انضم إلينا
اغلاق
ما الذي يخبرنا به علم الاجتماع عن فستان رانيا يوسف؟

ما الذي يخبرنا به علم الاجتماع عن فستان رانيا يوسف؟

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
  

بجانب مساحات الأراضي الشاسعة التي تنازع وتقاتل عليها البشر منذ بداية التاريخ وإلى الآن، هنالك مساحة أخرى، أصغر بكثير جدا، سبّبت من الصراعات المادية أحيانا والفكرية دائما ما لا يقل ضراوة عن بعض الحروب؛ تلك المساحة هي جسد المرأة. لا يوجد الكثير من الاتفاق حقا حول مقدار ما يجب أن يُغطى من ذلك الجسد ومقدار ما يمكن أن يظهر، ما جعل كشف أكثر مما يجب منه، وأحيانا تغطية أكثر من المعتاد، أفعالا ثورية مثّلت نقاطا فارقة صاغت الشعوب حولها أساطير.

  

لعل أشهر تلك الأساطير هي أسطورة "لايدي جودايفا"، زوجة "ليفرك"، حاكم مُقاطعة ماريكا في إنجلترا، والتي، وفقا للأسطورة، طافت شوارع القرية فوق حصانها دون أن يستر جسدها سوى شعرها الطويل المُنسدل. فعلت جودايفا طيبة القلب هذا اعتراضا على الضرائب الباهظة التي أخذ زوجها ليفرك يفرضها على الفلاحين، الضرائب التي حين اعترضت عليها، وعدها ساخرا أنه سيخففها إن جابت شوارع القرية فوق حصانها عارية. التزمت جودايفا حرفيا بكلمات زوجها الساخرة، لكن بعد أن نبّهت أهالي القرية حتى يلزموا بيوتهم ولا ينظر منهم إليها أحد. وأمام ما فعلته جودايفا والحدود التي أثبتت أنها مستعدة أن تقطعها حتى ينتصر العدل، لم يملك ليفرك سوى الانصياع وتخفيف الضرائب.[1]

  

عُري جودايفا إذن جاء في سياق لا يمكن أن يختلف أحد على نبله. لكن ليس كل العُري كذلك بالطبع. فماذا عن عُري فستان رانيا يوسف الذي ارتدته في مهرجان القاهرة السينمائي الأخير؟ ما سياقه يا تُرى؟ وما السبب وراء كل تلك البلبلة التي سبّبها؟ قد تظهر تلك الأسئلة للوهلة الأولى بسيطة يسهُل الإجابة عنها، لكن وراء بساطتها الظاهرية تكمن أعماق خفية ستساعدنا نظريات علم الاجتماع في الكشف عنها.

   

الممثلة المصرية رانيا يوسف (مواقع التواصل)

     

فستان رانيا يوسف.. لماذا ترتدي النجمات ملابس عارية؟  

"المشهور هو شخص مشهور بكونه مشهورا"[2]

 

عالم ما قبل وسائل الإعلام هو عالم ما قبل الشهرة. بلا كاميرات أو شاشات، كان من المستحيل أن يُحقق أحد في الأزمنة الماضية مثل ذلك الانتشار وذيوع الصيت الذي يُحققه مشاهير اليوم. فباستثناء رموز الجماعة من الملوك والقادة، لم يكن ثمة وجود للمشاهير. تغيّر هذا بشكل جذري بحلول القرن العشرين، ففي عالم غزته وسائل الإعلام لم تعد الشهرة حكرا على رموز الجماعة فقط، أي شخص ستذيع الشاشات صورته بشكل مستمر لبضعة أيام ولو لأتفه الأسباب يصير معروفا للجميع، معروفا بشكل ربما حسده عليه أحد ملوك الأزمنة السابقين. فبينما كان يكفي أن يخلع الملك عن نفسه التاج والصولجان ليتجرّد معهما من ذاته الملكية ويسير مجهولا بين الجموع، يبقى مشهور اليوم معروفا بين الجميع وإن سار وسطهم بأسمال بالية. وصف عالم الاجتماع الأميركي دانيال ج. بورستين وضع العصر الحالي حيث المشهور مشهور بلا أي إنجاز أو تميُّز بجانبه في الكلمات الآتية: "المشهور هو شخص مشهور بكونه مشهورا".[3]

 

وعلى رأس زمرة مشاهير العصر الحديث، يأتي نجوم السينما. لكن نجوم السينما ليسوا كغيرهم من المشاهير؛ إنهم كيانات تصوغ خلال حياتها فوق شاشة السينما وعبر وسائل الإعلام أساطيرها الخاصة، أساطير يهيمنون عليها ويصبحون بمنزلة أنصاف آلهة للعصر الحديث. يوصّف عالم الاجتماع الفرنسي إدجار موران تلك الظاهرة في كتابه "نجوم السينما" ويقول: "إن أبطال الأفلام، أبطال المغامرة والحركة، والمأساة، والنجاح، والحب، وحتى أبطال الهزل، هم وإن بشكل مخفف أبطال بالمعنى التأليهي للأساطير. النجم هو الممثل أو الممثلة الذي يضخ جزءا من الجوهر البطولي، أي "المؤله" و"المؤسطر"، لأبطال الأفلام، والذي في الوقت عينه، وفي المقابل، يُثري هذا الجوهر بشيء مما يخصه".[4]

  

ولا يولد النجم نجما بالطبع، فالنجوم يتم تصنيعها؛ بداية من مظهرها، مرورا بالتفاصيل التي تصوغها حول حياتها الشخصية، وليس انتهاء بشخصيتها التي تظهر أمام الكاميرات، لا يوجد في أي من ذلك شيء عفوي على الإطلاق، بل تقف وراءه آلة عملاقة غرضها صناعة النجوم وإلباسهم هالة تقف على حدود الأسطوري، هالة تُظهرهم مختلفين ومتميزين عن غيرهم من الأشخاص وإن لم يكن هنالك ما يميزهم حقا. يمكننا أن نُسمي ما يفعله النجم كي يصبح نجما بـ "طقوس النجومية"، وعلى رأس تفاصيل تلك الطقوس التي يجب أن تبقى دائما مميزة ولا مانع من أن تصبح غرائبية من آن لآن، خاصة بالنسبة للنجمات، يأتي المظهر والثياب.[5]

 

يكتب إدجار موران عن هذا: "يُهيمن على النجوم اهتمام شديد في اختيار زينتهم وقصة شعرهم، وهي أمور ينبغي أن تكون دائما في أحسن حال. فثيباهم تتميز عن ثياب الممثلين الثانويين أو الكومبارس؛ جماعة الكومبارس يرتدون ثيابا، أما النجم فيزدهي في الثياب"، فعلى مظهر النجم أن يبدو مميزا بما لا يُقارن مع غيره من الأناس العاديين. وفي سياق متصل يتحدث عن النجمات بشكل خاص ويقول: "صحيح أن بإمكان النجمة أن ترتدي ثيابا مُتواضعة، إلا أنها تُفضّل أن تلبس ملابس تكشف عن حلية النجوم الأكثر سموا: الجسد. لا شيء يكسيهم أفضل من عريهم".[6]

   

 إدجار موران (مواقع التواصل)

   

فالجسد، المساحة الأكثر خصوصية بالنسبة لأي شخص، قد تضحي النجمة بكل رضا وتفاخر بخصوصيتها، كاشفة عن بعض من مساحاتها الأكثر حميمية لجماهيرها. وهذا التكشف إنما ينزع الغطاء عن تلك "الحلية"؛ فجسد النجمة ليس كغيره من الأجساد، جسدها قد يكون ما قادها في الأساس للنجومية. ولهذا، توليه دائما قدرا مذهلا من العناية يفوق قدرات أي شخص عادي، فلا تبخل عليه بأي شيء يحافظ على جماله وشبابه، من المستحضرات باهظة الثمن وحتى عمليات التجميل. وليس ما تفعله مجرد غرور فانٍ أو إنفاق طائش للأموال؛ فهي تعرف تماما أن جسدها هو الجزء الأكبر من أسطورتها، وبقدر ما تعتني بذلك الجسد بقدر ما ستُحافظ على ضخ الدماء في قلب أسطورتها.[7]

 

يأتي الكشف عن حلية الجسد إذن كطقس لا يتجزأ من طقوس النجومية، طقس توطد فيه النجمة أسطورتها في قلوب جماهيرها. يقول موران: "تنتمي النجمة كليا إلى جمهورها. وإنها لعبودية مجيدة تثير شفقة الجمهور الذي يتطلبها. فكما الملوك، وكما الآلهة، ينتمي النجم إلى المعجبين أكثر مما ينتمي المعجبون إلى النجم. وعابدو النجمة يطلبون منها البساطة، لكن تلك البساطة ستكون غير مرئية إن كانت بسيطة، لذا ينبغي لها أن تكون بساطة معلنة... تفاخرية".[8]

 

لم يكن الفستان عاري الساقين الذي ارتدته رانيا يوسف في مهرجان القاهرة السينمائي بشيء منبت السياق إذن عن النجومية ومتطلباتها نفسها. فالنجمة وفقا لموران عليها أن تحرص دائما على بَروَزة جمالها وتميزها عن الآخرين، وهو ما قالته رانيا يوسف نفسها في سياق حديثها عن البذلة السوداء الغرائبية التي ارتدتها في حفل الافتتاح، ويمكن سحبه أيضا على فستان الختام: "في كتير راحوا وكأنهم مراحوش، محدش حس بيهم، لأ أنا اتحس بيا كويس أوي واتشفت كويس أوي واللوك كان غريب وهو ده كان الهدف بتاعي".[9]

 

ارتدت رانيا الفستان إذن وحدث ما حدث من انفجار وسائل الإعلام، ليتصدّر ذلك الفستان في غضون ساعات وحتى بعد قرابة الأسبوع من الحادثة الحديث على منصات التواصل الاجتماعي المتعددة. سيُجادل البعض أن ذلك حدث تافه حقا، ولا يستحق على الإطلاق كل ذلك الاهتمام المبالغ فيه مقارنة بأحداث عالمية أخرى ذات شأن وخطر. نظريا، هم على صواب، لكن من قال إن الثقافة الجماهيرية الحديثة يقودها المنطق؟ كيف عسانا إذن نفسر طوفان الاهتمام الذي انصب على تلك الحادثة التافهة نسبيا؟ ولماذا أثارت كل ذلك الانقسام الحاد والعنيف في الآراء؟ هذا ما ستُلقي عليه الضوء نظريات عالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومان.

      

        

ولماذا نهتم نحن؟.. الثقافة الجماهيرية من الشهيد إلى الشهير

في العام 2013، وعلى ضوء حادثة لا تقل غرابة -أو تفاهة- عن حادثة فستان رانيا يوسف، ألقى عالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومان محاضرته: "ما الذي يجعل البطل بطلا". اتخذت تلك المحاضرة من واقعة الانتشار الناري للفيديو الجنسي المُسرَّب لكيم كارداشين، ما كان الشرارة الأولى لما أصابته فيما بعد من شهرة، موضوعا لها، مُلقية في هذا الضوء على التحوّل الذي حلّ بالأفراد المميزين لدى جموع في الثقافة الجماهيرية: من الأبطال الأسطوريين للأزمنة الغابرة، وإلى شهداء العصر الديني، وحتى مشاهير اليوم.[10]

 

قال باحث علم الاجتماع مارك دافيس عمّا جاء في تلك المحاضرة: "يقول باومان إن البطل هو الشخص الذي قد يموت في سبيل قضية، في سبيل شيء يراه أعظم أهمية من حياته نفسها، أما الشهيد فهو من يموت في خضم ظلم عظيم يقع عليه. يتوحد البطل والشهيد هكذا في موقعهم كأشخاص "استنثائيين"، فعبر العمل والتركيز الشديد يسموان لتحقيق هدف مُجاوز لوجودهم ذاته، مؤمنين بشيء يفوق حياتهم أهمية. لكن بينما يبدو أن هذين القسمين قد فقدا كل معنى لهما نتيجة لحياتنا المعاصرة، نبقى لنشهد سطوع نجم المشاهير". يتساءل بعدها دافيس مُستنكرا، هل المشهور يا تُرى "استثنائي" مثل البطل أو الشهيد؟ تأتي إجابة باومان أن لا، فكما قال برنستين، المشهور ليس سوى شخص مشهور بكونه مشهورا. [11]

 

في التبدل الشديد الذي أصاب الأفراد المميزين لدى الجماعة في الثقافة الجماهيرية، يمكننا أن نلمح بسهولة تبدّلا في الثقافة الجماهيرية ذاتها. فبينما أعلت الجموع قديما من شأن من عاشوا وماتوا في سبيل قيمة أو قضية، نجد أمثال هؤلاء قد انقرضوا أو كادوا في عصرنا الحديث. ففي هذا العصر، ليس هنالك قيم من الأساس تتفق عليها الجماهير، وفي غياب الإيمان الجمعي بالقيمة أو القضية، لماذا قد تحتفي الجموع بمن يعلون قيما هم ليسوا مُجمعين أصلا على الإيمان بها؟ في هذا الخواء القيمي، وجدت أصداء الشهرة السطحية لمن تُردّد وسائل الإعلام صورهم وأخبارهم ليل نهار مساحة واسعة للانتشار. كل ذلك يأخدنا بالضرورة للمفهوم الأهم الذي صاغه باومان في مطلع الألفية، مفهوم الحداثة السائلة.

 

يقول باومان في مقدمة كتابه "الحداثة السائلة": "إنني أميل يوما بعد يوم إلى الاعتقاد بأننا نواجه الآن فترة من فترات "خُلو العرش"، إنها فترة تتعطل فيها الممارسات القديمة، ولا تصلح فيها أنماط الحياة القديمة المُتوارثة أو المكتسبة في التعامل مع الوضع الإنساني الراهن؛ لكنها أيضا فترة لم تشهد ميلاد الممارسات الجديدة وتفعيلها من أجل التعامل مع أنماط الحياة الجديدة وتحدياتها على نحو أفضل يتلاءم والظروف الجديدة... فلا نعلم حتى الآن الأنماط والأُطر الأخرى التي لا بد من إذابتها وتمييعها واستبدال أنماط وأُطر جديدة بها، وإن بدت جميعا غير محصنة من النقد، وإن كانت جميعها قد خُصّصت للاستبدال".[12]

   

عالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومان (مواقع التواصل)

   

ما يقوله باومان هو أننا نعيش الآن في فترة بينية، وسيطة، بين عالمين، واحد لم تعد قوانينه تسري علينا، وآخر لم تتشكل له قوانين بعد. في مثل هذه المرحلة البينية، نواجه قدرا من "السيولة" في كل شيء، فليس ثمة قيم ثابتة، ولا معتقدات غير مُعرضة للاهتزاز والنقد، إنها فترة تتسم بالاضطراب الشديد الذي يعجز فيه أي منّا عن توقع أي شيء؛ فما عاد الثبات والاستقرار هما الصفتان المهيمنتان على العالم، بل التبدل الدائم والسريع الذي يستحيل معه التنبؤ بأي شيء. يقول باومان عن هذا: "يشبه العيش في ظل أحوال الحداثة السائلة المشي في حقل ألغام: الكل يعرف أن هنالك انفجارا قد يحدث في أي لحظة أو أي مكان، لكن لا أحد يعلم متى ستأتي تلك اللحظة ولا أين سيكون ذلك المكان".[13]

 

في تلك الليلة التي ارتدت فيها رانيا يوسف فستانها عاري الساقين، وطئت بقدمها من حيث لا تدري فوق اللغم. كحال كل ساكني زمن الحداثة السائلة، لم تكن تتوقع أبدا أن يحدث لها كل ذلك الذي حدث؛ فلم تكن بطبيعة الحال تفكر سوى داخل سياق النجومية والبحث عن التميز والاختلاف وبلوَرة جمالها مثلما تحدث إدجار موران في كتابه، ولم يتطرق ذهنها لأي سياقات أبعد. وفي زمن الحداثة السائلة الذي لا تتفق فيه الجموع حول أي شيء أبدا، اتخذت هذه الجموع من تلك الحادثة ذريعة لإعادة فتح النقاش المحتدم، والذي لم تزده زمن الحداثة السائلة والتعدد الشديد في الآراء إلا احتداما، حول ذلك الموضوع الذي لم تمله البشرية أبدا: جسد المرأة، مقدار ما يجب أن يُغطى من ذلك الجسد، ومقدار ما يمكن أن يظهر.

 

وليس ذلك الخلاف نفسه في المجتمع المصري سوى جزء من خلاف أكبر بين تيارين، تيار تقليدي محافظ يغلب عليه التدين، وتيار حداثي منفتح على القيم الغربية العلمانية. وقد وجد كل من هذين التيارين في هذه الحادثة مساحة لإعادة النقاش حول جسد المرأة إلى الواجهة، ومعه بشكل مضمر، النقاش حول المعجم القيمي للمجتمع المصري. قبل عدّة قرون من الآن، لم تكن لتوجد مساحة لأي من هذا، فالمجتمع قيمه محددة ومعروفة لدى الجميع، وأي خروج عنها سيقابله نبذ فوري من أعضاء الجماعة قد يصل لوضع الفرد المارق تحت طائلة القانون. أما الآن، في زماننا هذا، زمن الحداثة السائلة، لم يعد أي شيء يتمتع بذلك القدر من الوضوح.

   

      

"المظهر الذي بدت عليه بعض ضيفات المهرجان لا يتوافق مع تقاليد المجتمع وقيمه وطبائعه الأخلاقية"، هذا ما قالته نقابة المهن التمثيلية تعليقا على حادثة فستان رانيا يوسف، وهو كلام وإن وجدنا فيه صدى لتعليقات الكثيرين حول الحادثة، فإنه يبقى فضفاضا وعائما للغاية، فضفاضا بشكل لا يمكننا معه أن نبني أي شيء عليه. فما "قيم المجتمع وطبائعه الأخلاقية" تلك؟

 

فيما مضى، كانت الإجابة عن السؤال السابق ستأتي من صميم الدين، فهو وحده من كان يُحدد قيم المجتمع التي تتمثل في اتباع أوامره واجتناب نواهيه. أما اليوم، وفي وسط موجات العلمنة والتغريب، حصل انشقاق في الصف، فأعداد متزايدة من المصريين صارت ترى في فصل معجم القيم الدينية عن المجتمع والسياسة الخيار الأمثل. وفي وسط ذلك الانشقاق، تصبح كلمات مثل "قيم المجتمع وطبائعه الأخلاقية" كلمات غامضة غير ذات معنى، فالمجتمع الذي تتحدث عنه ليس كلا متماسكا له الآراء والتوجهات نفسها، بل كتل متشظية تحمل كل منها آراءها التي لا تتصالح أو تنسجم بالضرورة مع بعضها البعض.

 

وفي وسط ذلك الخلاف، لجأت كل من الكتلتين المتصارعتين إلى مرجعيتها؛ الكتلة التي تحتكم إلى الدين أو/والتقاليد القديمة رأت في الفستان خروجا صريحا عمّا تؤمن به وترى أن باقي المجتمع يجب أن يؤمن به معها، والكتلة التي تحتكم للغرب رأت فيه مجرد حرية شخصية وتحكما من شخص في مساحة من جسده لا يجب أن يحاسبه عليها أحد. ولم تكتف كل جهة بهذا، فحاولت كل واحدة الفوز في الصراع، ما سيضمن فوزا رمزيا لقيمها، عن طريق الاستعانة بالثقل الذي تحمله قيمها تلك داخل المجتمع. فلجأ التيار المحافظ لمؤسسة القانون، تلك المؤسسة التي تحوي مواد ثابتة ومحددة لا سيولة أو ميوعة فيها، معتبرة أن ما فعلته رانيا يوسف كان فعلا فاضحا، وهي جريمة يُعاقب عليها القانون. وفي المقابل، اتجه التيار المنفتح إلى تغطية الغرب نفسه للواقعة، الغرب الذي يحس المصريون بقدر من الدونية أمامه، مُعلقين أننا نروج لأنفسنا بهذا لدى الآخر صورة سلبية مفادها أننا مجتمع متخلف لا وجود فيه احترام لحرية المرأة في أن ترتدي ما تشاء.

 

لا يمكن لنا أن نجد قيمة ما مُبطنة في فستان رانيا يوسف عاري الساقين، لكن الكثيرين حاولوا بالفعل أن يخلقوا قيمة للحادثة بمحض الموافقة أو الاعتراض على ما فعلت، محاولين الانتصار لوجهات نظرهم عن طريق الفوز في النقاش المجتمعي حول ما حدث. لكن الأمر كان مختلفًا كثيرًا فيما مضى، فعندما خلعت لايدي جودايفا عنها ثيابها قديمًا وجابت شوارع مقاطعة ماريكا عارية، لم يملك أهالي القرية سوى أن يحولوها لبطلة، لأسطورة، لا زلنا نكن لها الاحترام إلى الآن. فما فعلته جودايفا كان لقيمة، كان لهدف لا يختلف على نبله أحد. أما اليوم، من الصعب تخيل أن يضفي أي شخص قيمة حقيقية فوق فستان رانيا يوسف. هي بالتأكيد لن تتحول لأسطورة كليدي جودايفا بسبب فستناها، بل ستبقى ككل شيء اليوم، موضوع للحديث لقتل الملل وملأ ساعات البث في التلفاز ومادة خصبة لكوميكس الانترنت، وذلك بالطبع حتى ينسى الجميع ما حدث ويحل محله حدث آخر، غالبًا لن يقل عنه تفاهة، يشغل نفس الدائرة ويُنسى ويحل محله آخر وآخر وهكذا إلى أجل لا يعلمه الأحد. فزماننا ليس زمن السيولة فقط، بل زمن صُنَع من زوال متجدد.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار