هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
كاميرات المراقبة.. كيف ستقوم التكنولوجيا بتربيتنا وضبط سلوكنا؟

كاميرات المراقبة.. كيف ستقوم التكنولوجيا بتربيتنا وضبط سلوكنا؟

زينب البقري

محررة رواق
  • ض
  • ض

في حادثة مقتل الصحافي المعارض السعودي جمال خاشقجي، كانت الكاميرا هي البطل الأول في الحكاية، هي الدليل للحقيقة، ومبتدأ القصة قبل تأويلها، فمن الكاميرا المثبتة فوق أحد أكشاك الأمن في إسطنبول، والتي وثّقت دخول خاشقجي الذي لم يخرج بعده، بدأت أصابع الاتهام تشير إلى تورط القنصلية السعودية في هذه الجريمة، وفي محاولة لتجميل الصورة من قِبل السلطات السعودية، كانت الكاميرا تتوسط الصورة المتداولة لابن خاشقجي الذي ظهر مصافحا الملك السعودي سلمان وابنه محمد، لتبدو الكاميرا بذلك طرفا رئيسيا في الصورة ومشاركا مهما في مسار هذا الحدث الذي شغل العالم أجمع خلال الفترة الماضية.

 

وحينما تكاثرت الأقاويل حول الواقعة، كانت التسجيلات التي بثتها كاميرات المراقبة بالقنصلية السعودية بتركيا هي الحجة والبيان الرئيس لاتهام السلطات السعودية في الجريمة، لتبين كيف أصبحت الكاميرا فاعلا مهما في التوازنات السياسية على الصعيد العالمي.

 

مقتل خاشقجي لم يكن الجريمة الأولى التي تُثير الجدل ويتورط المجرمون فيها بسبب تسجيلات كاميرات المراقبة، ففي الجريمة الشهيرة لمقتل الفنانة سوزان تميم في 2008 في إمارة دبي، كشفت كاميرات المراقبة عن الحذاء الرياضي والقبعة التي ارتداها المجرم، وبعد إجراء التحريات اتضح أن المجرم هو الضابط المصري محسن السكري الذي تطابقت ملامحه مع ملامح الصورة التي التقطتها الكاميرات. وفي 2010 حينما أكّدت التقارير وفاة القيادي الفلسطيني محمد المبحوح وفاة طبيعية نتيجة لجلطة دماغية، أظهرت تسجيلات كاميرات المراقبة غير ذلك، وكشفت عن المشاركين في اغتياله فيما بعد. أحداث لم تقف ولن تُستثنى منها الكاميرا كأحد الفواعل الرئيسية في ميادين الجريمة. [1]

    

      

رحلة الكاميرا.. من السينما حتى المراقبة

جدير بالذكر أن الكاميرا لم تُستخدم لغرض المراقبة مع أول ظهورها، فقد بدأت رحلة الكاميرا في تسجيل الأحداث مع الفن السينمائي. ففي 1894 سجل توماس إديسون المخترع الأميركي الشهير براءة اختراع لجهاز العرض "الكينتوسكوب" ليُنتج أول فيلم متحرك مدته 15 ثانية، ولكن الجهاز لم يسمح سوى لفرد واحد لمشاهدته، انتشر هذا الاختراع خارج أميركا، وحينما وصل لفرنسا اندهش الفرنسي لوميير الأب حينما شاهده، فحدّث أبناءه لويس وأوغست لوميير عنه، ثم طوّر الأخوان لوميير تقنية إديسون فيما بعد، واخترعوا جهازا سُمي سينما توجراف في 1895، وبدأت تخرج الكاميرا الفيديو إلى الشارع، لتسجل لحظات متنوعة؛ كالأفلام التسجيلية التي أخرجها الأخوان لوميير للعمال الخارجين من المصنع، وللحظات خروج القطار من المحطة، وغيرها. فراجت هذه الصناعة، وتولّدت بذور كاميرا المراقبة.

   

وفي غضون الحرب العالمية الثانية طوّر الألمان تكنولوجيا تقنيات المراقبة لتتبع عملية إطلاق الصواريخ، ثم انتقلت هذه التقنية إلى الولايات المتحدة لتُستخدم لاختبار القنابل الذرية. ولم يكن البشر مستهدفين لعملية المراقبة حتى 1960 حينما استخدمت بريطانيا الكاميرا للتجسس على الملوك التايلانديين أثناء زيارتهم لها، لتستمر بعدها مسيرة بريطانيا في الترويج لاستخدام الكاميرات في الميادين العامة لغرض الحماية ونشر الأمن. فثمة تقديرات أن 20% من كاميرات المراقبة في العالم موجودة في بريطانيا، وأن هناك كاميرا لكل 14 مواطنا يعيش في بريطانيا.[1] 

  

وتدريجيا تطورت التقنية لتُستخدم الكاميرا في حالات الإضاءة الخافتة وعلى مدار وقت أطول. وفي التسعينيات زُوّدت أجهزة الصراف الآلي بكاميرات مثبتة لتسجيل جميع المعاملات. ومع اختراع أول "Nanny Cam" في 1992 انتقلت الكاميرا من الحيز العام إلى الحيز الخاص، حيث لجأ بعض الآباء لاستخدام كاميرات سرية لمراقبة عائلاتهم.

 

وكان لأحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 أثر في المبالغة في استخدام الكاميرات، فقد شهدت الفترة بين العام 2001 و2011 بيع نحو 30 مليون كاميرا مراقبة داخل الولايات المتحدة الأميركية وحدها، ودفعت نحو المزيد من تقنيات الرقابة التي تتعرف على الوجه ومتصلة بالإنترنت، ويمكن عرضها في أي توقيت أو مكان أبعد مسافة من الموقع المراقب. وبالتدريج ستحل الكاميرا محل البشر في مهام الرقابة الأمنية وحفظ سياسة وأمن النظام القائم. فعلى سبيل المثال، حلّت الكاميرا محل المتلصص الذي كان دورا بشريا في المقام الأول في تاريخ بعض الدول كالدولة المملوكية في مصر. [2]

     

midan - 11 سبتمبر (رويترز)

       

الكاميرا والبصاص.. أوجه شبه عديدة

لا يُعد استخدام الكاميرا إذًا في مجالات الرقابة سوى استمرار للهوس السلطوي في مراقبة أفعال الناس، وبذلك لا يُعد تطور الأدوات سوى تعبير آخر عن الفكرة الأولية في صيغة أكثر حداثة. ويمكن النظر لهذه الفكرة من خلال تتبع أحداث بعض الروايات التاريخية كالزيني بركات للروائي جمال الغيطاني ورواية "البصاص" لمصطفى عبيد، حيث نجد أن ثمة تشابها كبيرا بين دور البصاص وكاميرات المراقبة في عصرنا الحالي، فعين البصاص كما يصفها الروائي مصطفى عبيد:

 

 "عينان لا تمسها النار لأنها باتت تحرس في سبيل الله، البصاص يسجل الشاردة والواردة، ويدقق النظر في وجوه الخلق مستقرئا خباياهم ومفتشا أسرارهم، عيناه مسلطة على الجميع: الكبير والصغير، الغني والفقير، الأبيض والأسود، العبد والسيد، كل نظرة وراءها غرض، وكل فعل خلفه خفايا، يتتبع الكلمة خلف الكلمة متى خرجت من ألسنة الإفك وصناع الفتن لتنسل لحم الدولة، [4] والبصاص لا يحقر أمرا، ولا يستثني من المراقبة أحدا، فكثير من الأشرار لا يبينون، وبعض من تبدو سيماهم طيبة جواسيس وخونة".

  

لا يعتمد البصاص في قدرته على رصد وتتبع أفعال البشر فحسب، إنما يثق في حدسه لقراءة النيّات والتفتيش عن الخبايا. وها هي تقنيات المراقبة تتطور لتأخذ ذات المنحى في الكشف عن النيّات، فقد اتجهت دول الاتحاد الأوروبي مؤخرا نحو استخدام نظام "آي بوردر كنترول" (iBorderCtrl)، ذلك النظام الذي سيُساعد عناصر الأمن على المنافذ الحدودية في التأكد من هوية المُسافرين وصحّة نيّاتهم من خلال كاميرا تعتمد على الذكاء الاصطناعي لكشف الكذب. [5]

 

ومن أوجه الشبه الأخرى بين البصاص والكاميرا هو أماكن وجودهما. فللبصاص عيون في كل مكان، في المواخير حيث ينسكب الكلام دون حسابات من أفواه تجار وفرسان ومستخدمين لهم نفوذهم، في المساجد والأضرحة حيث يعتاد العامة إطلاق شكاواهم وإرسال استغاثاتهم إلى الله كل يوم، وعلى المقاهي حيث يتحادث الأعيان وطلاب العلم في شؤون الناس وأمورهم، وداخل الأسواق حيث البيع والشراء يفتح شهية المتحدثين عن أحوال البلاد والعباد. [6]

    

   

وفي المدن الحديثة توجد الكاميرات في الميادين العامة وبداخل الحانات والحوانيت، والمساجد والأسواق، وفي أماكن الترفيه واللهو. ففي مصر -على سبيل المثال- أصدر محافظ القاهرة قرارا إداريا رقم 12675 لسنة 2016 [7] يلزم جميع المحال العامة والتجارية والصناعية والسياحية والملاهي بتركيب كاميرات تلفزيونية داخل وخارج المحل، ولا يُسمح بإصدار أو تجديد تراخيص مزاولة النشاط لهذه الأماكن إلا بعد تركيب هذه الكاميرات. كما ألزم القرار الهيئات والمنشآت الحكومية ومراكز الشباب ودُور العبادة والمدارس والمستشفيات بتركيب كاميرات مراقبة على جميع المداخل والمخارج بها.

 

فقد لجأت الدول الحديثة لإصدار قوانين تُلزم بتركيب الكاميرات في الميادين العامة لأجل حفظ الأمن، واستعان الزيني بركات الوالي المملوكي بزكريا بن راضي كبير البصاصين للغرض نفسه. فشخصية الزيني بركات شخصية حقيقية وجدها الغيطاني في كتاب "بدائع الزهور في وقائع الدهور" للمؤرخ ابن إياس، فرصد الغيطاني في روايته تحوّل شخصية الزيني من والٍ عفيف يتسم بالأمانة وعدم المحاباة إلى رجل قاسٍ يُعذّب مساجينه ويسجن البعض افتراء بسبب هذا الإفراط في المراقبة. فقد استعان بزكريا بن راضي لمساعدته في إدارة شؤون ولايته ومنع السرقات ونهب التجار، ولكن ابن راضي تحول إلى عين الوالي الشاخصة في كل بيت كعين الأخ الكبير في رواية جورج أورويل "1984"، فبدل من أن يشيع الأمن نشر الخوف.

 

فإذا كانت الوقائع التاريخية تُبيّن لنا أن المراقبة أداة مهمة من أدوات صناعة المستبد، وأن العين البشرية لا يمكن أن تكون محايدة؛ فالجواسيس -عادة- لا يرصدون سوى ما يخدم مصالحهم، فهل تصبح الكاميرا أداة أكثر فاعلية وحيادا في تسجيل الأحداث من البشر؟ فكاميرا المراقبة لن تروج إشاعات ولن تسرد الأحداث بنظرة عين الرائي وانفعالاته، فهل يعني ذلك أن كاميرا المراقبة أداة محايدة يقتصر دورها على حفظ الأمن؟

  

عليك ألا تستهين بالكاميرا.. فهي قادرة على إعادة تشكيل تصوراتنا عن الحياة

يخبرنا نيل بوستمان عالم الاجتماع الأميركي في كتاباته عن التكنولوجيا أن الأدوات ليست محايدة، فالأدوات بوسعها إعادة تشكيل النظام الاجتماعي بأسره، وقادرة على تغيير تصورات الإنسان عن الحياة والكون، فعلى سبيل المثال اختراع النظارة في القرن الثاني عشر لم يؤد لتحسين الإبصار فحسب، وإنما غيّر رؤية الإنسان وتعامله مع فكرة القدر، وساعد اختراع الساعة واعتماد نظام الدقائق والثواني بدلا من النظام الشمسي والفصول الأربعة على انتشار النظام الرأسمالي وأحدث تغييرات اجتماعية في طبيعة العمل والعلاقات الأسرية.

    

نيل بوستمان عالم الاجتماع الأميركي (مواقع التواصل)

   

في هذا السياق، لا يشترط أن يكون المخترع متعمدا أو واعيا بالتأثير الذي سيتركه اختراعه على ملايين البشر لفترات زمنية ممتدة، فجوتنبرج مثلا حينما اخترع المطبعة لم يكن يدري وهو الكاثوليكي المتدين أن اختراعه سيساهم في انتشار المذهب البروتستانتي، فبالطباعة لم تعد الجماهير تتصور أن الكنيسة هي الجهة الوحيدة المحتكرة للحقيقة. 9 كما أن توماس إديسون لم يرغب حينما اخترع آلة العرض سوى تحقيق مزيد من الأرباح، ولم يتصور أن جهازه "الكينتوسكوب" سيتطور لاحقا ليحقق تقدما هائلا في عالم السينما ثم في عالم التقنية والمراقبة، فما تأثير حضور كاميرات المراقبة في حياتنا اليومية على تصوّرتنا وسلوكياتنا؟

 

لقد عرض عالما الاجتماع ديفيد ليون وزيجمونت باومان حوارا مطولا حول المراقبة في عصرنا الحالي في كتابهما "المراقبة السائلة"، تناولا فيه تأثير اختراق الكاميرات في هواتفنا وأجهزة الحاسوب المحمول وحضورها على وسائل التواصل بكل صوره يعيد تشكيل تصوراتنا عن ذواتنا وسلوكياتنا الجمعية وعلاقتنا بالعالم و رؤيتنا للحياة.

 

يرى باومان وليون أننا في عصر إعادة إنتاج الفعل البشري، فثمة تطبيقات كثيرة ترصد حركتك وسكونك وتسجل محادثاتك وترقب تصرفاتك وتختزن الكثير من البيانات عنك، تلك البيانات التي تستغلها شركات التسويق لصالح الترويج لمنتجاتها، وتتم الرقابة في صورة أخرى من خلال مجهول هذه المرة، أو من قِبل بعض الخوارزميات الإلكترونية، فتتحول الرقابة من نموذج بانوبتيكون إلى مرحلة ما بعد البانوبتيكون كما أطلق عليها باومان.

 

ونموذج البانوبتيكون هو النموذج المثالي للسجن، حيث يتمتع فيه المراقب بالحرية التامة في الحركة من خلال وجوده في برج المراقبة بالأعلى الذي يتيح له مشاهدة المساجين دون أن يُلاحظوه، فيتحكّم المراقب في تصرفاتهم ويمتثلون لقواعده ويخضعون له حتى في حال غيابه عن برج المراقبة. أما في عالم الحداثة السائلة نصل إلى مرحلة ما بعد البانوبتيكون، فكثير من المعلومات الشخصية يوفرها الناس بأنفسهم ومجانا، فيرى باومان أن نموذج البانوبتيكون غرضه الضبط، ولكن في العصر الحديث ثمة هوس متزايد بالأمن مما يجعل حلم التحرير الذي أعلنه عصر التنوير عبارة عن سجن مثالي كبير تتوغل فيه علاقات السلطة تحت مسميات مختلفة. 10

    

   

وهذا ما عكسته حلقات المسلسل الإنجليزي "المرآة السوداء" (Black Mirror) الذي يعرض رؤية مستقبلية تشاؤمية عن تأثير التكنولوجيا على النفس البشرية في العصر الحديث. ففي إحدى حلقاته نجد صبيا مراهقا يقع فريسة جهة غير معروفة أو أناس مجهولين (لا ندري طيلة أحداث الحلقة من هم بالتحديد وهل هو فرد أم جماعة) من خلال قدرتهم على تتبع حركته باختراق كاميرا حاسوبه الخاص، ليسجّلوا له أحد الفيديوهات ويهدّدوه بنشرها على الإنترنت، ليتحكّموا بعدها في مصيره وأفعاله بدفعه لسرقة أحد البنوك، ونرى الفتى الصغير وقد ارتجف وارتعدت أوصاله أثناء تنفيذه لمخططاتهم، ونكتشف من خلال رحلة هذا الفتى في الخضوع لهؤلاء المجهولين أنه ليس الضحية الوحيدة، إنما هي شبكة كبيرة تضم كثيرا من الضحايا متفاوتي الأعمار والطبقات والمراكز الاجتماعية، لا يجمعهم سوى قدرة هؤلاء المجهولين على تتبعهم من خلال الكاميرا، فالكاميرا هي عينهم لمراقبة هؤلاء الضحايا، وإخضاعهم لتصرفات حمقاء كأن يُجبر أحدهم على إحراق سيارته الخاصة، أو خوض معركة مميتة مع أحدهما رغم عدم معرفتهما ببعضهما البعض سلفا، وفي مشهد المعركة بين الفتى والرجل الآخر تعلو الكاميرا فوقهما كعين الطائر لتسجل تنفيذ مهمة الضرب المميت بنجاح.

 

رغم أن المسلسل يعتمد على الخيال العلمي الخصب فإنه يتغلغل في صميم الواقع المستقبلي في الآن نفسه، ويثير مشكلات وتخوفات حقيقية، ففي الحلقة نرى كيف أن كاميرات المراقبة بالبنك قد ساعدت الشرطة على الوصول إلى الفتى السارق وإلقاء القبض عليه، ولكن الكاميرات نفسها أتاحت ارتكاب مزيد من الجرائم الأخرى، ليثير تساؤلا حول هل يزداد الأمن مع توغل الكاميرا في حياتنا اليومية أم أن الكاميرا قد تفقد بعض الأشخاص أمانهم النفسي والاجتماعي؟ فهي جدلية غير محسومة.

  

لا يظهر تأثير حضور الكاميرا كأداة للضبط والحماية من خلال السينما أو الدراما فحسب، وإنما من خلال بعض المشاهدات اليومية في المجتمع المصري. فقد أوجد حضور الكاميرا المكثف في أيدي الأفراد بحياتهم اليومية في هواتفهم الجوالة مثلا شكلا جديدا من الضبط الاجتماعي، ليوسع من مفهوم المراقبة، فلا يقتصر على الغرض من قبل أجهزة الشرطة ومؤسسات الدولة، وإنما حماية الأفراد لأنفسهم من خلال استخدام كاميرا هواتفهم. فقد اتضح ذلك من خلال عدة حوادث، منها الحادثة الشهيرة التي تم ترويجها على فيسبوك للفتاة التي تعرّض لها أحد الشباب في التجمع الخامس في أثناء انتظارها لسيارة العمل، فدعاها لتحتسي معه فنجانا من القهوة في مقهى "on the run".

 

تلك الحادثة التي أثارت جدلا واسعا على صفحات التواصل الاجتماعي واختُلف فيها هل هي دعوة حسنة النية أم أنها صورة من صور التحرش المنتشر في الشارع المصري، لن نخوض في هذا الجدل، ولكننا سننظر للفعل الأول الذي قامت به الفتاة، فنلاحظ أن الفتاة لم تلجأ للاستعانة بأحد المارة أو لأي وسيلة حماية أخرى قبل الاستعانة بكاميرا هاتفها الجوال، ونشر صورة الفيديو لهذا الرجل وتداوله على فيسبوك بكثرة، وكانت العبارة الأولى التي قالها هذا الشاب هي: "إيه ده أنتِ بتصوري"، وركوبه سيارته بعدها مباشرة والمغادرة.

     

       

فقد كان التصوير هو مصدر تخوّفه الرئيس، ليصبح استخدام الكاميرا صورة من صور الردع والتشهير بالطرف الآخر في المواقف اليومية كوسيلة للحماية الشخصية، وهذا وجه آخر لم يكن معتادا في مجتمعاتنا من قبل، ولم يتكرر الأمر من قِبل الفتيات فحسب، ولكن في واقعة أخرى لأحد الشباب بالقاهرة الذي ركب إحدى حافلات النقل العام مع زوجته التي أسندت رأسها إلى كتفه بعد إرهاق يوم عمل طويل، فحينما تعرض للعنف اللفظي والمادي من قِبل أحد الركاب الذين رأوا هذا المشهد -العادي- خادشا للحياء في المجال العام، فأسرع الشاب باستخدام كاميرا هاتفه لتصوير الرجل ونشر صورته على فيسبوك كرد فعل، ورغبة لأخذ حقه من هذا الرجل بعد تطاوله عليه وزوجته.

 

وسيظل وجود الكاميرا لتتبع سلوك الأفراد لأغراض المراقبة أو الضبط الاجتماعي ووسيلة للردع يثير العديد من الإشكاليات كخصوصية الأفراد [8] على مستويين: مستوى السلطة التي تعطي لنفسها ولأجهزتها الأمنية والمخابراتية الحق في مشاهدة هذه التسجيلات. فهل يُعد منح خصوصية الأفراد إلى السلطة في مقابل نشر الأمن مقايضة رابحة؟

 

وعلى مستوى أفراد المجتمع يثير إشكالية أخرى عن العلاقة بين الضبط الاجتماعي وما هو أخلاقي، فهل تصرفت فتاة "on the run" تصرفا مقبولا لردع الشاب لتخوفها منه أم أنه تصرف غير أخلاقي لأنها أباحت لنفسها تصويره دون إذن منه؟ فهل التشهير على وسائل التواصل الاجتماعي فعل أخلاقي؟ وما المسافة الفاصلة بين الضبط الاجتماعي والفعل الأخلاقي في هذه الحالات وغيرها؟

 

بالطبع لن تصبح الكاميرا هي وحدها المشارك في هذه الحالات دون انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، ليصبح التشهير من خلال نشر الصور كوسيلة للضبط الاجتماعي من التجليات الاجتماعية لحضور الكاميرا في حياتنا اليومية.

 

ولكن سيبقى للسلطة الدور الأول في تحديد المتهم أو المخالف، لأنها تمتلك سلطة وضع القوانين وتحديد الخطأ والصواب، ووضع العقوبة ورفعها، ففي محاولة لسبعة شباب لتصوير عمليات بيع المخدرات في منطقتهم الشعبية "عزبة خير الله" بمصر القديمة، وحصول الفيديو الذي صوّروه على مشاهدات عالية على يوتيوب تم القبض عليهم من قِبل أجهزة الشرطة بتهمة تصوير فيلم دون تصريح بالمخالفة للقانون وبثه عبر الإنترنت، بدلا من القبض على تجار المخدرات أنفسهم، ليصبح جليا أن للسلطة اليد العليا في المراقبة، لا يتشارك فيها المجتمع دائما وإن امتلك الأدوات، لأن الدولة تمتلك السيادة وسلطة وضع القانون كما يرى الفيلسوف الألماني كارل شميت.

   

         

لقد أصبح التحدي الأبرز الذي يواجه السلطات ليس فرض وجود الكاميرات وصلاحية عملها، ولكن القدرة التقنية على فلترة  وتصنيف وتحليل  كم بالغ الكبر من البيانات،  أو ما  أسماه فديفيد ليون بـ "تسونامي البيانات"

   

ويمكننا إجمالا إدراك أن الكاميرا ليست أداة محايدة سواء على الصعيد المحلي أو العالمي، لا تُثير أسئلة الخصوصية فحسب، وإنما تُغيّر من إدراك الناس وتصوراتهم والضبط الاجتماعي وتحديد سلوكياتهم سواء في العمل أو الشارع أو على وسائل التواصل الاجتماعي، وما زالت آثارها ممتدة ومتغيرة. ولكن نحن في تزايد استخدام الآلة في فضاءاتنا المختلفة يفرض علينا مزيد من البحث في علم اجتماع الآلة في مجتمعاتنا العربية التي بالضرورة تخرج لنا نتائج مختلفة عن غيرها من المجتمعات الأخرى.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار