انضم إلينا
اغلاق
الخوف في كل مكان.. لهذه الأسباب أصبحنا رهائن في أوطاننا

الخوف في كل مكان.. لهذه الأسباب أصبحنا رهائن في أوطاننا

شريف مراد

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض

كان للاحتجاجات التي شهدتها المدن الفرنسية في الأيام الأخيرة صدى ملحوظ في الفضاء الإعلامي العربي الرسمي وغير الرسمي وعلى مواقع التواصل، فالحراك الجماهيري الذي تركز في العاصمة الباريسية أعاد للذهن وللعديد من قطاعات المجتمعات العربية الحراك العربي المماثل إبان ثورات الربيع العربي.

  

وكان لدرجة العنف المحدودة التي شهدها الحراك من قِبل العناصر الأمنية الفرنسية أو من ناحية المتظاهرين، حيث لم يكن هناك أي خسائر في الأرواح مع وجود بعض الإصابات الطفيفة، واحتجاز عدد محدود من المتظاهرين فقط ولساعات قليلة(1)، ثم تراجع الحكومة عن قراراتها حول رفع أسعار الوقود التي أشعلت تلك الاحتجاجات بالأساس، استجابة منها لمطالب المُحتجين عليها من مواطنين فرنسا(2)، هذا التعامل الأمني أشعل ردود فعل وتعليقات واسعة على مواقع التواصل والمنصات الإعلامية العربية، فمن ناحيته أعرب أحد الإعلاميين(4) المحسوبين على أحد الأنظمة العربية، قبل قرار الحكومة الفرنسية بالتراجع، أن احتمالية نزول الجيش الفرنسي إلى الشوارع لقمع المتظاهرين باتت وشيكة لفرض النظام، ومع تراجع الحكومة وتشديد وزير الداخلية الفرنسي على حق التظاهر كحق أصيل في عَقد المواطنة الفرنسي، أتت في المقابل تعليقات العديد من المتابعين مُحمَّلة بسخرية مريرة عن التناقض المخزي بين أوضاع الفرنسيين وأوضاع عموم العرب في بلدانهم(5).

 

    

لا يوجد أحد آمن

في توقيت متزامن اكتملت المفارقة والمرارة مع إعادة إحياء قضية مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني في مصر، حيث تواترت العديد من الأنباء عن وصول التحقيقات لمعلومات مؤكدة عن ضلوع أجهزة أمنية وشخصيات سياسية في جريمة تعذيب الباحث الإيطالي، بل إن أحد المتهمين الرئيسيين هو لواء في جهاز الأمن الوطني المصري، وكان الأمر الأكثر خطورة هو توصل المُدّعي العام الإيطالي إلى تواطؤ الرئاسة المصرية مُمَثّلة في شخص السيسي نفسه وقيادات من جهاز المخابرات الحربية ووزير الداخلية في التستّر على الجريمة، أي إن كل القيادات الأمنية والسياسية في البلاد تقريبا متواطئة في جريمة قتل والتستّر عليها، "على إثر اجتماع عقده السيسي مع وزير الداخلية والسفيرة فايزة أبو النجا، مستشارة الرئيس للأمن القومي، واثنين من قيادات الحرس الجمهوري، حيث اتّفق الحضور على إلقاء الجثمان بجانب إحدى الطرق السريعة على مشارف القاهرة، والقول بأن الجريمة حدثت بغرض السرقة والمثلية الجنسية"(6)؛ كما أفادت التحقيقات.

  

خلال تعليقها على تلك المعطيات الجديدة عقّبت أسرة الشاب جوليو ريجيني خلال المؤتمر الصحفي أن تلك المعلومات تُوضّح حجم ودرجة الانهيار الأمني والقانوني والحقوقي الحادث في مصر، وكان التعليق الأبرز الذي تصدّر الصحف الإيطالية والأوروبية هو تعقيب المحامية الإيطالية "آليساندرا باليريني" تعليقا منها على حجم التواطؤ العصبوي بين مؤسسات الدولة المصرية بقولها: "إن هذه الجريمة وحجم هذا التواطؤ يعكسان حقيقة واحدة أكيدة؛ لا يوجد أحد آمن في مصر"(7)، مردفة أن هذه الحادثة ألقت الضوء على مئات الآلاف من ضحايا النظام المصري من المواطنين المصريين سواء القتلى أو المُختفين قسريا أو المحتجزين إلى أجل غير مسمى، والتي أصبحت حوادث اعتيادية في الحياة اليومية للمصريين.

 

في صورة أوسع يأتي المشهد المصري الآن ليس بعيدا عن نظيره السوري والعراقي واليمني وحتى السعودي، والاختلافات لا تزيد على أن تكون بالتفاصيل والإحصائيات فقط، مع اتفاق وإجماع عربي نادر في الصورة العامة، فالأخبار الواردة من منطقتنا العربية كل يوم باتت تدعو إلى الشعور باليأس والمرارة والاكتئاب، وهو ما ظهر في حجم الانتشار والتفاعل على تعليقات العديد من كل البلدان العربية تقريبا، ليكون التساؤل الأصدق الآن أمام هذه الواقعة وأمام كل هذا الإحباط والفشل التاريخي على مستوى بنية الدول العربية: لماذا لا نشعر بالأمان في بُلداننا العربية، وكيف آلت الأمور إلى ما آلت إليه، تاريخيًّا على الأقل؟

 

الدولة العربية الحديثة.. الاستثناء هو الحالة الدائمة

في عمله الموسوعي حول تاريخ أوروبا الحديث، يُعنون المؤرخ البارز "إيريك هوبسباوم" الجزء الأول من السلسلة الرباعية التي تتناول تاريخ أوروبا الحديث "بعصر الثورات"، وتحت هذا العنوان للجزء الأول يُوضّح هوبسباوم أن عملية الانتقال إلى الحداثة في أوروبا شهدت عمليات اجتماعية وسياسية من أسفل الهرم الاجتماعي إلى أعلاه، عن طريق موجات ثورية جماهيرية عارمة قادتها البرجوازية الأوروبية الصاعدة للقضاء على المجتمع التقليدي، المُكوّن من تحالفات سُلطوية بين الحُكم المَلكي المطلق والمُلاك الإقطاعيين والكنيسة الكاثوليكية. ما يهم هنا هو تأكيد إيريك هوبسباوم أن الانتقال إلى الحداثة أوروبيًّا كان يحمل في ثناياه عقدا اجتماعيا ثوريا جديدا بين العديد من القوى الاجتماعية الموّلدة للحداثة، تحمل رؤية للعالم تُعارض بها العالم القديم(8)، مما كان له الدور الرئيسي في تراكم البنى والمؤسسات والتحالفات التي تُجسّد هذا العقد الاجتماعي التاريخي داخل الدولة الحديثة، وتُمثّل القوى الاجتماعية التاريخية الداعمة لهذا العقد، مما يجعل ظهور دولة استبدادية أو أوليجاركية داخل هذا السياق التاريخي انحرافا عن المسار الرئيسي، أو رِدّة عن قيم الحداثة الأوروبية.

   

المؤرخ البارز "إيريك هوبسباوم" (مواقع التواصل)

   

على النقيض من ذلك، يضع دكتور برهان غليون يده على أحد مَكامِن الخلل في عمليات التحديث العربي، حيث أتى التحديث العربي في بدايته لخدمة المشاريع السلطوية التقليدية وعلاقات القوة القائمة بالفعل، مُردفا(9): "لقد كان الخوف من انهيار الدولة التقليدية وما تتضمّنه من مصالح خاصة هو الذي دفع السلاطين إلى تَبنّي سُبل الإصلاح التنظيمي وتكييف أنظمة الحُكم والإدارة مع تقنيات السلطة المُستمَدّة من الثورة الوطنية في أوروبا... وهذا يعني أنه كان لا بد للسلاطين والقوى المُتحالفة معهم عند أخذهم من تجريدها من مضمونها السياسي والاجتماعي والقانوني، ووضع النظم الجديدة في خدمة الروح السلطانية بدل الغاية الوطنية الحديثة".

 

بطبيعة الحال كانت أولى تجارب إدخال نماذج الحُكم وتقنيات السلطة والضبط والسيطرة الحديثة على مصر وتركيا فقط، ولكن مُنذ القرن التاسع عشر -يؤكّد برهان غليون- شهدت البلدان العربية عمليات مُشابهة لزرع أجهزة دولتية لذات الغرض السياسي السلطاني التقليدي، ثم تكفّل الاستعمار الأوروبي بتعميم هذا النموذج التحديثى السلطوي أُحادي الجانب عبر توظيف تقنيات الضبط والتنظيم لتثبيت الإدارة الاستعمارية وتحقيق أعلى استفادة اقتصادية ممكنة، والحال أن تعميم هذا النموذج لم يكن مجردا من أي عقد جديد للاجتماع السياسي-القانوني فقط، ولكن أيضا كان له العديد من الآثار السلبية، فبموازاة عمليات تفكيك المجتمعات والبنى التقليدية القانونية والاجتماعية المحلية، كانت تزداد بقدر أكبر قبضة السلطة المركزية وتتعزز وسائل الضبط والسيطرة والتحكم لدى السلطة على حياة السكان والأفراد، دون أي رادع قانوني أو أخلاقي نابع من هيكل قانوني أو دستوري.

 

واتكاء على برهان غليون مرة أخرى فالمشكلة الهيكلية في بنية الدولة العربية الحديثة أنها لم تنشأ في "حجر الأمة وتعبيرا عنها، ولكن نشأت من أنقاضها وفي مواجهتها. ولا تزال تعيش على موقفها هذا، ومن الدور الدولي الذي تلعبه في ضبط الأمة والتحكم بها لصالح الإستراتيجيات الدولية في أغلب الأحيان.. وفي هذه الحالة من الصعب أن تتبلور بنى سياسية وقانونية عقلانية داخل هذة الدولة وعلى أساسها"، ما يؤكد هذا أنه حتى مع نهاية الحقبة الاستعمارية العريضة -التي نقلت المجتمعات العربية نقلة جذرية بالفعل- استمر هذا النمط من علاقات السلطة بالكيفية نفسها مع قيام دول التحرر الوطني العربية، حيث أفرز التحديث التقني والأداتي الاستعماري نخبا عسكرية وإدارية سُلطوية، استبدلت الشعارات الاستعمارية العنصرية بشعارات الثورة والتقدم، ورأت في نفسها تجسيدا لقيم التقدم، وفي الدولة أداة في يدها لتنفيذ برامجها الثورية التقدمية، ما أدى بالتبعية إلى أن تتماهى تلك النخب التقدمية العسكرية مع الدولة كمفهوم وكأبنية مادية أمنية وعسكرية وأيديولوجية، وهو ما يعني نفيا كاملا للمجتمع وقواه الفاعلة، وللبنية السياسية التمثيلية التي من المفترض أن تكون في الدولة الوطنية.

  

ويُضيف الدكتور نزيه الأيوبي(10) أنه ترتّب على ضعف الدولة السياسي والتمثيلي تحوّلها إلى أداة قسر وقهر صرف، فعلى عكس الدولة الغرب-أوروبية الناتجة عن تحالف سياسي ثوري بين قوى اجتماعية حيّة وفاعلة وواعية بمصالحها، غاب عن الدولة العربية أي عقد اجتماعي، وبالتالي ضعفت أي إمكانية لتوليد مجال سياسي، وتداول واقتسام تمثيله بين أطراف مختلفة من الفاعلين السياسيين داخل المجتمع.

    

    

وإجمالا يختم الدكتور برهان غليون تحليله التاريخي بأن هيمنة العنصر الأمني والعسكري على المُكوّن السياسي والأيديولوجي للدولة هي على عكس الدولة الغرب-أوروبية هيمنة هيكلية وليست بسبب عارض تاريخي ما، بل هي جزء من طبيعة التحديث العربي والدولة العربية التحديثية، مُوضحا "إن انعدام طابعها المدني الدستوري، وهيمنة الروح التكنوقراطية داخلها، وعجزها عن الرد على الحاجات والمطالب الاجتماعية هو المصدر الأول لضعفها السياسي والأخلاقي، وهذا الضعف هو الذي يُفسّر الميل الشديد الدائم لديها، كنوع من التعويض وإيجاد التوازن، إلى تطوير القوة المُسلحة العسكرية المُستخدمة في اللعبة السياسية، وتحويل الجيوش إلى ما يشبه الميليشيات الحكومية. فهذه الجيوش هي التي تُشكّل القوة الاحتياطية الإستراتيجية لبقاء ضمان الدولة وضمان الحدّ الأدنى من الاستقرار لسُلطة لا تملك أي قاعدة اجتماعية ثابتة وأكيدة، أي تاريخية"(11).

  

أدّى هذا العجز البنيوي التاريخي عن إنتاج المجال السياسي، وضعف الصفة التمثيلية لمؤسسات الدولة، إلى خلق حالة دائمة من الاغتراب بين المواطن العربي ودولته طوال التاريخ الحديث، حيث عاش الإنسان العربي الحديث خلال هذا التاريخ الطويل منبوذا بلا نظام سياسي يُمثّله وبلا قانون يحميه.

  

المنبوذ.. تعريف العربي الحديث

"إن كل المواطنين في العصر الحديث، وبمعنى خاص جدا ولكنه واقعي تماما؛ يظهرون افتراضيًا كمنبوذين داخل حالة من الحظر السياسي، ثم تبدأ المرحلة التالية من السياسية"

 جيورجيو أغامبين

 

على عكس ما تُصوّره السردية الليبرالية المُتفائلة بأن الفضاء السياسي الحديث تأسس بإرادة واعية وحُرة بين ذوات عقلانية على صيغ المواطنة والعقد الاجتماعي وتنظيم العنف بالقانون العقلاني، بل ما يُؤكد أنه ما تم على الحقيقة كما يوضح جوزيف شتراير في كتابه "الأصول الوسيطة للدولة الحديثة" أنه منذ عصر النهضة أخذت المُؤسسات السلطوية السياسية الرسمية في أوروبا والمستعمرات في مُراكمة قدرات تقنية وتنظيمية، يَسّرت لها سُلطة مادية أوسع في التحكم في حركة أجساد السكان ومُراقبتهم وإدارة حياتهم واستثمارها لصالح أهدافها ومصالحها، مما أدى مع مرور الوقت إلى انكشاف حياة الأفراد وأجسادهم أمام هذا التراكم التقني والتنظيمي البيروقراطي للسلطة.

   

الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين (مواقع التواصل)

   

يُضيف جيورجيو أغامبين أن ظاهرة تسييس الحياة هي المرحلة الحاسمة في نشأة الحداثة سياسيا وليس العقد الاجتماعي، فأساس السلطة السيادية ليس التنظيم القانوني للعنف للخروج من حالة الطبيعة وحرب الجميع ضد الجميع، بل "يتمثّل في كون صاحب السيادة تجسيدا لحالة الطبيعة العنيفة داخل المجتمع الحديث، وفي قدرته على الفعل باسم السيادة دون حدود إزاء أي إنسان أو أي شيء"(12)، مُوضحا أن أساس السلطة السيادية ليس في تنازل الأفراد والرعايا عن حقهم الطبيعي في استخدام العنف لحماية مصالحهم لصالح مُؤسسات السيادة ضمن عقد اجتماعي عقلاني بين ذوات سياسية حرة، بقدر ما يتمثّل بتعزيز صاحب السيادة بقدرته وحده في ممارسة العنف كحق طبيعي ضد الجميع، وهو امتياز مثّل منذ تلك اللحظة حقه في مُمارسة العنف في صيغ فرض العقاب وفي إدارة حركة أجساد الآخرين وحياتهم واستثمارها.

 

وبالعودة إلى جوزيف شتراير(13) نجد أنه على التوازي مع التحديث التقني السلطوي وتَمدُّد السلطة وتحوّلها إلى سُلطة على الحياة نفسها، كانت تنمو في المقابل حركات تحديث وتسييس إيجابي من أسفل، حيث بدأت تتصاعد دعوات التمثيل السياسي وتأكيد قداسة حياة وحقوق الأفراد والمِلكية الخاصة، وشهدت أوروبا في القرن التاسع عشر ثورات عارمة لفرض هذه الحقوق، التي كانت بدورها الجذر الأول لبلورة مفاهيم العقد الاجتماعي والمُواطنة والحريات السياسية والاجتماعية وقيم الديمقراطية الحديثة؛ فهذا الحراك هو رد الفعل التاريخي على التحديث السلطوي والتسييس السلبي الناجم عن الاحتكاك المباشر مع السلطة السياسية التي باتت لها اليد العليا في التحكم في حياة وأجساد الأفراد؛ أي إن مفاهيم العقد الاجتماعي والحريات السياسية ودولة القانون هي نتاج تدافع وصراع تاريخي وثورات وليست نتاج توافق تاريخي ما.

 

في مصر، وفي وقت متزامن مع حراك السترات الصفراء في فرنسا، قامت السلطات باعتقال عدد من الناشطين الذي ارتدوا السترات الصفراء في مصر ونشروا صورهم على مواقع التواصل كتعبير فردي من داخل منازلهم عن تضامنهم مع الاحتجاجات في فرنسا(14)، لم تقف قوات الأمن عند هذا الحد، بل قامت في وقت لاحق بمصادرة كل السترات الصفراء من الأسواق وحظر استخدامها(15). وللمفارقة الساخرة، فإن ارتداء السترات الصفراء في فرنسا نفسها لم يعد جريمة قانونية فضلا عن عدم اعتبارها قبل كل ذلك التظاهر والاحتجاج نفسه جريمة تُوجب العقاب ولم ترد أي أخبار عن قتلى أو مُختفين قسريا أو حتى إعلان حالة الطوارئ في فرنسا. مع كل حدث سياسي تاريخي هنا أو على الضفة الأخرى من العالم، تبدو المقارنة الغربية - العربية مُخجلة، فالأجهزة الدولتية العربية تم زرعها كتراكُم إداري وتنظيمي وتقني ذي قدرات سُلطوية ضخمة، إلا أنه وعلى النقيض من العالم الأول لم تزل عمليات التسييس الإيجابي والتحديث من أسفل في العالم العربي طوال أكثر من قرن -التي كان حراك الربيع العربي ذروتها- تبوء بالفشل وتنتهي إلى نهايات كابوسية كمصير سوريا واليمن ومصر السيسي.

      

      

تبدو مقولة المحامية الإيطالية "لا يُوجد أحد آمن في مصر" تعبيرا، وإن لم تقصد، عن أزمة سياسية تاريخية، وليس مجرد بيان صحفي أو مُرافعة قانونية متعلقة بحادث طارئ، وهي إن قِيلت عن مصر فهي واقع يراه الجميع في سوريا واليمن والعراق وفي كثير من الدول العربية الأخرى، فحالة انعدام الأمن والإحساس بالاغتراب التي يعيشها المُواطن العربي اليوم لها أسبابها التاريخية والجذرية وترجع إلى فشل هيكلي في بنية الحداثة العربية بالأساس، هذا الفشل الذي يحكم واقعنا اليوم أكثر من أي شيء آخر، فالدولة العربية اليوم كما يشرح آلان باديو(16) "لا تقوم على عقد اجتماعي هي إحدى تعبيراته، وإنما تقوم على عدم تحققه بالأساس"، ما يجعلها في النهاية جهازا ماديا قمعيا وغير عقلاني، يُشكّل خطرا وتهديدا تجاه كل من يقترب منه أو يعيش تحت سطوته، بدون أي قدرة على التفاوض معه ولا أمل في الإصلاح من داخله.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار