انضم إلينا
اغلاق
دورات تأهيل المتزوجين.. هل يمكن للمعرفة منع الحماقات؟

دورات تأهيل المتزوجين.. هل يمكن للمعرفة منع الحماقات؟

  • ض
  • ض

بأرقام قد تبدو متفاوتة، على الرغم من اتفاقها على الدلالة نفسها، تشير إحصاءات الطلاق في الوطن العربي إلى خطر، فعليّ وليس محتملا، يهدد البناء المجتمعي، ويعبّر عن سلسلة من الأخطاء التي تؤدّي في النهاية إلى تلك النتيجة. وفي هذا الانهيار المتزايد في تفكك البنى الاجتماعية، تتصاعد الدعاوى لتأهيل المتزوجين باعتباره أحد ردات الفعل التوعوية لوقف هذا النزيف.

  

فهناك، على سبيل المثال، 6.2 حالة من الطلاق تحدث كل ساعة بالسعودية، وفقا لإحصاءات وزارة العدل في المملكة لعام 2017، أي نحو 150 حالة يوميا، هذا بخلاف المئات من الحالات التي وقعت دون اللجوء إلى المحاكم، كما بيّنت إحدى الدراسات الاجتماعية أن كل 10 حالات زواج يقابلها 3 حالات طلاق، يعني أن ثلث المتزوجين الجدد مطلق أو في طور إجراءات الطلاق[1].

   

     

بينما تأتي مصر في المرتبة الأولى عربيا، وعالميا، حسب آخر إحصائية للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، والتي كشفت عن وجود نحو 198 ألف حالة طلاق خلال عام 2017، بزيادة قدرها 3.2٪ على عام 2016، ويرى الخبراء أن معدلات الطلاق بمصر في زيادة مستمرة، فقد كشفت دراسات سابقة أن هناك حالة طلاق كل 7 دقائق، وأصبحت حاليا هناك حالة طلاق في مصر كل 4 دقائق[2].

  

بينما تسجّل تونس أكثر من 1200حالة طلاق شهريا، وفقا لوزارة العدل التونسية، أي نحو 4 حالات كل 3 ساعات[3]، وهو ما يفوق أضعاف الحالات في الإمارات التي تأتي في القائمة بأربع حالات يومية، بارتفاع ملحوظ في نسب الطلاق التي سُجّلت من 2012 حتى 2014[4]، تبعها انخفاض ملحوظ في عام 2016.

  

وفي أقصى الشرق العربي، تزداد نسبة الطلاق العراقي، حسب السلطة القضائية الاتحادية بالعراق، في السنوات العشر الأخيرة بواقع 52 ألف حالة طلاق تقريبا في الأعوام الأخيرة[5]، وهو قريب من الرقم الذي أعلنته وزارة العدل الجزائرية عن حالات الطلاق السنوية بها[6]، في حين قدّرت دائرة الإفتاء الأردنية قرابة 15 ألف حالة طلاق بزيادة سنوية 1000 حالة[7].

   

 

  

فوفقا للمختصين الاجتماعيين، وغيرهم، فإن هذا الارتفاع الكبير في معدلات الانفصال يرجع إلى اعتبارات عديدة تتفاوت بين الاقتصادية تارة، والاجتماعية والنفسية تارة أخرى، ولكنها في النهاية تدلّ على خلل متزايد في الوظائف الطبيعية للمجتمع الذي تتفلّت علاقاته من الحفاظ على ديمومتها.

  

وعلى تعدد الأسباب -المادية والمعنوية- فإن الأسباب الاجتماعية، الناتجة عن قصور في الإدراك حول العلاقات الزوجية، تقف بقوة خلف العديد من حالات الانفصال دون سبب مفهوم، ربما لطرفي العلاقة نفسيهما في بعض الأحيان، فما الأسباب المحتملة لهذا البرود المفاجئ وكيف يمكننا فهمها؟

  

الفرد مقابل الاثنين

في الثالث عشر من يوليو/تموز 1960، توفيت الشاعرة والكاتبة الأميركية "جوي دايفيدمان" بعد صراع طويل مع سرطان العظام، فأرسل زوجها، الكاتب "سي. إس. لويس"، رسالة إلى صديقه "بيتر بايد"، يقول: "أودّ أن نلتقي.. إنني أعاني من فراغ شديد الآن، رباه! ما هذه الحالة التي لم أعهدها من قبل؟! يبدو أن أحدنا لا يدرك وهو في مقتبل حياته أن الوحدة هي ثمن الحرية، وأن التقيّد والالتزام هما مفتاح السعادة"[8].

  

تلك المعادلة التي تتفاوت بها اختيارات المرء بين الزواج والوحدة صارت أكثر حدة في عصر الفردانية الحديث. فكما أن للعلاقة تبعاتها والتزاماتها فإن لها ما يميزها ويدفع البشر دائما إليها، إلا أن النزعة الفردانية المتصاعدة، والتي تفاقمها الحضارة التكنولوجية حين تُشْعِر الإنسان باغتنائه عن كل شيء، قد تتسبب في عسر التفاهم مع الشريك وقبول صعوبات العلاقة.

    

   

فحسب ما يرى "جيل ليبوفتسكي"[9]، فإن الفردانية والتمركز حول الذات، أو ما عبّر عنه "لويس" بالحرية، صارت السمة الأبرز لتحولات الإنسان في عصر ما بعد الحداثة، مما فاقم عنده الانغلاق على نفسه وعدم الاكتراث بما خارجها. ويعرف "ليبوفتسكي" تلك الثورة الفردانية على أنها "مجمل التغييرات والتحديدات التي جلبتها ودافعت عنها بشراسة الثورة الحداثية.. حتى أضحى الفرد القيمة المركزية التي تبدأ الحياة معها وتنتهي عندها"[10].

  

ذلك الأمر الذي يمكن ربطه باضطراب الحالة الأسرية، كما في تحليل الكاتبة الصحفية "غيداء أبو خيران" حول الفردانية والتجمع الأسري، فتقول: "وفقا للصيرورة الفردانية التي باتت تطغى على المجتمعات، أصبح الفرد مركزا في اختياراته الفردية التي تتضمن المعتقدات والعمل والتعليم والأسرة والصداقات والعلاقات، فلم يعد شكل الزواج كما كان عليه سابقا، ولم تعد الأدوار ذاتها كما كان مُتعارفا عليه"[11].

  

لكن، وعلى الرغم من بعض الأطروحات التي ترى الفردانية في طور الأفول، كأطروحة "مايكل فلوي" التي ترى أن "جوهر الفردانية نفسها قد قُوِّضَ إلى حدٍّ ما بادعاء بعض علماء الأعصاب الذين رأوا بأن وحدانية الذات ما هي إلا وهم خلقه الدماغ في سبيل إضفاء راحة الاستقرار والاستمرارية"[12]. على الرغم من هذا، فإن أسبابا أخرى قد تقف وراء الفشل (غير المادي) للعلاقات الزوجية بخلاف عدم التوافق أو الراحة النفسية.

  

الركض على الرمال المتحركة

في مقال له بمجلة أوبزيرفر (Observer magazine) يذهب "فيل هوغان" إلى أن العلاقات الزوجية تشهد على الدوام لحظات حرجة وأزمات سيئة، ولكن الاختلاف الحادث في عصـرنا الحالي عما سبق يكمن في السـرعة المذهلة التي أصبحنا نملّ بها من تلك العلاقات[13].

    

   

تلك السرعة التي تشابه الركض فوق تربة واسعة من الرمال المتحركة، تتمثل في الاستهلاكية الممتدة من استهلاك المادة والرفاهيات إلى استهلاك العلاقات والعواطف، فالنزعة الاستهلاكية حاضرة ما دامت الرغبة في الإشباع غير مُشبعة بصورة تامة، فهذا المُنتج يجبر هذا المُنتج، وهذا الهاتف الجديد يُلاشي عيوب القديم، فالمجتمع الاستهلاكي يحاكم أعضاءه ويُقيّمهم بناء على مقدرتهم في الاستهلاك[14].

  

أو كما قال "فيكتور لبلو" إننا "نحتاج إلى أشياء تُستهلك، وتُحرق، وتُبلى، وتُستبدل، ونتخلّص منها في سرعة لا بديل لها"[15]، فثقافة النفايات التي تبحث دائما عن التنقّل السريـع بين الأشياء ولا تؤمن بالديمومة والتدوير أخذت تزحف نحو الجسد الإنساني من الخارج وإلى العلاقة الإنسانية من الداخل، فصارت العلاقات المؤقّتة تتناسب مع حاجة الإنسان الجديد إلى الاستبدال، أو كما يقول "باومان: "لا يمكن لأمة تؤمن بضـرورة التكيّف الدائم مع سوق العمل المتغير أن تستعين بالصبر من أجل بناء علاقة إنسانية"[16].

  

كما ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي، بصورة ما، في تسريع معدل الفتور من العلاقات أو تجويفها من حقيقتها، كنتيجة محتملة للاهتمام بعرض الحب والتفاهم بين الزوجين عن ممارسته في الحياة الواقعية، بما تطلق عليه الباحثة "خديجة جعفر" فتنة الحب العلني[17]. وهو ما يوافقه الكاتب اللبناني "طوني صغبيني"؛ إذ يرى أن الاعتماد على الشبكات الاجتماعية يزداد "كلما خطت العلاقات الحميمية خطوة إلى الوراء"[18].

  

في حين أنها في الحقيقة -أي وسائل التواصل- قد تتسبب في فصل الجزيرة الأسرية إلى جزر منعزلة كما يشرح ذلك "ميشيل شلوتر" و"ديفيد لي" بأننا صِرنا نرتدي الخصوصية كما نرتدي الأزياء التي تحمينا من الضغط الجوي[19]، فلم تعد البيوت جُزر الحميمية الدافئة بين بحار الخصوصية الباردة، بل تحولت من ساحات مشتركة للحب والصداقة إلى ساحات للمناوشات والمصادمات الرافضة لتدخّل الآخرين وتطفّلهم[20].

   

في مواجهة التشظّي

في إحدى الدورات التأهيلية للزواج بمصر، يقول الباحث والمحاضر "أيمن عبد الرحيم" إن الدورات التأهيلية للزواج صارت أقرب إلى الضرورة بسبب ما يعانيه المجتمع من أخطاء في إقامة الحياة الزوجية والانتهاء إلى نتيجة من اثنتين: إما الطلاق الفعلي، وإما الانفصال الخفي الذي يبقى فيه الزوجان على رباطهما في حين أن العلاقة العاطفية قد انتهت بالفعل، ويُرجع اللوم هنا إلى العجز المجتمعي في التوعية الزوجية.

    

   

ذلك العجز الذي ذهب بالكثير من المؤسسات الرسمية في بعض البلدان، كدائرة قاضي القضاة بعمان[21]، أو دار الإفتاء بمصر، إلى تنظيم دورات تأهيلية للمقبلين على الزواج، "وذلك للحد من انتشار الطلاق الذي وصل إلى نسبة 40% في العام 2015، وتأهيل المقبلين على الزواج بمهارات الحياة الزوجية وكيفية التعامل مع المشكلات والضغوط الحياتية التي يواجهها الزوجان"[22].

  

بل إن الأمر وصل في بعض البلدان إلى شرط شبه أساسي للزواج، كما في "ماليزيا" التي تُطلق على شهادة الدورة "رخصة قيادة الأسرة"[23]. لكن على الجانب الآخر فإن البعض لا يرى ما يراه منظمو تلك الدورات، فتقول "رقية معمري"، أستاذة علوم الشريعة، إن المهارات المطلوبة لنجاح الحياة الزوجية "أكبر من أن تُلقّن في دورة تأهيلية خلال أيام معدودات.. فالتربية الأسرية السوية منذ الصغر هي التي تضمن لنا جيلا قادرا على تحمل مسؤولية الزواج من جميع جوانبها"[24].

  

لكن، وحسب تعليل "أيمن عبد الرحيم" لتلك الدورات، فإنه لا ينكر أهمية التربية كعامل أولي في التوعية، لكن ماذا إن كان الواقع يخبرنا بفشل تلك التربية مع كثير من الشباب الذين لا يعون شيئا عما هم مقبلون عليه من الحياة المشتركة، لذا فإن هذا النوع من التأهيل، حسب "عبد الرحيم"، يقوم بالأساس لتعويض عجز المجتمع عن القيام بوظائفه.

   

فنحن لا نعقد الدورات -مثلا- لتعليم الآباء كيف يساعدون أبناءهم على الحركة أو تعلّم الكلام، فتلك وظائف لا تزال مُفعّلة في المجتمع، لكننا، حسب كلامه، نفعل ذلك في الزواج بسبب العجز المجتمعي، كظاهرة متكررة وليس عموما، في القيام بهذا الدور وغياب التوعية فيه.

    

   

في النهاية، تبدو أسباب الفشل الاجتماعي في الحفاظ على علاقات زوجية بنجاحات كبيرة ظاهرة تعبّر عنها الأرقام بلا مواربة، وهو ما يضعنا أمام الأسئلة الكثيرة حول موضع الخلل لضرورة العلاج. فما بين الفردانية كما يرى البعض، والاستهلاكية كما يرى البعض الآخر، قد تقع أسباب أخرى تساهم في صنع الطلاق.

  

لكن، ستبقى تلك الأسباب متشابكة ومشتركة في محور واحد، وهو الجهل بطبيعة الحياة الزوجية وتكاليف العيش المشترك الذي لا تعالجه الفردانية، ولا تستوعبه العقلية المعتادة على استهلاك الأشياء بما فيها العلاقات.

  

وعلى هذا، يبدو الاتجاه التوعوي لتأهيل المقبلين على الزواج ذا أهمية تُعيد المجتمع للقيام بأدواره مرة أخرى والحفاظ على لبنته الأساسية متمثلة في الأسرة، ويبدو أننا نحتاج إلى التعامل مع الأمر بلا خجل؛ لأن الاعتراف بالقصور قد يدفع إلى تداركه، في حين أن التجاهل قد يساعد على مضاعفة الإحصاءات سالفة الذكر.

 

ورغم الانتقادات التي ترد تجاه تحول مسارات تأهيل المتزوجين لنمط استهلاكي، إلا أن الحفاظ على هذا المسار مع تهذيبه وصون حدود المتحدثين في إطاره، يمكن أن يساهم بشكل أساسي في توعية الأفراد المقبلين على الزواج بطبيعة هذه العلاقة الاجتماعية وفقا لمتطلبات الواقع وما ينبني عليه من تغيرات فكرية قد ترتد بصورة مباشرة على متانة العلاقة وديمومتها.

المصادر

تقارير متصدرة


آخر الأخبار