انضم إلينا
اغلاق
"ابن الـ#$%@&!".. هل يمكن أن تكون الشتائم مفيدة حقا؟!

"ابن الـ#$%@&!".. هل يمكن أن تكون الشتائم مفيدة حقا؟!

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

   

حسنا، لا شك أن أول ما سيتبادر إلى دماغك عن السِّباب هو أنه شيء محرّم، ومحظور، وغير مقبول تحت أي ظرف، وهو مؤذٍ كذلك، لهذا السبب تضع قنوات التلفاز صفيرا مكان الشتائم، خشية أن يؤثر ذلك على عدد متابعيهم، أما كتابيا فقد يضع البعض طلاسم (كـ !&@$#) للتعبير عن أن هناك "كلمات نابية" قد قيلت أو كُتبت، لكن على الرغم من ذلك، فإن استخدام الشتائم هو سلوك عابر للثقافات، يوجد في كل اللغات وله تاريخ ضارب في القدم لدرجة أننا لا نعرف بدايته.


في الحقيقة، وبتأمل بعض الإحصاءات، قد تتعجب قليلا حينما تعرف أن الشخص العادي، في المتوسط، وفي اليوم الواحد فقط، يستخدم(1) ما يقترب من 80-90 كلمة نابية، يعني ذلك نسبة 0.5٪ إلى 0.7٪ من كل الكلمات التي نتحدّثها يوميا. وهذا قدر كبير، على سبيل المثال، مقارنة بنسبة ضمائر المتكلم (أنا، نحن، أنت) التي نستخدمها بشكل يومي في أحاديثنا العادية في المنزل أو العمل أو عبر الإنترنت، حيث تُمثّل 1% فقط. بالطبع تختلف تلك النتائج بين الدول والثقافات، لكن نسبة استخدامنا اليومي للسباب لا تزال حاضرة عند الجميع وبصورة ملحوظة، السؤال اللافت للانتباه إذن هو: لماذا بقي؟ لِمَ استمر السباب مع المجتمع البشري إذا كان ضارا ومحظورا؟

   

شتائم في كل مكان!

للإجابة عن هذا السؤال يمكن أن نبدأ بتعريف السباب، وهو "استخدام اللغة لدفع شخص آخر كي يُفكّر في أمر سيئ يعطيه شعورا غير طيب"، لفهم ما يعنيه ذلك دعنا نتأمل "تأثير ستروب"(2) (Stroop Effect)، والفكرة ببساطة أن نقوم بعرض مجموعتين من الكلمات الملونة على الناس، في المجموعة الأولى يكون لون الكلمة هو المكتوب، بمعنى أن تُكتب كلمة "أحمر" باللون الأحمر، وكلمة "أخضر" باللون الأخضر، أما في المجموعة الثانية يكون الوضع معكوسا، فنكتب "أخضر" باللون الأحمر مثلا، وهكذا.

   


الآن حاول أن تذكر ألوان الكلمات، وليس الكلمات نفسها، هنا سيكون من السهل جدا أن تقول ألوان الكلمات من المجموعة الأولى، لكن في المجموعة الثانية سوف تبذل جهدا أكبر لتفادي ما تقوله الكلمة، هذا هو ما يحدث في حالات السباب حينما يُستخدم لأغراض الإهانة. بمعنى أوضح، فإن بعض أنواع السباب، على سبيل المثال، تتضمن المواد التي تخرج من الجسم، كالبراز مثلا، في تلك الحالة فإن مستخدم السباب، وإن كان يُعلّق بهذه الكلمة على أداء شخص ما في مهمة موكلة إليه أو مذاق طعام ما أو نتائج امتحانات أو غيرها، يدفع الشخص الموجه إليه السباب للشعور بالسوء لأنه لا يتمكن بسهولة من تفادي تخيّل ما يعنيه "لفظ" السباب نفسه، وهو البراز، وربط الفعل الذي قام به بالصورة التي وردت على الخيال، فيدعو ذلك إلى شعور بالقرف.


في الحقيقة، رغم تنوّعها واختلافاتها الثقافية، يمكن جمع ألفاظ السباب في خمس قوائم، تتعلق جميعها بالفكرة السابقة، وهي زرع شعور سيئ في ذهن المتلقي، فحسب ستيفن بينكر، في كتابه(3) "مادة التفكير: اللغة بوصفها نافذة على الطبيعة البشرية"، هناك السباب المتعلق بـ "الدين"، أو ما يرتبط به من موضوعات، كالإله أو النار (الجحيم) أو غيرها، وهناك السباب المتعلق بـ "مخرجات الجسم البشري" (البول والبراز مثلا)، وهناك السباب المتعلق بـ "المرض أو الموت أو الإيذاء" (غالبا ما يأتي في صورة تمنّي أو دعاء)، وهناك بالطبع السباب "ذو الطبيعة الجنسية"، سواء يشمل الأشخاص أو الأفعال، وهناك الشتائم العنصرية أو تلك التي تقلل من شأن الشخص بـ "وضعه ضمن مجموعة بشرية غير مفضلة"، أو حتّى غير بشرية (لون الجلد مثلا، أو فئة الحيوانات كالحمار أو الكلب).
  

ما هذا بحق الجحيم؟!

لا حاجة إلى ذكر الشتائم ذاتها بالطبع، أنت تعرف ما نقصد، لكن لاحظ أننا استخدمنا، قبل قليل، لفظ "براز" للتعبير عن لفظة أخرى شهيرة تستخدم في السباب، ورغم أن كلًّا منهما له المعنى نفسه، فإن استخدام الكلمة الأخرى(4) يكون فقط في حالات السب بينما نستخدم كلمة "براز" لأسباب طبّية، وقد نستخدم لفظ "سماد عضوي" للتعبير عن براز الحيوانات المستخدم في تخصيب التربة، أو نستخدم لفظ "فضلات بشرية" لسبب علمي ما، أما بالنسبة لطفل صغير، على سبيل المثال، فكلمة "براز" هي كلمة سيئة لا نسمح له باستخدامها، ولكننا نستخدم كلمة أخف (كاكّا في بعض الدول).


يوضح ذلك أن الدلالة المقصودة من الكلمة تتعلق بسياقات كثيرة متقاطعة لها علاقة بالوظائف التي أعطيناها للكلمة في مجتمعاتنا، لكن الأمر أيضا يتعلق بحدة الكلمة المستخدمة والذي يعبر بدوره عن حدة الرسالة التي يود شخص ما أن ينقلها لآخر. على سبيل المثال، تأمل الألفاظ التي نستخدمها للتعبير عن العمليات الجنسية أو أعضاء الجسم الحسّاسة، إلخ، جميعها يشير إلى أشياء -بشكل ما- محرّمة أو محظورة أو مُحرجة، كل منها له أكثر من لفظ يُستخدم لأغراض الحياة اليومية، لكن التعبيرات اللفظية المرتبطة بالسباب تكون الأكثر حدة، تلك هي طبيعة الرسالة. هنا يمكن أن نسأل: لِمَ قد نود أن نفعل ذلك؟ لِمَ يريد البعض أن يبعث برسالة غاية في الحدة؟
  

يرى جورج باتريك، في أحد أقدم الأعمال البحثية في هذا المجال، أن استخدام الشتائم هو صورة بدائية من الكلام البشري

رويترز
    

بالطبع هناك عدد من الأسباب المتوقّعة، في حالات الغضب الشديد مثلا، كذلك بينما لا يمكن لك بسهولة أن تنتقم لنفسك في موقف ما، فقد يكون أقل ما تفعله هو إيصال رسالة مؤلمة، من جهة أخرى قد تكون الحدة في الشتائم إنذارا قبل تدخّل أكثر عنفا، أو استعراضا للقوة. بمعنى أوضح، يمكن أن تصد أحد المتطفلين في الشارع بألفاظ طيّبة لكن ما إن يتحول التطفل إلى تحرش ستبدأ باستخدام لغة حادة كي تمنعه من التقدم، في تلك النقطة تُمثّل الشتائم نموذجا مثاليا لتلك النوعية من الردود، فهي صادمة، ومؤلمة، وصارخة، وتعني استعدادا للتمادي، وكأنك تقول إن هذه هي المرحلة الأولى من غضبك، وربما قد تليها مرحلة أكثر قسوة.


لهذه الأسباب يرى جورج باتريك(5)، في أحد أقدم الأعمال البحثية في هذا المجال، أن استخدام الشتائم هو صورة بدائية من الكلام البشري، بمعنى أن حيوانا ما قد يُصدر صوتا هادرا في حالة الشعور بالتهديد، هذا الصوت هو مرحلة أولية وقائية تُقدّم رسالة مخيفة إلى المُهاجم، وإذا تسبب هذا الصوت في إخافة الخصم، فإن الحيوان سيوفّر على نفسه تكاليف باهظة للاشتباك الجسدي، لكن هناك ميزة إضافية للسباب بجانب دوره الدفاعي، وهو أنه يعمل أيضا على تهدئة الحيوان نفسه، وهكذا بالنسبة للإنسان أيضا.
  

الشتائم كمسكنات للألم!

  

في دراسة أُجريت(6) في 2011، بقيادة ريتشارد ستيفنز من جامعة كيلي، قام الباحثون بتجربة ذكية، سوف يُقسَّم المشاركون إلى مجموعتين، كل منهما سيضع يديه في دلو ثلج لفترة تمتد قدر إمكانه على فعل ذلك، في المجموعة الأولى يكرر المشارك في التجربة لفظة سباب يختارها بنفسه بعد سؤاله عن لفظة السباب التي كان ليستخدمها لو سقط شيء ثقيل على يديه بشكل مفاجئ، بينما لا يُسمح للمجموعة الأخرى بفعل ذلك، فقط يكررون كلمات عادية، ويقوم الفريق بقياس الفترة الزمنية التي يمكن لكل منهم تحمّل وجود يديه في دلو الثلج خلالها.


هنا جاءت النتائج(7) لتقول إنه، في المجموعة التي استخدمت ألفاظ السباب، أبقى الخاضعون للتجربة أيديهم في الثلج لفترة أكبر بفارق الضِّعف، وهو ما أشار إلى أنه قد يكون هناك دور للسباب في تهدئتنا، وجعلنا أكثر قدرة على التحمل، بل وتخفيف شدة "الألم" بدرجة ما وكأنه "مسكن"، لكن إحدى النتائج الجانبية اللافتة للانتباه كذلك كانت أن تكرار التجربة مع اللفظ الشائن نفسه أدى إلى انخفاض قدرة الشخص على التحمل شيئا فشيئا وصولا إلى المعدل الطبيعي، وكأن جسدك قد اعتاد المسكّن.


في مجموعة أخرى(8) من التجارب، قام الفريق البحثي باختبار جودة أداء المشاركين في قيادة الدرّاجات، في المجموعة الأولى يقود الخاضع للتجربة الدرّاجة بينما يكرر الشتائم، وفي المجموعة الثانية يردد الشخص كلمات محايدة لا تُعبّر عن شيء، هنا جاءت النتائج لتقول إن المجموعة الأولى أدّت بشكل أفضل، يشير ذلك إلى أن السباب، بجانب كونه شيئا سيئا ومحظورا، قد يكون ذا دور تكيّفي يساعدنا على البقاء، ورثناه عن أسلافنا من البشر الأوائل الذين عاشوا بين حشائش السافانا قبل آلاف السنين.

  

    

الشتائم كأداة سياسية

بل وقد يمتد الأمر إلى ما هو أبعد من ذلك، فحسب دراسة أخيرة من جامعة كامبريدج(9)، قد تكون هناك علاقة بين صدق الإنسان، في موقف بعينه، واستخدامه للسباب، حيث طلب إلى نحو 300 متطوع، عبر استبيان بسيط، أن يحددوا أي الكلمات النابية يستخدمونها بصورة أكبر وفي أي مواقف، بعد ذلك يخضع كل منهم لاختبار كشف كذب، ثم يقارن الفريق الاستبيان بالنتائج، لنجد أن هناك ميلا ناحية الصدق بدرجة أكبر في المجموعة التي وضعت الأعداد الأكبر من الكلمات النابية في الاستفتاء.


من جهة أخرى قام الباحثون بتطبيق فكرة التجربة بصورة أعم، حيث قاموا بجمع بيانات 75 ألف مستخدم لفيسبوك، ثم بعد ذلك رصدوا نسب استخدام كل حساب منها للكلمات النابية، ثم مقارنة نتائج هذا المسح بنتائج مسح آخر يبحث عن كلمات تشير، بدرجة احتمال أكبر، إلى أن صاحبها لا يكذب، ونقصد هنا كلمات كـ "أنا" و"نحن"، لتجد النتائج ترابطا بين ارتفاع نسب استخدام كلمات السباب ونسب كلمات الصدق.


قد تقول إنه لا مشكلة من أن نحصل على نتائج كتلك، فقد يشعر البعض بالحرج ويحتاج إلى الظهور بمظهر لائق حتّى في تجربة علمية، لكن هذا هو بالضبط ما كانت التجربة تقيسه، هؤلاء الذين يستخدمون ألفاظ السباب، بشكل أكبر، وفي مواقف بعينها، ربما أكثر صدقا في تلك المواقف المحددة لأنهم قد نزعوا بالفعل مصفاة التصرفات اللائقة، وأصبحوا أكثر وضوحا في رسائلهم، وبذلك فقد يكونون أكثر صدقا من غيرهم.

  

كذلك فإن ألفاظ السباب قد تُستخدم للإيعاز بالصدق، كأن يستخدمها دونالد ترامب في أحد مؤتمراته الصحفية للتأكيد على نيته فعل شيء ما: "I would bomb the S#%$& out of them". في إحدى التجارب، قبل نحو عقد ونصف، طُلب(10) إلى مجموعتين من الناس أن يقرأوا شهادة شخص متّهم في جريمة قتل، إنها الشهادة نفسها، لكن في نسخة منها تُوضع ألفاظ نابية في النص، هنا تقول النتائج إن الخاضعين للتجارب كانوا أكثر ميلا إلى تصديق هذه الشهادة في حالة استخدام الشتائم، علما بأننا نقصد هنا استخداما احترافيا للفظة السباب، بمعنى أنها تُوضع في منطقة من الحديث تكون مشاعر المتلقين جاهزة للانفجار.

    

 
يتضح ذلك بشكل أكبر في عالم السياسة، وكانت دراسة(11) صدرت قبل عدة سنوات من جامعة مودينا وريدجو إميليا الإيطالية قد أشارت إلى تلك النقطة تحديدا. في التجارب، يصمم الباحثون ما يشبه المؤتمر السياسي، ويتقدم سياسيان وهميان للحديث أمام المجموعة من الجمهور الخاضعة للتجربة، أحدهما يتحدث بلغة عادية، بينما يستخدم الآخر الشتائم في أثناء حديثه، هنا أشارت النتائج إلى أن الناس كانوا أكثر ميلا للاقتناع بكلام السياسي الذي استخدم الشتائم.


ربما يكون السبب في ذلك هو أن استخدام السباب يرفع حاجز التكلّف بين الجمهور والمتحدث إليهم، ما قد يخلق درجة من الألفة بين الطرفين، كذلك يستخدمه السياسي للإشارة إلى درجة من الوطنية، بمعنى أنه حينما يتحدث بلغة غير لائقة فكأنما يقول: "نحن أبناء هذا الحزب أو هذا الوطن لا حاجة إلى التكلف في علاقاتنا معا"، أضف إلى ذلك أن استخدام الشتائم يعطي درجة من الهيبة السرّية والتي تسمح للجمهور أن يتطلع بإعجاب إلى هذا السياسي الذي قرر، بسبب حبه للوطن وللجمهور، أن يخرج عن اللياقة السياسة المعروفة، إنها حيلة قديمة يستخدمها السياسيون في كل مكان.


في الحقيقة، يُستخدم السباب كإشارة إلى الألفة وتقوية العلاقات داخل المجموعات، كأن يستخدمه الأصدقاء فيما بينهم على سبيل المثال، إذا كنت منضما لمجموعة جديدة من الأصدقاء، فإن السماح لك باستخدام السباب معهم يعني أنك أصبحت فردا من المجموعة، كإشارة إلى أن الوضع مناسب لتخطي حاجز اللياقة، كأنهم يقولون لك: "أنت عضو بالفريق يا رجل، لا تخجل".


من جهة أخرى يستخدم البعض الشتائم للإيحاء بأن الأمر يتطلب خروجا عن اللياقة مع بعض المسيئين، من السياسيين مثلا، كذلك قد يكون للسباب غرض تحميسي بعد أداء مهمة ما بنجاح، فهو هنا إشارة إلى أن الأداء كان رائعا لدرجة أنه لا يجب أن أهنّئك بهدوء عليه، بل سأخرج عن اللياقة، ما يعني أني راضٍ جدا عن هذا الأداء وأعتبرك واحدا من أفضل أصدقائي، هكذا يستخدم السباب بمساحات العمل في بعض الأحيان.

  

  

لكن على الرغم من ذلك التنوع في وظائف السباب، فإن أكثر من نصف حالاته هي بالأساس تعبير عن الغضب، بالتالي فإن معدلات استخدام السباب تزيد في حالات الضغط المستمر، في إحدى التجارب(12)، التي شملت نحو 600 فرد، وفي استقصاء تساءل عن أكثر الأماكن التي يحدث فيها السباب، جاءت السياقات المتعلقة بممارسة الرياضة (كالملاعب) في مقدمة القائمة، تلاها غرف تغيير الملابس، ويُقصد هنا الغرف المغلقة التي لا تحوي أشخاصا كثيرين، ذلك لأن أحد العوامل المتحكمة في معدلات السباب لا شك هي حالة خصوصية المكان.

     

الاستثناء الجديد

في النهاية، دعنا نوضح أن ما تشير إليه تلك المجموعة من الدراسات هو بالأساس ارتباط لا يعني السببية، أضف إلى ذلك عدد متغيرات فردية ولغوية وثقافية كبير يمكن له أن يؤثر على نتائجها، لفهم ذلك يمكن أن تقارن استخدام لفظة "كلب" لوصف شخص ما في مجتمع عربي مقارنة بآخر أميركي. كذلك فإن اختلاف نوع الشخص، ذكرا أو أنثى، يؤثر لا شك في نسب السباب وسياقات استخدامه بفارق أكثر وضوحا في المجتمعات المحافظة، إلا أنه يُستخدم للأغراض نفسها، وبالألفاظ نفسها تقريبا مع اختلاف واضح في أيها يستخدمه الرجال وأيها تستخدمه النساء. بالتالي فإن المشكلة أكثر تعقيدا، وما زالت في حاجة إلى المزيد من البحث.


للوهلة الأولى قد يبدو للبعض أن حديثا عن "الشتائم" قد لا يكون مفيدا، لكن سبر أغوار ذواتنا لفهم أسباب ردود أفعالنا المختلفة، مهما كانت غريبة ونابية، كان دائما أحد أهم مصادر البشر المعرفية، خاصة في حالة تلك السلوكيات التي ربما لم يكن من المفترض، حسب حسّنا البديهي، أن تستمر في رحلة تطورنا، يدفعنا ذلك للتساؤل عن المنفعة التي يمكن أن نتحصّل عليها في مقابل ذلك، لكنّ هدفا مهما آخر يجعل من هذا النطاق البحثي ذا أهمية معاصرة. حيث ارتفعت نسب استخدام الشتائم بشكل كبير مقارنة بعقود قليلة مضت، ليس فقط بين الناس أو على وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن أيضا في برامج التلفاز والمسلسلات والأفلام والروايات كذلك، ونتحدث هنا عن نطاق عالمي. يُرجع البعض ذلك إلى تلك الحالة من الميوعة التي ضربت المجتمع البشري، فغابت المنظومات وتحكّمت أهواء الأفراد وأصبح الإنسان -بحد تعبير الفيلسوف بروتاجوراس قبل نحو ألفي سنة- هو المعيار، في تلك الفترات تغيب الحدود بين ما هو لائق وما هو ليس كذلك، ويستخدم الناس أي طريقة للوصول إلى أهدافهم طالما أن القواعد الأخلاقية لا قيمة لها، لكن ذلك بدوره يدفعنا لتساؤل مهم قد يبدو غريبا بعض الشيء.


تأمل معي قليلا هنا، حيث إذا كان الغرض الوظيفي للشتائم يبني نفسه على أن السباب بالأساس هو استثناء عن القاعدة يُستخدم في حالات خاصة لغرض المفاجأة والصدمة، حالات يخرج فيها الشخص عن صندوق الأفكار المعتاد ليوضح بحدة أنه "هنا" وأن له "دورا" و"هوية" صارخة وأن الجميع يجب أن "يحذر"، إذا كانت تلك هي الفكرة، أليس التوقف عن السباب، في عصر ينتشر فيه السباب، هو الاستثناء الصادم الجديد؟!

تقارير متصدرة


آخر الأخبار