انضم إلينا
اغلاق
صوفية وسلفية وإخوان.. لماذا تدعم الدول العربية نسخا خاصة من الإسلام؟

صوفية وسلفية وإخوان.. لماذا تدعم الدول العربية نسخا خاصة من الإسلام؟

شادي حميد

باحث بمعهد بروكنجز
  • ض
  • ض

على مدى العقدين الفائتين، أصبح الإسلام موضوعا بارزا، بل ومُلِحًّا أيضا، في النقاشات العامة. من جهود الجماعات الإسلامية كالإخوان المسلمين لحسم السلطة بصناديق الاقتراع إلى راديكاليّة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ظلت الصورة المهيمنة للإسلام في السياسات العالمية بوصفه أيديولوجية دينية تدعمها جهات لا حكومية ترغب برؤية شكل أكثر "إسلاموية" من السياسات. لكن ماذا عن الدول نفسها؟
 
تبدو الصراعات بين حكومات الشرق الأوسط وكأنها تُحسم بالقوّة الحادّة، وفي العديد من الحالات هي كذلك بالفعل. فالسعودية تقود حربا في اليمن ضد الحوثيين، الذين تراهم امتدادا للتوسع الإيراني. لكنّ ثمة جانبا آخر لدى معظم الحكومات المسلمة: فهي أيضا، تستخدم -وتسيء استخدام- الإسلام لأغراض سياسية.
     
في كل بلد ذي غالبية مسلمة تقريبا، الإسلام عملة أيديولوجية مهمة -وفي بعض الأحيان الوحيدة التي- تمتزج بفاعلية بالسياسة الواقعية. مع تراجع كل من الاشتراكية والعروبية في الشرق الأوسط، أطلّت القومية برأسها كغريم وحيد للإسلام. لكن تعميم القومية، بحكم التعريف، صعب خارج الوطن الواحد. وهو ما يعني أن الحكومات -حتى تلك العلمانية والتقدمية منها- كان لديها دافع قوي لاستدخال الإسلام على سياستها الخارجية، باللجوء إلى أفكار دينية لزيادة مكانتها وتعزيز مصالحها في الخارج، ناشرة، بكلمات أخرى، ما نسمّيه "قوة ناعمة إسلامية".
    

    

لكن الأمر مخاتل، مع ذلك. ففي اللحظة التي يحضر فيها "الإسلام" في النقاشات العامة، نجد أن الطريقة التي يفسر فيها المواطنون دينهم تتحول من وصف سلوك شخصي إلى مسألة أمن قومي. تشعر الحكومات أنها مدفوعة لتوريط نفسها بشكل مباشر في الجدالات القائمة حول طبيعة الإسلام، ولعلها تخشى فراغا أيديولوجيا يقوم بتعبئته لاعبون داخليون. بكلمات أخرى، الخلافات الداخلية حول دور الإسلام وأهميته في السياسات اليومية تشكّل الطريقة التي تستخدمه فيها الدول خارجيا.
 

الإسلام الدولتي

بمعنى من المعاني، فاستخدام القوة الناعمة الإسلامية ليس جديدا. منذ الستينيات، استثمرت السعودية مليارات الدولارات في تمويل بناء المساجد، ونشر النصوص الدينية (لا سيما المثيرة للجدل منها)، والبعثات الدراسية للدراسة في الجامعات الدينية في السعودية. إن تصدير نسخة محافظة مفرطة من الإسلام أمر وقفت على رأس تنفيذه العائلة الملكية وإحساس المؤسسة الدينية لديها بأن نشر الإسلام يقع على عاتقها، لكنه استُخدم أيضا كغاية جيوبوليتيكية، سمحت للعربية السعودية بمناقضة نفسها والتنافس مع الخصوم الإقليميين، مثل مصر تحت حكم العلماني القومي جمال عبد الناصر أو إيران بعد 1979. استخدمت طهران على نحو مماثل علامة الإسلام الشيعي الثوري لآية الله الخميني لكي تصوّر نفسها في أرجاء العالم الإسلامي كقوة إسلامية مناهضة للإمبريالية.
 
لكن منذ قيام الانتفاضات العربية في 2011، ظهرت القوة الناعمة الإسلامية كجزء له أهمية متزايدة للجيوبوليتيكا الجديدة في المنطقة. إلى حدّ يفوق ما كان عليه في الماضي، تحاول الحكومات الإسلامية الحالية تشكيل الخطاب الديني والسيطرة على المعرفة الدينية لتحقيق مآربها القومية الخاصة.
 
وعلى سبيل المثال، لدينا اغتيال الصحفي جمال خاشقجي في أكتوبر/تشرين الأول على يد عملاء سعوديين في إسطنبول، وهو ما تمخضت عنه فرجة محيّرة لنظام إسلاموي متعنّت يتخلص من كاتب بتهمة أنه إسلامويّ. هذه الأيام، تعارض العربية السعودية نوعا محددا من الإسلاموية، إنه نوع الإخوان المسلمين. مع أنها، قبل عقود خلت، كانت سعيدة بتوفير الملاذات والوظائف للإخوان المسلمين، وإيلاء جوانب من أنشطتها الدعوية لأتباع الحركة الإسلامية. لقد مُنحت شخصيات الإخوان المنفية مراكز في الهيئات الدراسية ضمن الجامعات السعودية، في حين شغل العديد منهم مقاعد منظمات دينية دولية مثل رابطة العالم الإسلامي وجمعية شباب العالم الإسلامي. لكن بعد ثورات عام 2011، إثر انتصار الأحزاب السياسية التابعة للإخوان في الانتخابات في مصر وتونس، رأت العائلات الملكية في الخليج الحركة كتهديد وجودي لأنظمتها.
 

      

الآن تصف مصر، والعربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية. مخافة أن يُثير مزيجُ الاستقامة الدينية والمهارة التنظيمية الذي تمتاز به الجماعة إعجابَ شعوب هذه البلدان الذين حُذّروا من مخاطر الإسلام السياسي. لكنّ المناهضين للإسلاميين يدمجون الدين والسياسة أيضا، ولكن بطريقة مختلفة.
 
إن الحكومات المناهضة للإخوان تحاول بعدوانيّة توكيد سيطرتها على المؤسسات الدينية وإرساء ما يمكن تسميته "إسلامًا دولتيًّا"، وهي نسخة من الدين، تكون في المقام الأول، خانعة لمصالح الدولة. في مصر، أمر الرئيس عبد الفتاح السيسي جامعة الأزهر أن تجدد وتحدّث معالجتها للمصادر الإسلامية كجزء من "ثورة دينية" أوسع سيُمكن لها أن تتصدى لكل من الإسلام المعارض والعنيف الخاص بالإخوان، وذلك الإسلام المتشدد الخاص بتنظيم الدولة (داعش) والقاعدة. بينما تعهّد ولي العهد السعودي محمد بن سلمان (مبس) في 2017 بإعادة السعودية إلى ممارسة "إسلام معتدل" يزعم ذيوعه في زمن مضى في المملكة. فقام بكبح تأثير الشرطة الدينية في السعودية (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، مجردا إياها سلطة الاعتقال، وأصدر أحكاما قاسية ضد شخصيات دينية مستقلة مثل الشيخ سلمان العودة، وهو داعية له جماهيرية واسعة، بمسحة من الود تجاه الإخوان. وفي حين سمحت الملكيّات والشخصيات الملكية السابقة بعلاقة أخذ وردّ مع المؤسسة الدينية للبلاد، أوضح مبس أنه بالنسبة إليه، فالإسلام المعتدل لا يتعلق فحسب برفض تنظيم الدولة وإنما أيضا بتعزيز التباين عن المؤسسات السياسية القائمة.

 
مراكز القوة الأخرى، قطر والإمارات العربية المتحدة، طورت أيضا وسائل لدعم وتعزيز الدين في الخارج. فقد نصبت قطر نفسها راعية لنمط الإسلام السياسي الخاص بالإخوان، وهو ما جعلها -تحت سخط الرياض وأبوظبي- ملاذا للمعارضين الإسلامويين ومضيفا لباقة واسعة من المنافذ الإعلامية الداعمة للإخوان. في حين ظهرت الإمارات العربية المتحدة على مدار العقد الفائت وببطء راعيا رئيسيا لعدد من العلماء الصوفيين، وموّلت مؤتمرات رفيعة المستوى لا يحضرها قادة مسلمون من أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط فحسب، وإنما قادة مسيحيون ويهود من أوروبا والولايات المتحدة أيضا. والثيمة الرئيسية في تلك المؤتمرات هي التعددية الدينية، إلا أنها تعددية ساكنة لا تتحدى الدولة.
 

     

الإسلام والنظام العالمي

بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية وقوى غربية أخرى، تعقّد حقائق القوة الناعمة الإسلامية من محاولة فهم الحلفاء. فعلى واشنطن أن تفهم أولا بأن التنافس الداخلي على دور الإسلام والإسلاموية لا يمكن احتواؤه داخل حدود بلد معين، وأن السياسات الخارجية للحلفاء السلطويين هي ليست -ولن تكون- معزولة عن المكابدات الإسلاموية الداخلية في أوطانها الأم. وهذا يعني أنه حتى بالنسبة للمسؤولين الأميركيين الذين لا تقضّ مضاجعهم شؤون حقوق الإنسان إلا قليلا، يظل هناك أسباب مهمة -بالإضافة إلى خطوط "المصالح القومية" الصارمة- لإيلاء اهتمام لملابسات قمع هذه الأنظمة خصومها الداخليين. لا يمكن لانتهاكات حقوق الإنسان أن تكون محصورة كمسألة يتولاها مثاليّون سذّج لا دراية لهم بالحقائق الدامغة للسياسة الواقعية.
  
لدى عدة إدارات أميركية، جمهورية وديمقراطية على حد سواء، بعض العادات السيئة عندما يتعلق الأمر باحتواء جهات دينية يراها الحلفاء العرب حلولا للتطرف الديني. مثل الإمارات العربية المتحدة، فقد نصبت كل من الأردن والمغرب نفسيهما بطلا لـ "الإسلام المعتدل"، بوصفه ترياقا مفترضا للتطرف الديني. لقد أثنت الحكومات الغربية على رعاية هؤلاء قمما دينية مشتركة إلى جانب إنشاء مراكز تدريب للقادة الدينيين، مع أن القضاء يظل خارج فاعلية هذه المبادرات. لكن في نهاية المطاف فإن الشعوب ترى هذه المؤسسات على أنها أفواه الحكومات التي يمقتونها بشدة. وهي قلّما تكون أصواتا ذات مصداقية.
  
إن استخدام القوة الناعمة الإسلامية كان يُراد به خدمة الحكومات أكثر من خدمة الشعوب الإسلامية. تقريبا ودون استثناء اليوم، يعتنق أولئك المتنافسون على الهيمنة في الشرق الأوسط أشكالا متعددة من الانتشار الديني ضمن إستراتيجيتهم الإقليمية. على سبيل المثال، جنون الارتياب الذي تعانيه السعودية جراء تغلغل إيران في المنطقة قد حذا بها إلى تشجيع أو على الأقل إغماض عينيها عن المشاعر الخبيثة وفي بعض الأحيان العنيفة المناهضة للشيعة لدى الوعاظ السعوديين والمرتبطين بالسعودية، لا سيما في بلدان مثل لبنان والعراق، حيث تمتلك طهران حضورا قويا. ينخرط هؤلاء في شجب ما يرونها هرطقة، بينما تخدم ممارساتهم العقائدية أجندة الدولة السعودية التي ترى في الشيعة تمثيلا لطهران.
 
وسعت إيران من جهتها إلى تأجيج التوترات الطائفية في بلدان مثل البحرين والعراق ولبنان، حيث يعيش الشيعة التمييز والحرمان من حق الاقتراع. لا يمكن لإيران أن تتحمل كلفة الانخراط في قلاقل معادية للسنة بشكل مباشر، فهذا قد ينفّر منها الغالبية العظمى من المسلمين. عوض ذلك، تعتمد طهران على رموز المظلومية الشيعية من التاريخ الإسلامي في محاولة منها لمساواة الأنظمة السنية الحالية بجُناة مناهضة الشيعة في الماضي. في كلّ واحد من هذه الأمثلة، تُحاك الجيوبوليتيكا والإسلام بشكل معقد، إلى حد تصعب معه معرفة أين ينتهي الأول ويبدأ الأخير.
 

    

مع أن الإسلام دائما ما كان حاضرا في سياسات المنطقة الحالية، فإن أهميته تزايدت في السنوات الأخيرة، ليس بفضل تشنجات الربيع العربي فحسب، وإنما قرارات اتُّخذت في واشنطن. فقد حاول الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مثل سلفه، باراك أوباما، حلّ وثاقه بالمنغصّات اليومية لسياسات الشرق الأوسط وتفويض الحلفاء العرب بمسؤوليات أكبر. إلا أن ذلك شجع حلفاء -لا سيما السعودية- على تبنّي سياسات خارجية أكثر عدوانية، وهو ما تطلب لغة أيديولوجية تديم هذا العداء. القوة الناعمة الإسلامية، سواء أكانت في شكل مناهضة الشيعية أو "إسلاما معتدلا"، توفر ذلك تماما.
 
على مقياس أوسع، هناك تحول يطرأ حاليا حول العالم مع الشكوك المتراكمة إزاء مستقبل الليبرالية و"النظام العالمي الليبرالي" بزعامة الولايات المتحدة. ففي ظل إجماع عالمي على أفول الليبرالية، يتم إفساح مجال أكبر للتصادم الأيديولوجي. وإن واصلت الولايات المتحدة انسحابها من دورها في تعزيز نظام عالمي قابل للتنبؤ، فإن التنافس حول الإسلام -من يعرّفه، ومن يتحدث أصالة عنه، ومن يتسنّى له تسخيره لغاياته الخاصة- يبدو وأنه سيحتدم فحسب. 

---------------------------------------------------

ترجمة (فرح عصام)

هذا التقرير مترجم عن: Foreign Affairs ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان

تقارير متصدرة


آخر الأخبار