انضم إلينا
اغلاق
فلسفة الأخلاق.. من أين يأتينا الشعور بالذنب؟

فلسفة الأخلاق.. من أين يأتينا الشعور بالذنب؟

  • ض
  • ض

في واحدة من مقالاتها، تروي الكاتبة، والمعالجة النفسية، "إف. ديان بارث"[1] عن إحدى الحالات المرضية التي عاينتها، وهي مريضتها "سارة" -اسم مستعار- التي وافت جدتها المنية أثناء شهرها الأخير بالحمل، مما يعني أنها عجزت عن زيارتها أثناء مرضها الأخير، حيث منعها الأطباء من الحركة، الأمر الذي حال دون رؤيتها لجدتها قبل أن تغيب للأبد.

 

تذكر "بارث" كم كانت معاناة "سارة" مع مشاعرها السلبية التي حمّلتها ذنب هذا الأمر، على الرغم من كونها مجبرة على عدم السفر، لتسأل الطبيبة النفسية، متأثرة بشعور "سارة" العنيف الذي يسيطر عليها: ما الذي يدفعنا للشعور بالذنب؟ وهل يفيدنا هذا الشعور حقا أم إنه لا يحمل لنا إلا الإيذاء؟ وما بين التفسيرات المتباينة لأسباب الشعور بالذنب والخجل من الذات، فإن أحدا لا يكاد يُنكر أهمية هذا الشعور لدى المرء، وأثر ذلك على سلوكه الأخلاقي، إلا أن السؤال الحقيقي يدور حول المبالغة التي قد تحدث في هذا الشعور، فتجنح به إلى مساحات غير مرغوبة من التوبيخ المرضي للذات والسخط الدائم عليها.

 

الأمر الذي ينشأ نتيجة لظروف تربوية خاطئة، وربما يتطور لصورة عصابية تحتاج إلى العلاج النفسي حتى تعود الحياة إلى شيء من السواء. فما الشعور بالذنب؟ وكيف ينشأ؟ وما حدوده المقبولة والمذمومة، والفرق بينه وبين المشاعر الأخرى المتداخلة معه في العائلة السلبية من الشعور؟

   

   

الذنب كشعور مرضي

بتعريفات مختلطة أحيانا، متشابكة في أحيان أخرى، كانت أزمة التعريف الخاصة بمفهوم "الشعور بالذنب" لدى علماء النفس في القرن السابق، "الأمر الذي جعل من مهمة الخروج بتصور نظري مقبول لمفهوم الشعور بالذنب مهمة صعبة"[2]، لتداخله وتقاربه مع مفاهيم سيكولوجية أخرى كالخزي، والندم، والحرج، كما يرى عالما النفس "أوزبل" و"بنديكت"[3]. ويرى الكاتب والأخصائي النفسي "بدر الأنصاري" أننا نستطيع فهم الشعور بالذنب على أنه حالة انفعالية خاصة تتضمن مشاعر مؤلمة، نابعة من ضمير الفرد، نتيجة لارتكابه فعلا أو حدثا يأسف عليه أسفا عميقا[4]، بالإضافة إلى كونه، كما يُضيف "دانسي" وآخرون[5]، شعورا مؤلما بالإثم يرتبط بالخوف من جرح مشاعر الآخرين.

 

وتعرّفه "هورني"[6] بأنه تأنيب للذات بسبب ما يبدو لنا من أخطاء سلوكية، أو بسبب الخوف أصلا من اكتشاف الخطأ، مما يربطه لدينا بالخوف من النقد نتيجة السعي لإدراك الكمال بشكل عام، وهو ما يتوافق مع تعريف "رولماي"[7] له بوصفه خبرة ناتجة عن شعور الفرد بالعجز عن تحقيق ذاته أو الفشل في فهم احتياجات الآخرين.

 

ويمكن إجمال التعريف وفق ما ذكرته الباحثة "دانيا الشبؤون"[8] بأن الشعور بالذنب عبارة عن ألم نفسي يشعر به الفرد داخليا، على هيئة حوار بينه وبين ذاته، أو هو حوار بين الأنا والأنا الأعلى، بلغة التحليل النفسي، يناقش ارتكاب المرء للذنوب والآثام، وقد تكون هذه المشاعر وهمية مبالغا فيها، فلا هي ترتبط بخطأ واضح ولا واقعي. كما تُضيف أنه يتسبب في تحويل نظرة المرء إلى ذاته، سلبا، فيميل إلى تحقيرها والاشمئزاز منها، وربما يقل لدرجة اللامبالاة وعدم تحمل المسؤولية.

 

وتكاد معظم الدراسات والبحوث النفسية، وفقا لـ"الشبؤون"، تتفق على أن جذور الشعور بالذنب تكمن في مرحلة الطفولة المبكرة، فالذنب يتأثر بأساليب تربية الطفل والتهذيب الوالدي الذي يتلقاه، ونوع التعلق بينه وبين أمه؛ إذ ترتبط أساليب التربية الحازمة والقاسية بنقص الذنب وانعدامه عند الطفل، في حين تؤدي أساليب الرعاية المفرطة في تحميل الأطفال مسؤولية الأخطاء وحثهم على مراعاة مشاعر الآخرين إلى الشعور بالذنب. وفي مقابلة له مع موقع "ميدان" يضيف الطبيب النفسي "شهاب الهواري" أن "التربية الناقدة المفرطة تضخّم من بنية الأنا العليا وترفع من سقف معاييره وهو ما ينعكس تاليا في صورة نقد ذاتي". إلا أن الشعور بالذنب ليس أمرا سيئا على الدوام، فهناك القدر المقبول، بل المطلوب، منه لتسيير الحياة بشكل صحي لا يفقد فيه المرء عاطفته ومشاركته مع الآخرين، وهناك -على الجانب الآخر- جوانبه الأكثر سوءا وضررا، والتي تُحيل هذا الشعور إلى كرة ثلج تنحدر بقوة تقضي على صاحبها في بعض الأحيان.

    

   

شيء حول التفسير

في حوار مع صحيفة "مونت كارلو" يذكر الطبيب النفسي "أنطوان سعد" أنّ دماغ الإنسان تتمّ برمجته في مراحل التربية منذ الصغر على أفكار ومبادئ تساعده على التمييز بين ما هو مقبول وما هو غير مقبول، فيخضع كل طفل إلى هذه البرمجة من حيث لا يدري، "وبالتالي يصبح للإنسان خريطة فكرية معتمدة على هذه الأفكار التي من الممكن أن تكون صحيحة أو لا. وهكذا، عندما يقوم الشخص بأمر معيّن لا يجوز القيام به تجاه نفسه أو تجاه الآخر، عندها قد يبدأ الشعور بالذنب"[9].

 

ويمكن فهم شعور المرء بالذنب في عدد من السياقات، على رأسها السياق الديني الذي يعتبر الشعور بالذنب نوعا من المسؤولية الأخلاقية التي تُشعر صاحبها بالذنب أمام الله نتيجة ما قام به من الأفعال المخالفة لضميره ومعتقداته، إلا أن المنظور الديني في تفسير هذا الشعور يرى أن الذنب "قد يكون له تأثير ضار ومدمر للشخصية حينما يشعر به الإنسان ولا يستطيع أن يتخلص منه"[10].

 

أصحاب المنظور الديني بحسب ما ترى "عثماني" يضعون في الاعتبار الأول عند فهم وتحليل الشخصية الإنسانية موضوع "الذات الشعورية"، أو الضمير والذات الأخلاقية، وفي هذا السياق يقول "مورر"[12] إن القلق الناجم عن الشعور بالذنب يعود إلى إشباع الرغبات التي لا ترضى عنها الذات الشعورية، مما يُثير الشعور بالذنب الذي يؤدي إلى القلق، وهو ما يُعلق عليه الكاتب وعالم النفس "كمال إبراهيم" قائلا إننا "إذا تمسّكنا بالأخلاق والقيم وعملنا بما يُرضي ضمائرنا فإننا سوف نكون أصحاء نفسيا"[12].

 

وقد عرّف الإسلام الإنسان بوصفه كائنا معرضا للخطأ لا محالة، ولكنه في الوقت ذاته يسّر له السبيل للتكفير عن أخطائه دون الغرق في دوّاماتها، كما ورد في الكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، الأمر الذي يضع مخرجا فعليا للمرء من الإفراط في الذنب، إما بالتوبة في حال كان بينه وبين ربه، وإما برد الحقوق لأصحابها أو طلب السماح منهم بدلا من جلد الذات وعقابها دون طائل.

 

على الجانب الآخر، فإن النموذج التفسيري للتحليل النفسي يُصنّف الشعور بالذنب إلى أنواع ثلاثة، أولها مشاعر الذنب معروفة المصدر، وتظهر في تأنيب الذات الناتج عن سلطان الضمير، وثانيها مشاعر الذنب غير معروفة المصدر، أو ما يُعبّر عنه "فرويد" باللاشعور، حينما تسكن هذه المشاعر في مكان خفي داخل الذات لأسباب غير واضحة، "وتُعد هذه من مشاعر العصاب التي تدفع للدونية واحتقار الذات"[13].

   

   

أما ثالث هذه الأنواع فيكمن في مشاعر الذنب الذي لا يُعرف مصدره إلا إنه موجود في تمظهرات أخرى كالشعور بالوحدة وانعدام الكفاءة والحزن والقلق وكراهية الذات. ويفسر "فرويد" الشعور بالذنب على أنه صراع بين القوى التركيبية الأساسية للشخصية: الهو، والأنا، والأنا الأعلى[14]، فينشأ الصراع بين الهو/الرغبات وفقا لمبدأ الليبدو/اللذة، وبين الأنا التي تتعامل مع الواقع وتحاول التكيّف معه حسب البيئة والظروف الخارجية من جهة، وبين الأنا الأعلى المتمثّل في المُثل الأخلاقية والقيم العليا التي يؤمن بها الفرد.

 

وحسب "التحليل النفسي" لفرويد فإن الشعور بالذنب ينشأ عن حالة خرق غير واعية للقيم، وحينما يُدرك الفرد على مستوى الوعي بأن رغباته ودوافعه مناهضة للقيم العليا التي يعتنقها، فإن إدراكه بالذنب يثور وينشط، لذا يؤكّد "رولو ماي"، في سياق قريب، ضرورة العزل بين الذنب العصابي الذي ينشأ عن إحساس مُتخيّل بالذنب، وبين الذنب الحقيقي[15].

 

كما يتسبب النزوع إلى الكمال في تضخم الشعور بالذنب عند الفرد، أو كما تُعبّر الطبيبة النفسية "إسراء عبد اللطيف" لـ "ميدان" بأن الشعور بالذنب قد يكون الوجه المقابل للمثالية، وأن القبول الذاتي من الشخص لنفسه يمكن أن ينقذه كثيرا من هذا الشعور، بالإضافة إلى إيمانه بمحدوديته وضيق مسؤوليته في الحياة، وأن كثيرا من الأخطاء أو الأزمات لا يُشتَرَط أن يتحمّل مسؤوليتها بمفرده.

 

قليل من الذنب يكفي

"القليل من الشعور بالذنب يُفيدنا، بينما قد يُسبّب الكثير منه فسادا وفوضى"

جاي وِنش

 

يرى "سيجموند فرويد" أن الشعور بالذنب دلالة جيدة على نضج المرء، كإشارة على نمو مسؤوليته تجاه أفعاله ومشاعره وصراعاته حول القرارات الصعبة التي يتحتم عليه حسمها، وهو ما يوافقه قول "كارل جونغ" الذي رأى أن التطور والنمو لا يحدثان إلا عندما نكون قادرين على إدراك أخطائنا ومحاولة تصحيحها، كما تُضيف "ميلاني كلاين" أن الشعور بالذنب، كجزء مقبول وصحي "للموقف الاكتئابي"، قد يكون علامة على قدرة الشخص على إدارة تجاربه الإنسانية، متقبلا أنها ليست نقية على الإطلاق لا يشوبها الخطأ، أو العكس[16].

   

سيجموند فرويد (مواقع التواصل)

 

ويتفق مع هذا الطرح الكاتب والمعالج النفسي "جاي وِنش"[17]، إذ يرى أن المرء يحتاج إلى قدر مناسب من استشعار الذنب وتأنيب الضمير تجاه أفعاله وأخطائه؛ لئلا يكررها أو يتبلّد تجاهها، بل إنه يراه عاملا مهما في حفظ العلاقات الإنسانية من الانهيار، لكنه على الرغم من ذلك لا يرى في تضخّم هذا الشعور إلا إيذاء بالغا للنفس. فالمشكلات التي تُسبّب الشعور بالذنب، في حال تعليقها وعدم حسم حلولها، تصبح كغفوة المنبه التي تُقلق صاحبها كل خمس دقائق، فتُعيق ممارسة الحياة بشكل طبيعي، وتدفع المرء نحو عقاب الذات وحرمانها من حقوقها الطبيعية، ظنا منه أنه بهذا يخفف من شعوره بالذنب.

 

وتُصنّف "نعيمة عثماني" مستويات الشعور بالذنب إلى ثلاثة مستويات، أولها شعور الذنب المرضي الذي يتوهم فيه المذنب الخطأ ويضخمه، مما يؤدي إلى ضعف تقديره للذات والانحسار النفسي. بينما تصطلح على المستوى الثاني بشعور الذنب المنخفض، والذي يُعبّر عن حالة اللامبالاة تجاه الأخطاء وانعدام المسؤولية عن أي ذنب. ثم تنتهي إلى المستوى الأخير وهو الشعور السوي بالذنب، وفيه يعترف المرء بالخطأ ويشرع في إصلاحه بصورة صحية دون جلد للذات أو انعزال عن الآخرين، وهو ما تصفه بالشعور الأمثل للتعامل مع الذنب.

 

كما ترصد "عثماني" التقارب الحادث بين الشعور المرضي بالذنب وبين الاضطرابات النفسية الأخرى، كالقلق والاكتئاب والوسواس القهري، وعلاقة كل منها بالشعور بالذنب: سببا ونتيجة. فتنقل عن عالم النفس "عبد المنعم الحفني" تحليله للعلاقة بين الشعور بالذنب وما ينتابنا من القلق، إذ يقول[18] إن القلق يرتبط بالمستقبل في حين يرتبط الذنب بشيء ارتكبناه في الماضي، فإذا كان الفرد يستخدم كل الدفاعات لخفض القلق، فإنه يستخدم الدفاعات نفسها لخفض الشعور بالذنب، والفرق هنا أننا لا نستطيع دائما تحديد أسباب القلق العام، إلا إنه من السهل علينا تحديد موضع الشعور بالذنب.

 

بينما يربط البعض الشعور بالذنب بالاكتئاب، رغم افتراقهما في المصدر، فيرى "نجدام" أن الشعور بالذنب عرض من أعراض الاكتئاب بجانب أعراض أخرى كاليأس والتقلب المزاجي، بينما يرى "تويز" و"كولب" أن الاكتئاب قد يحدث نتيجة الإفراط في الشعور بالذنب، فالمريض في هذه الحالة يوجه كراهيته وعدوانه حول موضوع أو شخص ما إلى نفسه، فيعاقبها على ذلك[19]، وتضيف "عثماني" أننا في هذا الحال سنكون في حاجة إلى معرفة ما إذا كان الشعور بالذنب عرضا للاكتئاب أم العكس، وعند تزاوجها فإن الشعور بالذنب يمكن تسميته حينها بالاكتئاب الثانوي.

   

   

كما يرتبط الشعور بالذنب بالوسواس القهري من جهة النقد للذات، فالمرء حينما يشعر بمسؤولية مفرطة تجاه ذنبه بصورة لا تساعده على التسامح أو التعايش معه، فإنه يخضع فريسة لقلقه المطرد، مما يحوّله إلى تربة خصبة تحوّل الشعور بالذنب إلى وساوس قهرية، كآلية للدفاع ضد إحساسه بالذنب تُخيّل له أنه يتحكّم فيه ليخفض قلقه تجاه ذنبه. ويضيف "محمد سعفان"[20] أن هذا التحول لا يحدث لدى الأشخاص على السواء ولكنه يحدث لدى الأشخاص الذين يتبنّون معايير سلوكية ثابتة، المتمركزين حول ذواتهم، غير المتسامحين مع أخطائهم.

 

وعلى المنوال نفسه، فإن الشعور بالذنب يمكنه أن يتحوّل إلى صورة من صور الشعور الذاتي بالخزي والخجل، إلا أن مشاعر الذنب "أقوى من مشاعر الخجل في قدرتها على جعل الفرد ينظر إلى نفسه باحتقار"[21]. وتُعد "هيلين بلوك" صاحبة الفضل الأول في فصل المفهومين عن بعضهما، ففي الذنب لا تُعد الذات هدفا أساسيا للنقد وإنما الفعل الذي ارتكبه الفرد هو منبع إثارة الشعور[22]، فالشعور بالذنب يعني أننا ننقم على أنفسنا لسبب ما، لكن تطور الأمر لدرجة الخزي يضع الذات في صورة شديدة الدونية يراها فيها المرء متهمة على الدوام.

 

ويرى "الهواري" أن الشعور بالذنب صورة من صور التكافل الإنساني، إلا أن تحجيمه في نطاق آمن ضرورة ملازمة لوجوده. وفي السياق نفسه، تخبرنا "الشبؤون" أن غياب الشعور بالذنب السوي يؤدّي إلى العدائية والغضب وعدم التعاطف مع الآخرين، وأن علاج الشعور بالذنب لا يكون بالقضاء عليه، وإنما بتغيير الشعور بالذنب العصابي إلى الشعور بالذنب السوي؛ ذلك لأن "الشعور بالذنب قد يكون خبرة إيجابية تسهم في تعزيز السلوك الأخلاقي والاجتماعي للفرد عندما يشعر بها في حدودها الطبيعية دون تضخيم للأخطاء أو المبالغة في عقاب الذات ولومها"[23].

 

كما يعلّق "الهواري" على الأمر ذاته بكلمات متقاربة، ويستخدم المنظور الإسلامي في التعامل مع الذنب كأبسط الحلول الممكنة وأكثرها إيجابية، فيقول إن التوجيه الإسلامي يهدف إلى التعامل مع الذنب كالمنبه الذي يضرب صوته عند وقوع مخالفة لمنظومة القيم، وإن التوبة تكفي لإصلاح الخطأ، وإسكات نبرته التي تدفعه لجلد ذاته، ذلك لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له كما ورد في كثير من الأدلة القرآنية والنبوية، كما سبق الذكر.

المصادر

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار