انضم إلينا
اغلاق
النسوية الجديدة.. كيف وضعت المرأة تحت مذبح السوق؟

النسوية الجديدة.. كيف وضعت المرأة تحت مذبح السوق؟

مزنة حسناوي

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض

اضغط للاستماع


"لا يمكن لرجل أن يسمي نفسه ليبرالياً، أو حتى محافظا يطالب بالعدالة، إذا كانت الخدمات التي تقدمها له المرأة في المنزل أو العمل تتم دون مقابل مادي.

غلوريا ستينم - رائدة في الحركة النسوية

عقب انتهاء الحرب الأهلية الأميركية في ستينيات القرن التاسع عشر، وفي ظل الفوضى التي خلفتها تلك الحرب، بدأت الأرض الأميركية تفرز حركات تحررية بهدف الدفاع عن الحقوق المدنية لمختلف أطياف المجتمع، منادين بتطبيق المساواة استنادا لدستور الولايات المتحدة الأميركية الذي أنتجته تلك الحرب. حراك أثمر عنه في أحد أوجهه ما يُعرف بالحركة النسوية، والتي استندت في جوهرها على المطالبة بالمساواة بين الرجل والمرأة، وهو ما تبعه انخراط متزايد للنساء في أسواق العمل، ولتفرز تلك الأرض الخصبة في هذه الحقبة المضطربة على التوازي منه ثورة على العلاقات الجنسية وما يرتبط بمفهوم الأسرة، كما امتد ذلك بظهور حركات تنادي بحقوق المهمشين والمهاجرين والشواذ والمتحولين جنسيا[1].

وفي هذا السياق تحديدا، طالبت الحركة النسوية باحترامها كحركة ذات هوية منفصلة ومختلفة عمّا هو سائد في المجتمع، وبدأت مباشرة بالتوجه نحو نقطتها المركزية: المساواة ما بين الرجل والمرأة في العمل والمحاكم والتعليم [2]. هوية مستقلة دعت النسويات المجتمع لاحترامها وفق مبدأ "التعددية الثقافية" وفقاً لفوكوياما، وهو المبدأ الذي عادة ما يرتكز عليه اليسار في معظم تحولاته، إلا أنه وعلى غرار اليسار الثوري المتمرد على السلطة، فقد سعت الحركة النسوية في أميركا للاستعانة بالدولة ذاتها لتحصيل حقوق النساء عبر الخدمة الاجتماعية[3].

الناشطة في حركة النسوية الراديكالية، غلوريا ستينم (مواقع التواصل )


تلك التحولات التي شهدتها أميركا والتي انضوت تحت السلطة، توازت على الصعيد الدولي مع صعود الدول الشيوعية، والتي وعدت بالتحرر المطلق من قيد الرأسمالية، وعودٌ ما لبثت مع نهاية القرن العشرين، وتحول أنظمة الصين والاتحاد السوفيتي إلى دكتاتوريات، واندماج طبقة العمال بالطبقة الوسطى في معظم الديمقراطيات الصناعية وتحسّن ظروفهم المعيشية، ما لبثت أن دفعت الاشتراكيين للتخلي عن المناداة بالقيم الشيوعية وإسقاط الملكية الخاصة، كما كشفت عن فشل النسوية واليسار الديمقراطي في تحقيق دولة رفاه. ومع التضخم وفشل برامج توزيع الثروة وتقلص الاقتصاد الكلي، واستمرار عدم المساواة، وتحول اقتصاد الصين نحو اقتصاد السوق بعد عام 1978 وانهيار الاتحاد السوفيتي في 1991، كان النسوية والديمقراطيون الاشتراكيون مجبرين على التقارب مع الرأسمالية [4].

نسوية رأسمالية؟
في ظل تحطم وعود الاشتراكية وما تلاها من حركات تحررية على صخرة الرأسمالية، بدأ يتحرك تيار من من النسوية باتجاه التماهي مع دوامة رأس المال، مزيحا عن عاتقه التركيز على الوعود الحقوقية الأساسية للحركة النسوية والتي استندت في جوهرها على الحقوق الاقتصادية والسياسية، لتتبنى صيغة أكثر تماهيا مع أيديولوجيا النيوليبرالية، والتي تؤمن مسبقاً بتحكم السوق، ومن ثم تضع خياراتها وفقاً لتلك القواعد المسبقة، وتصطبغ ببعد أيديولوجي يحميها. وهو ما عبّرت عنه "ستيكن" بقولها "إنّ النسوية النيوليبرالية هي النسوية السائدة في المجتمع الأميركي، فهي نيوليبرالية ترفع شعارات براقة، وهي سهلة الانقياد وخانعة لمتطلبات اقتصاد النيوليبرالية، إنها نيوليبرالية ضعيفة إلى حد كبير [5]. "وتضيف أن هذه النسوية تشجع المرأة على تحقيق ذاتها بناءً على "قيم جوهرية" مثل الريادة والاعتماد على الذات والحق في العيش بسعادة.

وفي ظل هذا التماهي النسوي مع ما تتطلبه هيمنة السوق، تراجع بصورة حادة اهتمام الحركة النسوية بالإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية في تحقيق المساواة ما بين الرجل والمرأة، فيما تركزت جهودها على قضايا الهوية والجنس والتعددية الثقافية. ويتمثّل هذا بتأكيد البُعد الهوياتي للحركة النسوية وفقاً لفيليس شالفلي، المعروفة بمواقفها المناهضة للحركة النسوية، حيث قالت "إن النسوية الراديكالية التي تهيمن على ثقافة الحرم الجامعي هي الأساس الذي ينبغي أن تُبنى عليه الصوابية السياسية" [6]، أي أن الحركة النسوية لم تسعَ فقط لعرض آرائها ضمن ما هو مطروح، بل سعت لاحتكار الصوابية السياسية، أي الحقّ في تعريف وتحديد ما هو صواب من عدمه.

 محامية وناشطة سابقة في الحزب الجمهوري الأمريكي، فيليس شلالفي   (مواقع التواصل )

 
وفيما يدعو خطاب النسوية لتحرير النساء وتمكينهنّ، يغفل في الآن ذاته شرائح من مختلف طبقات المجتمع من السود والمضطهدين والمشردين والمسحوقين في العالم الثالث. إذ تنعم النساء الأرستقراطيات بخيرات سحاب الحركة النسوية بعيداً عن مآسي عالم نساء الطبقة العاملة. وبهذا ترتقي الأرستقراطيات السلّم الوظيفي وينتهي بهنّ المطاف في مناصب عليا، في الحين الذي تنظر إليهنّ النساء الأفقر بحسرة دون أملٍ بارتقاء درجة منه. ومصداقاً  لهذا، أشارت كالكين إلى  أن النسوية تواجه اتهامات بالانحراف عن مسارها.

لكنّ الخطاب النسوي خيّب آمال الكثير من النساء واصطبغ بصبغة اقتصادية، ليسخّر نفسه في خدمة سوق العمل ويسلّم رقاب النساء لمقصلة المؤسسات النيوليبرالية. خطاب يُقصي كافة الفئات المهمشة الأحق بالرعاية، بدءًا من النسوية السوداء ونسوية العالم الثالث والنسوية الغرائبية *.

ولعلّ المتابع يرى أنّ خطاب النيوليبرالية لا يعدو كونه نسخةً تختلف في الصياغة لا المضمون عن خطاب النسوية، إذ يروّج كلاهما لقضايا التوظيف واستقلالية الدخل والمطالبة بسوق حرة. إنّ حملات الحركة النسوية الداعية لتمكين المرأة في سوق العمل تضع سياسات النيوليبرالية في قالب أخلاقي محبّب، وتعمل على تدجين المرأة بحيث تمتنع عن مناهضة التمييز المجتمعي والالتفات "للحرب مع مخاوفها"، إذ ينبغي عليها الاعتماد على ذاتها وحسب لتحصيل حقوقها [8]. وتؤكد روتينبيرغ "أن النسوية النيوليبرالية تشجع النساء على الالتفات لهمومهن الفردية وطموحاتهن لتثبيت مكانتها في السوق برعاية الرأسمالية النيوليبرالية التي تتبنى خطاباً إقصائيا يتفاخر بأنه لا يأبه لمصير سوى النساء الأرستقراطيات، في صورة تعيدنا إلى ما قبل قيام الموجة الأولى من الحركة النسوية، حيث كانت تصبّ المكتسبات في مصلحة البيض والطبقات الاجتماعية الميسورة والمعيارية الغيرية** وأجندات المحافظين الجدد" [9].

القيادية النسوية إيميلين بانكيرست تخطب ضمن احتجاجات موجة النسوية الأولى "سفرجيت" (مواقع التواصل )


فلم تمنع الإصلاحات القانونية وزيادة فرص العمل وتقديم الحماية القانونية للمهمشين، أن تبرز التمايزات بين المجموعات عن بعضها البعض في سلوكها وأدائها وثروتها وتقاليدها وعاداتها، وتنامى التحيز والتعصب بين الأفراد، فيما استمرّت معاناة الأقليات من التمييز والإجحاف وعدم الاحترام وعدم الاعتراف بها. وبدأ أنّ الجمع ما بين العمل والدراسة والإنجاب ترفاً لا تحلم به المرأة العاملة، حيث تحولت الحركة النسوية لتحصيل حقوق الثريات دون غيرهن، الثريّات أنفسهنّ اللواتي قامت النسوية في سياق نشأتها الأولى للتنديد باحتكارهنّ فرص التعليم والثقافة والعيش برفاهية. وخلافاً لما يروّج له الخطاب النسوي، تواجه المرأة أصنافا متعددة من التمييز في سوق العمل، من أجر منخفض، وعدم الحصول على إجازات مدفوعة الأجر عند الحمل والإنجاب، والتحرش من قِبل زملائها ومديريها، الذين يستغلون خشية المرأة من الفضيحة وتواطؤ المجتمع على تحميل المرأة العبء الأكبر، مما يمنعها من الوقوف في وجههم أو المطالبة بحقها. يبدو إذا أنّ النسوية فشلت رغم مساعيها الكبيرة في تحصيل حقوق بسيطة، الأمر الذي ينعكس سلباً على المرأة العاملة وحياة عائلتها ككل [10].

النسوية النيوليبرالية.. من التحرر إلى تمكين المرأة
في هذا السياق النيوليبرالي، تصدر تيار عريض من رواد الحركة النسوية دعاوى تحرير المرأة ومنحها أبسط حقوقها بالتركيز على مفهوم "تمكين المرأة"، وذلك باعتبار استقلال المرأة المادي هو السبيل الوحيد لتحريرها، بالتالي فإنها تستغني بذلك عن التشاركية مع الرجل، أباً أو أخاً أو زوجاً، وعوضا عن العمل على تعزيز التعاون بين الرجل والمرأة في مختلف شؤون الحياة، فإن التوجه النسوي أصبح مستندا على منع التدخل في شؤون حياة المرأة، ولعلها تقرر السفر أو الانتقال للسكن في بيت مستقل، وفي حال وقع خلاف بينهما فإن الدولة ومنظمات المجتمع المدني والمنظمات غير الربحية والمؤسسات غير الحكومية تهرع لـ "دعم" هذه المرأة المعنفة وتوفير مأوى لها، وربما تشجيعها على طلب الطلاق، وفي هذا السياق تحديدا ظهرت شعارات تدعو إلى اعتبار الرجل "فردا يمكن الاستغناء عنه".

وبعد أن كانت شعارات النسوية الأولى تستقطب الجماهير وتحشد الجهود في وجه السلطة التي تجعل امتلاك رأس المال حكراً على الرجل وتحرم المرأة منه، غدا تركيزها على دعوة المرأة للتصالح مع النظام الرأسمالي الذي لا يرى فيها وفي الرجل إلا جنوداً يوظفهم للإبقاء على المصانع قائمة، وإنتاج المزيد من البضائع بأقل تكلفة، مقدماً لهما فتاتاً لا يكاد يكفيهما قوت يومهما[11].

غلاف كتاب النيوليبرالية، تأليف جولي ويلسون  (مواقع التواصل)


وبناءً على اهتمام خطابات النسوية مؤخراً بنجاح المرأة على الصعيد الاقتصادي، ظهر مفهوم "اقتصاديات النسوية". وبذلك صيغ المفهوم الجديد: "النسوية النيوليبرالية" [12]. حيث يرى هذا التيار أنّه على النساء دفع ثمن تمكينهنّ بتسليم زمام حياتهن لقوانين رأس المال الذي يحكم حياة الإنسان الحديث [13]. يقول كونور: "وهذا يعني مطالبة النساء بالخضوع لإملاءات السوق فيما يخص قرار الإنجاب بدلاً من دعوتهنّ لتحدي تلك القيود، حيث يدعين لثني أنفسهن إلى الأمام (Lean In). (المترجم: هو مفهوم يحث النساء على تحدّي أنفسهن ومواجهة الصعاب عن طريق المثابرة والكفاح الفردي، عوضا عن الاتكال على التكافل الاجتماعي)" [14]

يأتي ذلك في سياق يضع الكفاح الاقتصادي الفردي كأولوية على حساب متابعة النضال والمناداة بتحسين الظروف المعيشية وتعديل قوانين سوق العمل الجائرة. وهو ما يتناقض تماماً مع دعوات  الرأسمالية من السعي لتحرير رأس المال من سيطرة الدولة عبر تسهيل الملكية الخاصة وحرية الأسواق [15]، وما تدعو إليه النسوية من العمل على تمكين المرأة لتتمكن من تقرير مصيرها، وتأمين حياةٍ كريمةٍ لها عبر العمل.

معاداة النسوية النيوليبرالية للإنجاب
 إنّ التماهي التام مع الخطاب النيوليبرالي، عند عموم المجتمع، ولدى المرأة خصوصا، يعني وضع الكسب المادي في قائمة أولوياتها، ليتراجع الإنجاب والاهتمام بالأسرة ويستقرا في ذيل الأولويات، بصفتهما عائقاً يمنعانها من التفرغ الكامل لسوق العمل. فالنيوليبرالية بحاجة ماسة إلى من يشغلون معاملها وإلى مستهلكين، كما ترغب في التخلص من تكاليف تربيتهم[17].

كتاب صعود النسوية النيوليبرالية من تأليف كاثرين روتينبرغ  (مواقع التواصل )


ويتبادر إلى الذهن عند المرور بمفهوم "مشاريع النسوية العابرة للحدود" مدى التحول الكبير الذي طرأ عليها، حيث تتحرّر من عبودية التمييز في الجنس لتجد نفسها تحت رحمة عبودية أخرى، التمييز وفقاً للطبقة الاجتماعية. إذ بدأت تردد ألسنة النسويات أن الإنجاب بات يُعدّ أنانيّةً وجشعاً، خاصة إن قررت المرأة إنجاب عدد كبير من الأبناء. لقد تعدت سياسات النيوليبرالية إدارة الدولة وحياة الفرد الخاصة لتشكل نمط حياة الأفراد وتدفعهم إلى سوق العمل والريادة كبيادق على رقعة شطرنج. وتجدر الإشارة إلى أنّ كل نشاط فردي قد غدا شكلا من أشكال الريادة. حيث ترى المرأة نفسها المسؤولة الوحيدة عن تحقيق أبسط مقومات العيش الكريم. وسط إغفال للقوانين التي تحافظ على العدالة الاجتماعية والعيش الكريم لجميع النساء المقتدرات وغير المقتدرات، العاملات وغير العاملات، وتصور المواطنة الصالحة على أنها تلك التي تعمل وتكسب قوتها بيدها ولا يعتمد على الدولة في تحقيق عيش كريم [18].

وهو ما يصفه آيزنستاين من سعي المؤسسات المالية العالمية لصنع ما يُدعى نسوية "مهيمنة" بما يخدم مصالحها وأهدافها الاقتصادية، بينما تتغنّى بشعارات براقة من قبيل "محاربة الفقر والتخلف والتعليم والتدريب وتوفير فرص عمل للفتيات والنساء" [19].

تأتي بصمات النسوية النيوليبرالية متجليةً عبر سياسات تأخير إنجاب النساء العاملات، وهو ما يتضح في قول باتريك "لقد انتقلنا من نظرة المحافظين في مرحلة ما بعد الحرب العالمية للمرأة بصفتها أحد أملاك الرجل التي تنحصر وظيفتها في خدمته وإنجاب الأطفال، إلى وعظها بضرورة تأجيل الحمل أطول فترة ممكنة وربما إلى الأبد للنجاح في مسيرتها المهنية. وفي حين يتقدّم الطب الإنجابي حالياً بخطوات هائلة، فإن الإخصاب في المختبر والأدوية التي تعزز الإباضة وتخزين البيض، والتلقيح الاصطناعي تعد عمليات باهظة التكلفة. وبدون نظام رعاية صحية مجاني للجميع، تظل هذه التطورات العلمية متوفرة للأثرياء. ولا تختلف مطالبة النساء بالانتظار لإنجاب أطفال إلى أن يصبح لديهن حياة مهنية ناجحة، وأن يدخرن ما يكفي من النقود، عن وجهة النظر القائلة بضرورة إجبار النساء على البقاء في المنزل وإنجاب الأطفال. فكلتا النظرتين تطالبان النساء بتحدي الطبيعة التي جبلن عليها، ومحاربة رغباتهن الفطرية لتلبية رغبة السوق والمجتمع والنظام الذكوري الأبوي وحتى تيارات تدعي انتماءها للحركة النسوية المزعومة" [20]



تتجه النسوية بذلك لتحقيق المكتسبات الاقتصادية مع إغفال حقوق الأمهات العاملات، تقول ستكين إن شيريل ساندبيرغ لم تخصص في الكتاب الذي شاركت في تأليفه "اثنِ نفسك إلى الأمام: النساء والعمل والرغبة في القيادة" مساحةً كافيةً للحديث عن المصاعب التي تواجهها النساء عند غياب الرجل أو عدم وجود زوج إلى جانبهن. مضيفة أن شركة فيسبوك، حيث تعمل ساندبيرغ، تقدم أحد أفضل بيئات العمل الصديقة للعائلة في الولايات المتحدة، بتقديم مغادرات للآباء العاملين إلى جانب توفير غرف للإرضاع في مقرها الرئيسي في مينلو بارك. لكن يبدو أن ساندبيرغ نسيت أن معظم النساء لا يتسنّى لهنّ العمل في شركة فيسبوك! حيث كانت إحدى أكبر سقطات النسوية النيوليبرالية فشلها في تحقيق حاجات النساء على اختلاف الطبقات الاجتماعية التي ينتمين إليها. لتتلاشى تباشير الحلم الأميركي بتحقيق فرص متساوية إذ تصطدم بواقع تتراجع فيه نسب المساواة باطراد[21].

كما تجبر النسوية النيوليبرالية مئات الآلاف من النساء الأميركيات اللواتي يخضعن لضغط الحاجة المالية على التضحية بدورهن كأمهات، إذ يقضين ساعات عمل طويلة في منزل نساء أغنى منهن، ينظفن ويطهون ويرعين أطفال النساء الموسرات. وبهذا تلبي النسوية النيوليبرالية وعودها بتحقيق حرية النساء بإلغاء ما يمكن أن يُعرف بالسلطة الأبوية، ليتجه نحو نظام آخر يتمثل في سلطة سوق العمل.[22]

"عبودية جديدة؟"

بهذا تظهر النسوية النيوليبرالية وقد أخضعت النساء لسلطة جديدة كما ترى عدة أبحاث، فقد جرّها السوق لتعمل على تحجيم مطالبها، وليخفت صوتها كما ذكرنا سابقا والذي كان منافحا عن حرية النساء في مقابل رفد سوق العمل بالربح والقوة العاملة [24]. كما شكّلت النيوليبرالية خطاباً نسوياً "مهيمنا" يروّج للمساواة في النوع الاجتماعي كسبيل لتحقيق للمواطَنَة الصالحة، وذلك عبر مشاريع تجمع ما بين المؤسسات الحكومية والشركات الخاصة. ومنها شراكة نايكي مع البنك الدولي، والأمم المتحدة مع كوكا كولا، والأمم المتحدة مع موبايل إيكسون [25]. وهو ما يعدّ مؤشر على بزوغ شمسِ عصرِ اقتصاديات النسوية التي تستثمر في الفتيات والنساء كوسيلة مثلى لمحاربة الفقر والمرض [26].

يقول مختصون بدراسات المرأة والتنمية (WID) إن عدم إعطاء النساء حقوقهن الاقتصادية، قد نتجت عنه دراسات التنمية والجندر (GAD). كما أن دراسات التنمية والمرأة تعمل على تحجيم نشاط النسوية بحيث لا يعيق قرارات البيروقراطية وصانعي القرار الذي يتحكمون بقواعد سوق العمل ومساراته، حيث تدعو هذه الدراسات لتوظيف النساء في سوق العمل "بدلا من تحقيق حاجات النساء الأساسية". وبهذا يتلخّص دور المرأة في تحريك عجلة الاقتصاد ورفد السوق بالأيدي العاملة، في ظلّ غياب الدعم القانوني والاجتماعي لها حال تعرّضها لتعنيف أو إساءة في الأسرة أو في العمل[27].



ويفرض ظهور أشكال جديدة من النسوية تحدياً حقيقياً للحركة، حيث يستشفّ المتابع لها وجود تداخل كبير ما بين أجندات نيوليبرالية تعمل عليها مؤسسات رأسمالية كبرى وما بين أجندات الحركات النسوية [28]. ومن بين التسميات التي صاغها المختصون للتمييز بين أشكال النسوية المتعددة المصطبغة بالسياسات النيوليبرالية : "نسويات سوق العمل" و"ما بعد النسوية" و"مشاريع النسوية العابرة للحدود" [29]

هل حررت النسوية النيوليبرالية المرأة؟

إنّ الإنجازات الاقتصادية التي حققتها النسوية باعتبارها نقطة تسجّل لصالح المساواة في النوع الاجتماعي ليست إلا نجاحاً منقوصاً وفقاً لكالكين، حيث يعادي الفكرة الرئيسية المنادية بـ"المساواة بين الجنسين" الذي تروج له النسوية [30]. فالقوانين الاقتصادية التي تشرّع السياسات النيوليبرالية تؤثر على تماسك ونموّ النسيج الاجتماعي كما تعطّل نضال النسويات في وجه الرأسمالية.

ويمكن تلخيص سياسات النسوية النيوليبرالية في الترويج لعمل المرأة كوسيلة لإخضاعها لقوانين سوق العمل، وذلك عبر النظر للنساء والفتيات كفئة أولى مستهدفة في قطاع التنمية، وما ينبني عليه من تسابق المنظمات والشركات للمساهمة في تمويل المشاريع التنموية التي تستهدف المرأة.

نجحت بذلك النيوليبرالية بنظامها الشموليّ الذي اخترق كافّة مجالات حياة الفرد ونجحت في دكّ حصون الحركة النسوية التي قامت ابتداءً لمواجهة الأنظمة الشمولية كافّة والمطالبة بحماية حقوق المقهورين. ولعلّ معاناة النساء ستزداد مع مرور الزمن وسط جشع الرأسماليين ومالكي الشركات، وطمع الحكومات، وسوء معاملة المجتمع الذي لا يرحم رجلاً أو امرأة، وستسعى الحركة النسوية لإعادة تكييف خطابها مع متغيرات السوق المستمرة، ليبقى مستوى الحرية النسوي مرتبطا بسقف السوق، لا بالحريات الأساسية التي تسعى المرأة لنيلها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

* النسوية الغرائبية: (Queer Feminism): وهي مستلهمة من النظرية الغرائبية: ويعني مفهوم "غرائبي" أن هذه النسوية تشمل الأفراد الغرائبيين، إلى جانب المثليين وغيرهم من الأقليات من مختلف الميول الجنسية. إن ما يميز النسوية الغرائبية أنها تخوض حرباً حقيقية في سبيل القضايا المذكورة أعلاه ولا تكتفي بالإشارة إليها وحسب.

** المعيارية الغيرية: تطبيع المغايرة الجنسية أو الغيرية البحتة أو المعيارية على أساس الغيرية الجنسية (بالإنجليزية: Heteronormatvity) هو الاعتقاد بأن الناس جميعا ينتمون لنوعين اجتماعين فقط مع أدوار طبيعية لكل نوع. يفترض هذا المفهوم أن المغايرة الجنسية هو الميل الجنسي الوحيد السائد والطبيعي وأن العلاقات الجنسية والزوجية تتم فقط بين الذكور والإناث. وبالتالي، يتضمن المنظور التطبيعي للمغايرة الجنسية، انحيازاً للجنس البيولوجي، والجنسانية والهوية الجندرية وأدوار النوع الاجتماعي. 

تقارير متصدرة


آخر الأخبار