انضم إلينا
اغلاق
تأثير الفراشة لا يرى.. تأثير الفراشة لا يزول.. ولكن كيف؟

تأثير الفراشة لا يرى.. تأثير الفراشة لا يزول.. ولكن كيف؟

Farnam Street

مدونة
  • ض
  • ض

"لا يمكنك إزالة حبة رمل واحدة من مكانها دون تغيير شيء ما في جميع أجزائها التي لا تُقاس"

(فيشته، 1800م)

   

الأساسيات

في أحد أعظم أعمال ستيفن كينغ بعنوان "11/22/63"، يكتشف شاب يُدعى جيك بوابة في مخزن الطعام التي تنقله إلى عام 1958. بعد بضع زيارات وعدة التجارب، يستنتج جيك أن تغيير التاريخ أمر ممكن. ومع ذلك فإنه يقرر البقاء طويلا في الماضي، ولا يستغرق سوى دقيقتين في الزمن الحاضر. قرر أن يعيش في الماضي حتى عام 1963 حتى يتمكّن من منع اغتيال الرئيس الأميركي جون كينيدي، معتقدا أن هذا التغيير سيُفيد البشرية بشكل كبير. بعد سنوات من مطاردة لي هارفي أوزوالد، تمكّن جايك من منعه من إطلاق النار على كينيدي.

   

عند عودته إلى الحاضر، توقّع أن يجد العالم قد تحسّن نتيجة ذلك، لكن ما حدث كان العكس. تعمّ الكوارث في كل مكان، ويجد منزله القديم مدمرا، وجزءا كبيرا من العالم قد دمرته الحرب النووية. كما كتب ستيفن كينغ في مقال له عن الكتاب الهزلي مارفل سبوتلايت: "لا تعبث بزمن أبيك". متفاجئا ومستاء من الحاضر، يعود جايك مرة أخرى إلى عام 1958 ويُعيد التاريخ لنصابه.

 

ستيفن كينغ (مواقع التواصل)

     

إلى جانب كونه عملا بارعا من الخيال التأملي، فإن "11/22/63" هو مثال كلاسيكي لكيفية ارتباط كل شيء في العالم ببعضه بعضا. تأثير الفراشة عبارة عن فكرة مفادها أن الأشياء الصغيرة يمكن أن تكون ذات تأثيرات متفاوتة على نظام معقد. يُتصور المفهوم عبر فراشة ترفرف جناحيها متسببة في إعصار. بطبيعة الحال، لا يمكن أن يؤدي فعل واحد مثل رفرفة جناحي الفراشة إلى حدوث إعصار. ومع ذلك، يمكن أن تكون الأحداث الصغيرة بمنزلة محفزات تعمل بناء على الظروف الأولية.

 

وكما كتب جون جريبين في عمله الكلاسيكي "البساطة العميقة": "بعض الأنظمة حساسة جدا للظروف الأولية، حتى إن اختلافا بسيطا في ’التسيير‘ الأولي الذي تقوم به يُحدِث فارقا كبيرا بما تؤول له الأمور، ويؤثر ما يقوم به أي نظام على سلوكه الذاتي منتجا ردود فعل شتى". وكتب توم بروير في مقدمة "تأثير الفراشة في الأسواق التنافسية" للدكتور راجاجوبال: "يمكن للأنظمة البسيطة مع بعض المتغيّرات أن تُظهر سلوكا لا يمكن التنبؤ به، والذي قد يكون فوضويا أحيانا. بينما أجرى ألبرت ليبشابر سلسلة من التجارب الابتكارية، حيث ابتكر نظاما صغيرا في مختبره لدراسة الحمل الحراري (سلوك النظام الفوضوي) في المليمتر المكعب من الهيليوم، وما إذا كان يمكن أن يخلق حالة من الاضطرابات الخاضعة للرقابة على هذا النظام عبر التسخين التدريجي. حتى هذه البيئة الخاضعة لرقابة مشددة أظهرت سلوكا فوضويا متمثلا في اضطراب معقد لا يمكن التنبؤ به والذي تحكمه قواعد منتظمة".

 

يمكن أن يتعرّض نظام يبدو مستقرا (كما هو الحال في ذرة الليثيوم لـ ليبشابر) لتأثيرات صغيرة جدا (مثل تسخين ذرة الليثيوم لتزيد حرارتها 0.001 درجة فحسب)، ويمكن أن يتحول من الحمل الحراري المنظّم إلى فوضى عارمة. على الرغم من أن هذه الأنظمة تخضع لظواهر حتمية، فإننا مع ذلك غير قادرين على التنبؤ بكيفية سلوكهم بمرور الوقت.

 

ما ليس بتأثير الفراشة

ليس مغزى تأثير الفراشة هو النفوذ. كما يكتب الجنرال ستانلي ماكريستال في كتاب "فريق كل الفرق" (Team of Teams): "يُساء استخدام مصطلح ’تأثير الفراشة‘ في الثقافة الشعبية دائما تقريبا. لقد أصبح مرادفا لـ ’النفوذ‘؛ كشيء صغير ذي أثر كبير، مع الإشارة إلى أنه مَثّل وسيلة للضغط يمكن استغلالها لتحقيق الغايات. إذ إن الأشياء الصغيرة في نظام معقد قد لا يكون لها أي أثر في الواقع، ومن المستحيل عمليا معرفة الأثر الذي سيحدث".

    

الجنرال ستانلي ماكريستال (مواقع التواصل)

   

قدم بنجامين فرانكلين وجهة نظر شعرية في اختلافات قول مأثور موجود منذ القرن الرابع عشر في اللغة الإنجليزية والقرن الثالث عشر بالألمانية، قبل وقت طويل من تحديد أو تعريف تأثير الفراشة:

لعدم وجود مسمار ضاعت الحدوة،

لعدم وجود حدوة ضاع الحصان،

لعدم وجود الحصان ضاع فارسه،

لعدم وجود فارس هُزِموا في المعركة،

لعدم وجود معركة ضاعت المملكة،

وكل ذلك بسبب الحاجة إلى مسمار حدوة الحصان.

 

قد يكون عدم وجود مسمار حدوة حصان أمرا غير مهم البتة، أو قد يتسبب بشكل غير مباشر في خسارة الحرب؛ لا توجد وسيلة للتنبؤ بالنتائج التي ستحدث. سنسعى في هذا المقال إلى الكشف عن تأثير الفراشة من خلال العديد من دلالاته الخاطئة، وفهم كيفية تأثيره على حياتنا الفردية والعالم بشكل عام.

 

إدوارد لورنز واكتشاف تأثير الفراشة

"اعتاد المرء الاعتقاد بأن الأحداث التي غيرت العالم كانت أمورا على شاكلة قنابل مدمرة وسياسيين مهووسين وزلازل مروعة أو هجرات سكانية ضخمة، لكننا أدركنا الآن أنها وجهة نظر قديمة جدا يتمسك بها الناس البعيدون كل البعد عن الفكر الحديث. الأشياء التي تغيّر العالم وفقا لنظرية الفوضى هي الأشياء الصغيرة. فراشة ترفرف بجناحيها في الغابة الأمازونية، وينتج على إثرها عاصفة تدمر نصف أوروبا".

(من رواية "بشائر الخير" لتيري براتشت ونيل غايمن)

 

على الرغم من أن مفهوم تأثير الفراشة قد نوقش منذ فترة طويلة، فإن تعريفه كأثر مميز يرجع إلى إدوارد لورنز (1917–2008). كان لورنز عالِم أرصاد وعالِم رياضيات قد نجح في الجمع بين التخصصين لإنشاء نظرية الفوضى. بحث لورنز خلال خمسينيات القرن العشرين عن وسيلة للتنبؤ بالطقس، حيث وجد أن النماذج الخطية في هذا الإطار غير فعالة.

   

إدوارد لورنز (مواقع التواصل)

 

في تجربة لنموذج التنبؤ بالطقس، أدخل الشرط الأولي كـ 0.506، بدلا من 0.506127، وكانت النتيجة مفاجئة: تنبؤ مختلف إلى حد ما؛ استنتج عبر ذلك أن الجو لا بد أن يتغير في لحظة. كان لتغيير بسيط في الظروف الأولية آثار هائلة على المدى الطويل. وبحلول عام 1963، صاغ أفكاره بما يكفي لنشر ورقة -حائزة على جائزة- بعنوان "الدفق غير الدوري الحتمي" (Deterministic Nonperiodic Flow).

 

وضع لورنز نظرية تنص على أن نماذج التنبؤ بالطقس غير دقيقة لأن معرفة الظروف الأولية الدقيقة أمر مستحيل، ولأن أصغر تغيير يمكن أن يؤدي إلى مناقضة النتائج. من أجل جعل الفكرة مفهومة للجمهور غير العلمي، بدأ لورنز في استخدام تشبيه الفراشة.

    

   

أوضح لورنز في خطاباته ومقالاته أن الفراشة لديها القدرة على إحداث تغييرات صغيرة، وفي حين أنها لا تخلق إعصارا، فإنه يمكنها أن تغيّر مساره. تمثل رفرفة جناحها التغييرات الضئيلة في الضغط الجوي، وتزداد هذه التغييرات مع تقدم النموذج. وبالنظر إلى أن التغيرات الصغيرة غير المحسوسة يمكن أن تكون ذات تداعيات هائلة في النظم المعقدة، فقد خلص لورنز إلى أن محاولات التنبؤ بالطقس كانت مستحيلة. وذكر في ورقته البحثية:

"إذا كان هناك أي خطأ مهما كان في ملاحظة الحالة الراهنة، قد يكون التنبؤ المقبول بالحالة الآنية في المستقبل البعيد مستحيلا. بالنظر إلى عدم الدقة الحتمية وعدم اكتمال أرصاد الطقس، يبدو أن التنبؤ الدقيق على المدى البعيد غير موجود"

   

كان يهدف لورنز إلى الطعن في استخدام النماذج التنبؤية التي تفترض تقدما خطيا وحتميا وتتجاهل احتمالات انحراف هذه النماذج عن مسارها. حتى أصغر خطأ في الإعداد الأولي يجعل النموذج عديم الفائدة حيث تتجمع المغالطات بمرور الوقت. يُعرف النمو المتسارع للأخطاء في نموذج تنبؤي بالفوضى الحتمية والتي تحدث في معظم الأنظمة بغض النظر عن بساطتها أو تعقيدها.

 

إن تأثير الفراشة متواضع نوعا ما، فهو نموذج يكشف العيوب في نماذج أخرى؛ إذ يبيّن أن العلم أقل دقة مما نفترض، حيث لا توجد لدينا وسيلة للقيام بتوقعات دقيقة بسبب النمو المتسارع للأخطاء. قبل عمل لورنز، افترض الناس أن فكرة تقريبية عن الظروف الأولية ستؤدي إلى توقع تقريبي للنتيجة. كتب جيمس غليك في كتاب "الفوضى: صنع علم جديد" عن ذلك:

"قد تتحول النماذج إلى شبكات معقدة وعشوائية من المعادلات إلى حد ما، والتي تهدف إلى تحويل قياسات الظروف الأولية إلى محاكاة للاتجاهات المستقبلية. كان المبرمجون يأملون ألا تكون النتائج محرّفة بشكل كبير بسبب الافتراضات المبسطة العديدة التي لا مفر منها. إذا كان هناك نموذج غريب جدا، فسيراجع المبرمجون المعادلات التي تهدف إلى إعادة الإنتاج بما يتلاءم مع التوقعات. لقد أثبتت النماذج أنها غافلة بشكل مروع لما يحمله المستقبل في جعبته، لكن العديد من الأشخاص -الذين يُفترض أنهم متخصصون بأمر ما ويلمّون بالموضوع أكثر من غيرهم- تصرفوا كما لو أنهم يؤمنون بالنتائج"

 

أكّد أحد المنظّرين أن "الفكرة الأساسية للعلوم الغربية هي أنه ليس عليك الأخذ في الاعتبار سقوط ورقة من الأشجار على أحد الكواكب في مجرة أخرى عندما تحاول حساب حركة كرة البلياردو على طاولة البلياردو على كوكب الأرض".

  

توضيح لحالتي طقس مع ظروف أولية مختلفة بشكل ضئيل جدا. تتشابه المسارات في البداية، قبل الانحراف أكثر وأكثر

    

كانت نتائج لورنز ثورية لأنها أثبتت أن هذا الافتراض كاذب تماما. وجد أنه من دون فكرة مثالية عن الظروف الأولية، فإن التوقعات لا جدوى منها، وهو كشف صادم في ذلك الوقت. في مطلع استخدام أجهزة الحاسوب، اعتقد كثير من الناس أنها ستمكّننا من فهم الأنظمة المعقدة وإجراء تنبؤات دقيقة. كان الناس عبيدا للطقس منذ آلاف السنين، والآن يريدون السيطرة عليه. من خلال خطأ بريء واحد، هز لورينز عالم التنبؤ بالأرصاد الجوية، مما أدى إلى انتشار أصداء لنظريته إلى ما هو أبعد من الأرصاد الجوية.

 

راي برادبري وتأثير الفراشة وسهم الزمن

نشر راي برادبري قصة الخيال العلمي الكلاسيكية "صوت الرعد" (A Sound of Thunder) قبل تحديد نظرية الفوضى وتأثير الفراشة. تدور أحداث القصة في عام 2055 عن رجل يُدعى "إيكلز" يسافر في الزمن 65 مليون عام إلى الوراء لقتل ديناصور. رغم تحذيره من الخروج عن خطة المرشد السياحي، يتوجه إيكلز إلى جانب مرشده ومساعد المرشد لقتل أحد ديناصورات "تي ريكس" الذي كان سيموت قريبا على أي حال بسقوط شجرة عليه. يفزع إيكلز عند رؤية المخلوق ويبتعد عن المسار، تاركا مرشده لقتل تي ريكس. يغضب المرشد ويأمر إيكلز بإزالة الرصاص قبل عودة الثلاثي إلى عام 2055. يشعرون بالارتباك عند عودتهم حيث وجدوا أن العالم قد تغير؛ إذ تغيرت اللغة وأصبح الحاكم دكتاتوريًّا. يلاحظ إيكلز المرتبك فراشة مسحوقة تتشبث بحذائه، ويدرك أنه عند ابتعاده عن المسار سابقا قام بقتل الحشرة وتغيير المستقبل. كتب برادبري:

   

"استيقظ إيكلز ليجد نفسه جالسا على كرسي، تخبط بجنون عند رؤية الوحل على حذائه، حمل كتلة من الوحل وارتجف قائلا: ’كلا، لا يمكن أن يكون ذلك صحيحا، ليس أمرا من هذا القبيل، كلا!‘

لاح في الطين لمعان أخضر وذهبي أسود، كانت فراشة جميلة ميتة.

صرخ إيكلز باكيا: ’ليس شيئا صغيرا كهذا! ليس فراشة!‘.

سقطت على الأرض، شيء رائع صغير يمكن أن يخل بالتوازن ويهدم صفا من الدومينو الصغيرة ثم الدومينو الكبيرة ثم الدومينو العملاقة، كل ذلك على مر سنوات عبر زمن طويل. دارت أفكار إيكلز في دوامة: ’لا يمكن أن يغير ذلك الأمور؛ لا يمكن أن يكون قتل فراشة واحدة بهذه الأهمية! أيمكن ذلك؟‘

 

تصور برادبري مرور الوقت على أنه هش وعُرضة للتأثر بتغييرات طفيفة. في العقود التي أعقبت نشر قصة "صوت الرعد"، فحص الفيزيائيون دقتها. من الواضح أننا لا نستطيع السفر عبر الزمن، لذا لا توجد طريقة لمعرفة مدى معقولية القصة بما يتجاوز النماذج التنبؤية. يطرح عمل برادبري أسئلة حول ماهية الزمن وما إذا كان حتميا.

   

 راي برادبري (مواقع التواصل)

  

يشير الفيزيائيون إلى ذلك بـ "سهم الزمن"[1]، وهو تطور غير قابل لعكس الإنتروبيا (الفوضى)[2]. ومع تقدم الزمن، تصبح المادة أكثر فوضى وبشكل تلقائي لا تعود إلى حالتها الأصلية. إذا كسرت بيضة، فإنها تبقى مكسورة ولا يمكن إعادة تشكيلها بشكل تلقائي مثلا. يمنحنا سهم الزمن إحساسا بالماضي والحاضر والمستقبل. أوضح آرثر إيدنغتون (الفلكي والفيزيائي الذي صاغ هذا المصطلح):

  

"دعونا نرسم سهما عشوائيا: إذا كنا نتابع السهم ووجدنا المزيد من العامل العشوائي في العالم، حينها يكون السهم مشيرا إلى المستقبل؛ إذا تضاءل العنصر العشوائي، فإن السهم يشير نحو الماضي. هذا هو التمييز الوحيد المعروف في الفيزياء، يتبع ذلك فورا إذا تم قبول الادعاء الأساسي القائم لدينا أن العشوائية هي الشيء الوحيد الذي لا يمكن التراجع عنه"

  

باختصار، إن مرور الزمن كما نرى موجود بشكل مشروط لوجود الإنتروبيا؛ طالما أن الإنتروبيا غير قابلة للعكس، يمكن القول إن الزمن موجود. إن أقرب قياس حقيقي للزمن لدينا هو قياس الإنتروبيا، إذا كان تطور الزمن ليس سوى رحلة نحو الفوضى، فمن المنطقي أن تؤثر التغييرات الصغيرة على المستقبل من خلال تضخيم الفوضى.

 

لا نعرف بعد ما إذا كانت الإنتروبيا تخلق الزمن أم أنه منتج ثانوي لها. لا يمكننا في وقت لاحق أن نعرف ما إذا كان تغيير الماضي سيغير المستقبل. هل الدوس على فراشة سوف يحوّل مسار الإنتروبيا؟ هل خرج إيكلز عن المسار بإرادته، أم أن ذلك الحدث كان محددا سلفا؟ هل كان المستقبل الديكتاتوري الذي عاد إليه مقدَّرا في جميع الأحوال.

 

استحوذت هذه المفاهيم المترابطة -بما في ذلك تأثير الفراشة ونظرية الفوضى والحتمية والإرادة الحرة والسفر عبر الزمن- على الكثير من الخيال منذ اكتشافاتها. يجدر الإشارة إلى أن الأعمال الخيالية تميل إلى النظر إلى الفراشة الرمزية كسبب للأثر. ووفقا لِلورنز، فإن بيت القصيد هو أن التفاصيل الصغيرة يمكن أن تغير موازين القوى أو تخلّ بالتوازن دون أن تكون قابلة للتعريف.

   

   

تأثير الفراشة في الأعمال التجارية

الأسواق في جوهرها عبارة عن أنظمة فوضى تتأثر بالتغيرات الصغيرة. يصعّب ذلك التنبؤ بالمستقبل، حيث إن نجاحات الشركات وأوجه فشلها يمكن أن تظهر بشكل عشوائي. تنشأ فترات النمو الاقتصادي وتراجعها من العدم؛ وذلك نتيجة الأثر الهائل للمحفزات الخفية، وهي المكافئ الاقتصادي لتأثير الفراشة. يشرح بروير:

"إننا نعيش في مجتمع متشابك، أو بالأحرى متشابك بشكل مفرط. تتصرف المؤسسات والأسواق مثل الشبكات، ويثير ذلك سلوك فوضوي (معقد) بدلا من السلوك الخطي"

    

ليس من السهل التحضير للمستقبل ورؤية المنطق في فوضى سلوك المستهلك. تنهار الشركات العملاقة فجأة عندما تتخلف عن مواكبة التطور. تنهض الشركات الناشئة الصغيرة من الركام وتسيطر على الصناعات. تحوّل تغيرات صغيرة في التكنولوجيا الحالية الطريقة التي يعيش بها الناس حياتهم. تسيطر الموضات العابرة على خيال الجميع، ثم تختفي.

 

لدى الشركات خياران في هذه الحالة: اعتماد منتج أو خدمة دائمة، أو سباق لمواكبة التغيير. تختار العديد من الشركات مزيجا من الاثنين؛ على سبيل المثال، يستمر متجر دوك مارتنز (Doc Martens) في بيع الحذاء الكلاسيكي الذي يصنعونه منذ عام 1460، مع إصدار تصاميم جديدة في كل موسم. ويتطلب هذا النهج يقظة واهتماما شديدين بالرغبات الاستهلاكية، في محاولة لأن يظل كلاهما مناسبين ويبدوان وكأنهما يتخطيان الزمن. تستفيد الشركات من الأثر المركب لتعديلات صغيرة تهدف إلى جذب الاهتمام بكل ما تقدمه هذه الشركات.

 

في كتاب "تأثير الفراشة في الأسواق التنافسية"، كتب الدكتور راجاجوبال بأن: "معظم الشركات العالمية تخترق قطاعات السوق من أسفل الهرم من خلال إدخال تغييرات صغيرة في التكنولوجيا وانطباعات القيمة وإستراتيجيات مزيج التسويق، ودفع الإنتاج على نطاق لا يمكن تصور حجمه لاشتقاق أثر كبير على الأسواق. شهدت شركات مثل نستله وآبل وسامسونغ هذا الأثر في ازدهار أعمالها. تقود الشركات المدارة بشكل جيد تغييرات صغيرة في إستراتيجيات أعمالها عن طريق جسّ نبض المستهلكين.

   

    

تستخدم معظم الشركات هذا التأثير عن طريق إجراء تغيير بسيط في إستراتيجيتها في إشارة إلى تطوير صورة الشركة وانتشارها للحصول على ربح وحصة سوقية أعلى في فترة قصيرة. بالنسبة لمعظم الشركات، تُعد التغييرات الصغيرة المستمرة هي الطريقة الأكثر فعالية لإنتاج "الإعصار المجازي"، أي التغيير الكبير. تُبقي هذه الإصدارات المستهلكين منكبّين على منتجات هذه الشركات مع الحفاظ على هوية العلامة التجارية. إذا فشلت هذه التعديلات الصغيرة، يبقى الأمل ألا يكون الأثر كبيرا جدا؛ بينما إذا نجحت وتضاعفت، يمكن أن تكون مثمرة بشكل هائل.

  

جميع الأسواق فوضوية بطبيعتها، وما يظهر كأنه تغيرات غير منطقية يمكن أن يُنجِح عملا تجاريا أو يُفشله. يشرح راجاجوبال كيف يرتبط تأثير الفراشة بالأعمال التجارية حيث كتب: "لقد ساهمت العولمة والتغييرات المتواترة في تفضيلات المستهلكين تجاه المنتجات والخدمات في تسارع الفوضى في السوق بسبب اندفاع إستراتيجيات الشركات والمنتجات والأعمال التجارية. تتعامل نظرية الفوضى في الأسواق مع سلوك التحركات الإستراتيجية والديناميكية للشركات المتنافسة المعرضة للتأثر بظروف السوق الحالية بشكل بالغ مما يؤدي إلى إثارة تأثير الفراشة".

 

تُشكّل الظروف الأولية التي تتأسس عليها الأعمال التجارية (بما في ذلك الظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية) تأثيرات حيوية على نجاح هذه الأعمال أو فشلها. وجد لورنز أن أبسط تغيير في الظروف الأولية خلق نتيجة مختلفة في التنبؤات الجوية، ويمكننا اعتبار أن الأمر نفسه ينطبق على الشركات. تُعتبر الأشهر والسنوات القليلة الأولى فترة حاسمة حيث تكون معدلات الفشل أعلى وتتشكل هوية العلامة التجارية الأساسية. قد تكون أي من القرارات أو الإنجازات أو الأخطاء المبكرة هي رفرفة جناح الفراشة التي ستتسبب في حدوث عاصفة.

 

بِنوا ماندلبروت حول تأثير الفراشة في الاقتصاد

يمكن اعتبار الاقتصادات الدولية نظاما موحَّدا حيث يؤثر كل جزء على الأنظمة الأخرى؛ فإن الاقتصاد عبارة عن نظام معقد لا نرى فيه سوى النتائج المرئية المتمثلة في الازدهار أو الانهيار كالمطر والشمس في السماء. مع ظهور العولمة وتحسين تكنولوجيا الاتصالات، أصبح الاقتصاد أكثر ترابطا مما كان عليه في الماضي؛ يمكن أن تسبب حلقة واحدة من تقلّبات السوق مشاكل للنظام بأكمله. يشير تأثير الفراشة في علم الاقتصاد إلى التأثير المركب للتغيرات الصغيرة، ونتيجة لذلك، يكاد يكون من المستحيل إجراء تنبؤات دقيقة للمستقبل أو لتحديد السبب الدقيق لتغيّر لا يمكن تفسيره، مثل فترات طويلة من الاستقرار يتبعها تدهور مفاجئ، والعكس صحيح.

   

بِنوا ماندلبروت (مواقع التواصل)

   

بدأ بِنوا ماندلبروت (مؤسس علم الهندسة الكسيرية) [3] تطبيق تأثير الفراشة على الاقتصاد منذ عدة عقود. أوضحت النتائج التي توصّل إليها في مقال له في مجلة ساينتفيك أميركان (Scientific American) عام 1999. رأى ماندلبروت كيف يمكن أن تكون الأسواق غير مستقرة، واستشهد بمثال عن شركة شهدت انخفاض أسهمها بنسبة 40% في يوم واحد، تلاها انخفاض بنسبة 6% قبل أن ترتفع بنسبة 10% كالإعصار الناجم عن فراشة غير مرئية. عندما نظر بِنوا إلى النماذج الاقتصادية التقليدية وجد أنها لم تسمح حتى بحدوث مثل هذه الأحداث؛ إذ منعت النماذج القياسية وجود تحولات سوق دراماتيكية. كتب بنوا في مجلة ساينتفيك أمريكان:

 

"وفقا لنظرية المحفظة [4]، فإن احتمال حدوث هذه التقلبات التجارية الكبيرة سيكون بضعة أجزاء من المليون من أجزاء من المليون من أجزاء من المليون من أجزاء من المليون (تقلبات تجارية أكبر من عَشر انحرافات معيارية). ولكن يلاحظ المرء في الواقع طفرات على أساس منتظم -كل شهر في كثير من الأحيان- ويبلغ احتمال وقوعها جزءا من المئة"

   

إذا كانت هذه التغييرات غير متوقعة، فما الذي يسببها؟ يكمن رد ماندلبروت في عمله على الكسيريات. يشرح ماندلبروت الكسيريات على أنها: "شكل هندسي يمكن فصله إلى أجزاء، كل منها عبارة عن نسخة مصغرة من الكل". ويوضح علاقتها في الاقتصاد حيث أوضح: "في العلوم المالية، هذا المفهوم ليس تجريدا لا جذور له، بل هو إعادة صياغة نظرية من فولكلور الأسواق وبالتحديد أن حركات الأسهم أو العملات تبدو متشابهة عندما يتم توسيع أو تضييق مخطط السوق حتى يتناسب مع جداول الأسعار والوقت. عندئذ لا يستطيع المراقب معرفة أي من البيانات يتعلق بالأسعار التي تتغير من أسبوع لآخر، من يوم لآخر، من ساعة إلى أخرى. تُظهِر هذه الخاصية الرسوم البيانية على شكل منحنيات كسورية وتوفر العديد من الأدوات الفعالة للتحليل الرياضي والحاسوبي".

   

في محاضرة له، رفع ماندلبروت فنجان القهوة وأعلن أن التنبؤ بدرجة حرارة القهوة خلال دقيقة واحدة أمر مستحيل، ولكنه ممكن كليا خلال ساعة. طبّق المفهوم نفسه على الأسواق التي تتغير بطرق دراماتيكية على المدى القصير. حتى إذا كان من الممكن استنتاج نمط طويل الأجل، فليس له فائدة تُذْكر بالنسبة لأولئك الذين يمتلكون علاقات تجارية على نطاق زمني أقصر.

      

     

يشرح ماندلبروت كيف يمكن استخدام كسيرياته لإنشاء نموذج أكثر فائدة لطبيعة الاقتصاد الفوضوية: "يمكن وضع الكسيريات المتعددة لـِ ’اختبار توتر‘ المحفظة (الأوراق التجارية). في هذه التقنية، تحاول القواعد المتبعة في العمليات المتعددة إنشاء أنماط التغير نفسها مثلما تفعل القواعد المجهولة التي تحكم الأسواق الفعلية. تصف المتغيرات المتعددة بدقة العلاقة بين شكل المولد وأنماط تقلبات الأسعار التي يمكن العثور عليها في جداول بيانات السوق الحقيقية. تقدّم تقديرات لاحتمالية ما قد يفعله السوق وتسمح لأحدها بالإعداد لتغيرات بحرية لا مفر منها. تم تصميم أساليب النمذجة الجديدة لإلقاء ضوء النظام في الأسواق المالية التي يبدو أنها غير قابلة للاختراق. كما تعترف هذه الأساليب بتحذير الملّاحين بأنها تستحق الانتباه كما تُظهِر الأحداث الأخيرة؛ فحتى في أهدأ البِحار، قد تكون العاصفة وراء الأفق".

 

في كتاب "سوء سلوك الأسواق" (The Misbehaviour of Markets)، توسّع ماندلبروت وريتشارد هدسون حول موضوع الفوضى المالية. استهلا بمناقشة حادث الأزمة المالية العالمية 2008 وتداعياتها: "كان لانهيار السوق العالمي في خريف عام 2008 العديد من الأسباب: المصرفيون الجشعون والهيئات التنظيمية المتساهلة والمستثمرون الساذجون على سبيل المثال لا الحصر. ولكن هناك أيضا سبب أقل وضوحا، وهو أن فهمنا لكيفية عمل الأسواق وكيف تتحرك الأسعار وكيف تتطور المخاطر محدود للغاية".

 

الأسواق معقدة وغادرة؛ كان الانخفاض المفاجئ في 29 سبتمبر/أيلول 2008 -وهو انخفاض بنسبة 7%- مجرد عرض مثير بشكل خاص لهذه الحقيقة من الناحية التاريخية. في غضون ساعات قليلة، تم محو قيمة أكثر من 1.6 تريليون دولار من قيمة الصناعة الأميركية و5 تريليون دولار في جميع أنحاء العالم.

 

يعتقد ماندلبروت وهدسون أن أزمة الائتمان لعام 2008 يمكن أن تُعزى في جزء منها إلى تزايد الثقة في التنبؤات المالية. أخفق الأشخاص الذين صنعوا نماذج حاسوبية مصممة لتخمين المستقبل في الأخذ بعين الاعتبار تأثير الفراشة. وبغض النظر عن مدى تعقيد النماذج، فإنها لم تتمكن من إنشاء صورة مثالية للظروف الأولية أو حساب التأثير المركب للتغيرات الصغيرة. وكما اعتقد الناس أنهم يستطيعون التنبؤ وبالتالي التحكم في الطقس قبل نشر لورينز لعمله، اعتقدوا أيضا أنهم يستطيعون فعل الشيء نفسه بالنسبة للأسواق حتى أثبت انهيار عام 2008 عكس ذلك. كانت بنوك وول ستريت تثق بنماذجها المستقبلية لدرجة أنها شعرت بالأمان في اقتراض مبالغ مالية متزايدة مقابل ما كان في جوهره لعب قمار بحت. في نهاية المطاف، كانت تشير تنبؤاتهم إلى أن حدوث مثل هذا الانهيار أمر مستحيل. سواء كان مستحيلا أم لا، فقد حدث في الواقع.

   

   

وفقا لماندلبروت وهدسون، تنظر النماذج التنبؤية إلى الأسواق على أنها "محفوفة بالمخاطر، ولكنها في نهاية المطاف عالم يمكن التحكم فيه". وكما هو الحال في علم الأرصاد الجوية، تستند التوقعات الاقتصادية إلى أفكار تقريبية للظروف الأولية، وهي أفكار عديمة الفائدة. كما كتب ماندلبروت وهدسون:

  

"عادة ما تكون الأسباب غامضة؛ إذ إن آلية السوق الدقيقة التي تربط الأخبار بالسعر وتُحدِث أثرا غامضة وغير متناسقة. يهبط الدولار في حال خطر وقوع الحرب، يرتفع الدولار في حال خطر وقوع الحرب. أي من الاثنين سيحدث بالفعل؟ بعد وقوع الحرب، تبدو الإجابة واضحة. بعد حدوث ما حدث، يمكن إعادة تشكيل التحليل الأساسي الذي سيكون رائعا. ولكن قبل حدوث ذلك، قد تبدو كلتا النتيجتين متساويتين"

   

بالطريقة نفسها التي يمكن بها لظروف الطقس المتشابهة أن تخلق نتائج مختلفة اختلافا جذريا، فإن ظروف السوق المتشابهة يمكن أن تخلق نتائج مختلفة اختلافا جذريا. لا يمكننا أن نرى مدى ترابط الاقتصاد ولا يمكننا تحديد مكان الفراشة. يختلف ماندلبروت وهدسون مع الرأي القائل بأن الاقتصاد منفصل عن أجزاء أخرى من عالمنا. كل شيء مرتبط ببعضه البعض:

"لا يوجد أحد بمفرده في هذا العالم، لا يوجد فعل دون آثار على الآخرين. من مبادئ نظرية الفوضى أن نتيجة أي عملية في الأنظمة الديناميكية تكون متأثرة بنقطة بدايتها، كما في مقولة إن رفرفة أجنحة الفراشة في الأمازون يمكن أن تتسبب في إعصار في تكساس. لا أؤكد أن الأسواق فوضوية، لكن من الواضح أن الاقتصاد العالمي هو آلة معقدة بشكل لا يسبر غوره. إضافة إلى كل تعقيدات العالم المادي، يوجد التعقيد النفسي للأشخاص الذين يتصرفون حسب توقعاتهم العابرة"

   

لماذا يفضّل الناس إلقاء اللوم عند وقوع حوادث (مثل أزمة الائتمان لعام 2008) على حماقة أولئك العاملين في الصناعة المالية؟ يقدم جوناثان كاينر شرحا موجزا: "لماذا نحب فكرة أن أشخاصا قد يعملون سرا معا للتحكم في العالم وتنظيمه؟ لأننا لا نحب أن نواجه حقيقة أن عالمنا يعمل على مزيج من الفوضى وعدم الكفاءة والاضطراب".

 

أمثلة تاريخية لتأثير الفراشة

"إن سببا صغيرا جدا يفلت من ملاحظتنا له، يُشكّل أثرا كبيرا يظهر جليّا لنا، ثم نقول إن الأثر يرجع إلى المصادفة. إذا عرفنا بالضبط قوانين الطبيعة وحالة الكون في اللحظة الأولى، يمكننا أن نتنبأ بالضبط بوضع الكون بحد ذاته في وقت لاحق. ولكن حتى لو لم تعد القوانين الطبيعية سرا بالنسبة لنا، فلا يزال بإمكاننا معرفة الوضع الأولي تقريبا. إذا كان ذلك قد مكّننا من التنبؤ بالوضع التالي مع التقريب نفسه، فهذا هو كل ما نحتاج إليه، ويجب أن نقول إن الظاهرة قد تم التنبؤ بها، وإن القوانين تحكمها. لكنها ليست هكذا دائما؛ قد يحدث أن الاختلافات الصغيرة في الظروف الأولية تنتج اختلافات كبيرة في الظواهر النهائية، خطأ صغير في السابق سيؤدي إلى خطأ هائل لاحقا. وتصبح التنبؤات مستحيلة، فيتبقّى بذلك لدينا الظاهرة العرضية"

(هنري بوانكاريه [1854-1912])

   

هنري بوانكاريه (مواقع التواصل)

  

توجد أمثلة كثيرة لحالات أدّت فيها التفاصيل الدقيقة إلى تغيير دراماتيكي. في كل حالة، يمكن أن يكون العالم الذي نعيش فيه مختلفا لو تم عكس الوضع. فيما يلي بعض الأمثلة على كيفية تشكيل تأثير الفراشة لحياتنا:

القصف الذري على هيروشيما وناجازاكي: كانت الولايات المتحدة تنوي في البداية قصف مدينة كوروكو اليابانية، حيث كان هدفها مصنع الذخيرة. في اليوم الذي خططت فيه الولايات المتحدة للهجوم، منعت الظروف الجوية الغائمة الأفراد العسكريين من رؤية المصنع أثناء تحليقهم في الجو. مرت الطائرة على المدينة ثلاث مرات قبل أن يستسلم الطيارون، سمع السكان المحليون المتجمعين في الملاجئ هدير الطائرة بينما تستعد لإسقاط القنبلة النووية واستعد السكان بدورهم لأن يتم تدميرهم، لكن لم يتم قصف كوروكو أبدا. قرر أفراد الجيش استهداف ناجازاكي بسبب الرؤية الأفضل للطيارين العسكريين المحلّقين في هذه المنطقة. كانت الآثار المترتبة على هذا القرار اللحظي الفاصل ضخمة جدا. لا يمكننا حتى تخيّل كيف يمكن أن يكون التاريخ مختلفا لو لم يكن ذلك اليوم غائما. يشار إلى كوروكو في بعض الأحيان على أنها أكثر المدن حظا في اليابان، ولا يزال أولئك الذين عاشوا هناك أثناء الحرب مرعوبين بسبب ما كان وشيكا.
    
رفض أكاديمية الفنون الجميلة في فيينا طلب أدولف هتلر بالالتحاق بها مرتين: في أوائل القرن العشرين، تقدّم هتلر الشاب بطلب التحاق بمدرسة الفنون ورُفض غالبا من قِبل أستاذ يهودي. من منظوره الخاص ومنظور العلماء، فإن هذا الرفض شكّل تحوّله من فنان طموح بوهيمي إلى شخصية تجسّد الشر. لا يمكننا سوى التكهّن بشأن كيف كان التاريخ ليكون مختلفا. لكن من الأسلم أن نفترض أنه كان بالإمكان تفادي قدر كبير من المأساة إذا كان هتلر قد انكبّ على ألوان مائية، وليس على إبادة جماعية.
   
  
اغتيال الأرشيدوق فرانز فرديناند: حقيقة غير معروفة عن الحدث الذي يُعتبر العامل المحفز للحربين العالميتين هو أنه لم يحدث تقريبا. في 28 يونيو/حزيران 1914، ذهب شاب من صرب البوسنة يُدعى غافريلو برينسيب إلى سراييفو مع قومييْن آخريْن من أجل اغتيال الأرشيدوق. فشلت محاولة الاغتيال الأولية؛ انفجرت قنبلة أسفل السيارة خلف سيارة الأرشيدوق وأصابت رُكّابها. كان من المفترض أن يسلك سائق الأرشيدوق طريقا آخر بعد ذلك، لكن لم تصله الرسالة. لو أنه سلك الطريق البديل، لكان برينسيب غير موجود في الشارع نفسه الذي كانت به السيارة ولم يكن ليمتلك الفرصة لقتل الأرشيدوق وزوجته في ذلك اليوم. لولا فشل الاتصالات، فربما لم تكن لتحدث حروب عالمية على الإطلاق.
   

فرانز فرديناند (مواقع التواصل)

   
كارثة مفاعل تشرنوبيل: في عام 1986، سار اختبار في محطة تشرنوبيل النووية بشكل سيئ حيث أطلق إشعاعا مضاعفا بنسبة 400 مرة عن الإشعاع الناتج عن قصف هيروشيما. تم إجلاء مئة وخمسة عشر ألف شخص من المنطقة مع العديد من الوفيات والعيوب الخلقية الناتجة عن الإشعاع. وحتى اليوم، لا يزال من الخطر زيارة بعض المناطق. ومع ذلك، كان يمكن أن يكون الأمر أسوأ من ذلك بكثير؛ بعد الانفجار الأولي، تطوّع ثلاثة عمال في المصنع لإيقاف الصمامات تحت الماء لمنع انفجار ثانٍ. منذ فترة طويلة يُعتقد أن الثلاثي توفوا نتيجة لذلك، على الرغم من أن هناك بعض الأدلة الآن التي تشير إلى أن ذلك قد لا يكون مصيرهم آنذاك. وبغض النظر عن ذلك، كان الغوص في القبو المظلم الذي يفيض بالمياه المشعة عملا بطوليا. لو أنهم فشلوا في إيقاف الصمام، لكان قد تم تدمير نصف أوروبا وأصبحت غير صالحة للسكن لمدة نصف مليون سنة، كما لكانت روسيا وأوكرانيا وكييف غير صالحة للسكن البشري. سواء كانوا أحياء أم لا، فقد أوقف الرجال الثلاثة -أليكسي أنانكو وفاليري بيزيالوف وبوريس بارانوف- أجنحة فراشة قاتلة. والواقع أن كارثة تشرنوبيل برمّتها كانت نتيجة سوء التصميم وعدم كفاءة الموظفين. كانت النتيجة على المدى الطويل (بالإضافة إلى التأثير على سكان المنطقة) مصدر قلق واسع النطاق تجاه المنشآت النووية والتحيز ضد الطاقة النووية، مما أدى إلى تفضيل الوقود الأحفوري. وتكهّن بعض الناس بأن مفاعل تشرنوبيل هو المسؤول عن تسارع الاحترار العالمي، حيث أصبحت البلدان بطيئة بشكل لا مسوغ له في تبني الطاقة النووية.
  
أزمة الصواريخ الكوبية: قد يدين العديد بحياتهم لضابط وحيد في البحرية الروسية يُدعى فاسيلي أرخيبوف، الذي أُطلق عليه "الرجل الذي أنقذ العالم". خلال أزمة الصواريخ الكوبية، كان أرخيبوف يركب غواصة مسلحة نوويا بالقرب من كوبا. بدأت الطائرات والسفن الأميركية باستخدام قذائف الأعماق للإشارة إلى الغواصة التي ينبغي أن تصعد إلى السطح حتى يمكن التعرف عليها. ومع غرق الغواصة في عمق شديد لرصد الإشارات اللاسلكية، لم يكن لدى الطاقم أي فكرة عما يحدث في العالم أعلاه. قرر القبطان سافيتسكي أن الإشارة تعني أن الحرب قد اندلعت واستعد لإطلاق طوربيد نووي، اتّفق الجميع معه باستثناء أرخيبوف. لو تم إطلاق الطوربيدات، لكانت الغيوم النووية تضرب موسكو ولندن وشرق أنغليا وألمانيا، قبل أن تمحو نصف سكان بريطانيا. يمكن أن تكون النتيجة محرقة نووية في جميع أنحاء العالم حيث ستنتقم الدول من بعضها البعض وينتشر الصراع. ومع ذلك، كان أرخيبوف يمارس حقه في الفيتو داخل غرفة تحت الماء ومنَع نشوب الحرب. لولا شجاعة رجل واحد، يمكن أن يكون عالمنا مختلفا بشكل لا يمكن تصوره.

   

فاسيلي أرخيبوف (مواقع التواصل)

 

من الواضح من هذه الأمثلة القليلة مدى هشاشة العالم، ومدى حدة آثار الأحداث الصغيرة على ظروف البداية. نود الاعتقاد أننا نستطيع التنبؤ بالمستقبل وممارسة درجة من التحكم في الأنظمة القوية مثل الطقس والاقتصاد. ومع ذلك يُظهر تأثير الفراشة أننا لا نستطيع ذلك؛ فالأنظمة المحيطة بنا فوضوية وإنتروبية وعرضة للتغيير المفاجئ. بالنسبة لأنواع معينة من الأنظمة، يمكننا محاولة خلق ظروف مواتية للانطلاق والإيمان بأنواع المحفزات التي قد تعمل على هذه الظروف أو تتحكم بها، ولكن ذلك بقدر ما تمتد قوتنا. إذا كنا نعتقد أنه يمكننا تحديد كل عامل محفز ومراقبة النتائج أو التنبؤ بها، فنحن فقط نجهّز أنفسنا للسقوط.

-------------------------------------------------------

هوامش:

[1] سهم الزمن: في العلوم الطبيعية هو مصطلح صكّه الفلكي البريطاني آرثر إدنغتون عام 1927 لتمييز اتجاه الزمن على خارطة رباعية الأبعاد للعالم. وفقا لإدنغتون فإن اتجاه الزمن يمكن أن يحدد عن طريق دراسة تنظيمات وتجمعات الذرات والجزيئات والأجسام. العمليات الفيزيائية على المستوى المجهري يمكن أن تصور إما على أساس أنها متناظرة زمنيا كليا وإما جزئيا، مما يعني أن العبارات الفيزيائية التي تصف هذه العمليات يجب أن تبقى صحيحة إذا تم عكس الزمن. العمليات الفيزيائية التلقائية التي تترافق غالبا بازدياد في الإنتروبية لا تؤمن شرط التناظر في الزمن، هذا مما يجعل منح الزمن اتجاها محددا من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل أمرا ضروريا.

  

[2] إنتروبيا (Entropy): هي الكمية الوحيدة في الفيزياء والكيمياء التي تحتاج إلى تعريف اتجاه الزمن أو ما يسمى سهم الزمن. فبحسب القانون الثاني للديناميكا الحرارية تزداد إنتروبية نظام معزول مع مرور الزمن تلقائيا، أي يمكن قياس مرور الزمن بمعرفة تغير الإنتروبية. ولكن بالنسبة إلى الأنظمة الترموديناميكية (الحرارية) غير المعزولة يمكن لإنتروبية النظام المفتوح أن تنخفض: وتوجد أنظمة عديدة تتغير فيها الإنتروبيا وتقل مع الزمن، مثل الكائنات الحية، وعمليات التبلور. في تلك الأنظمة تنخفض قيمة الإنتروبيا على حساب زيادته في الوسط المحيط. ومثال على ذلك تبلور البلورات وعمل الثلاجة ووجود الحياة، إذ يوجد تبادل طاقة بين النظام والوسط المحيط في النظام المفتوح.

 

[3] الكُسيريات أو الفركتلات (Fractals): هي أشكال هندسية تختلف عن الأشكال الهندسية الأخرى بسبب الطريقة التي تتدرج بها زيادة أو نقصانا. والكسيرية هي كائن هندسي يتصف بالخشونة وعدم الانتظام على كل المقاييس، ولهذا يبدو في جوهره وكأنه 'مكسور'. يمكن تعريف الكسيريات ببساطة على أنها صور مقسمة إلى أجزاء، كل منها يبدو مماثلا للأصل.

  

[4] نظرية المحفظة الحديثة (Modern Portfolio Theory): وضع هذه النظرية الباحث الاقتصادي "هاري ماركويتز" حيث وضّح أن هناك علاقة ما بين العائد المتوقع للاستثمار وبين مستوى المخاطرة، ويمكن اعتبار ماركويتز أول من قدم طريقة قياس كمية لحساب كل من عائد وخطر المحافظ الاستثمارية، ووضح كيفية استخدام التنويع (diversification) للوصول إلى العائد المتوقع الأمثل ضمن مستوى مخاطر معين.

-----------------------------------------------------

ترجمة (آلاء أبو رميلة)

هذا التقرير مترجم عن: Farnam Street ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار