انضم إلينا
اغلاق
"الإنسان كدجاجة".. هكذا حولنا التسويق إلى مجرد سلعة

"الإنسان كدجاجة".. هكذا حولنا التسويق إلى مجرد سلعة

إبراهيم هلال

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض
استمع للتقرير

  

في فيلم شارلي شابلن الشهير "الجري وراء الذهب" (gold rush) يجتمع شارلي شابلن برجل سمين "جشع" في كوخ صغير في أعلى الجبل، وقد منعتهما عاصفة ثلجية من الخروج، وكان قد استبد بهما الجوع، فلم يكونا قد تناولا الطعام لعدة أيام، وليس أمامهما من وسيلة للعثور على أي طعام بسبب العاصفة الثلجية، حتى إن شارلي شابلن بدأ في طهو حذائه وشرع في تناوله بالشوكة والسكين، وعندما كان صاحبه السمين لا يكفيه تناول الحذاء الجلدي، فبدأ النظر إلى شارلي شابلن بنظرة اشتهاء واضحة، حتى جعله الجوع في الدقيقة 17 من الفيلم أن يتخيل شابلن في هيئة دجاجة ضخمة، ويبدأ في محاولة اصطياده وذبحه، لكن الأمر لم يتعلق فقط بهيئة الدجاجة التي تخيلها الرجل السمين، بل عندما أفاق الرجل من وهمه قرر أن يأكل شارلي شابلن مهما كانت هيئته دجاجة أو إنسانا.

   

    

صوّر ذلك الفيلم وهذا المشهد عالمنا اليوم، حيث أصبح الإنسان مثل الدجاجة ومثل عبوة المياه الغازية، الجميع سلع تُباع وتُشترى، ولم يعد هناك إلا منطق السوق والاقتصاد والتقانة، وإذا جمعتك المصادفة برجل أعمال أو مستثمر أو حتى شاب في منتصف العشرينيات من عمره في مكان جميل على شاطئ البحر فإذا به يقول لك: "إن هذا المكان رائع لإقامة فندق خمسة نجوم، أو إذا اصطحبته إلى تايلاند وصادفتما في الطريق فتاة جميلة في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة من عمرها قال لك إن هذه الفتاة يمكن أن تصبح مصدرا رائعا للربح لو استُخدمت في بيت للبغاء". (1)

  

هكذا أصبح التفكير السائد هو تفكير البيع والشراء، وكيف تُسَوِّق نفسك، أي تصبح بائعا ومستثمرا، ليس فقط بشكل تجاري، بل بشكل ذاتي، تردد كلمات سطحية قصيرة مقتطعة من عدة سياقات تتحدث عن أهمية العمل والنجاح فيصفق لك الجميع، وكيف تنجح في تسويق نفسك فتصبح "مسوقا محترفا" مثل عناوين بعض الدورات التعليمية في السوق، لتصبح قادرا على بيع أي شيء وأي سلعة مهما كنت غير مقتنع بها، بل تصبح قادرا على بيع ذاتك نفسها، فتوهم الجميع أنك شخص ناجح وخارق للعادة وتفهم في كل شيء، كما قال الراحل أحمد خالد توفيق: "المهم في مصر أن تبدو ليس أن تكون"، وكيف أثّر هذا التفكير على كل مناحي الحياة والثقافة، حتى أصبحنا جميعا نفكر بالمنطق نفسه، منطق السوق والربح والخسارة والبيع والشراء.

     

حضارة السوق.. كل شيء أصبح قابلا للبيع

في 13 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، تعرض موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك للاختراق، حيث نقلت شبكة "CNN" عن إدارة "فيسبوك" إن قراصنة استطاعوا الوصول إلى قرابة 30 مليونا من أرقام الهواتف وعناوين البريد الإلكتروني لهؤلاء المستخدمين، واصفة ما حدث بأكبر اختراق أمني في تاريخ هذه الشركة، وأضافت الإدارة أنَّ القراصنة تمكّنوا أيضا من الوصول إلى تفصيلات حسابات 14 مليونا من المستخدمين، تخصّ المناطق التي يعيشون فيها، وعلاقاتهم الخاصة، ودياناتهم، مما دفع إدارة "فيسبوك" إلى إتخاذ إجراءات غير مسبوقة لتسجيل حسابات 50 مليون مستخدم، وخروج 40 مليونا آخرين. (2)

     

   

لكن الأغرب هو ظهور تلك البيانات المسروقة معروضة للبيع على الشبكة المظلمة (3)، فبدلا من أن تقوم شركة "فيسبوك" ببيع بيانات الأعضاء لشركات التسويق والمنتجات والإعلانات، قام القراصنة بفعل الأمر نفسه، ففي كلتا الحالتين يتم بيع بيانات المشاركين في الموقع لتلك الشركات، بجانب تحول البيانات الشخصية للإنسان إلى سلع للبيع، تتحكم الإعلانات في سياسات "فيسبوك"، ودائما ما يجد المتصفحون لموقع "فيسبوك" إعلانات لها علاقة ببحثهم واختياراتهم وما يقرأونه ويشاهدونه على شبكة الإنترنت، حيث أصبحت الإعلانات واقتصادها يتحكمان في أمزجة الناس واختياراتهم.

 

بيد أن هذا الأمر ليس جديدا، فالجمهور كان دائما مجرد سلعة للبيع، أنا وأنت وجميعنا يتم استغلالنا من قِبل شركات الإعلانات، لكن القصة ليست مجرد إعلانات، بل هي ثقافة كاملة يتم دائما الترويج لها حتى أصبحت شيئا عاديا، وأصبح السوق هو من يتحكم في كل شيء، ليس فقط وسائل الترفيه وإعلانات التلفاز وفيسبوك ويوتيوب، بل حتى المقالات التي نقرأها والكتب التي نشتريها كل شيء يتحكم فيه السوق أو على الأقل يكون السوق دائما أولوية قصوى لأن منطق الربح والخسارة سيطر على كل شيء. (4)

 

حدث ذلك أولا في الصحف، عندما اكتشف مصدّرو الصحف أن الجماهير "تفضل الجرائد ذات العناوين المثيرة والمكتوبة بخط كبير، والجماهير تحب أن ترى الصور أكثر مما تحب أن تقرأ الكلام، والجماهير تحب إذا كان المقال في موضوع علمي أن يكون مبسطا للغاية، وإذا كان في السياسة أن يكون مثيرا وحماسيا، أما الأخبار، فالأفضل منها هو ما تعلق بالفضائح وأسرار الناس، أما القصص فأفضلها قصص الحب والجنس". (4)

     

   

وكان من أوائل الصحف الأميركية التي اكتشفت هذا الاكتشاف صحيفتان تصدران في نيويورك هما "الجريدة" (journal)، و"العالم" (world)، وقد دخلتا في منافسة حادة في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر في جذب الجماهير، "فنشرت إحداهما قصة مسلسلة ومصورة بعنوان "الطفل الأصفر" (the yellow kid) حققت نجاحا جماهيريا باهرا، "ثم انتشرت الموضة الجديدة في جميع الصحف في الولايات المتحدة الأميركية ثم أوروبا، وعُرفت منذ ذلك الحين بسبب قصة الطفل الأصفر باسم "الصحافة الصفراء"، وهكذا جعل قانون العرض والطلب الصحافة الصفراء تتصدر المبيعات بسبب زيادة عدد القراء، وانخفاض مستوى الأمية، وحب كل ما هو مثير وسهل وسريع. (4)

 

لكن عندما زاد عدد القراء وبالتالي عدد المبيعات حدث التطور الأخطر في عالم الصحافة على مستوى العالم، وهو الأمر الذي سينتقل إلى كل مناحي الحياة فيما بعد، "فبدلا من أن تقوم الصحيفة ببيع أخبارها ومقالاتها وصورها للقراء، بدأت الصحيفة في بيع قرائها للمعلنين، فالصحيفة عندما يبلغ مستوى انتشارها حدا معينا يمكنها أن تعتمد في تحقيق الربح ليس على قارئ الجريدة كقارئ، وإنما كمشترٍ لسلع أخرى كثيرة، ومن ثم فهي الآن قادرة على تقديم خدمة أعلى ثمنا وأكثر ربحا". (4)

 

يحكي جلال أمين عن الجرائد في زمانه فيقول: "ترتب على ذلك أن أصبح القارئ المسكين يشتري الجريدة فيقلب صفحاتها فإذا به يجد المنشور من الأخبار والمقالات لا يتجاوز رُبع أو عُشر مساحة الصفحة، بل وقد يجد الصفحة بأكملها وقد احتوت على صورة لسيارة أو علبة سجائر إلى جانبها صورة امرأة جميلة تهم بركوب السيارة أو تشعل سيجارتها. إنه ليس من أجل هذا بالطبع دفع ثمن الجريدة، ولكن هذا في نهاية الأمر هو ما يحصل عليه، ومن أجل تمرير هذه الخدعة لا بد أن تحمل الصفحة الأولى عناوين مثيرة". (4)

    

  

وهذا التحول الكبير في منطق التفكير الذي بدأ ينحاز بشكل كامل للسوق، هو ما دفع "كارل بولاني"، العالِم في علمي الإنسان والاجتماع، أن يكتب كتابا اشتهر وذاع صيته في القرن العشرين، بعنوان "التحول الكبير" (the great transformation)، ويعلق الدكتور جلال أمين قائلا: "لم يكن هذا التحول أو الانقلاب في رأي بولاني هو ظهور الرأسمالية، ولا هو النمو المتسارع في الصناعة، ولا التقدم الكبير في العلوم التكنولوجيا.. بل هو ظهور نظام السوق.. وبداية شمول عملية البيع والشراء لأشياء لم تكن من قبل تخضع إلا لماما للبيع والشراء، فجميع الأشياء تصبح شيئا فشيئا قابلة للتسعير وقابلة للبيع في مقابل كمية من النقود". (5)

  

وبعد ظهور كميات ضخمة من المنتجات والسلع، ولكي يضمن المنتج أو الشركة أن هذه السلع سيتم شراؤها من قِبل المستهلكين، يقول أمين إن عليه أن يحوّلهم جميعا إلى دجاج يسهل التهامه كما في فيلم "gold rush" لشارلي شابلن، ومن المفيد لتلك الشركات أن تقوم "بتفكيك الفرد من أسرته ومن أمته ومن بيئته، باسم الفردية مرة وباسم الحرية الشخصية مرة، وباسم التنوير مرة، وباسم النسوية وتحرير المرأة مرة. وهذا كله يصور لنا على أنه نتاج حضارة إنسانية عامة يلزم الجميع باتباعها لأنها تستجيب لنوازع طبيعية في الإنسان، ومن ثم فإن انتشارها حتمي لابد من الخضوع له " (6)

 

وأصبح فن "التسويق" من أكثر الأنشطة الاقتصادية رواجا وإدرارا للربح، ثم ظهر "علم التسويق"، وأصبح الرسام أو الموسيقي أو المغني أو الممثل "لا يجد عملا أكثر ربحية من عمله في خدمة التسويق، "وظهرت صناعة الإعلانات كصناعة ضخمة تحرك كل شيء، وأصبح التفنن في البيع "وقيام شخص بإقناع شخص آخر بشراء شيء لم يكن يشعر أصلا بأي حاجة إليه" علما وفنا وصناعة قائمة بذاتها، بل أصبح عمل "المبيعات" والعمل كبائع ثم التدرج لمنصب رجل أعمال أو صاحب شركة أو موظف كبير في شركة مبيعات المثال الأمثل للشباب في أيامنا، ثم ظهر في الفترة السابقة التسويق الشبكي، وهو نوع من التسويق لا يدور حول منتج وإنما نحو إقناع أكبر قدر من الأشخاص بالعمل في التسويق، وهو عمل يقوم فقط على غريزة الجشع وحب الثراء واللهث وراء المال عن الإنسان.

   

 فكيف أصبح البائع وفنونه من إقناع وخطابة وتفاوض هي الوظيفة الأكثر جاذبية في عصرنا؟

  

  

  

الكفاح من أجل العبودية

بجانب كنيسة هارموني، ولاية ميزوري، عام 1902، مدينة صغيرة جدا على الخارطة، تقع على سهل فيضاني على بعد مئات الأميال من مدينة كنساس سيتي. كان هناك طالب في المدرسة الثانوية ذو خلق حسن ولكنه كان دائم القلق، اسمه ديل، شاب نحيل وغير رياضي وعبوس، وكان ابنا لمربي خنازير فقير. كان ديل يحترم أبويه ولكنه يخشى أن يصبح فقيرا مثلهما. (7)

 

وفي أحد الأيام أتى متحدث من شوتاكوا إلى بلدة ديل، وكانت شوتاكوا هي حركة أُسست عام 1873 ويقع مقرها شمال ولاية نيويورك، وترسل متحدثين موهوبين إلى كافة أنحاء البلاد ليلقوا محاضرات عن الأدب والعلوم والدين، وكان هؤلاء المتحدثون يمتلكون فن الخطابة والقدرة على إبهار الجمهور، لكن كان هذا المتحدث خاصة هو من أسر قلب الشاب ديل حين تكلم عن حكايته الشخصية عن الانتقال من الفقر المدقع إلى الثراء، فقد كان مثل ديل صبيا متواضعا نشأ في مزرعة، وكان ذا مستقبل بائس، ولكنه طور أسلوب تحدّث ينم عن سحر الشخصية، وأصبح محور الاهتمام في شوتاكوا. (7)

 

وعندما ينتقل ديل بعد بضع سنوات إلى مزرعة على بُعد ثلاثة أميال خارج وارينزبيرغ في ولاية ميزوري، بحيث يستطيع الذهاب إلى الجامعة هناك بدون دفع نفقات الإقامة والطعام، يقرر أن يكون خطيبا مفوها، وبدأ في التدريب الشاق، وخوض المسابقات إلى أن أثمرت جهوده، وأصبح بطل الخطابة في الحرم الجامعي حينذاك. (7)

  

وبحلول الوقت الذي يغادر فيه ديل الجامعة في عام 1908، بدأت الشركات الكبرى في أميركا تزدهر: هنري فورد يبيع سياراته كما يباع كعك العيد، وتحت شعار "من أجل العمل ومن أجل المتعة" أصبحت أسماء الشركات تلمع مثل مصابيح الكهرباء التي أمست تضيء منازل الطبقة الوسطى، وبدأ الاقتصاد الجديد يدعو إلى نوع جديد من الأشخاص، مندوب مبيعات وأخصائي اجتماعي وشخص بشوش، ومصافح بارع، وبدأت الحاجة إلى القدرة على إنشاء علاقات جيدة مع الناس، لإقناعهم بالشراء، وبدأت تظهر قيم التنافس والتفوق والتألق . (7)

   

  

فينضم ديل إلى صفوف مندوبي المبيعات الآخذة بالتزايد، منطلقا إلى طريق الثراء، لا يملك إلا قدرته على الكلام بفصاحة، و بعد عدة سنوات من بيع لحم البقر لشركة آمور وشركاه، بدأ بتأسيس عمله الخاص كمعلم للخطابة ليصبح "ديل كارينجي" صاحب الكتاب الشهير "دع القلق وابدأ الحياة". وتدلنا قصة تحول "ديل كارنيجي" من فتى مزرعة إلى مندوب مبيعات ورمز للخطابة إلى قصة نشوء المثل الأعلى للموظف والبائع في عصرنا الحديث، فقد "عكست رحلة كارينجي تطورا ثقافيا بلغ نقطة تحول حاسمة حول منعطف القرن العشرين، ما غيّر للأبد من نكون وبمن نعجب، وكيف نتصرف في مقابلات العمل، وما الذي نبحث عنه في أي موظف، وكيف يتودد الأزواج لبعضهم البعض، وكيف نربي أولادنا. لقد تحولت أميركا إلى ما سماه المؤرخ الثقافي وارين سوسمان من ثقافة الطبع إلى ثقافة الشخصية وفتحت صندوق باندورا للهموم الشخصية التي لم نتعاف منها مطلقا". (7)

        

وتعلق سوزان كين صاحبة كتاب "الهدوء" قائلة: "في ثقافة الطبع كانت الذات المثالية جدية ومنضبطة وشريفة. وما كان يهم ليس الانطباع الذي يتركه الشخص علنا بقدر ما كان كيف يتصرف الشخص في السر. ولم تكن كلمة شخصية موجودة في اللغة الإنجليزية حتى القرن الثامن عشر، ولم تنتشر فكرة (امتلاك شخصية جيدة) على نطاق واسع حتى القرن العشرين".

   

وتضيف: "ولكن عندما تبنوا ثقافة الشخصية، بدأ الأميركيون بالتركيز على كيف كان الآخرون يصورونهم، لقد أصبحوا مفتونين بالأشخاص الذين كانوا جريئين ومسلين، وقد كتب سوسمان: كان الدور الاجتماعي المطلوب من الجميع في ثقافة الشخصية الجديدة هو دور الممثل، وكان يتعين على كل أميركي أن يصبح ذاتا منجِزة".

 

وتكمل: "كما تلقى الأميركيون نصيحة بشأن التقديم الذاتي سواء أحبوا ذلك أم لا من قطاع الدعاية والإعلان، في حين أن الإعلانات المطبوعة الأولى كانت عبارة عن إعلانات مباشرة للمنتجات، فإن الإعلانات الجديدة التي تعتمد على أساس الشخصية تتصور المستهلكين على أنهم ممثلون لديهم رهبة من الوقوف على خشبة المسرح، والتي لا يمكن أن ينقذهم منها سوى منتج المُعلِن، وقد ركزت هذه الإعلانات على الإبهار المزعج للاهتمام الجماهيري". (7)

  

وهكذا ظهر الموظف المكافح ذو البذلة الأنيقة التي يجب أن يرتديها مهما كان فقيرا، لأنه يجب أن يستوفي معايير السوق في كل شيء، في الملابس والكلام والمشي والجلسة، وهو عليه أن يفعل كل ذلك إذا كان يريد أن يسوق نفسه للشركات ورجال الأعمال، ليصبح عبدا للسوق باختياره، يكافح ليحسن مقام عبوديته ويترقى في وظيفته التي يلهث من خلالها نحو وهم يسمى "النجاح"، وقد ألمح الدكتور جلال أمين لذلك الأمر حين قال: "أما الآن فهم يقبلون القهر دون أن يعرفوا حقيقته، فإذا كان يمكن تصوير مراحل التاريخ السابقة في صورة رجل يجر ساقية بدلا من الثور، وكلما توقف ضُرب بالسوط فيضطر الى الاستمرار في السير، فإن الصورة في الحالة الثانية هي صورة رجل يجر الساقية وقد علقت أمامه جزرة أو ثمرة يشتهيها ولكنه لا يبلغها أبدا، فكلما اقترب منها ابتعدت عنه". (8)

     

   
طريق الوصول للنجاح.. أو كيف تكون "عيّل يشرف"؟

في عصرنا الحالي، عصر الثقافة الأميركية، أصبح رجل الشارع محدود الثقافة والتعليم هو الشخصية الأبرز في جميع وسائل الإعلام، "رجل ترضيه القصة البسيطة، ويستهويه تتبع أفلام الجريمة وأخبار الفضائح والكوارث ما دامت تحدث لغيره، يحب السياحة ومشاهدة متحف اللوفر وأهرامات مصر، ولكن لا صبر له على معرفة التاريخ أو التعمق فيه، يفرح بالسيارة الكبيرة كما يفرح الأطفال، ويقبل أكثر ما يتلقاه عن طريق التلفزيون أو الجرائد اليومية دون أي شك في صحة ما يسمع وما يقرأ. هذا الرجل العادي يمثل غالبية سكان العالم في كل بقاع الأرض، فقد نجحت الحضارة الأميركية في الوصول إليه وإشباع تطلعاته". (9)

  

ويذهب جلال أمين إلى أن الملامح الأساسية في تلك الثقافة هي "التماثل الرهيب في أنماط السلوك والتفكير، وانتشار الموضات، وخضوع المستهلك خضوعا مستمرا لحملات الدعاية والإعلان، والهالات التي تحيط بنجوم السينما ورجال السياسة أو البطل بشكل عام"، لكن هذا البطل يجب أن يكون وفق معايير السوق، لذلك يجب أن يردد دائما أن الطريق الأمثل للنجاح هو الكفاح وفق النمط الحالي من السوق حتى تنال نصيبك منه، فالنجاح بالنسبة له هو فقط المنصب والمال والجاه ورحلة الشقاء المكللة بالنجاح، بغض النظر عن طبيعة العمل أو سياقه أو من المستفيد وراءه.

    

  

الشاب في هذا الفيديو يروج لصورة حديثة من النجاح ليس لها أي علاقة بالسياق السياسي أو ما يعانيه الناس من الفقر والعوز بسبب السياسات الرأسمالية، وليس له علاقة بالتاريخ، ولا هو يفهم حتى كيف تهيمن الشركات متعددة الجنسيات على الاقتصاد وتستعبد الموظفين وتجعلهم يتنافسون مع بعضهم بعضا تنافسا غير إنساني يقترب إلى صراع الحيوانات على الفريسة، بل هو يستخدم آيات قرآنية ويوظفها داخل سياق حديثه، فيُسقط آية "وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا" على الشاب الذي يسعى للنجاح، وهكذا أصبح كل شيء، حتى الآيات القرآنية، يمكن أن تُقتطع من سياقها وتُستخدم في تسويق الشخص لنفسه. لكنه قبل هذا يجب أن يظهر في صورة البطل الذي عانى وكافح ليصل لوظيفته.

    

حسام هيكل، نجم مواقع التواصل الاجتماعي، والذي يقدم نصائح للشباب ويصف لهم الوصفات الأمثل للنجاح، مثله مثل غيره، يعتمد على الطرق الحديثة للتسويق، ويروج لهم أن عبودية الوظيفة هي الشكل الأمثل للنجاح، وعلى طريقة نجوم السينما، يسوق هذا الشاب نفسه قبل أي شيء: الشاب الناجح المكافح المتفوق الوسيم الثري، ويجد في الشباب ضعيف الثقافة والوعي الساعي للنجاح والتفوق جمهورا شاسعا، يدفعه لأن يلقي عليهم مزيدا من النصائح، التي تجعلهم لاهثين نحو الثراء، لكن هذا الشاب الذي يدعو جمهوره للسعي والكفاح لم يحكِ القصة الحقيقة عن تلك الشركات التي تُعلِّم موظفيها الجشع، حتى يصبحوا على صورة الرجل السمين في فيلم "gold rush" لشاري تشابلن، جاهزين لالتهام أي شيء.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار