انضم إلينا
اغلاق
يتلاعبون بأحلام المرضى.. هل نحن ضحايا شركات الأدوية؟

يتلاعبون بأحلام المرضى.. هل نحن ضحايا شركات الأدوية؟

إسماعيل عرفة

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض

"إن صرح صناعة الأدوية برمته قد اختُرق، والأدلة التي نستعين بها في اتخاذ القرارات قد تشوهت على نحو ممنهج يتعذر إصلاحه".

(بين جولديكر، طبيب نفسي وأكاديمي بريطاني)

  

في عام ٢٠٠٨م قرر مجموعة من الباحثين تفحّص ما نُشر من تجارب رُفعت لهيئة الغذاء والدواء الأميركية (FAD) عن مضادات الاكتئاب التي وصلت إلى سوق الدواء بين عامَي ١٩٨٧م و٢٠٠٤م، ولم تكن هذه مهمة سهلة؛ حيث تحتوي أرشيفات الهيئة على كَمٍّ لا يُحصى من المعلومات عن جميع التجارِب التي رُفعت إلى الجهات المختصة لكي تحصل الأدوية الجديدة على الترخيص اللازم لتداولها. استطاع الباحثون بعد مشقة كبيرة أن يجدوا 74 دراسة تم إجراؤها على ١٢٥٠٠ مريض. لاحظ الفريق أن 38 من هذه التجارِب أسفرت عن نتائجَ إيجابية ووجدت أن العقَّار محل الاختبار مفيد وفعَّال، بينما 36 منها كانت نتائجها سلبية، ومن ثمَّ كانت التجارب منقسمة بين النجاح والفشل فيما يخص تلك العقاقير.


تتبع الباحثون بعدها الصيغة التي نُشرت بها تلك التجارِب في الدوريات الأكاديمية المنشورة، وهي المواد التي تتاح للأطباء والمرضى حتى يطّلعوا عليها؛ فظهرت للفريق صورة مختلفة تماما؛ إذ وجدوا أن 37 من التجارِب الإيجابية (أي كلها باستثناء واحدة) قد نُشرت بالكامل، وصار حولها في الغالب صخب كبير. بينما كان للتجارب ذات النتائج السلبية مصير مختلف بالكلية، حيث نُشر منها 3 تجارب فقط، واختفت 22 تجربة تماما. وأما الـ 11 تجربة الباقية التي كانت نتائجها سلبية ضمن ملخصات الهيئة، فقد ظهرت في الدوريات الأكاديمية بالفعل، لكن العجيب أنها كُتبت بحيث تبدو العقاقير وكأنها كانت ناجحة وفعالة.


يعلق الأكاديمي البريطاني بين جولديكر على هذه الكارثة قائلا: "إذا وجدت هذا الأمر سخيفا، فأنا أتفق معك.. كان هذا عملا بحثيا رائعا، شمل أكثر من ١٢ عقَّارا من جميع منتجي الأدوية الكبار، ولم يستطع تحديد من يمكن إلقاء اللائمة عليه بصفة رئيسية في هذا الشأن. وقد كشف بوضوح شديد عن أن المنظومة بالكامل بها عوار شديد"[1]. ومن أجل ذلك السبب ألّف جولديكر كتابه "شرور شركات الأدوية: فساد صناعة الدواء والسبيل إلى إصلاحه" الذي عرض فيه الفساد الممنهج في صناعة الدواء. فكيف يتخلل الفساد في صناعة الدواء برمتها؟ وكيف تعمل شركات الأدوية على خداع الجماهير وتقديم منتجات مغشوشة لهم؟

     

 

إخفاء بيانات التجارب

ينقل لنا جولديكر في كتابه ظاهرة إخفاء نتائج التجارب عن الجماهير لصالح شركات الأدوية، فيذكر مثلا ما قام به عدد من الباحثين في عام 2007م حيث فحصوا جميع التجارِب المنشورة التي أُجريت لبحث فوائد عقاقير الاستاتين (Statin)، وهي عقاقير تخفض نسبة الكولسترول في الدم وتقلل خطر الإصابة بالنوبات القلبية ويصفها الأطباء بكميات كبيرة جدا. بلغ إجمالي عدد التجارِب ١٩٢ تجرِبة، وجد الباحثون خلالها أن التجارِب التي موَّلتها شركات الأدوية كانت أكثر ميلا 20 مرة لإعطاء نتائج إيجابية مؤيدة للعقار محل الاختبار من التجارب التي تمولها جهات مستقلة، مما يعني أن شركات الأدوية تتدخل بشكل مباشر في نتائج التجارب التي تثبت كفاءة الأدوية تمهيدا لطرحها في الأسواق[2].

 

كما تقوم شركات الأدوية أحيانا بإخفاء النتائج والبيانات التي لا تؤيد عقارها، من أجل تمرير طرح العقار إلى السوق وتحصيل الأرباح على حساب المرضى دون اعتبار للنزاهة العلمية في نشر جميع التجارب كافة. وقد حدث هذا مع عقار الريبوكستين (Reboxetine) وهو أحد العقاقير المضادة للاكتئاب التي يتم توصيفها ملايين المرات حول العالم. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2010م تمكّنت مجموعة من الباحثين من جمع كل التجارب التي أُجريت على عقار الريبوكستين، وعندما وضعوا التجارب على محك المراجعة كانت النتيجة صادمة: إذ اكتشفوا أن سبعا منها قد أُجريت لمقارنة العقار بعقار وهمي (Placebo)، وأن تجربة واحدة فقط هي التي أعطت نتائج إيجابية، بينما أظهرت التجارب الست الأخرى أن تأثير الدواء ليس أفضل من تأثير الدواء الوهمي. ولم يتم نشر سوى الدراسة التي أثبتت النتائج الإيجابية، أما الست الأخرى فتم التكتيم عليها ولم يعرف أحد من المتخصصين عنها شيئا[3].

 

"إن البيانات المنشورة تزعم أن الريبوكستين عقار آمن وفعال، ولكن واقع الأمر يقول إنه ليس أفضل من حبة سكرية وهمية، بل هو أسوأ".

(بين جولديكر)[4]

 

وما زاد الوضع سوءا هو أن الباحثين اكتشفوا أن التجارب التي قارنت عقار الريبوكستين بعقاقير أخرى بلغ عدد المرضى فيها 2164 مريضا، ظهر العقار مساويا في فاعليته للعقاقير الأخرى عند 507 مريض، بينما كان الـ 1657 مريضا الآخرين أسوأ حالا بعد تناولهم للعقار، ومع ذلك لم يتم نشر نتائج هذه الفئة رغم أنها الأكثر والأعم، واكتفت الشركة بنشر النتائج التي ظهر فيها العقار ذا نتائج مساوية للعقاقير الأخرى.

   

   

التجارب المعيبة

"الجهات المستقلة التي تمول التجارب ضعيفة، فنحو 90% من التجارب الإكلينيكية المنشورة ترعاها شركات الأدوية، وهي التي تُهيمن على هذا المجال وتضبط إيقاعه وتضع قواعده"

(بين جولديكر)

 

أحيانا تلجأ شركات الأدوية إلى إجراء تجارب على "مرضى مثاليين"، ومعنى هذا المصطلح، كما يشرح جولديكر، أنهم مرضى ذوو قابلية أفضل للتحسن، ولا يتناولون أدوية أخرى ولا يعانون من أي مشاكل صحية سوى المشكلة المراد فحصها، وتستعين به شركات الأدوية "من أجل المبالغة في إظهار فوائد العقاقير، على أنها لها مردودية أعلى مما هي عليه في الحقيقة"[5]. أما في العالم الواقعي فإن المرضى غالبا ما تكون حالتهم معقدة، مصابين بالعديد من المشاكل الطبية المختلفة ويتناولون العديد من الأدوية، أو يعانون من مشكلة في الكلى أو يتبعون نظاما غذائيا غير صحي. فهل تنطبق نتائج التجارب على أولئك المرضى المثاليين مع المرضى العاديين؟

 

في عام 2007م أجريت دراسة تناولت 179 مريضا بالربو يُمثّلون مرضى الربو ضمن المجموع العام للسكان، ثم فحصت الدراسة المعايير المطلوبة لمرضى الربو حتى يدخلوا ضمن تجارب العقاقير، وعندما قارن الفريق البحثي بين المرضى الحقيقيين والمعايير المطلوبة للتجارب، وجدوا أن 6% فقط من مرضى الربو العاديين يتماشون مع معايير التجارب، مما يوضح أن المثالية في انتقاء المرضى لم تكن طاغية فحسب وإنما كانت مهيمنة بشكل كامل، لتحقيق القدر الأقصى من الاستفادة من الدواء في تجارب التقييم الأولية[6].

   

وعلى جانب آخر، كثيرا ما يتم إجراء دراسة مقارنة للعقار الجديد مع شيء تافه أو غير جيد تماما، مثل حبوب السكر الوهمية (Placebos) أو حتى مع عقاقير منافسة أخرى لكن بجرعة منخفضة جدا أو زائدة جدا، من أجل إظهار العقار الجديد في صورة العقار الأفضل المتفوق على منافسيه.

 

هنا، كشف الباحث الأميركي دانيال سيفر عن بعض التجارب التي أجرتها شركات الأدوية وهي تستخدم هذه اللعبة من أجل تعزيز فاعلية عقارها الجديد عند نشر تجاربه[7]، فعلى سبيل المثال: قارنت إحدى التجارب عقار الباروكستين في مقابل عقار الأميتريبتلين، وكلاهما عقاران مضادان للاكتئاب، لكن الأول حديث وبلا آثار جانبية، والثاني قديم نسبيا ويسبب النعاس وينصح الأطباء بتناوله قبل النوم. إلى هنا يبدو الأمر طبيعيا، عقار حديث يُقارن بعقار قديم، لكن المشكلة التي رصدها سيفر تكمن في أن التجربة أعطت الدواء الذي يسبب النعاس مرتين يوميا للمريض، فاشتكى المرضى من معاناتهم من الميل إلى النوم في النهار بسبب العقار، مما جعل العقار الأول يبدو أفضل وأكثر تفوقا بكثير.

 

ويعلق بين جولديكر على هذا اللون من التجارب المعيبة قائلا: "إنها -مجددا- فضيحة صامتة ومبهمة. ولا يعني هذا أن أيًّا من تلك العقاقير بعينها قاتل ومدمر بنحو صريح بحيث يتصدر عناوين الصحف، وإنما يعني بالتأكيد أن الأدلة، في المجمل، تتعرض للتشويه"[8].

 

التسويق في صناعة الدواء

إذا فكرنا في قرار الطبيب المتعلق بوصف دواء معين لأحد المرضى من وجهة نظر شركة الأدوية، فإن الشركة لا تهمها مصلحة المريض العليا قدر ما يهمها أن يصف الطبيب منتجها، وسوف تعمل الشركة جاهدة وتبذل ما في استطاعتها لكي يحدث ذلك. لهذا السبب يذكر جولديكر أن شركات الأدوية تستهدف رفع نسبة مبيعاتها من خلال الإعلان عن منتجها الجديد في الدوريات الطبية ذاكرة كل فوائده وفي الوقت نفسه تهوّن من مخاطره ولا تقارنه علميا بالأدوية المنافسة الأخرى. كما تلجأ شركات الأدوية إلى إرسال مندوبي الشركة (Medical Representatives) إلى الأطباء لمقابلتهم على نحو شخصي للتحدث عن مزايا هذا العلاج، وسوف يقدم المندوبون لهم الهدايا ويدعونهم إلى حفلات غداء ومؤتمرات دولية، ويحاولون إقامة علاقات شخصية معهم[9].

        

عام 2005م، احتفت وسائل الإعلام البريطانية بعقار الهيرسبتين احتفاء شديدا، رغم أن العقار متواضع للغاية في علاجه لسرطان الثدي، وله آثار جانبية خطيرة على القلب

مواقع التواصل
   

كما صارت الصناعة تقدم العقارات على هيئة إعلانات للمستهلكين مثلها مثل أي صناعة أخرى، لا تهدف إلا إلى الربح مهما كان ذلك مضرا للمستهلك .فمثلا، في الولايات المتحدة الأميركية، كان القانون الكلاسيكي يشترط على شركة الأدوية أن تحتوي إعلاناتها للعقاقير على كل الآثار الجانبية للعقار، لكن منذ العام 1997م خففت القيود القانونية وصار يمكن للشركات أن تختصر الآثار الجانبية بشكل سريع وخط صغير، وبعد هذا التغيير، ارتفعت ميزانية إعلانات صناعة الأدوية من 200 مليون دولار إلى 3 مليارات في بضع سنوات فحسب. ومن أبرز المشاكل التي نتجت عن هذه الرسملة للصناعة هو انتشار عقار الفيوكس الذي صُرف على إعلاناته وحده 161 مليون دولار، ثم سُحب من السوق بسبب مخاوف خطيرة تتعلق بإخفاء بعض بياناته وآثاره الجانبية.[10]

 

وفي هذا السياق يذكر جولديكر حادثة غريبة حصلت عام 2005م، حيث احتفت وسائل الإعلام البريطانية بعقار الهيرسبتين احتفاء شديدا وقامت عليه تغطية إعلامية ضخمة، رغم أن العقار متواضع للغاية في علاجه لسرطان الثدي، وله في المقال آثار جانبية خطيرة على القلب، بجانب تكلفته الباهظة والتي تصل إلى عشرات الآلاف من الجنيهات الإسترلينية، فما الذي يمكنه تفسير هذه التغطية الإعلامية غير المسبوقة؟!

 

تتبعت مجموعة من الأكاديميين الأخبار الصحفية التي روجت للعقار حتى تفهم ما حدث[11]، وجدت المجموعة أن 4 من كل 5 مقالات صحفية كُتبت عن العقار كانت إيجابية تروج للعقار، في حين ظهر الباقي على الحياد وليس سلبيا. أما الآثار الجانبية فلم تُذكر إلا في 1 من كل 10 مقالات، وكانت في الغالب تُختصر إلى أدنى حد ممكن. بل وصل الحال ببعض المقالات إلى أنها ذكرت أن هذا العقار المعجزة في علاج السرطان لم يكن له أي آثار جانبية على الإطلاق، بدت كل المقالات على خلاف الحقيقة بنحو مدهش.

   

  

ذكرت صحيفة الغارديان البريطانية أن سبب هذه التغطية الإعلامية الكاذبة كان في اتفاق الشركة المصنعة للدواء -شركة روش (Roche)- مع شركة علاقات عامة تعمل بشكل مباشر للترويج للعقار عبر إستراتيجية تسويقية أثمرت عن خداع آلاف المرضى الذين اعتقدوا أن العقار يمنع انتشار السرطان، وهو الأمر الذي لم تثبته لا المعلومات المتوفرة ولا التجارب التي أجريت حينئذ، ولا حتى التراخيص الطبية بصلاحية هذا الدواء لبعض الفئات من المرضى[12]. وقالت الصحيفة: "هذا النوع من التسويق هو بالضبط جوهر التسويق للعقاقير في عصر تتزايد فيه رغبات شركات الأدوية في الربح بشكل تصاعدي".

 

بذلك، تحولت صناعة الأدوية كونها وسيلة تسعى للحفاظ على بقاء الإنسان وتحسين معيشته إلى تجارة رأسمالية تخضع في كثير من الأحيان لمنطق الربح مهما تعدى ذلك آمال المرضى، ومهما تلاعبت بأحلامهم في الشفاء والعلاج، فلا تكتفي الشركات بإخفاء البيانات الحقيقية عن المستهلكين فحسب، بل تقوم بإجراء تجارب معيبة على مرضى مثاليين وبالمقارنة مع جرعات خاطئة من العقاقير المنافسة، كما تستخدم إستراتيجيات مضللة للتسويق لمنتجاتها، وهو ما ينتج عنه مزيد من الربح لشركات الأدوية بالفعل، ومزيد من الوفيات للمرضى واستنزاف لأموالهم في واقع الأمر.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار