلى العودة إلى الوراء واستبدال نموذج الخلل الذي عفا عليه الزمن بنهج مختلف تماما. سوف يكون نهج علم الحالة المزاجية تاريخيا وتكامليا: تاريخيا لأننا لا نستطيع أن نفهم سبب انتشار الحالة المزاجية المحبطة (الاكتئاب) إلى أن نفهم سبب قابليتنا للمزاج السيئ في المقام الأول، وسوف يكون تكامليا لأن مجموعة من القوى المختلفة (العديد منها خفي) تؤثر على الناس في وقت واحد دافعة بهم إلى أنواع من الحالة المزاجية المنخفضة (أو الحالة المزاجية السيئة وهي فقدان الحماس لفعل أي شيء حتى ولو كان بسيطا وتجعل الشخص يشعر وكأن ما يفعله ليس له معنى) التي تولد اكتئابا خطيرا".

 

قبل أن نصنف المزاجات المنخفضة على أنها آفة يجب معالجتها، يقدم روتنبرغ تحفظا حياديا ضروريا، مشيرا إلى أن كلا من الحالات المزاجية العالية والمنخفضة لها مزاياها وعيوبها: "نولد مع القابلية لحالات مزاجية عالية ومنخفضة لأن كلا منها يقدم -في المتوسط- فوائد صحية أكثر من السلبيات. إن الحالة المزاجية العالية تُفهَم على نحو متزايد على أنها تمتلك "جانبا مظلما"، مما يؤدي في بعض الأحيان إلى حدوث سلوك متسرع واندفاعي وحتى مدمر. وبالمثل، فإن القابلية للمزاج المنخفض يرافقها مجموعة من الفوائد والسلبيات. وبهذه الطريقة، يتبع الاكتئاب تكيفنا مع الحالة المزاجية المنخفضة مثل الظل؛ إنها نتيجة حتمية لعملية طبيعية، ليست جيدة ولا سيئة كليا".

  

  

إذن ما المزايا التطورية للحالات المزاجية المنخفضة؟ توجد عدة نظريات: تقترح إحداها أن الحالة المزاجية المنخفضة تساعد على تثبيط الاهتياج في المواجهة، وبالتالي تهدئة النزاعات، عندما يستسلم الخاسر بدلا من القتال حتى الموت يكون قادرا على البقاء بدلا من الموت. هنالك نظرية أخرى ترسم الحالة المزاجية المنخفضة "كآلية توقف" التي تمنع الشخص من بذل جهد نحو هدف غير قابل للتحقيق أو خطر، تماما مثلما تشير دراسات المهمات التي ذكرتها آنفا. كما يوجد نظرية مختلفة تصور الحالة المزاجية المنخفضة كأداة لاتخاذ قرارات أفضل، مما يضعنا في عقليات تأملية أكثر ملاءمة لتحليل بيئتنا وحل المشاكل الصعبة بشكل خاص.

 

في الواقع، هذا الأخير هو شيء تم تأكيده مرارا وتكرارا خلال التجارب، وعلى الأخص في العمل الرائد لعالمتي النفس لين أبرامسون ولورين ألوي، حيث وصف عملهما هذا الدور من الواقعية الاكتئابية للحالة المزاجية المنخفضة. لقد ألهم عملهما العديد من التجارب الأخرى، بما في ذلك دراسة تمّ إجراؤها عام 2007 حيث تضمنت: "وجد عالم النفس الأسترالي جوزيف فورجاس أن استحثاثا قصيرا للمزاج قد غيّر من قدرة الأشخاص على المجادلة. مقارنة بحالات الدراسة (أفراد الدراسة) الذين كانوا في حالة مزاجية إيجابية، فإن الأشخاص الذين تم وضعهم في مزاج سلبي (بمشاهدة فيلم مدته عشر دقائق عن الموت من السرطان) كتبوا رسائل مقنعة فعّالة حول موضوع موحد بين أفراد المجموعتين مثل رفع رسوم الطلاب أو حقوق الشعوب الأصلية في أراضيهم. وجدت تحليلات المتابعة أن السبب الرئيسي في أن الأشخاص الأكثر حزنا كانوا أكثر إقناعا هو أن حججهم كانت أكثر ثراء في تفاصيل ملموسة [مما يشير إلى أن] المزاج الحزين -على الأقل حسب ما هو شائع- يجعل الناس أكثر ترويا وتشككا وحرصا في كيفية معالجتهم المعلومات من بيئتهم".

 

قد تبدو هذه الاستخدامات الإيجابية للحالات المزاجية السلبية في بداية الأمر مضللة، ولكن يذكرنا روتنبرغ أن "المنافع المتعددة هي السمة المميزة للتكيف". يضع روتنبرغ الأمور في نصابها: "إحدى الطرق لتقدير أهمية هذه الحالات هي التفكير في ما يمكن أن يحدث إذا لم تكن لدينا القدرة على ذلك. تماما مثلما تم التهام الحيوانات -التي لا قابلية لها على القلق- من الحيوانات المفترسة منذ زمن طويل؛ فمن دون القدرة على الحزن من المحتمل أن نرتكب نحن وحيوانات أخرى أعمالا طائشة ونكرر أخطاء فادحة".

  

     

     

دعما لهذا المفهوم، يستشهد روتنبرغ بفقرة شاعرية رائعة كان قد كتبها (لي سترنغر) في مقاله "التحول لرماد" (Fading to Grey)، والتي تم العثور عليها في كتاب "شبح غير مقدس: مؤلفون عن الاكتئاب" (Unholy Ghost: Writers on Depression): "لعل ما نطلق عليه اكتئابا ليس في الحقيقة اضطرابا على الإطلاق، ولكنه كالألم الجسدي ينذر بالخطر، منبها إيانا إلى أن هناك شيئا خاطئا بلا شك. ربما يكون الوقت قد حان للتوقف للاستراحة لبعض الوقت، والاستغراق بذلك للاهتمام بالعمل الذي لم يتم تلبيته لملء أرواحنا". مع ذلك، يحرص روتنبرغ على الإشارة إلى أن الاكتئاب الحاد بعيد كل البعد عن كونه مفيدا من الناحية التطورية، بل يصف الاكتئاب بأنه حالة شلل تام يتميز بـ "التفكير المشوه الذي يبدو أنه النقيض التام للواقعية الاكتئابية". في الواقع، الأمر الأكثر مدعاة للحيرة حول الحالة هو أن العلماء لا يمتلكون حتى الآن اختبارا حاسما يوضح متى تنقلب الحالة المزاجية المنخفضة من كونها مفيدة إلى محفوفة بالمخاطر؛ لا توجد نقطة -على طيف الحالة المزاجية- تحدد بوضوح راسمة خطوطا بين الحالة الطبيعية (للحالة المزاجية المنخفضة) والحالة المرضية.

 

يقترح روتنبرغ أن علم المزاج هو المفتاح لتمييز الفرق الدقيق في هذا الطيف. يميز روتنبرغ بين فترات أكثر اعتدالا من الحالة المزاجية المنخفضة -والتي يصفها بالاكتئاب الضحل- وبين الفترات التي تكون فيها الحالة المزاجية المنخفضة طويلة الأمد وشديدة -وهو ما يسميه بالاكتئاب الشديد أو العميق- وكتب موضحا: "إن الاكتئاب الضحل تكيّفي، في حين أن الاكتئاب الشديد هو مرض لاتكيّفي". إن أقوى دليل على هذا النموذج الطيفي، أنه بدلا من التقسيم الثنائي بين العافية والمرض، ينبع هذا النموذج من حقيقة أن الاكتئاب الضحل والعميق يشتركان في مجموعة من عوامل الخطر، مما يشير إلى أن المزاج الذي يتغير على امتداد سلسلة تحدد شدته هو القاسم المشترك. يصيغها روتنبرغ بأناقة: "إن تجاهل هذا سيكون بمنزلة أرصاد جوية تستخدم نماذج منفصلة للتنبؤ بالأيام الدافئة والأيام الحارة للغاية بدلا من التفكير في العوامل العامة التي تتنبأ بالحرارة".

 

إذن ما الذي ينظم الحالة المزاجية المنخفضة؟ يشير روتنبرغ إلى ثلاثة محفزات متميزة ومترابطة: القابلية للتفسير، والأهمية التطورية، والتوقيت. يكتب عن ذلك: "تفترض النظريات النفسية الحديثة أننا نتعافى بسرعة أكبر من حدث سيئ إذا أمكننا شرحه بسهولة. نتوقع إذن أن الأحداث التي تولد مشاعر مختلطة و/أو أفكارا مربكة سوف تكوّن دافعا قويا نحو حالة مزاجية منخفضة مستمرة. إن الأحداث التي تمثل معضلات غير قابلة للحل في مواضيع ذات أهمية تطورية -مثل اختيار الشريك- هي بذور خصبة للحالة المزاجية المنخفضة. كما أن لحدوث أمور سيئة في حياة المرء أثرا أيضا؛ إذ تُظهِر الأبحاث المكثفة أن الصدمات في الحياة المبكرة -مثل الاعتداء الجسدي أو الجنسي- تضع الأساسات لتسلل بطيء للاكتئاب والقلق".

   

يشير روتنبرغ إلى أن المزاج الفردي هو عنصر أساسي في استجابات مزاج الأشخاص للأحداث نفسها

مواقع التواصل
   

يستشهد روتنبرغ بمثال امرأة في منتصف العمر تعاني من القلق و"اكتئاب منخفض الدرجة" مدى الحياة، نشأت لدى والد مدمن على الكحول في منزل حظر أي مناقشة للمشاعر. عندما تحرش بها أحد الجيران في سن الثالثة عشرة، احتفظت بالصدمة لنفسها معتقدة أن أمها ستلقي باللوم عليها وأن والدها سينفجر غضبا. يشرح روتنبرغ كيف توفر هذه التجارب المبكرة خلفية نفسية وجدانية لحياتنا كبالغين: "إن مشاعر القلق والحزن المزمنة لدى جان هي أمر طبيعي، وهي نتاج نظام مزاج سليم. في عالم تكون فيه الشخصيات المرافقة المهمة للطفل -الآباء- غير متوفرة عاطفيا وغير قادرة على المساعدة عندما يتحول جار موثوق به إلى معتدٍ، فإن النظام المزاجي أبدا لن يتطلع إلى المستقبل. إذ يفترض أنه إذا كان الأسوأ قد حدث بالفعل، فيمكن أن يحدث ذلك مرة أخرى. الأفضل أن نكون مستعدين: تحاول مزاجات القلق الكشف عن الخطر -وخاصة في العلاقات- وتحلل مزاجات الحزن ما تم فقدانه أو خسارته ولماذا تكون بمنزلة خطوط الدفاع الأخيرة ضد مزيد من الدمار".

  

وعلى الرغم من ذلك، يشير روتنبرغ إلى أن المزاج الفردي هو عنصر أساسي في استجابات مزاج الأشخاص للأحداث نفسها. ويستشهد بدراسة أُجريت بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول والتي وجدت أنه بعد شهر من ذلك، تعرّض سكان جنوب مانهاتن -الذين وجدوا خلال أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول- إلى درجات مختلفة من أعراض الاكتئاب، متراوحة من الاكتئاب الشديد إلى عدم وجود أي أعراض مقارنة مع حالة كل منهم في العاشر من سبتمبر/أيلول.

   

مرة أخرى، يمكن إرجاع هذا التنوع إلى مرحلة الطفولة المبكرة. يستشهد روتنبرغ بعمل عالم النفس جيروم كاجان الذي أمضى عقودا في دراسة الأطفال الرضّع ووجد أنه يمكن الكشف عن الحالة المزاجية في سن مبكرة كالرضّع البالغين تسعة شهور حيث يُظهِرون "ردود فعل قوية ومتسقة بشكل معقول تجاه مجموعة متنوعة من المواقف التي يحتمل أن تشكل تهديدا". يقول روتنبرغ إن الاختلافات المبكرة في المزاج، من المحتمل أن تتأثر بشدة بالجينات. ومع هذا، فإن المزاج والطباع (temperament) ليس بلعبة باللونين الأبيض والأسود، بل هو عبارة إستراتيجية حكيمة من الناحية التطورية تماما مثل طيف الحالة المزاجية: "أظهرت التجارب التي أجراها عالم الأحياء التطوري ديفيد سلون ويلسون أنه لا يوجد (مزاج واحد أمثل). في إحدى الحالات، أسقط ويلسون مصائد معدنية في بركة تحتوي على سمك الشمس (pumpkinseed sunfish)، أظهرت مجموعة جزئية من الأسماك الجرأة والاهتمام في استكشاف الجسم الجديد (المصيدة)، كانت هذه خطوة سيئة للغاية حيث علقت هذه الأسماك في المصائد على الفور. لو كان الدكتور ويلسون مفترسا حقيقيا، لكانت تلك نهاية جيناتهم. بينما كانت مجموعة أخرى من الأسماك حذرة وبقيت بعيدة عن المصائد؛ لذلك لم يتم القبض عليهم. كان هذا الوضع في صالح السمك الحذر".

       

يشير روتنبرغ إلى مجموعتين متميزتين من التأثيرات على الحالة المزاجية: قوى تجعلنا عرضة لفترات طويلة من الاكتئاب الضحل، وقوى تعمِّق الاكتئاب الضحل الموجود سابقا

مواقع التواصل
     

"في حالة تالية للحالة الأولى، تم استخراج جميع الأسماك ووضعها في بيئة جديدة، ثم تم مراقبتها بعناية. في هذه الحالة، عانى السمك الحذر -في التجربة الماضية- من صعوبة كبيرة في التكيّف مع التجديد. كان أبطأ من أبناء جنسه الجريئين في بدء التغذية، حيث أخذ خمسة أيام أخرى لبدء تناول الطعام. في هذا الوضع كان البقاء في صالح الأسماك الجريئة". مع الإشارة إلى أن السمة الشخصية الوحيدة الأكثر عرضة للاكتئاب هي العصابية (هو أحد أنواع الخوف الذي يؤدي إلى اضطراب في الشخصية وفي الاتزان النفسي. وهو اضطراب عصبي وظيفي غير مصحوب بتغير بنيوي في الجهاز العصبي)، يضيف روتنبرغ: "إن المزاجات -التي تغذّي الاكتئاب- مثلها مثل الاكتئاب بحد ذاته؛ ليست جيدة كليا ولا سيئة تماما".

   

يشير روتنبرغ إلى مجموعتين متميزتين من التأثيرات على الحالة المزاجية: قوى تجعلنا عرضة لفترات طويلة من الاكتئاب الضحل، وقوى تعمِّق الاكتئاب الضحل الموجود سابقا، يقوم روتنبرغ بملاحظة حادة حول ثقافتنا المتنامية حول التقديس الأعمى للسعادة: "لقد تغيرت توقعاتنا بشأن السعادة بشكل كبير. ومن المثير للسخرية أنه بارتفاع توقعاتنا فإنها تجعل من الصعب تحمّل المزاج المنخفض أكثر من أي وقت مضى".

   

في الواقع، إن عددا من هذه الترسيخات والتعلّقات الحديثة أثّر سلبا على قابليتنا للإصابة بالاكتئاب، بما في ذلك عبادتنا للإنتاجية التي تسارعت بعد اختراع الضوء الاصطناعي. لكن في حين أن الإجراءات الروتينية قد تكون مفتاح الانضباط الإبداعي، فإنها قد تضعنا في خطر للاكتئاب: "يدور المزاج حول الدنيوية. يعمل الروتين اليومي -بما في ذلك كيف نمضي وقتنا، وكيف نهتم بأجسادنا وعقولنا- باستمرار على تشكيل مزاجنا ويمكن أن يكون له تأثير قوي على استمرار المزاج المنخفض. يمكن للروتين -الذي يكوّن الموارد الجسدية والعقلية- رفع الحالة المزاجية. وهناك روتين آخر منسوج في نسيج الحياة الحديثة، يتضارب على نحو فادح مع الضرورات التطورية، ولدى هذا الروتين القدرة على تغذية مزاج منخفض. يبدو الكثير من روتين حياتنا المألوف مُصمَّمة بشكل عكسي -تقريبا- لإحداث فوضى في النظام المزاجي".

    

  

إننا نعلم بالفعل أن نوم حركة العين السريعة (هو مرحلة من مراحل النوم تتميز بحركة العين السريعة فيها) يرتبط ارتباطا وثيقا بالاكتئاب وأن التعرض غير الكافي للضوء الطبيعي محفوف بالمخاطر لرفاهيتنا. يسلط روتنبرغ الضوء على حجم المشكلة وشدّتها: "إحدى التأثيرات الدنيوية على المزاج هي التعرض للضوء يوميا. ففي نهاية المطاف، تطور المزاج في سياق الأرض الدوارة مع دورة متكررة من أربع وعشرين ساعة من مراحل الضوء والظلام. فالإنسان كائن نهاري، وكانت أفضل فرصة للحصول على القوت والمكاسب الأخرى هي في مرحلة الضوء (فكر في التحدي المتمثل في تحديد التوت الصالح للأكل أو ملاحقة الماموث). وبالتالي، تم تكويننا لنكون أكثر يقظة خلال النهار أكثر من الليل. تماشيا مع العلاقة بين الضوء والمزاج، فإن بعض الحالات المزاجية المنخفضة الخطيرة سريريا تحدث بسبب التغير الموسمي لساعات النهار الأقصر. يظهر الاضطراب العاطفي الموسمي -وهو نوع فرعي من اضطراب المزاج- عادة في فصل الشتاء".

   

"عمليا، حوّل اعتمادنا الجديد على الإضاءة داخل المباني معظم الناس إلى ساكني كهوف. الضوء الاصطناعي أكثر خفوتا ويوفر فوائد مزاجية أقل من أشعة الشمس. عندما تم وضع أجهزة صغيرة تقيس التعرض للضوء ومدته على بالغين في سان دييجو -وهي واحدة من أكثر المدن المشمسة في الولايات المتحدة- تم اكتشاف أن الشخص العادي لم يتلق سوى ثمانٍ وخمسين دقيقة من ضوء الشمس في اليوم. الأهم من ذلك، أن هؤلاء البالغين -من سان دييجو- الذين حصلوا على تعرض أقل للضوء خلال روتين حياتهم اليومية أفادوا بامتلاك المزيد من أعراض الاكتئاب".

      

  

يبدو أن الاعتماد على جهاز العلاج بالضوء -الذي ساعدني في تخطّي شتاء نيويورك الكئيب- يبدو فجأة أقل تفاهة وأكثر من أن يكون مجرد تأثير علاج وهمي. وبصفتي من محبي النوم، فأنا أقدر بشكل خاص الأدلة المفعمة بالحيوية التي ذكرها روتنبرغ في عدد من دراسات النوم: "ينخفض المزاج بعد ليلة واحدة من الحرمان من النوم. وعلاوة على ذلك، فإن تقييد النوم التجريبي القصير يؤدي إلى تغيّرات جسدية تحاكي بعض جوانب الاكتئاب. من المهم التأمل في عواقب الحرمان من النوم الذي يحدث الآن على نطاق واسع: أكثر من 40% من الأميركيين الذين تتراوح أعمارهم بين ثلاثة عشر وأربعة وستين يقولون إنهم نادرا ما يحصلون على ليلة نوم جيدة في ليالي الأسبوع، ويعاني ثلث الشباب من فترات طويلة من الحرمان من النوم -جزئيا على الأقل- على أساس مستمر. على مدى القرن الماضي انخفض معدل النوم ليلا في المتوسط: في عام 1910، كان الأميركيون ينامون في المتوسط ما يقرب من تسع ساعات، انخفض هذا المتوسط إلى سبع ساعات بحلول عام 2002. ومن ثم، يكمن جزء من الإجابة عن غموض الحالة المزاجية المنخفضة في الروتين المعاصر الذي يتميز على نحو متزايد بضوء أقل وراحة أقل والمزيد من الأنشطة التي لا تتناغم مع الإيقاع الطبيعي للجسم".

      

في بقية كتابه "الأعماق"، يتابع روتنبرغ -الذي عانى من الاكتئاب بنفسه لفترة طويلة من حياته- استكشاف كيفية تلاقي البذور المتعددة (للاكتئاب) بعضها ببعض، ولماذا لدى المخلوقات الأخرى المفتاح لفهم الاكتئاب البشري، وما يمكننا القيام به -سواء كمجتمع أو كأفراد- لتخفيف قبضة هذا الجلّاد الصارم المستمر. قم بتكملة ذلك مع تدريب بسيط وفعّال لزيادة رفاهك والحدّ من الاكتئاب والتي قام مارتن سليجمان بتطويرها -الأب المؤسس لعلم النفس الإيجابي- "زيارة الامتنان": أغلق عينيك وفكر بشخص ما زال على قيد الحياة كان قد قام قبل سنوات بالقيام بشيء أو بقول أمر غيّر حياتك للأفضل، وهو شخص لم تقم بشكره بالشكل الصحيح. مهمتك هي أن تكتب رسالة شكر إلى هذا الشخص وتسلمها له شخصيا. اذكر في الرسالة ما فعله من أجلك وكيف أثر على حياتك. عند مقابلتك له، قم بمفاجأته بالرسالة واقرأ الرسالة ملقيا إياها على مسمع الشخص الذي تمتن له.

____________________________________

ترجمة: آلاء أبو رميلة

هذا التقرير مترجم عن: brainpickings ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار