انضم إلينا
اغلاق
انتبه لهذه العلامات.. كيف تساعد طفلك على مواجهة التنمر؟

انتبه لهذه العلامات.. كيف تساعد طفلك على مواجهة التنمر؟

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض

تشكو لينا كثيرا أنها لا تود الذهاب إلى المدرسة. في كل صباح، تخبر والدتها أنها تُعاني صُداعا أو مغصا لا يُطاق وتطلب منها أن تجعلها تلزم البيت ذلك اليوم. لكن والدتها، والتي لا ترى في هذا سوى تصرفات طفولية معتادة وكسل من جانب ابنتها، لا تستمع لشكواها وتأمرها بالذهاب.

 

في الأيام التالية، تلاحظ الأم بعض الأشياء الغريبة التي تحدث. فترجع لينا من المدرسة وبعض من أقلامها وكتبها مفقودة، وعندما تسألها والدتها إلى أين راحت تلك الأغراض، تقول لينا إنها أضاعتها. كما بدأت معاملتها لأسرتها تسوء، فتنفجر غضبا لأتفه الأسباب، وأحيانا تبدو شاردة وحزينة وعازفة عن الكلام مع أي شخص. عندما تسألها الأم إن كان هنالك شيئا قد حدث في المدرسة، تجيب لينا بالنفي، وقد تشكو أيضا من شعورها بالوحدة هناك. نهاية ذلك الشهر، تظهر درجاتها في الامتحانات، وتُفاجأ الأم أن مستوى ابنتها الدراسي انخفض انخفاضا شديدا. وهنا، تستشعر أن هنالك خطبا حقيقيا. (1)

  

ينظر معظم الآباء والراشدون إلى مجتمعات الأطفال نظرة وردية، ويتخيّلونها امتدادا للأطفال أنفسهم، فيرونها ساحة من البراءة والتلقائية العذبة، حيث لا وجود للشرور والمخاطر التي تحفل بها مجتمعات الكِبار. لكن ما لا يدركه هؤلاء أن مجتمعات الأطفال تحتوي على نفس درجة تعقيد مجتمعات الراشدين من حيث التصرفات وتأثيراتها على الأفراد، وأن الأطفال مع بعضهم البعض لا يكونون ملائكة مجنحة، فيمتلك كل واحد منهم القدرة على إيقاع أذى نفسي وجسدي بالغ على غيره من الصغار، ويُسمى ذلك الأذى "التنمر".

    

  

ما لم تعرفه والدة لينا أن الأطفال الذين يقع عليهم التنمر يعزفون في كثير من الأحيان عن إخبار ذويهم. حيث يساور الأبناء القلق أن الآباء سيسفّهون من المشكلة، أو لن يفهموها من الأساس، والأسوأ، يخافون من عدم تصديقهم أو من إيقاع اللوم عليهم. كما قد يحجمون عن الشكوى لأن حكي ما حدث يجتر عليهم كل مشاعر الألم والخزي التي شعروا بها أثناء وقوع التنمر. (2)
        

لكن معرفة أن طفلك يتم التنمر عليه ليس بالشيء الصعب. فكما في حالة لينا، هنالك الكثير من العلامات الواضحة التي يبديها الطفل والتي لا تحتاج منك سوى إلى قليل من الانتباه حتى تلتقطها. وعندما تدرك أن طفلك يمر بتلك التجربة المؤذية، فلا تستخف أبدا بالأمر؛ فالتنمر يترك ندوبا وجراحا في نفسية الطفل قد لا تلتئم طوال العمر. فالطفل الذي يتعرض للتنمر هو الأكثر عرضة للعديد من الأمراض النفسية من قلق واكتئاب، والتي قد تطور وتُشكِّل عنده ميولا انتحارية. كما يعاني الأطفال الذين يتعرضون للتنمر من انعدام الثقة في النفس واحترام الذات، وكل ذلك بالطبع يترك أثرا سلبيا للغاية على المستوى الدراسي. فكيف تعرف أن طفلك يتعرض للتنمر؟ وكيف تتصرف حينها؟ (3)

 

كيف تعرف أن طفلك يتعرض للتنمر؟

حالة لينا هي حالة كلاسيكية للطفل الذي يتعرض للتنمر ويُحجم عن إخبار ذويه، وبما أن الكثير من الأطفال يفعلون مثلها ويؤثرون الصمت، فعليك ألا تنتظر حتى يشتكي طفلك، وكن منتبها ويقظا لأي من العلامات الآتية.

    

  

في حالة التنمُر الجسدي، لن يكون الأمر صعبا؛ يكفي أن تجد كدمات أو آثار جروح غير مبررة تظهر على جسد الطفل حتى تعرف أنه يتعرض للأذى. أما في حالة التنمر النفسي، فالأمر أعقد قليلا، فلا توجد أدلّة مادية تلفت نظرك، لكن آثار التنمر النفسي تظل واضحة.

   

كثيرا ما يُؤثّر التنمر النفسي على صحة الطفل، فتبدأ شكواه من مغص أو صداع شديد لا يفارقه. مع زيارة الطبيب وفحصه، قد يُطمئنك أنه على ما يرام ولا يوجد سبب عضوي لشكواه. ستظن حينها أن طفلك يدّعي المرض حتى يغيب من المدرسة، وقد يكون هذا صحيحا بالفعل، لكن السبب ليس كما تظن أنت أنه مجرد كسل أو تدلل، فمن الممكن أن يكون هنالك ما يجعله يخشى ويبغض الذهاب إلى المدرسة. لذا، لا تستخف بشكواه مهما بدت لك غير مبررة.

 

كما يكثُر أيضا أن يقوم المُتنمِّر بأخذ أو إتلاف أغراض ضحيته، فإن لاحظت فقدان طفلك المتكرر لأدواته، وإن بدا لك مترددا وهو يقول إنه هو الذي أضاعها، خذ الأمر بجدية شديدة. كما يُؤثّر التنمر بشدة على الحالة المزاجية لطفلك، فقد يكون طفلا وديعا وهادئا، ثم تجده فجأة ينفجر غضبا لأتفه الأسباب؛ أو قد يكون ودودا واجتماعيا ثم تلاحظ أنه بدأ ينعزل عن العائلة ويُؤثر البقاء وحيدا في كثير من الأحيان. يترك التنمر أيضا أثرا على نوم الطفل، فيجعله مُضطربا مليئا بالكوابيس، وقد يصل الأمر إلى تبليل فراشه، وبالطبع قد تجد انخفاضا ملحوظا في مستواه الدراسي. كل تلك علامات وأدلّة على أنه يتعرض للتنمر.

 

ولهذا، فلا بد أن تستوعب تقلباته المزاجية وانخفاض تحصيله في المدرسة ولا تقسو عليه. فالقسوة حينها ستُنشئ حاجزا بينه وبينك وستُفقده الثقة فيك ولن يشعر معك بالأمان. احتوِه وتكلم معه بهدوء ورفق وحاول أن تجعله يحكي لك عن الذي حدث. وإن نجحت في هذا، فعليك أن تدرك أنك الآن حزت على ثقته، لذا، حافظ عليها ولا تضيعها بأي من التصرفات الآتية. (4)

     

التنمر غالبا ما يحدث في أماكن يقل أو يغيب فيها إشراف المدرسين، مثل دورات المياه والحافلة وملعب المدرسة وقت الفُسحة

مواقع التواصل
     

مهما بدا لك الموقف الذي تعرض له طفلك بسيطا من وجهة نظرك، فلا تُسفّه أبدا منه، أو تصمه هو بالحساسية المُفرطة، وبالطبع تجنب تماما إبداء أي نوع من أنواع الشك أو عدم التصديق في روايته لما تعرض له، فلا تقل مثلا: "ليس من المعقول أن يبدأ فلان في إيذائك بلا سبب، ألم تفعل أنت شيئا ضايقه؟"، قد يكون أمرا بسيطا بالنسبة لك، لكنه ليس كذلك بالنسبة لطفلك. فلا تستمع إليه ثم تقول له نصائح غير مفيدة على غرار: "عليك أن تصبح أقوى من هذا ولا تدع مثل تلك الأشياء تُؤثّر عليك". فهذا شكل من أشكال لوم الضحية، ستجعل طفلك يشعر أن الخطأ فيه لأنه ليس قويا بما فيه الكفاية للدفاع عن نفسه، وليس في المُتنمِّر لأنه اعتدى عليه، مما سيضاعف أضرار التنمر، ويهز من ثقة الطفل في نفسه أكثر وأكثر. (5)

   

بدلا من هذا، عليك أن تُشعره بتفهمك التام لما حدث، وتعاطفك غير المشروط معه، وتجنبك لأي شكل من أشكال إلقاء الأحكام عليه. تجنب كذلك أي رد فعل عنيف أو مبالغ فيه. بدلا من ذلك، احرص على الاستماع بهدوء وصبر، وتشجيعه على أن يروي كل ما عنده. وعندما ينتهي، أكّد له تفهمك أن ما يمر به لم يكن سهلا، وحيّه على شجاعته أنه أخبرك. ثم بالطبع، عليك أن تقدم له المساعدة. (6)

   

كيف تُساعد طفلك على التعامل مع المُتنمِّر؟

مهما بدا هذا حلا منطقيا والشيء الأمثل الذي عليك أن تفعله، فلا تتسرع وتقرر الذهاب وتقديم شكوى رسمية في المدرسة. فقد يزيد هذا من وطأة الأمر عوضا عن حلّه. عليك أن تعلم أولا أن التنمر غالبا ما يحدث في أماكن يقل أو يغيب فيها إشراف المدرسين، مثل دورات المياه والحافلة وملعب المدرسة وقت الفُسحة. وفي كل تلك الأماكن، يكون من السهل على المُتنمِّر أن ينفرد بطفلك ويلحق به الأذى دون أن يشعر أي من المشرفين بأي خطب.(7) وبتلك الطريقة أيضا تعزز اعتماد طفلك عليك، ولا تُعلمه كيف يواجه الصعاب بنفسه، مما سيزيد من فقدانه الثقة وشعوره بالضعف وقلة الحيلة. الجأ إلى ذلك الحل إذا فشلت كل الطرق الأخرى ولم يبق أمامك سواه.

    

عليك أن تُعزز ثقة طفلك بنفسه واحترامه لذاته، فالمُتنمِّر يخاف الأطفال الأقوياء الواثقين

مواقع التواصل
  

لا تذهب للنقيض أيضا وتنصح طفلك بمقابلة إساءة المُتنمِّر بإساءة مثلها؛ فأغلب الظن، لو كان طفلك قادرا على أن يفعل هذا لما كان عُرضة للتنمر من الأساس. فالمُتنمر غالبا ما يستهدف الأطفال الذين يبدون ضعافا، ويستشعر أنه يمكنه مضايقتهم كما يريد دون المخاطرة بأي رد فعل عنيف يتخذونه. وبهذا أيضا، تضع ضغطا شديدا على طفلك الذي يعرف في قرارة نفسه أنه لن يقدر على أن يكون عنيفا لفظيا أو بدنيا مع المُتنمِّر.

  

بدلا من هذا، انصحه بالهدوء التام، وأن يكبح أي رد فعل عاطفي من غضب أو بكاء أثناء وقوع التنمُّر. فالمُتنمِّر يفعل كل ما يفعله لهذا الغرض بالضبط، أن يُظهِر طفلك بمظهر الضعيف الذي دفعه هو للدموع، مما يُرضي غروره ويشعره بالسيطرة، ويُبرزه أمام الآخرين كشخص قوي ومُتحكِّم لا ينبغي العبث معه أو مضايقته. بعدها، عليه أن يخبر المُتنمِّر بنغمة آمرة وقوية وبصوت غير مهزوز ولا مُرتبك بأن يتوقف، ثم يترك المكان ويبتعد. وعليه أيضا أن يبدو غير مهتم ولا مكترث، يمكنه أن يمسك بجواله أو أي كتاب من الكتب ويأخذ في التقليب فيه حتى يوصل تلك الرسالة بشكل واضح، ويمكنه أيضا أن يستخدم سماعة الجوال ويضعها في أُذنه حتى يعلم المُتنمِّر أن كل ما يفعله بلا جدوى، وأنه لا يسمعه من الأساس. مع الوقت، سيتوقف التَنمُّر على طفلك من إرضاء غرور المُتنمِّر، وسيتركه وشأنه بحثا عن ضحية أخرى.

 

من المهم أيضا أن يكون لطفلك ولو صديق واحد مُقرَّب. فبجانب فوائد هذا لصحة طفلك النفسية والاجتماعية، سيحميه وجود طفل آخر لجواره من المُتنمِّر الذي عادة ما يبحث عن أشخاص يبدون وحيدين وبلا أي حماية حتى لا يتكبد عناء الشجار مع أكثر من شخص في الوقت نفسه. إذا كان طفلك ليس اجتماعيا ومهارته في تلك الناحية ليست جيدة، اجعله يذهب إلى بيئات أخرى غير المدرسة توافق اهتماماته مثل التمارين الرياضية أو الدورات الفنية، وهنالك من الممكن أن يجد أطفالا آخرين يشبهونه ويجيد التواصل معهم. علّم طفلك أيضا كيف يبدأ الحديث مع أحد وكيف يجعل الحديث يستمر، فتلك من أهم المهارات الذي سيكون عليه اكتسابها حتى يجد لنفسه أصدقاء.

 

عليك أيضا أن تُعزز ثقة طفلك بنفسه واحترامه لذاته، فالمُتنمِّر يخاف الأطفال الأقوياء الواثقين. يبدأ هذا من علاقتك أنت به، ففيها يجب أن تُظهِر لابنك أو ابنتك حُبا غير مشروط، وتقبل به في كافة الأشكال والظروف. وعليك أن تتجنب تماما التصرفات التي قد تُهين كرامته، مثل الضرب أو التوبيخ أمام الآخرين، فكل هذا سيجرح صورته الذاتية أمام نفسه، ويجعله يعتاد على أن يُهان وهو مكتوف الأيدي. احرص أيضا على تنمية مهارات طفلك وإن كانت بعيدة عن الدراسة، فتميزه في شيء يحبه سيعزز ثقته بنفسه وإيمانه بذاته بشكل كبير. (9)(8)

تقارير متصدرة


آخر الأخبار