انضم إلينا
اغلاق
"التوك شو المصري".. كيف يمكن لبرنامج أن يهزم ثورة؟

"التوك شو المصري".. كيف يمكن لبرنامج أن يهزم ثورة؟

إبراهيم هلال

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
 

في 23 نوفمبر/تشرين الثاني 1985، أقلعت طائرة مصر للطيران رحلة رقم 648 في اتجاهها من مطار أثينا باليونان إلى مطار القاهرة الدولي، وبعد 10 دقائق من الإقلاع قام ثلاثة أشخاص تابعين ل"منظمة أبو نضال الفلسطينية" باختطاف الطائرة، وأجبروا قائدها على الهبوط في مطار لوكا الدولي بمالطا.

  

كانت مصر حينذاك، بقيادة الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، تضغط على الحكومة المالطية لتسريع عملية التفاوض، أو السماح للقوات الخاصة المصرية بالتدخل لإنهاء عملية الاختطاف، لكن مالطا لم تستجب. الأمر الذي تطور مع قيام القيادة المصرية بإرسال فرقة من الوحدة 777 التابعة للقوات الخاصة المصرية إلى مطار لوكا، وإعطاء الإشارة باقتحام الطائرة وتحرير الرهائن بعد أن طالت عملية المفاوضات. إلا أن العملية انتهت بفشل ذريع، فكانت نتيجة الاقتحام سقوط 56 قتيلا من أصل 88 من الرهائن، ونجا 32 شخصا منهم أحد الخاطفين وطاقم الطائرة.

    

      

كادت صورة الجيش المصري حينها أن تسقط وفق التداعيات السلبية للفشل، إلا أن الإعلام المصري تدخل كما عادته الأثيرة لإنقاذ الموقف، حيث فتح وزير الإعلام حينها صفوت الشريف جميع أسلحة الإعلام المصري، وليوحد العزف على أوتار التلفاز والراديو والصحف والمجلات. ظهرت النغمة في هذه الحالة باتجاه تهميش حياة الركاب، وتحويل الإخفاق إلى انتصار، والتعظيم من قوة الجيش المصري وقواته الخاصة، لتظهر عناوين الصحف ب"البنط العريض" تقول: "نجحت عملية اقتحام الطائرة المصرية في مالطا" و"قواتنا الباسلة تنجح في استعادة الطائرة المخطوفة" (1)، في مزيج سحري جمع بين الخداع لتغطية الإخفاق ومضاعفة جرعة المشاعر الوطنية.

     

لم تكن هذه المرة الأولى في تاريخ مصر الحديث التي تخدع فيها السلطة المصرية بقيادة مبارك الشعب عن طريق الإعلام، فقد فعلها من قبل عبد الناصر والسادات. إلا أن هذه الحادثة مثلت بداية لعصر جديد، تشكّلت على إثره ما يُعرف ببرامج "التوك شو" والتي ملأت سماء مصر بسُحب من التضليل المكثف، ورغم ذلك فشل الإعلام المصري وبرامجه التي اعتادت خداع جمهورها في تغطية أحداث يناير/كانون الثاني حتى بداية فبراير/شباط، وظن الجميع أن قدرة الإعلام على الخداع قد انتهت للأبد، لكنه أعاد تنظيم صفوفه بقيادة مموليه، وأحسن وضع مدافعه ومهد لسقوط "ثورة يناير" وتشويهها والانقلاب عليها مع سيطرة الجيش على مفاصل الحكم (2)، فكيف نجحت برامج "التوك شو" في معركة تشويه وإسقاط "ثورة يناير" والعودة مرة أخرى إلى زمن التضليل؟

  

التوك شو وتبديل الأقنعة.. "من يدفع للزمّار يختار النغمة"

"لا تخدعنك دموع التماسيح التي ذرفها عمرو أديب ولا باقي الإعلاميين على الثورة، فما هؤلاء إلا منافقون"، هكذا كان يقول الشباب والرجال والشيوخ ممن شاركوا في ثورة يناير، لكن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة لشريحة أخرى من الشعب المصري، حيث ظل الجمهور الأكبر من الشعب الذي لم يشارك في أحداث يناير/كانون الثاني مستمرا في مشاهدة وربما الدعم أو الاعتراض من بعيد، في مشاهدة برامج "التوك شو" وتصديقها(3).

  

 

ورغم تغير الأقنعة وتبدل الوجوه وظهور قنوات جديدة، بقيت بنية الإعلام دون تغير، فمع غياب مركز/ولي النعمة خلال فترة ما بعد ثورة يناير، شهدت وسائل الإعلام صعودا وهبوطا حادّين فيما يتصل بالحريات"، ليسعى الإعلاميون حينها لاستكشاف الجهة الأقوى، والتي ستؤول لها مفاتيح السلطة، فتارة يتجه المديح لشباب الثورة وشباب الإخوان، كما فعل الإعلامي مصطفى بكري حين أشاد بدور الإخوان في ميدان التحرير وقال: "الإخوان المسلمون تصدوا في هذا الوقت وقاتلوا قتال الأبطال دفاعا عن ميدان التحرير، وزحفت جيوش منهم وكانوا يتصدون وكأنهم في حرب ضروس، وكل منهم يريد أن ينال الشهادة"، معتبرا كلامه "شهادة للتاريخ" (4).

 

    

وتارة تتجه طبول المديح للتغزل في قطر، تماما كما فعل الصحافي إبراهيم عيسى، والذي انهالت مدائحه باتجاه دور قطر الإقليمي، وليضع قناة الجزيرة في مصاف قنوات عالمية ك ـ"سي إن إن" الأميركية، كما اعتبرها علامة تجارية مرموقة، وقال: "قناة الجزيرة تشرفك كعربي. إزاي ما تشرفكش كعربي؟" (4).

     

وفي صيغة أكثر اتساقا مع التاريخ "النضالي" للإعلام المصري، فإن بعض الإعلاميين اتجهوا لتلميع المجلس العسكري، مثلما فعل التلفزيون المصري حين أذاع لقطة نزول المشير حسين طنطاوي للشارع بالزي المدني وترحيب الناس به.

  

   

 بذلك، أخذ الإعلام وبرامجه في الشهور الستة التالية للثورة يواظبون العزف على أنغام الشارع، ويجتهدون في نقل همومه ومشكلاته ومطالبه إلى صانع القرار، كما دأبوا على استضافة شخصيات محسوبة على "حراك يناير"، والتي لم تظهر على قنوات تلفزيونية مصرية من قبل، وليستندوا بذلك على قدر من الشفافية والعلانية في التعامل مع الأحداث، مع بقاء وصف الجيش وأسلوب إدارته للمرحلة الانتقالية بمنزلة خط أحمر لا يُسمح بتجاوزه (5).

   

يقول الإعلامي محمود خليل: "يمكن القول بأن الإعلام المصري أخذ يروج لدولة الثورة منذ خطاب التنحي وحتى القرار الذي اتخذه القاضي أحمد رفعت المسؤول عن محاكمة المخلوع بإيقاف البث التلفزيوني لوقائع الجلسات (15 أغسطس/آب 2011)، أي لمدة تقترب من ستة أشهر. فبعد نجاح الثورة بادرت الصحف القومية على سبيل المثال إلى تغيير جلدها -كما تفعل الحرباء التي تبدل كل آونة إهابا- لتتناغم مع العصر الجديد، فإذا كان الملك القديم قد رحل فليحيا الملك الجديد، والملك الجديد كان كيانا ضخما يملأ الشوارع وهو الجسد الشعبي للثورة، وهو كيان مؤسسي تم نقل صلاحيات الحكم إليه يتشكل من عدد من أعضاء المجلس العسكري الذي أعلن انضمامه للثورة وقدم نفسه كحامي حمى الثورة. هنا اندفعت الكثير من الصحف إلى إفراد الصفحات ونشر الملاحق عن التحرير وأهل التحرير، وأصبح أهالي الشهداء والمصابون ضيوفا دائمين داخل أستديوهات التلفزيون الرسمي والقنوات الخاصة، وبدأت أذرع الإعلام الإذاعي والتلفزيوني وكذا الجرائد والمجلات "تتمطع على راحتها" في نقد النظام السابق والدفاع عن مطالب الثورة والاحتفاء بالثوار" (6).

   

   

في هذه الفترة من تاريخ مصر، اختفت وزارة الإعلام، حيث تم تشكيل وزارة د. عصام شرف دون أن يكون من بين أعضائها وزير إعلام، بالطبع تفاءل الجميع بتلك الخطوة، التي كانت الثانية من نوعها في تاريخ دولة يوليو/تموز المصرية، بعد أن اختفت وزارة الإعلام مؤقتا من حكومة د. مصطفى خليل في أكتوبر/تشرين الأول 1978. وظن الشعب المصري أنها ضرب من ضروب الاستجابة لاستحقاق تحرير التلفزيون المصري من قبضة السلطة، ثم عُيّنَ د. سامي الشريف رئيسا لاتحاد الإذاعة والتلفزيون في بداية شهر مارس/آذار 2011، لتبدأ أجهزة الإعلام في الخروج من عباءة الثورة لترتدي "السترة الميري" (6).

  

قال يومها وزير الإعلام الجديد إنه تلقى تكليفا محددا بإعادة هيكلة الإعلام المصري، وقال: "إننا في مرحلة حساسة جدا في تاريخ مصر" (7)، كان دخول الأستاذ أسامة هيكل بوابة ماسبيرو إيذانا ببدء الانقلاب من دولة الثوار إلى دولة الجنرالات ودخول الإعلام إلى عالم "العسكرة"، ذلك العالم الذي عرفه هذا الجهاز جيدا منذ قيام حركة الضباط في يوليو/تموز 1952 (8).

  

وكانت ليلة 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2011 ليلة فارقة في كشف هذا التحول، حين وقعت أحداث ماسبيرو التي راح ضحيتها 22 ضحية من المصريين المسيحيين وأصيب فيها المئات. يقول "محمود خليل": "الكل يذكر كيف تحولت الشاشة الفضية الرسمية يومها إلى شاشة سوداء تدعو المصريين المسلمين إلى حماية جنود الجيش المصري من الهجمة المباغتة التي قام بها المصريون المسيحيون ضدهم، وأخذ يتحدث عن سقوط شهداء من أفراد الجيش المصري، وبدأت الأعصاب تلتهب، والحناجر التلفزيونية تزعق وتدعو، لكنّ أحدا لم يستجب بالطبع للصرخات المنادية بحماية الجيش!" (8).

  

 

"والأدهى من ذلك أن ملايين المصريين فوجئوا ليلتها بقوات الشرطة العسكرية تقتحم أستديوهات الهواء الخاصة بقناة الحرة وقناة 25 يناير، وتابعوا بشغف المذيع الذي يرتعد والمذيعة التي "رقعت بالصوت" على الهواء مباشرة رعبا من مرأى القوات وهي تشهر سلاحها في وجوه من في الأستديو، في سابقة أظن أنها الأولى من نوعها في تاريخ الإعلام العالمي. والكل يعلم أيضا أنه قبل هذه الواقعة بعدة أيام تمت مداهمة مكتب قناة "الجزيرة مباشر مصر" بالقاهرة للمرة الثانية على التوالي من جانب قوات الأمن، وتم إيقاف بث القناة من القاهرة" (8).

 

كانت الرسالة الواضحة يومها: الخطاب الإعلامي أصبح يُنتج تحت تهديد السلاح ويُعدّ في أروقة المجلس العسكري. وقد سبق هذا الحدث بشهر واحد فقط وقوع محاولة اقتحام السفارة الإسرائيلية 9 سبتمبر/أيلول عام 2011، والتي بدأ معها مصطلح البلطجة بالظهور، ومع ميلاده أُحيل مصطلح "الفلول" نسبيا إلى التقاعد إيذانا بوضع الثورة نفسها على رفوف التاريخ. وأخذ الخطاب الإعلامي يثير قضية اندساس مجموعة من البلطجية بين المتظاهرين، وأن هؤلاء هم من يقومون بالتخريب والاعتداء على المنشآت (8).

  

   

وبالاستناد على التكرار والاستمرارية، قام الإعلام بالربط بين "البلطجة والتخريب وعدم الاستقرار" وبين الثورة، حتى اختفى وهج المطالب التي خرج من أجلها الثوار في يناير/كانون الثاني والتي مات من أجلها الشهداء. كل ذلك كان المرحلة الأولى فقط، والتي تلتها مرحلة الإعلام الموجه، ثم الإعلام المحرض، حتى وصلنا إلى أكبر مذبحة في تاريخ مصر الحديث "فض ميدان رابعة العدوية".

 

التوك شو.. تاريخ من الخداع

"في الغالب الأعم، سيكون المُحاور أو المضيف جالسا إلى الطاولة، يتحدث بنصفه العلوي إلى الجمهور مباشرة، في محاضرة أو عظة أو وصلة ساخرة، وإن لزم الأمر فلا بأس من استضافة ضيف أو أكثر للحوار، مع مداخلة هاتفية وقت اللزوم، ولن يكون بوسعك أن تقاوم الدهشة وربما الضحك حين تجد المضيف الحائر ما بين شهوة الكلام وضرورات الفاصل الإعلاني، يطلب شايا أو قهوة على الهواء، أو يسأل زملاءه: "هل التسجيل جاهز؟" أو يتحدث إلى شخصية غامضة في غرفة التحكم عبر سماعة الأذن طالبا منه التزام الصمت حتى يسمع ضيفه" (9).

  

   

هكذا تبدو برامج "التوك شو" في العالم العربي وخاصة في مصر، والتي اتجهت معظم القنوات للاعتماد عليها بصورة رئيسية في عرض ومتابعة مجريات الأحداث والأخبار اليومية. أصبح وفق ذلك من الاعتيادي أن تُعرض تلك البرامج كل ليلة، وأن تمتد لعدة ساعات وقد تملأ الليل كله بالثرثرة عن كل شيء بداية من السياسة وحتى أنواع الطعام وأشهر المطاعم، فلا هي برامج بالمعايير المتعارف عليها على المستوى العالمي، ولا هي نمط إعلامي يستند على معايير مهنية، فما نراه الآن في مصر كما يصف ياسر ثابت "ليس إلا محاولة تجريدية أو تكعيبية لتطوير مفهوم المصطبة في الريف المصري، والتي كان الرئيس السادات من عشاقها خلال زياراته المتكررة لقريته ميت أبو الكوم" (9).

 

وبالرجوع قليلا للوراء، يعود ظهور تلك البرامج في مصر إلى نهاية الألفية الثانية، عصر السماوات المفتوحة، الإعلام ككتلة واحدة لها نظرة واحدة يديرها مملوك خاص في السلطة، يفهم طبيعة المرحلة، من عبد القادر حاتم مؤسس الإعلام المصري ومنشئ مبنى ماسبيرو في ستينيات القرن الماضي، إلى صفوت الشريف الرجل المقرب لحسني مبارك وأحد الأعضاء المؤسسين للحزب الوطني المصري، ومكمل مسيرة صلاح نصر في قيادة الإعلام بعقلية المخابرات، وانتهاء بأقلهم إدراكا أنس الفقي (9).

  

مع بداية الألفية الثالثة، تغير شكل ملكية الإعلام في ظل ظهور رجال الأعمال الجدد، الذين أسسوا القنوات الخاصة مثل "دريم" (2001) والمحور (2002) والحياة (2008)، وشارك رجل الأعمال أحمد عز، أمين التنظيم بالحزب الوطني حينذاك، في شركة "البيت بيتك" بحصة 51% في إطار اتفاق لتأسيس محطة تلفزيونية فضائية جديدة باسم "البيت بيتك". يقول محمد حسنين هيكل عن ذلك الأمر: "كل من يسمي نفسه رجل أعمال يسعى أو سيسعى لامتلاك جريدة، ومن لديه جريدة يسعى لامتلاك قناة تلفزيونية، وربما يجمع بين الجريدة والقناة في وقت واحد.. والهدف أن تكون الصحف والقنوات التلفزيونية منابر للدفاع عنهم والترويج لفكرهم وتطويع المجتمع لما يريدونه" (9).

 

ولأن صلة رجال الأعمال بالسلطة والأجهزة الأمنية وثيقة في مصر، "فقد بقي الإعلام أداة في يد الدولة وأجهزتها المختلفة. وظل للسلطة مفتاح باب كل وسيلة إعلام، وكان هذا شرط الاستمرار. وكان جهاز التحكم في أمن الدولة، حيث كاد الضباط أن يتحولوا إلى مُعدّين لبرامج التوك شو، فيديرون ويتحكمون في إيقاع الغضب والطاعة" (9).

 

في سلسلة حوارات صحفية مع أحمد بهجت، رجل الأعمال ومالك قنوات دريم وصاحب دريم بارك وشركة إنترنت مصر ودريم لاند وشركة جولدي للأجهزة الكهربائية وشركة إنترفال للسياحة، قال بهجت: "يعني لو جالي تليفون قالي أقفل قناة دريم هاعمل إيه؟ هقفل قناة دريم.. هنقدر نعمل إيه.. هنحارب الدولة؟ مانقدرش".

   

أما نجيب ساويرس فقال ردا على سؤال عما إذا حدث وتضايقت الدولة من برامج تعرضها قناة أون تي في: "الحمد لله لحد دلوقتي أنا ماشي جنب الحيط ومش عايز أزعّل حد، بس ممكن حد يطلع يقول حاجة غلط في القناة ويبقى ليها تبعات ونتمنى ده ما يحصلش" (10).

  

ماذا ستفعل إذا وجدت نخلة تتمدد في حديقتك؟.. سياسة الاحتواء والجز

بدأت ساعة الصفر للتشويه الصريح للثورة والثوار، وبدا الخطاب الإعلامي أكثر جرأة من ذي قبل في الدفاع عن الحكم العسكري والترويج لمؤسسة الجيش باعتبارها المؤسسة الوحيدة الباقية، والتي يعد الحفاظ عليها حفاظا على الدولة من الانهيار.

 

ومع أحداث شارع محمد محمود التي سقط فيها ما يزيد على 42 شخصا، زاد تركيز الإعلام على ربط الثوار بالبلطجة، "ولم تنس القنوات التلفزيونية والكثير من الصحف أن تسير على هوى المجلس العسكري في الحديث أن ضحايا أحداث ماسبيرو ومحمد محمود وقصر العيني ومجلس الوزراء تم قتلهم على يد مجهولين" (11).

  

   

بل دأبت قنوات الإعلام على استضافة بعض الشباب والشخصيات ووصمهم بـ "شباب الثورة" وقادتها، ثم استدراجهم للحديث عن أفكار تتصادم مع التفكير العام للمشاهدين، وهذا ما فعلته قناة "الفراعين" مثلا حينما استضافت "أحمد دومة"، حيث استدرجه المحاور للتحدث بكلام صادم حول استخدام المتظاهرين للعنف ضد الشرطة والجيش، الأمر الذي هيّأ لقبول رواية عنف المتظاهرين وسوء نواياهم في مقابل سلمية أجهزة الأمن، وهي حادثة تكررت مع أحمد دومة خلال مقابلته مع قناة روتانالمصرية في حوار أجراه مع المذيع "تامر أمين" الذي بدا  مُصِرًّا على تشويه الثورة. وهي ذات المخاوف التي اعتادت القنوات الفضائية في عهد مبارك زرعها في عقول البسطاء من الشعب المصري.

  

   

انتشرت بعدها فيديوهات كثيرة على جميع القنوات وبرامج "التوك شو" تربط بين العنف والبلطجة وبين أفعال "ثوار يناير"، حتى اقتنع شريحة من المصريين بما يتصف به هؤلاء الأفراد باعتبارهم مجرد "بلطجية" وأن هذه الثورة تهدف للتخريب، وعليه يجب وضع حد لتلك الفوضى، الأمر الذي دفع أهالي المناطق في القاهرة والمحافظات إلى الاعتداء بالضرب على حملة "عسكر كاذبون" التي نظمها بعض الشباب والنشطاء في يناير/كانون الثاني 2012 (12).

   

بذلك، أمسى قطاع من الشعب المصري كارها لحالة عدم الاستقرار، وكارها لأي شكل من أشكال الاحتجاج أو المظاهرات، وبدأ ظهور مقولات تروّجها برامج التوك شو تتحدث عن "عدم الاستقرار وأثره على عجلة الإنتاج"، والثائر الحق هو من يثور ليهدم الفساد ثم يهدأ ليبني الأمجاد، رغم أن الفساد ظل موجودا في كل أنحاء الدولة، التي بدأت تستعيد نشاطها وقوتها، مثل جهاز الشرطة والأمن الوطني الذي حل محل أمن الدولة سابقا (13).

 

يشرح "أحمد فهمي" في كتابه "هندسة الجمهور" أن وسائل الإعلام تلجأ إلى التماهي الشكلي أو المؤقت مع المعايير السائدة في المجتمع، هذا التماهي قد يكون بتمرير بعض المضامين التي تدعم هذه الثوابت بصفة عامة، مع تسخير فقرات بمضامين أخرى لتكسير الثوابت نفسها بأسلوب متلون. وينطبق هذا مع التبدل المتتابع الذي حدث في مواقف "إعلامي حقبة مبارك" من ثورة 25 يناير، حيث يقول فهمي: "يمكن بسهولة رصد ثلاثة مواقف لكثير من هؤلاء على النحو التالي:

الموقف الأول أثناء الثورة: مهاجمة الثورة ودعم مبارك.

الموقف الثاني بعد تنحي مبارك: دعم الثورة والثناء عليها.

الموقف الثالث بعد 2-3 أعوام: الهجوم على الثورة واعتبارها مؤامرة." (14).

  

   

لم تقف وسائل الإعلام المصرية عند هذا الحد، بل اتبعوا وسائل في منتهى الخطورة حين استمروا في عرض مشاهد العنف والضرب والحرق والقتل في التلفزيون، صباحا ومساء، واستمرار برامج "التوك شو" في إعادة عرضها والتعليق عليها واستقبال مكالمات الجمهور حولها، وبذلك، لعبت تلك البرامج على وترين، الأول: تضخيم الخوف عند الشعب المصري، وسيظهر ذلك على سبيل المثال في نغمة "مصر بتتحرق" التي كررتها غالبية برامج التوك شو في مصر. والوتر الثاني هو جعل مشاهد العنف معتادة ومقبولة لدى الشعب المصري، لتتحقق "ثقافة اللامبالاة" تجاه أي عمل عنيف، بجانب ثقافة العنف وأن أفضل حل واستجابة لأي حدث اجتماعي أو سياسي هو وجود قوة مسيطرة عنيفة تُعيد الأمن والأمان حتى لو على حساب جثث ودماء البشر (15). حينها أصبح المناخ العام المصري جاهزا للانقلاب العسكري واستخدام العنف الوحشي مع أي معارضة محتملة.

 

فوهة الكاميرا.. التمهيد للانقلاب العسكري والمذابح

"إن تضليل عقول البشر هو على حد قول باولو فرير "أداة للقهر"، فهو يمثل إحدى الأدوات التي تسعى النخبة من خلالها إلى تطويع الجماهير لأهدافها الخاصة، فباستخدام الأساطير التي تفسر وتبرر الشروط السائدة للوجود، بل وتضفي عليها أحيانا طابعا خلابا، يضمن المضللون التأييد الشعبي لنظام اجتماعي لا يخدم في المدى البعيد المصالح الحقيقية للأغلبية، وعندما يؤدي التضليل الإعلامي للجماهير دوره بنجاح، تنتفي الحاجة إلى اتخاذ تدابير اجتماعية بديلة".

 

هكذا كتب هربرت شيللر في كتابه "المتلاعبون بالعقول" وكأنه يصف حال برامج الإعلام المصري، ففي السنوات الثلاث الأولى لثورة 25 يناير، لمع عدد من المتفوقين في وصلات النفاق والردح الإعلامي "ممن أعادوا أمجاد إعلاميي مبارك من أمثال سمير رجب وممتاز القط وأسامة سرايا. من هذه السلالة خرج مذيعو قنوات الفراعين وصدى البلد والنهار وسي بي سي وغيرهم من أمثال عمرو أديب ولميس الحديدي ومحمود سعد وأحمد موسى ويوسف الحسيني ومحمد الغيطي وجابر القرموطي ورولا خرسا، ثم لمعت "سيديهات" مرتضى منصور التي جمع فيها فضائح جميع الفنانين والمذيعين، وشاع جرجير وبط "توفيق عكاشة"، وسيطر هؤلاء على أذهان ملايين من سكان المحافظات والموظفين ورواد المقاهي (16).

  

   

هؤلاء، هم من قادوا حملة واضحة ضد نظام الرئيس المعزول محمد مرسي، يقول ياسر ثابت: "كانت العداوة تتجاوز في كثير من الأحيان أي معيار مهني أو أخلاقي من معايير ومواثيق الشرف الصحفي، وبدا جليا أن مصالح مالكي تلك القنوات تتعارض مع رؤى الإخوان المسلمين وحلفائهم، التي فشلت بدورها في تقديم خدمة إعلامية تستحق الاحترام أو المتابعة" (16).

  

    

"كانت الحرب مفتوحة ومعلنة، حتى إن أنصار الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل حاصروا مدينة الإنتاج الإعلامي في مدينة 6 أكتوبر غير مرة " (16)، وظهر خطاب "أخونة الدولة" و"المؤامرة على مصر"، وجعل الإعلام من الإخوان المسلمين "عدوا مشتركا يتحمل كل المآسي والمشكلات والأزمات"، ولعبت برامج "التوك شو" على تأجيج مشاعر الكراهية ضد هذا "العدو" والدعوة لإحراقه والتخلص منه نهائيا (17).

 

بعد 30 يونيو/حزيران شهد الإعلام المصري حالة من السُعار، ويرى البعض (18) أنها حالة مكملة للحالة التي ظهرت على الأرض من احتشاد عدد كبير من المتظاهرين الذين يطالبون بتدخل الجيش وعزل محمد مرسي، يقول ياسر ثابت: "بعد أن استفتح المنافقون والشتّامون دورهم الخالد خلال 30 يونيو/حزيران وفي أعقابها، فُتحت صنابير الحوارات والأغاني عن آخرها في تمجيد القائد والمنقذ، ولم تتوان قنوات التلفزيون ومحطات الإذاعة عن تكرار الأغاني التي تتغزل في القائد الجديد مرة تلو المرة" (18).

  

    

استمرت برامج "التوك شو" في التضليل، فعلى سبيل المثال كلما أرادت برامج التلفزيون تبرير العنف والقتل استخدمت قولا منسوبا إلى رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون يقول فيه: "عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي فلا يحدثني أحد عن حقوق الإنسان"، واستمر استخدام الإعلام لتلك المقولة لتبرير المذابح التي ارتكبها الجيش والشرطة. في حين أن وائل جمال قد فنّد تلك الأكذوبة وقال إن الاقتباس مزيف ولم يقله كاميرون، وفي 26 سبتمبر/أيلول نفت السفارة البريطانية في القاهرة رسميا أن يكون كاميرون قد قال هذا في خطابه (19).

 

لتساهم هذه الجوقة من الإعلاميين وبرامج "التوك شو" في الترويج للصيغة العسكرية-الأمنية، وتبرير العنف والقتل واستباحة الدماء، وتدريب الجمهور على اللامبالاة بمشاهد العنف والقتل، والنتيجة هي وقوع مذبحة فض ميداني رابعة والنهضة وما بعدهما من مذابح، والتي لم يهتز لها المجتمع المصري، بل إن قطاعا منهم نفوا تماما وقوع أي عنف من قِبل الشرطة والجيش وصدقوا ما عرضته برامج التوك شو، وهناك من رأوا القتل وأيّدوه ودعموه تحت مظلة التخلص من "الإخوان" أو الشائعات التي أطلقها الإعلام عن وجود أسلحة ثقيلة ورهائن تحت منصة ميدان رابعة.

 

الأمر الذي قد وصفه "بورديار" بـ "فوق الواقع" في كتابه "المصطنع والاصطناع"، وتتحدث أطروحة "فوق الواقع" عن مجتمع لا يعي نفسه ولا يراه، مجتمع لا يفرّق بين الواقع والمشهد أو الصورة، "عالم نعيش فيه تبعا لشفرات اندرجت في بنيتنا الإدراكية، فالرمز هو الواقع، مما يعني أن الصورة امتصت كل شيء"، وهي من تحدد الواقع وتفرض صورته الأصلية في ذهن الناس، فيستند بورديار في أطروحته إلى قول أورويل: "الحرب هي السلام".

   

  

بذلك، أصبح الإعلام والتلفزيون هو من يحدد مفهوم الحرب ومفهوم السلام، عن طريق التلاعب بالعلاقة بين الدال والمدلول، أي صورة الشيء في الواقع وصورته في ذهن المشاهد، فأصبحت صورة "الإرهابي" مرتبطة بصورة "الإسلامي"، وبالتالي بات الإعلام هو المعرّف والمحدد لما تعنيه مصطلحات كـ "الإرهاب" و"العنف" (20).

      

  

  

هكذا نجح الإعلام وبرامج "التوك شو" في وأد ثورة يناير وتشويه صورتها، ثم شيطنة جميع فصائلها سواء الإسلامي أو اليساري أو الليبرالي، وبقي الجيش والمؤسسة العسكرية المسيطر الوحيد على الشارع، وفي هذا الصدد يقول بورديو: "في ظل هذه النضالات يلعب التلفزيون اليوم دورا حاسما، وهؤلاء الذين لا يزالون يعتقدون بأنه يكفي القيام بالتظاهر بدون احتلال شاشة التلفزيون يخاطرون بأن يفقدوا ضربتهم المستهدفة" (21).

المصادر

تقارير متصدرة


آخر الأخبار