انضم إلينا
اغلاق
كيف موّلت البطاطا صعود الرأسمالية الليبرالية؟

كيف موّلت البطاطا صعود الرأسمالية الليبرالية؟

The Conversation

موقع إخباري
  • ض
  • ض

ما نأكله يُهمّنا، ولكننا لسنا متأكدين ما إذا كان يجب أن يهم أي شخص آخر. فنحن نُصِرّ عموما على أن نظامنا الغذائي هو شأننا الشخصي، ونكره تناول المزيد من الفاكهة واستهلاك كميات أقل من المشروبات الغازية، ولا نبذل جهدا بشكل عام عندما يتعلق الأمر باختيار طعامنا.

 

عندما حاول مايكل بلومبرغ عمدة مدينة نيويورك بين عامي ٢٠١٢ و٢٠١٣ منع بيع المشروبات الغازية كبيرة الحجم فشلت جهوده؛ لأن النقاد اعتبروا ذلك تدخلا في حق الفرد في اتخاذ خياراته الغذائية الخاصة. وخرج إعلان على صفحة كاملة في صحيفة نيويورك تايمز صارخا: "سكان نيويورك بحاجة إلى عمدة لا مربية". وعندما أوقفت مدرسة بالقرب من روثرهام في شمال إنجلترا بيع نوع من الحلوى والمشروبات الغازية من المطعم، ارتفعت أصوات الأمهات الغاضبات في احتجاج، وأصررن على أن لأطفالهن الحق في تناول الطعام غير الصحي.

 

في الوقت ذاته يشعر كثير من البريطانيين بالقلق من التقارير التي تخلص إلى أن ولعهم بالسكر وكرههم لممارسة التمارين الرياضية سيؤدي في نهاية المطاف إلى إفلاس نظام الصحة العامة؛ حيث إن فكرة أن الأشخاص الذين يعانون من الوزن الزائد مطالبون بإنقاص الوزن قبل تلقي العلاج آخذة بالرواج. ونتفق جميعا على أن اختياراتنا الغذائية السيئة تؤثر على الجميع، ولكن في الوقت نفسه نحن على يقين أننا نملك الحق في تناول ما نريد.

    

   

ترتبط قصة بداية تفكيرنا بهذه الطريقة عن الطعام ارتباطا وثيقا بظهور البطاطا كمصدر قومي للنشويات. وارتباط حب بريطانيا للبطاطا بمفاهيم القيمة النفعية لنظام غذائي جيد، وفكرة أن المواطنين الأصحاء هم المحرك لاقتصاد قوي. لمعرفة المزيد عن ذلك، نحتاج إلى العودة إلى القرن الثامن عشر.

 

الأكل المستنير

إن الخلاف الحالي بين الصحة العامة والاختيار الفردي هو نتيجة لأفكار جديدة ظهرت خلال عصر التنوير. فخلال القرن الثامن عشر، بدأت الدول في جميع أنحاء أوروبا بإعادة النظر في قواعد الثروة والقوة الوطنية. في قلب هذه الأفكار الجديدة كان هناك تقدير جديد لما نسميه الآن بالصحة العامة. في حين رغب الحكام في القرون السابقة في منع المجاعات التي قد تسبب اضطرابات عامة، كان السياسيون في القرن الثامن عشر مقتنعين بقوة بأن قوة الأمة والبراعة الاقتصادية تتطلبان أكثر من سكّان مطيعين غير راغبين في أعمال الشغب.

 

لقد آمنوا بأنها تحتاج إلى قوى عاملة قوية ونشيطة وحيوية من الجنود والعمال، وهذا وحده يضمن نجاح الصناعة. "فالأسس الحقيقية للثروات والقوة"، كما قال يوناس هانواي في القرن الثامن عشر، "هي عدد الفقراء العاملين". لهذا السبب، خلص إلى:"كل اقتراح لزيادته جدير بالنظر، فتعداد الشعب هو المخزون الوطني، والعزبة التي لا تملك من يديرها لا نفع لها. وتسري القاعدة نفسها على بلدة أو دولة بأكملها".

 

واتفق المفكر الإسباني خواكين زافييه دي يوريز في عام 1801 على أنه "لا يوجد سياسي واحد" لا يقبل الحقيقة الواضحة بأن وجود أكبر عدد ممكن من الملتزمين بالقانون الذين يعملون بجد يعني السعادة والقوة والثروة لأي دولة". ولذلك فقد أولى رجال الدولة ومحبو الصالح العام اهتماما لزيادة عدد السكان الأصحاء جسديا، وكان ذلك هو لغز الإنتاجية في القرن الثامن عشر.

    

   

من الواضح أن هذا يتطلب إمدادات وفيرة من الغذاء الصحي المغذي، وكان هناك إجماع متنامٍ في جميع أنحاء أوروبا على أن الكثير من السكان كانوا يعيقون أنفسهم بعادات غذائية سيئة. على سبيل المثال، جادل الطبيب الاسكتلندي الشهير ويليام بوتشان بهذا في كتابه "ملاحظات عن النظام الغذائي لعامة الشعب" بأن معظم "العامة من الناس" يتناول الكثير من اللحم والخبز الأبيض، والكثير من الجعة، ولا يأكل ما يكفي من الخضار. وذكر أن النتيجة الحتمية هي اعتلال الصحة، وأمراض مثل الإسقربوط الذي يعيث فسادا في أجساد الأطفال والنساء والرجال العاملين. وهو ما قوّض التجارة البريطانية وأضعف الأمة.

 

حيث لا يوفر الجنود الضعفاء حصنا منيعا ضد هجمات الأعداء، وكذلك لا يفلح العمال المرضى في ازدهار التجارة. بدأ الفلاسفة، والاقتصاديون السياسيون، والأطباء والبيروقراطيون وغيرهم في الإصرار على أنه لا يمكن تصور الدول القوية والآمنة دون تغييرات كبيرة في الممارسات الغذائية للسكان ككل. لكن كيف نضمن أن الناس كانوا يتمتعون بتغذية جيدة؟ ما أنواع الطعام التي يمكن أن توفر قاعدة غذائية أفضل من الجعة والخبز الأبيض؟ شجّع بوتشان على نظام غذائي يعتمد بشكل كبير على الحبوب الكاملة والخضروات الجذرية، وأصر على أنها ليست أقل تكلفة من البدائل فحسب، بل إنها ذات فائدة صحية أكبر كذلك.

 

كان متحمسا بشكل خاص للبطاطا؛ "فلا كنز أفضل من بقرة حلوب وحقل بطاطا لرجل فقير له عائلة كبيرة!" وفقا له، قدمت البطاطا الغذاء المثالي. "إن بعض أشد الرجال الذي نعرفهم ترعرعوا على الحليب والبطاطا"، وأكّد بوتشان أنه بمجرد ما أن يدرك الناس المزايا التي سيحصلون عليها شخصيا من نظام غذائي قائم على البطاطا، فإنهم سيقبلونها بسعادة وبكامل إرادتهم. ستعود الفوائد على كل من العمال الأفراد وعائلاتهم، الذين ستُفعم أجسادهم بالطاقة، والدولة والاقتصاد بشكل عام، أي إن الجميع رابح. إن مجرد تمكين الجميع من السعي وراء مصلحتهم الذاتية سيخلق أمة أقوى واقتصادا أكثر إنتاجية. 

 
البطاطا الرائعة

كان بوتشان واحدا من عدد هائل من عشاق البطاطا في القرن الثامن عشر. وشاركت الأندية المحلية في فنلندا في مسابقات تهدف إلى تشجيع الفلاحين على زراعة البطاطا، كما أوضحت الصحف الإسبانية كيفية سلق البطاطا بالطريقة الأيرلندية، وكتب أطباء إيطاليون مقالات كاملة عن "البطاطا الرائعة"، وأصدر الملوك في جميع أنحاء أوروبا مراسيم تشجع الجميع على زراعة وتناول المزيد من البطاطا. في 1794، حفرت حديقة التويلري[1] في باريس وتحولت إلى بقعة لزرع البطاطا.

الفكرة هي أن هناك عددا هائلا من المهتمين بالصالح العام في القرن الثامن عشر كان مقتنعا بأن الرفاه والسعادة الشخصية والعامة يمكن أن يُقتفى أثرها في هذه البطاطا. لم يقترح عشاق البطاطا هؤلاء في أي حال أنه يجب أن يُجبر الناس على أكلها، بل أوضحوا بصبر -بالمنشورات، والمحاضرات العامة، والخطب والإعلانات- أنها طعام صحي ومغذٍّ، ستأكله أنت شخصيا باستمتاع. لم تكن هناك حاجة إلى التضحية برفاهية المرء من أجل ضمان سلامة الأمة ككل، لأنها كانت لذيذة تماما. وكان الاختيار الفردي والمنفعة العامة في وئام تام؛ فالبطاطا مفيدة لك وللأمة كذلك.

ويليام بوتشان (مواقع التواصل)

  

هذا بالطبع هو النهج الذي نسلكه حاليا فيما يخص الصحة العامة والأكل الصحي. نحن نميل إلى النصح -قلّل من الدهون! تمرّن أكثر!- أكثر من التدخل الصريح كما حدث في المكسيك بفرض ضريبة 10% على المشروبات السكرية، أو حظر بلومبرج للمشروبات الغازية.

 

نتمسك بأمل أن تساعد حملات التوعية العامة الناس على اختيار تناول الطعام الصحي. لا أحد يحتجّ على دليل طرق الأكل في إنجلترا، الذي يقدم النصح حول الأكل الصحي، لأنه مفيد والناس أحرار تماما في تجاهله. وأملنا هو أن الجميع، بإرادتهم الحرة، سيختارون اتباع نظام غذائي صحي، وأن الخيارات الفردية الجيدة ستنتج دولة أكثر قوة وأكثر صحة. غير أن الاعتقاد المعاصر بأن الخيارات الفردية المبنية على المصلحة الذاتية تنتج دولة أقوى وأوفر صحة نشأ في القرن الثامن عشر وانعكس في أعمال بوتشان وغيرها.

  
ليس من قبيل المصادفة أن هذا الإيمان في الوئام بين الاختيار الفردي والصالح العام برز في اللحظة التي طورت فيها مبادئ الاقتصاد الكلاسيكي الحديث. وكما قال آدم سميث برأيه الشهير، فإن الاقتصاد الناجح كان نتيجة السماح لكل شخص بالسعي وراء مصلحته الذاتية. كما كتب في 1776:

"ليس من الجزار، أو الخباز، يأتي عشاؤنا، ولكن من سعيهم لمصلحتهم الخاصة".

   

 آدم سميث (مواقع التواصل الاجتماعي)

   

وكانت نتيجة سعي كل شخص إلى تحقيق مصلحته نظاما اقتصاديا يعمل بشكل جيد. كما أكّد في كتابه "ثروات الأمم":
"
كل فرد.. لا يقصد دعم المصلحة العامة، ولا يعرف كيف يدعمها، فهو لا يقصد سوى أمنه الخاص. وبتوجيه هذا النشاط بذكاء فإنه قد يجعل لمردوده قيمة أعظم. لا يهدف المرء سوى لمكسبه الخاص، وهو في هذا، كما في حالات كثيرة أخرى، منقاد بيد خفية لكي يؤسس لنتيجة لم تكن جزءا من نيته".

 

الرجال الأقوياء والنساء الجميلات

إن أفضل طريقة لضمان وجود اقتصاد وطني قوي، في رأي الاقتصاديين الكلاسيكيين مثل آدم سميث، هي السماح لكل شخص بالاهتمام برفاهه الخاص. وأسوأ ما يمكن أن تفعله الدولة هو محاولة التدخل في السوق. واعتبرت التدخلات في سوق الأغذية وخيمة العواقب، ومن المحتمل أن تؤدي إلى النقص الشديد الذي كان يُهدف إلى تلافيه. بدأ التعبير عن هذه الفكرة الجديدة في أوائل القرن الثامن عشر، وأصبحت شائعة بشكل متزايد مع تقدم عصر التنوير. كما نعلم، أصبح الإيمان بالسوق الحر الآن حجر الزاوية في الرأسمالية الحديثة، لقد شكّلت هذه الأفكار عالمنا بشدة.

 

ربما كان لا بد من أن يُوصي آدم سميث بشكل خاص بالبطاطا. فقد كانت فكرته عن السوق الحر مبنية على الاقتناع بأن الثروة الوطنية ليست ممكنة إلا عندما يكون الناس سعداء ويسعون لتحقيق مصلحتهم الذاتية. في المقابل، تطلبت السعادة والراحة إمدادات وفيرة من الطعام اللذيذ والمغذي؛ وهذا ما وفّرته البطاطا، من وجهة نظر سميث. لم تكن البطاطا أكثر إنتاجية من القمح فحسب -فقد حسب سميث ذلك بعناية- ولكنها كانت أيضا مغذية بشكل لا يصدق. كما لاحظ قائلا: "إن أقوى الرجال وأجمل النساء" في بريطانيا عاشوا على البطاطا. وخلص إلى: "لا يمكن لأي طعام أن يوفر دليلا أكثر حسما على جودته الغذائية، أو يثبت كونه مناسبا بشكل خاص لصحة البنية البشرية (كما تفعل البطاطا)".

 

ربط سميث الفوائد الشخصية التي يمكن أن يستمدها الأفراد من استهلاكهم كمية أكبر من البطاطا بازدهار أكبر للاقتصاد. إذا كانت الأراضي الزراعية مزروعة بالبطاطا، فإنها ستوفر الغذاء لعدد أكبر من السكان، و"العمال الذين تتم تغذيتهم عادة بالبطاطا" سينتجون عائدا أكبر لمنفعة أنفسهم ومالكي العقارات والاقتصاد الكلي. في رؤية سميث، كما في رؤية وليام بوتشان وعدد لا يحصى من المدافعين الآخرين عن البطاطا، إذا اختار الأفراد تناول المزيد من البطاطا، فإن الفوائد ستعود على الجميع. من شأن إدخال البطاطا إلى نظام حياتنا أن يُخرج اقتصادا أفضل.

   

   

تماشيا مع الفردية التي دعمت نموذج سميث للاقتصاد السياسي، فإنه لم يوصِ بأن يلزم الناس بزراعة وأكل البطاطا. كان تركيزه على تلاقي الفائدة الفردية بالوطنية. في الواقع، تعامل عشاق البطاطا في القرن الثامن عشر مع الصدامات المحتملة بين المصلحة الشخصية والعامة مباشرة، فقد كانوا معنيين بالتحديد بإبعاد أي شبهة تشير إلى كونهم يخضعون الحرية الفردية إلى الرفاهية الجماعية.

  

لاحظ جون سينكلير، رئيس مجلس الزراعة البريطاني في تسعينيات القرن السابع عشر، أن بعض الناس يفكرون أنه يجب ترك المزارعين يتخذون قراراتهم الخاصة فيما إذا كان عليهم زراعة المزيد من البطاطا. وأقر بأنه: "إذا أملى الجمهور على المزارع كيف كان يزرع أرضه"، فقد يكون هذا مصدرا لضرر غير محدود.

 

يجب أن يصحب توفير المعلومات لإرشاد الاختيار الفردي نتائج سعيدة، ولا يجب أن تكون مزعجة. تظل المشورة والمعلومات -بدلا من التشريعات- هي الأساليب المفضلة لمعظم صانعي السياسات لتحويل النظم الغذائية الوطنية، أي المبادئ التوجيهية الغذائية، وليس حظر المشروبات الغازية.

 

وهكذا شهد القرن الثامن عشر ولادة الأفكار التي لا تزال ذات صدى كبير اليوم. فالاقتناع بأن سعي الجميع لمصالحه الاقتصادية والغذائية من شأنه أن يؤدي إلى زيادة إجمالية في ثروة وصحة الدولة يكمن في قلب النموذج الجديد من التفكير في الاقتصاد والدولة، وهو النموذج الذي وُضع في القرن الثامن عشر.

   

   

سياسات البطاطا

إن تلك الفكرة هي التي يقوم عليها الاهتمام البالغ بالبطاطا في القرن الثامن باعتبارها محركا للنمو الوطني. كما تفسر لماذا أنشأت الدول والمؤسسات التعليمية في جميع أنحاء أوروبا خلال القرن العشرين معاهد بحوث رسمية للبطاطا، وموّلت حملات علمية إلى جبال الأنديز بهدف اكتشاف أصناف جديدة وأكثر إنتاجية من البطاطا، ودعوا بشكل عام لاستهلاكها.

 

إن مجموعات البطاطا بالكومنولث البريطانية، مثل مجموعة البطاطا الألمانية، أو معهد فافيلوف لبحوث الصناعة، كلها تذكير بهذا التاريخ الطويل، الذي يربط البطاطا وعادات الأكل الشخصية والرفاه الوطني. علاوة على ذلك، فإن هذه العلاقات بين البطاطا والاقتصاد السياسي والدولة القوية تفسر هوس الحكومة الصينية الحالي بالبطاطا. حيث تُعد الصين الآن أكبر منتج للبطاطا في العالم، التي وصلت إلى الصين في القرن السابع عشر، والتي لطالما كانت تعتبر غذاء للفقراء، في حين كان الأرز طعام الأغنياء. كانت الدولة الصينية على مدى بعض العقود تعمل على زيادة استهلاك البطاطا. ومنذ عام 2014، كان هناك دفعة كبيرة بشكل خاص، حيث ظهر قدر كبير من الدعاية المؤيدة للبطاطا فيما يتعلق بكل من الزراعة والأكل.

 

وكما كان الحال في أوروبا في القرن الثامن عشر، فإن هذا الترويج الصيني الجديد للبطاطا كان مدفوعا بالقلق من الاحتياجات الأوسع للدولة، ولكن يقدم للناس على أساس مدى استفادة الأفراد من تناول المزيد من البطاطا؛ فتنشر البرامج التلفزيونية الحكومية وصفات وتشجع النقاش العام حول ألذ طرق إعداد أطباق البطاطا، ولا تصف كتب الطبخ كيف يمكن أن تساعد البطاطا الصين على تحقيق الأمن الغذائي فحسب، بل تفسر أنها لذيذة ويمكن أن تعالج السرطان.

  

إن الفكرة في الصين اليوم -كما في القرن الثامن عشر- أن الجميع -أنت والدولة والسكان ككل- سيستفيد من حملات الأكل الصحي هذه. وإذا كان الجميع يسعون وراء مصلحتهم الذاتية، كما يقول داعمو البطاطا، فكل فرد سيأكل المزيد من البطاطا وسيكون السكان أكثر صحة. ما يعني أن هؤلاء الأصحاء سيصبحون قادرين على العمل بجدية أكبر، وسوف ينمو الاقتصاد وتصبح الدولة أقوى. سيستفيد الجميع إذا سعوا لمصلحتهم الشخصية الفردية.

   

   

شهد القرن الثامن عشر ظهور طريقة جديدة للتفكير في طبيعة ثروة وقوة الأمة. وأكّدت هذه الأفكار الجديدة على الروابط الوثيقة بين الصحة والنجاح الاقتصادي للأفراد، والثروة والقوة الاقتصادية للدولة. فما يأكله الناس، تماما مثل ما يحققون في عالم العمل، يحمل تأثيرا على الجميع. في الوقت نفسه، قام هذا النموذج التجاري الرأسمالي الجديد بشكل أساسي على فكرة الاختيار. يجب ترك الأفراد يختارون مصالحهم الخاصة، سواء كانت اقتصادية أو غذائية. وإذا توفرت الحرية الكافية للقيام بذلك ستنجح النظرية، وسيختار الناس في النهاية نتيجة تفيد الجميع.

 

تسمح لنا لمحة صغيرة عن تاريخ البطاطا برؤية استمرارية تلاقي الاقتصاد السياسي والنظم الغذائية الفردية في نموذج ليبرالي أوسع للدولة. كما تساعد على تفسير رواج البطاطا في الصين المعاصرة، التي تمر بحد ذاتها بإعادة توجيه مهمة نحو اقتصاد السوق. إن العلاقة بين الحياة اليومية والفردية والدولة التي تكوّنت في أواخر القرن الثامن عشر تستمر في تشكيل نقاشات اليوم حول كيفية تحقيق التوازن بين الحرية الشخصية في اختيار النظام الغذائي وبين صحة الأمة. إن الوعد المغري الذي يقول بأننا يمكننا، بطريقة جماعية وفردية، أن نسلك طريقنا نحو الصحة والرفاه الاقتصادي بالأكل يظل مكونا قويا لعالمنا النيوليبرالي.

-----------------------------------------------

ترجمة (الزهراء جمعة)

هذا التقرير مترجم عن: The Conversation ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان

تقارير متصدرة


آخر الأخبار