هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
الترامادول يحرق شبابها.. لماذا لا تحاربه السلطات المصرية بجدية؟

الترامادول يحرق شبابها.. لماذا لا تحاربه السلطات المصرية بجدية؟

  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
    
بعد شهور قضتها السائحة البريطانية لورا بلومر في سجون مصر ظنّت خلالها أنها لن تخرج أبدا، وكأنها زارت الجحيم، فوصفت تجربتها في السجن المصري تقول: "ذقت عذابا حقيقيا"(1).

   

أمر الرئيس المصري بإطلاق سراح لورا، بعدما ضبطت الشرطة المصرية بحوزتها 300 حبة ترامادول، تقول لورا إنها أحضرتهم لزوجها الذي يعاني من آلام في الظهر، لكن هذا المبرر لم يشفع لها أمام القضاء المصري الذي أصدر عليها حكما بالسجن ثلاث سنوات بتهمة الاتجار في المخدرات، قبل أن تُطلق السلطة المصرية سراحها تحت ضغط دبلوماسي.

 

في معرض حديثها، قالت لورا إن الحصول على وصفة طبية بمسكن الترامادول يُعدّ مسموحا في المملكة المتحدة، ولم تكن تعلم أن القانون المصري يمنعه(1)، ومع انتشار حبوب الترامادول كمخدر في مصر قال عزمي مجاهد، مدير إدارة الإعلام باتحاد كرة القدم، إن جماعة الإخوان المسلمين وراء انتشار الترامادول والمخدرات بين شباب مصر، وتابع مجاهد: "اللي دخل الترامادول مصر الإخوان، وفي فترة مرسي كان الترامادول يُباع على الرصيف"(2).

 

 لكن قبل ذلك بفترة، نشرت قناة "مكملين" تسجيلا صوتيا مسربا للواء عباس كامل مدير مكتب عبد الفتاح السيسي يقول فيه إنه وزملاءه في المكتب أصبحوا يتعاطون حبوب الترامادول يوميا بسبب حالات الضغط العصبي التي يمرون بها، مما أثار سيلا من التعليقات حول مدى تأثر السياسيين في مصر بتعاطي المخدرات، حيث أشار أحد السياسيين أن عبد الفتاح السيسي نفسه يبتلع الترامادول بعده كؤوس من الخمر(3).

  

  

وبمزيد من العودة بالزمن، وعندما كانت شوارع ميدان التحرير بالقاهرة تشتعل بمواجهات حامية بين المتظاهرين وقوات الشرطة، وفي إحدى الحلقات التلفزيونية أثناء متابعة أحداث محمد محمود، صرخ توفيق عكاشة وسط ضيوف برنامجه قائلا: "العيال دي بتضرب ترامادول، مستحيل يجيبوا الجرأة دي إلا بالترامادول"، واصفا بذلك إقدام المتظاهرين على النيران التى كانت مشتعلة أمامهم آنذاك.

  

لكن يبدو أن شهرة الترامادول كمخدر ومقوٍّ في مصر طغت على أي حسابات سياسية أو أخلاقية، حيث وقف نائب سلفي محسوب على حزب النور خلال برلمان 2012 وردد كلمات توفيق عكاشة نفسها، واصفا ما يحدث من شغب واشتباكات على أنه "أثر تعاطي الترامادول"، فلا أحد طبيعي في مصر كان ليتخيل أن باستطاعته مواجهة الداخلية والتصدي لقوات الأمن المركزي إلا تحت تأثير الترامادول، فتارة يتهم المتظاهرون البلطجية والشرطة بتعاطيه، وتارة يتهم الإعلاميون والحكومة المتظاهرين بذلك، فما قصة هذا المخدر، ومن الذي زج به في حسابات السياسة والثورة؟

  

قصة الترامادول

أظهرت نتائج البحث القومي للإدمان لعام 2015، وهي أحدث دراسة معلنة عن الإدمان في محافظات مصر، أن "الحشيش" و"البانجو" هما أكثر أنواع المواد المخدرة انتشارا، بواقع 77% من عينة "البحث"، تليهما الكحوليات بنسبة 28.6%، ثم تحتل المواد الأفيونية المرتبة الثالثة، خاصة عقاري "الترامادول" و"التامول" اللذين يتم استخدامهما على مستوى واسع بين الشباب(4).

  

  

لكن البحث سمى إدمان الترامادول خاصة بـ "الانتشار الوبائي لاستخدام الترامادول في مصر"، حيث أرجع البحث ذلك إلى سهولة الحصول عليه بالرغم من إدراجه في قائمة القسم الثاني من الجدول الأول من قائمة المواد المخدرة، وأشار البحث إلى أن تناول الترامادول عن طريق الفم في صورة أقراص يسهل استمرار الأفراد في استخدامه دون الحاجة إلى الاختفاء عن "أعين الناس"(4).

 

أما صندوق مكافحة وعلاج الإدمان، فقد أصدر تقريرا جاء فيه أن "الترامادول" في المركز الأوّل بين المواد المخدّرة بنسبة 77% من التعاطي العام، وذلك على عكس الكثير من دول العالم التي لم تضعه في جدول المخدّرات نظرا لعدم تحويله إلى مخدّر، واستمرار التعامل معه على أنّه مسكّن للآلام فقط(5).

 

وقالت غادة والي وزيرة التضامن الاجتماعي ورئيسة مجلس إدارة صندوق علاج ومكافحة الإدمان إن 44% من المكالمات التي تلقتها مراكز الإدمان العامة خلال الشهرين الماضيين كانت تتعلق بإدمان الترامادول، وأضافت قائلة إن عدد المكالمات التي تلقوها خلال هذين الشهرين تجاوز 9000 مكالمة(6).

 

كذلك صرح حسام عبد الغفار المتحدث باسم وزارة الصحة قائلا: إن "عدد مدمني الترامادول في مصر يقدر بنحو 700,000 شخص من أصل 55,528,519، وهو عدد السكان الذين تزيد أعمارهم على 15 عاما"(6).

  

   

لكن رغم هذا الكم الهائل من الإدمان على تعاطيه يُصنّف دواء الترامادول على أنه مسكن متوسط للآلام، حيث يُستخدم لتسكين الآلام الشديدة التي لا تُجدي معها المسكنات المعتادة. كما أنه يساهم في تحسين الجانب النفسي للمريض، ويرفع من حالته المزاجية، ليشعر أحيانا بالنشوة الغامرة، بالإضافة إلى تأثيره الذي يساهم في تقليل حدة الاكتئاب الذي يصاحب الآلام الشديدة، وقد صرحت المنظمة الأميركية للدواء والغذاء أخذه كعلاج لهذه الأغراض(7).

 

وينتسب الترامادول إلى عائلة المورفينات التي تتربع بأصنافها المختلفة على قمة عرش المسكنات، ولها استخدامات طبية محددة للتحكم في الآلام الشديدة التي لا تُجدي معها المسكنات المعتادة، وهو نوع من المشتقّات المخلقة، شبيهة بعمل ومفعول "المورفين"، وظيفته قطع الاتصال بين الأعصاب والمخ، فيمنع الشعور بالألم. والجرعة الطبيعيّة التي تُؤخذ لتسكين الآلام تكون من 50 إلى 100 ملّيغرام، أمّا الجرعات الخطرة، فهي التي تتسبّب في فقدان الوعي وتعطي آثارا مخدّرة، وتكون ما بين 500 و1000 ملّيغرام، أي 5 أقراص(8).

 

ومع تحول الترامادول من مسكن إلى مخدر، وانتشاره في مصر بصورة كبيرة، قال الدكتور سيف الله إمام، وكيل النقابة العامة للصيادلة، إن الدكتور فؤاد النواوي، وزير الصحة، أصدر قرارا رقم 125 لسنة 2012 بإضافة الترامادول إلى أدوية الجدول الأول للمواد المخدرة الملحق بقانون مكافحة المخدرات رقم 182 لسنة 1960م(9)، وبهذا أعلنت الحكومة المصرية الحرب على الترامادول.

 

من مسكن إلى مخدر.. الحرب على الترامادول

حتى تسعينيّات القرن الماضي، لم يُعامل "الترامادول" على أنّه مادة مخدّرة، ولكنّ سوء استخدامه جعله كذلك، وذلك بحسب الأمين العام المساعد لنقابة الصيادلة في مصر، جورج ميخائيل، الذي قال في تصريحات خاصة إنّه كان يُصرف من الصيدليّات حتى الـعشرين سنة الماضية من دون وصفة(10).

     

    

لكن في عام 2012 ستكتشف الحكومة المصرية فجأة أن مصر كلها تعيش داخل غيبوبة من تعاطي الترامادول وإخوانه، فبجانب الترامادول يوجد "كونترمال - تراماكس - تامول - تيدول - الترادول - تراموندين - ترامال - زامادول - كوسدول كمنتالب - أمادول - ترامونال"، وكلها أسماء لمواد متشابهة في المفعول جعلت الشعب المصري يحيا حياة العبيد، عمل شاق طوال اليوم قد يصل إلى 15 ساعة بجانب حياة جنسية مبهمة آخر الليل، ليجد الناس في تلك المسكنات حلا لتخفيف آلامهم، لكن تلك الحبوب التي لا تعتبر إلا مسكنات متوسطة للألم حسب التصنيف العالمي ستنقلب إلى كوارث اجتماعية وسياسية ستدعو الحكومة إلى شن الحرب عليها(11) برغم استفادة رجال أعمال مقربين من الحكومة ورجال من الحكومة نفسها من التجارة في الترامادول(12).

 

حيث تحكي قصة الحرب على الترامادول القصص التي تعيشها مصر، بداية من السياسة والمجال العام مرورا بحالة القهر والبؤس التي يعيشها المصريون وحتى غرف النوم في البيوت المصرية، ففي مطلع عام 2014 وحينما كانت دماء المعارضين لا تزال ساخنة على أسفلت الميادين المصرية، اختفى الترامادول تماما لدرجة أن الحبة الواحدة وصل سعرها إلى أكثر من خمسين جنيها، بعدما كان الشريط كله والذي يحتوي على عشر حبات تتراوح تكلفته بين 25 - 30 جنيها، في تلك الأثناء تحدث تجار الترامادول عن أن الجيش عندما أغلق الحدود مع ليبيا قد أغلق الخط الساخن لتهريب الترامادول(13)، لكنه يبدو كلاما مجانبا للمنطق، حيث إن الدولة حاولت كثيرا منع الترامادول، ولم تستطع، بجانب أن الترامادول يأتي عن طريق البحر، وهناك ملايين الحبوب التي يتم ضبطها خلال الجمارك في موانئ البحر المتوسط والتي يستفيد منها رجال الأعمال المقربون من الحكومة المصرية.

  

قبل ذلك كان الترامادول متوفرا في مصر منذ عشرات السنين وتنتجه شركة أدوية القطاع العام بسعر 175 قرشا للحبة، لكن قبل ثورة يناير/كانون الثاني بشهور فقط، اعتبر وزير الصحة أن الترامادول دواء متعلق بالصحة النفسية، وبالتالي أوصى بعدم صرفه إلا بوصف طبيب مختص، أما خلال الثورة فقد صرّح أكثر من مؤيد لمبارك أن الثوار يتعاطون الترامادول، باعتباره مخدرات، برغم أنه لم يكن ممنوعا رسميا حينذاك(13).

  
 

   

وفي 14 أبريل/نيسان عام 2011 بعد بداية ثورة يناير/كانون الثاني بشهرين، أصدر وزير الصحة القرار رقم 172 بإدراج الترامادول في أدوية الجدول فئة "ج" ليكون الترامادول محظورا نسبيا في الصيدليات، ويجب أن يحرص الصيدلي أثناء صرفه للمرضى، أما إذا أسرف الصيدلي في بيع الترامادول فإنه يتعرض لعقوبة وغرامة قدرها 2000 جنيه، وقد تصل عقوبة الاتجار إلى 3 - 5 سنوات سجن، أما عن الفئة "ج" للأدوية فأنها تتضمن كذلك "لبان الدكر" لأنه يتم تعاطيه أحيانا كمخدر(13)، إذن فالترامادول لم يكن بتلك الخطورة والشهرة التي اكتسبها فيما بعد.

 

لكن بعد أحداث شارع محمد محمود التي أدت إلى مقتل 40 شابا في 5 أيام سيتغير الأمر تماما، حيث صرّح مساعد وزير الداخلية للأمن المركزي أن المتظاهرين "تحت تأثير الترامادول"(13)، وهو الأمر الذي تكرر في الإعلام المصري على لسان توفيق عكاشة وعدة إعلاميين ثم ردده نائب سلفي يتبع لحزب النور داخل برلمان عام 2012، فهل كانت تلك التصريحات مقصودة، حيث تفاجأت الحكومة المصرية بمدى قدرة فئة من الشعب على مواجهة قوات الأمن المركزي لأيام متواصلة دون الشعور بالإرهاق أو الملل، كما أن الحكومة تفاجأت، إذ لم تتوقع أن أشخاصا طبيعيين يمكن أن يقرروا مواجهة الأمن المركزي إلا تحت تأثير جرعات عالية من الترامادول قد أتلفت عقولهم!

    

أم إن الشرطة المصرية تعلم جيدا قصص تعاطي الترامادول في الشوارع والبيوت المصرية وكيف يتعاطاه المصريون ليساعدهم على العمل ويعطيهم قدرة وقوة إضافية، وهو ما استخدمته السلطة المصرية خلال السنوات من 2011 إلى 2015 في قمع المظاهرات المعارضة للسلطة والانقلاب العسكري، فشاعت قصص تعاطي "البلطجية" والذين تستخدمهم الشرطة والجيش المصري في الاشتباكات وعمليات القمع والقتل في شوارع مصر، حتى إن أحد هؤلاء البلطجية قال في لقاء صحفي: "هم بيموتوا وأنا أشم بودرة وأطير".

   

  

وبعدما أصبح الترامادول بتلك الشهرة، قامت وزارة الداخلية بالتعاون مع وزارة الصحة وأصدروا قرارا كان من أغرب القرارات في عالم الدواء، حيث صدر القرار رقم 125 في فبراير/شباط 2012 بإدراج المسكن المتوسط الترامادول في جدول "أ" للمواد المخدرة بجانب الهيروين، وتم رفع عقوبة الاتجار بالترامادول من 5 سنوات حتى الإعدام(13).

بيد أن الحكومة المصرية فسرت قرارها حينذاك بالإعلان عن أرقام حبوب الترامادول المضبوطة في مصر منذ يناير/كانون الثاني 2011 وحتى أغسطس/آب 2011، وقالت إنها ضبطت 87 مليونا وستة آلاف و303 حبة! كما أعلنت شركة القطاع العام المنتجة للترامادول المصري بتخفيض إنتاجها من الترامادول من 75 ألف علبة سنويا إلى خمسة آلاف علبة بسبب هذا القرار. لكن كل هذا لم يمنع انتشار الترامادول في مصر كلها، لدرجة أن مكتب عبد الفتاح السيسي نفسه يتعاطى الترامادول حسب تسريب عباس كامل مدير مكتب السيسي، بل أصبح الترامادول تعاملا يوميا في المصالح الحكومية والسجون والصيدليات، ويتعاطاه الأطفال والشباب والساسة وقيادات الجيش المصري، وأصبح هدية اعتيادية في الأفراح والمواسم، ورشوة داخل الجيش والمصالح الحكومية والسجون(14).

   

ففي بداية عام 2015 وصلت الحرب على الترامادول إلى انتخابات مجلس الشعب، حيث اشترطت اللجنة العليا للانتخابات "للياقة الطبية" أن يخضع المرشحون لاختبار المسكن المتوسط "التامول والترامادول"، والمفاجأة هي أن 75% من المستبعدين لعدم اللياقة الطبية كان سبب استبعادهم هو تعاطي الترامادول(15).

   

     

ما وراء السياسة.. الترامادول والحياة اليومية في مصر

عندما تعطل سير المرور على الكوبري الدائري بالقاهرة لأكثر من نصف ساعة اكتشف الجميع أن السبب كان حادثا مروعا نتج عن اصطدام سيارة مقطورة بسيارة ملاكي صغيرة أودت بحياة سائق السيارة وتسبّبت في انقلاب المقطورة على جانبها الأيمن فوق الكوبري وسحق السيارة الصغيرة بشكل واضح، لكن برؤية سائق المقطور اتضح كل شيء؛ احمرار العينين والهذيان الواضح كان إجابة وناقوس خطر يوضحان تأثير المخدرات والكحوليات على حياة البشر، حيث تكلمت أحدث الإحصائيات حول حوادث الطرق بناء على دراسة أجرتها وزارة النقل بالتعاون مع وزارة الداخلية عن أن 60٪ من حوادث الطرق يتسبب فيها النقل الثقيل بنوعيه الفردي والمقطورات التي يبلغ عددها 55 ألف مقطورة حاليا، وتسبّبت الشاحنات وحدها في مقتل نحو 42 ألف مواطن في عام 2010 بنسبة 60٪ من إجمالي القتلى بسبب حوادث الطرق الذين بلغ عددهم نحو 73 ألف مواطن(16).

  

ومن بين 100000 حادثة في عام 2010 تسبّب النقل الثقيل وحده في 60000 حادثة على الطرق السريعة. كما تشير دراسة لهيئة الطرق والجسور إلى أن 85٪ من حوادث الطرق تعود أسبابها إلى عدم تركيز قائدي السيارات أثناء القيادة وجنون السرعة، خاصة سائقي الشاحنات، وتصل خسائر الدولة المصرية بسبب تلك الحوادث إلى ما يقارب 12 مليار جنيه سنويا(16).

 

وفي عام 2010 قامت الإدارة العامة للمرور بعمل تحليل للمخدرات على عينة من سائقي النقل الثقيل في طريقي القاهرة الإسكندرية الصحراوي والزراعي وطريق السويس والإسماعيلية والقطامية - العين السخنة والطريق الدائري، وأثبت أن 30٪ من العينات المأخوذة إيجابية (أي تحتوي على المواد المخدرة)(16).

 

حيث يقول علي عبد الجواد، سائق مقطورة على طريق القاهرة - الإسكندرية الصحراوي، والذي لا يتناول المخدرات بكافة أنواعها أثناء القيادة، ولا يعمل إلا ثماني ساعات يوميا فقط حتى لا يضطر لتعاطي المخدرات بخلاف معظم السائقين: "نسبة كبيرة من سائقي الشاحنات يتناولون الحبوب المخدرة للأسف لأنهم يعملون لأكثر من 14 ساعة يوميا، وجميع ساعات العمل تكون على الطرق السريعة سواء كان مسافرا أو داخل نطاق محافظته. وهذه الحبوب تساعدهم على اليقظة والتحمل، لكنها تصيبهم أحيانا بجنون السرعة أو بالغياب عن الواقع. والسائقون مشكلاتهم كثيرة، وأصحاب الأعمال والشركات يجبروننا على العمل ساعات كثيرة وإلا نُطرد من عملنا"(16).

   

  

وحول نوعية المخدرات التي يتعاطاها السائقون، يتحدث المتعاطون عن الأقراص التي تباع كدواء مسكن للمرضى وهي الترامادول الأخضر والتامول إكس الأبيض والتراماجاك الأخضر والترامادول الأحمر، وهناك أيضا الترامال وهو المخدر الشعبي لرخص ثمنه وقوة مفعوله، فكما قال أحدهم: "الترامال بياخده اللي خد ترامادول كتير ومعملش معاه حاجة، وهو مهدئ أكتر منه منشط.. تخليه يطبق يوم وأكتر"(16).

 

وكل الأنواع السابق ذكرها هي أدوية مرخصة وإنتاج محلي وموجودة بالصيدليات، وبعد حظر بيعها إلا بوصفة الطبيب لجأ السائقون إلى الأنواع المقلدة والمستوردة من الصين والهند والتي ظهرت منذ نحو 3 سنوات، ويكمل أحدهم: "السائقون يتعاطون قرصا واحدا في اليوم.. نصف قرص كل 6 ساعات على مدار اليوم، ولكن عندما يأخذ السائق جرعات أكبر تصل إلى قرصين أو أكثر تجعله مغيبا تماما، ومن هنا تأتي الحوادث.. وهذه الجرعة العالية تجعل السائق يضغط على دواسة البنزين بقوة وهو لا يشعر.. وتتسبب الجرعة الزائدة أيضا في عدم إحساس السائق بالألم، فلو اصطدم بعنف بأي جسم صلب لا يشعر بأي ألم على الإطلاق.. ويزيد من جرأة السائق في التعامل مع الأمور"(16).

 

يكمل عم علي حديثه قائلا: "السائق أصبح الآن لا يستطيع السفر على الطريق دون هذه الأقراص.. وقديما في فترة الثمانينيات والتسعينيات تحديدا كانوا يتناولون مخدر الأفيون ليجعلهم يقظين وقادرين على السفر والتنقل طوال اليوم دون الشعور بالتعب، وكان سعر قطعة الأفيون الصغيرة غالية الثمن، فكان نحو 20 سائقا يشترونها بالمشاركة وكل واحد منهم يحصل على قطعة صغيرة للغاية يضعها تحت لسانه وكانت تؤدي الغرض وبقوة.. وبعد ذلك ارتفع ثمنها أكثر ولم نعد قادرين على شرائها.. ومع انتشار هذه الحبوب وتجربة البعض لتأثيرها أصبح هناك إقبال غير عاديّ عليها من السائقين لرخص ثمنها، خصوصا أن أقراص الترامادول وغيرها تحتوي في مكوناتها على الأفيون الطبي بمقدار صغير لتسكين آلام الجسم.. أحد السائقين من فرط جرأته بعد تناول الأقراص يقوم بطبخ "الكبدة" أثناء قيادته للمقطورة على سرعة 80 أو 90 مثلا ويقود المقطورة لمدة 12 ساعة دون الشعور بأي تعب"(16).

 

أما المسؤولون عن بيع تلك الأقراص والذين هم غالبا صيادلة في المناطق الشعبية، يقول أحدهم: "الترامادول المحلي أقوم بصرفه فقط بوصفة الطبيب.. ولكن أثناء وبعد الثورة كانت الكميات الموجودة في السوق قليلة للغاية، فقمت أنا وكثيرون من أصحاب الصيدليات بشراء كميات من الترامادول الصيني لسد حاجة المرضى والزبائن.. أما بخصوص بيع هذه الأقراص للسائقين.. أنا لا أفعل ذلك إلا مع الأشخاص الذين أتأكد من هويتهم وأنهم سائقون بالفعل، وذلك لأنني أعلم أنهم بحاجة إلى هذه الأقراص من أجل عملهم الشاق، فهي تساعدهم على اليقظة أثناء عملهم.. وأبيعها لهم بسعر معقول ولا أستغل حاجتهم، والعديد من الصيدليات تفعل ذلك مع السائقين تحديدا، ونرفض بيعها لأي شاب أو شخص يتعاطاها بسبب الإدمان.. فالسائقون ليسوا مدمنين، وهم مجبرون على ذلك مثل المرضى تماما"(16). لكن الأمر لا يتوقف عند السائقين فقط، حيث أصبح الترامادول وإخوانه شركاء فعليين في الحياة اليومية لعامة المصريين.

   

    

الفراولة.. للعمل والمعايدة والطاقة الجنسية

نشرت مجلة "الإيكونوميست" مؤخرا تقريرا يشير إلى أن "حبة الترامادول" أصبحت في مصر من أكثر العقارات المسكنة التي تنافس الهيروين أو الكانابيس، حيث يتناولها سائقو سيارات الأجرة لمساعدتهم على مقاومة السهر، ويستخدمها الأزواج لزيادة قدراتهم الجنسية، ويقبلها الموظفون الفاسدون رشوة، وتقدم كذلك في حفلات الزفاف هدية للعريس(17).

 

ويذهب التقرير إلى أن الترامادول أصبح مطلوبا في بلد يعمل فيه الرجال في أكثر من وظيفة لتأمين متطلبات الحياة اليومية، وتعاني فيه النساء من مشاكل الإشباع الجنسي بسبب تعرضهن للختان الفرعوني. وينقل التقرير عن أحد المستخدمين للعقار قوله بأنها "تشعرك بالراحة والهدوء، ولن تهتم حتى لو كان هناك رجلان يتقاتلان بجانبك"، ويقول إنه يشتري الحبوب من صيدلية تغض الطرف وتبيعها له، وأكد أن الحبوب تساعده على أداء عمله. وتنقل المجلة عن هشام ممدوح، الذي يدير مركز إعادة تأهيل المدمنين على المخدرات في القاهرة، قوله: "إن المجتمع لا يعد تناول الحبوب عيبا"، ويضيف أن نسبة 40% ممن يرتادون مركزه هم من مدمني "الترامادول"(17).

 

ويورد التقرير أن من بين هؤلاء إبراهيم، وهو طالب عمره 17 عاما، كان يتناول نصف حبة منذ أن كان طفلا، ويقول: "شعرت بحالة غير طبيعية من الإيجابية والفرح"، ويضيف أنه بعد عشرة أعوام يتناول عشر حبات مرة واحدة، لكنه لا يجد أثرا له(17).

 

لكن إبراهيم ليس وحده، حيث أصبح الترامادول في متناول الجميع، خاصة فئة الشباب المصري العامل الذي يعتمد على جهده العضلي، وهي الفئة التي تشكل نواة وأغلبية الجمهور المصري(18). وبرغم سوء الأوضاع المعيشية التي تدفع هذه الفئات الواسعة إلى تعاطي المخدرات وبخاصة الترامادول، فإن المسؤولين الحكوميين في مصر يشكّون بفكرة أن استخدام الترامادول ارتفع بشكل كبير في الآونة الأخيرة كنتيجة مباشرة للمشاكل التي تعاني منها مصر، حيث يقول هشام رامي، الذي يرأس وحدة إدمان المخدرات في وزارة الصحة المصرية: "الناس هنا يستخدمون المواد الأفيونية منذ آلاف السنين، ولكنهم الآن يحاولون تبرير ذلك عن طريق القول إن الحياة صعبة"، كما أشار مسؤولو مكتب الأمم المتحدة، المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC)، إلى أن إدارة مكافحة المخدرات في مصر هي أحد الأجهزة الحكومية القليلة التي لم تتأثر سلبا جرّاء التغييرات المتوالية في نظام الحكم(18).

   

  

ومع اطراد أعداد خريجي الجامعات الذين يضطرون للعمل بأعمال عضلية نتيجة لعدم وجود وظائف فكرية شاغرة، واضطرارهم لزيادة ساعات عملهم لتغطية نفقاتهم، وسط ارتفاع معدلات التضخم، يبدو أن حظوظ استعمال الترامادول بين هذه الفئة من الشباب في تزايد مستمر(18).

 

ويُعتقد بأنها مسؤولة إلى حد كبير عن ارتفاع عدد المرضى المقبولين في مستشفيات الأمراض النفسية الـ15 في مصر منذ الثورة، حيث وصلت أرقام المرضى الذين أُحيلوا إلى العلاج في هذه المشافي العامة إلى 455.000 مريض في 2014، مرتفعا عن عدد عام 2013 المتمثل في 386.000 مريض، ووفقا للأرقام التي حصلت عليها صحيفة المصري اليوم، في عام 2014 وحده كان 70% من المقبولين في جناح الإدمان في مستشفى قصر العيني في القاهرة ناجما عن إدمان المرضى للترامادول(18).

 

أما سكان إمبابة والأحياء الأخرى الفقيرة التي ينتشر فيها استعمال الترامادول بشكل هائل، فيدركون معنى إدمان المخدر بشكل وثيق، "لقد أعادو ابني إلى المنزل من العيادة المحلية لأنه لم يكن لديهم ما يكفي من الدواء"، قالت أم محمود، الذي بدأ نجلها الأصغر بالخوض في تجربة الترامادول ليستطيع تعزيز طاقته بغية التغلب على أيام عمله الطويلة كسائق لسيارة أجرة ونادل في مطعم، وتابعت أم محمود قائلة: "لقد قالوا له هناك بأنه يحتاج فقط إلى الراحة وتناول الطعام بشكل جيد"، ولكن بعد ذلك بعام واحد، عانى الشاب من الهلوسات ونوبات الرهاب.

 

بيد أن القاعدة الجماهيرية للترامادول تتجاوز أولئك الذين يستخدمونه لتعزيز مستويات الطاقة لديهم، "كثير من الأشخاص يعتقدون أنه جيد للصحة الجنسية"، قال محمد الخولي، وهو طبيب يعمل في عيادة إعادة تأهيل مدمني المخدرات في القاهرة، فالبعض يستخدم الترامادول كوسيلة لتأخير القذف المبكر، كونه يعمل على تخدير المستقبلات الحسية في الجسم، ولكن توجد بعض الأدلة الطبية التي تشير إلى أن الاستخدام المكثف له يمكن أن يؤدي إلى العجز الجنسي، بينما يستخدمه البعض الآخر كوسيلة للتغلب على الألم أو على الإحراج الجنسي(18).

 

    

القهر والاستعباد والثورة ومصالح الثورة المضادة

عاش المصريون سنوات من القهر والفقر تعودوا خلالها على اتباع الأسياد والخضوع للحاكم المتألّه والشرطة، حيث يقول الدكتور مصطفى حجازي: "لا يجد الإنسان المقهور من مكانة له في علاقة التسلط العنفي هذه سوى الرضوخ والتبعية، سوى الوقوع في الدونية كقدر مفروض، ومن هنا تشيع تصرفات التزلف والاستزلام، والمبالغة في تعظيم السيد، اتقاء لشره أو طمعا في رضاه. إنه يعيش في عالم بلا رحمة أو تكافؤ، إذا أراد المجابهة أو فكر في التمرد، فسيأتي الرد عندها حاسما يقنعه بقمع أفكاره التمردية"(19).

 

هكذا عاش المصريون، وهكذا استفادت السلطة المصرية من حياة القمع وتغذية علاقات القمع التي تعمل على تفكيك المجتمع واختلال علاقاته الاجتماعية بداية من علاقات السلطة حتى العلاقات الجنسية بالسيطرة على نفسية الإنسان وجسده بالكامل، "فتحتاج علاقة القمع إلى تغذية نرجسية السيد، وإلى مزيد من تضخم أناه حتى لا يتهددها بروز الحس الإنساني.. فلا يتم التفاهم إلا بلغة السياط، فتعمل على خنق كل انتفاضة لإنسانية الإنسان المقهور أو حتى مجرد التفكير بهذه الانتفاضة، فالحق هو حق السادة والحياة حياتهم فقط، ويقومون بفرض الشقاء والانحطاط على الإنسان المقهور فيصبح اتكاليا مسكينا مستضعفا"(19).

 

لكن خلال تلك السنوات حاول المصريون الذين تعرضوا لقهر نفسي وجسدي غير مسبوق أن يقاوموا تدريجيا تحكّم الشرطة في أجسادهم، ومن ثم يتحكّمون هم في أجسادهم، فعندما كان يتم إلقاء القبض على أحدهم كان يعلم جيدا أنه سيتلقى قدرا وحشيا من التعذيب والضرب والإذلال النفسي والجسدي، فيقوم المسجون بتعاطي الترامادول أو الحبوب المسكنة التي تجعل جسده يتحمل هذا القدر من التعذيب والوحشية، فيقوم بتعطيل جسده أو إلغائه وتخريبه مؤقتا كي لا تنال منه الشرطة، وهكذا تعلم المصريون تحمل الضربات والتكيف مع الحياة الشاقة الصعبة التي يحيونها عبيدا(20).

   

 

    

عبيد عند صاحب العمل، وعند السيد الشرطي في قسم الشرطة، أو عند فتوة المنطقة، "فالعدوانية تنخر وجود الإنسان المقهور عموما، وتنخره أكثر فأكثر في عالم من القهر والاستعباد، وهي عبء وتهديد للتوازن النفسي، ودافع للإقدام على العديد من تصرفات تدمير الذات، كما أنها في الوقت نفسه دفاع وانتفاضة ضد التهديدات التي تأتيه من الخارج"(20). لكن تعاطي الترامادول له أسباب أخرى تقبع في نفسية الإنسان المقهور المسلوب الإرادة والذي يحيا حياة الاستعباد والقهر.

   

يذهب مصطفى حجازي إلى أن العلاقات التي يكرسها القمع والحكم الاستبدادي تجعل الإنسان يشعر دائما بالذنب والتقصير، "إنها وضعية الرضوخ في سيكولوجية الإنسان المقهور الذي يلوم نفسه، ويشتط في تبخيسها والحط من شأنها، فهو يحملها مسؤولية الفشل المصاحب لوضعية القهر، ويصل في ذلك حد التماهي بعدوان المتسلط الذي يغرس في ذهن الإنسان المقهور الدونية والتخلف والعجز والجهل، ويوهمه بأنه كائن منحط خلق هكذا وسيظل هكذا. وذلكم هو الكفر بالذات الذي يشيع في فترات الهزيمة والنكسات في المجتمع المتخلف: إننا لسنا جديرين بالحياة ولن يصدر عنا أي خير، لا نصلح لأي رفعة، ولا يحق لنا أن نحيط أنفسنا بأي قدر من الاحترام والتقدير"(20).

 

ويتابع حجازي: "وتصل الإدانة النابعة من توجيه العدوانية إلى الذات المذنبة لتقصيرها وقصورها حد النكاية بالنفس، وبالآخرين المشابهين لنا، من خلال إعلاء شأن المتسلط، أو القوة التي فشلنا في مجابهتها.. وتتضمن هذه الإدانة للذات دفاعا عنها بشكل خفي، فالإدانة الذاتية تظل أخف وطأة من إدانة الآخرين، وفي إدانة الذات والحط من شأنها نوع من التكفير عن الخطيئة الوجودية تجاه المصير، تتضمن بلا شك، بشكل كامن، الأمل في الغفران. فمن يدين ذاته يأمل في الحفاظ عليها من إدانة أشد وطأة كما يأمل، في الوقت نفسه، في إثارة مشاعر صفح ضميره الخلقي، وصفح الآخرين على حد سواء"، وهذا ما يشعر به متعاطو الترامادول حيث إنهم يعلمون جيدا مدى الضرر الذي يلحقه بهم تعاطي المخدرات لكنهم يستمرون فيه.

   

  

"وإدانة الذات تشكل في النهاية أسلوبا دفاعيا من خلال تجميد الأمور وانعدام الإحساس بها، وبالتالي السيطرة على القلق المحض المصاحب لها، ذلك هو لب السوداوية كوسيلة دفاعية، تجميد الكارثة وما يصاحبها من مشاعر الإثم من خلال اجترارها المستمر والغوص فيها كليا"، وهي السوداوية التي تظهر في الأغاني الشعبية وحكاوي الرجال على المقاهي وفي الشوارع المظلمة الفقيرة داخل المساكن الشعبية المعدمة والفقيرة بمصر(20).

 

فبين إدانة الذات والدفاع عنها تظهر أسباب تعاطي الترامادول والأقراص المخدرة بين فئات واسعة من الشعب المصري(21)، فالترامادول الذي جعل الشعب المصري يعمل كالعبيد وحقق مكاسب لأصحاب العمل والشركات الكبرى وعزز نفسية إدانة وتدمير الذات وعدم التمرد على الاستبداد، أضحى كارثة اجتماعية سببت الجرائم ومظاهر العنف وحوادث الطرق بشكل يومي، وكارثة سياسية حيث إنها جعلت فئات من الشعب تتمرد على حكامها، بل تسبب في نشوء ظاهرة "البلطجية"(21)، في الوقت نفسه أصبحت الأقراص المسكنة والمخدرة مثل الترامادول والسلدانفيل مسكنات شعبية يروجها رجال مقربون من الحكومة نفسها، فالهدف منها أن يعمل الناس ويمارسون حياة جنسية سعيدة نهاية اليوم دون تضييع مصالحهم، مثلما حدث من قبل مع السكر الأبيض الذي كان من أغلى السلع، فما أن اكتشفوا أهميته في إعطاء طاقة للعمال حتى أصبح من أرخص السلع(22).

 

لكن هناك تفسير آخر للحرب على الترامادول، وهو مصالح الشركات الكبرى للأدوية والتي تنتج المقويات الجنسية، ويعتبر الترامادول رخيص الثمن منافسا لها بما يشاع عنه أنه مقوٍّ جنسي أيضا، وهو ما يفتح باب التساؤلات حول مصالح الشركات الكبرى في انتشار الترامادول في مصر والعالم العربي، ويفتح بابا أكبر حول مدى تحكم تلك الشركات والحكومات في حياة الإنسان عموما والإنسان العربي خصوصا لدرجة تحكمهم في قدرته الجنسية داخل غرف النوم.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار