انضم إلينا
اغلاق
هل الدين حقا مسؤول عن العنف؟

هل الدين حقا مسؤول عن العنف؟

إسماعيل عرفة

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع


"إنني أسمع باستمرار المقولة المتكررة: (الدين كان هو السبب في جميع الحروب الكبرى في التاريخ). لقد سمعت هذه الجملة تتلى مرارًا كما تتلى التعاويذ، جملة تتردد بواسطة محطات التلفاز والإذاعة الأمريكية، والأطباء النفسيين، بل يقولها سائقي سيارات الأجرة في لندن قبل أكاديميي أكسفورد. إن هذه العبارة الرائجة تثير الاستغراب؛ أليس من الواضح -مثلًا- أن الحربين العالميتين لم تقوما بسبب ديني؟!"(1).

كارين آرمسترونج

     

وعلى غرار آرمسترونج، يفتتح وليام كافانو، أستاذ اللاهوت بجامعة دي بول الأمريكية، كتابه المهم (أسطورة العنف الديني) بتشكيكه في فكرة مسؤولية الدين الأولى في سفك الدماء، فيكتب: "تعتبر الفكرة القائلة بأن الدين يسبب العنف، واحدة من أكثر الأساطير رواجًا في الثقافة الغربية. فبداية من طلاب الجامعة في عامهم الدراسي الأول ووصولًا إلى المتحدثين على وسائل الإعلام تنتشر وجهة النظر هذه: إن لم يكن الدين يسبب العنف ببساطة، فهو -على أقل تقدير- عامل مساهم أساسي في تأجيج معظم الصراعات في التاريخ البشري"(2).

   

لم تنحصر تلك الفكرة في السياق الغربي، بل امتدت نحو العالم العربي، معبرة عن مضامينها بصورة جلية وواسعة في وسائل التواصل الاجتماعي، فما حقيقة هذه الأسطورة؟ وهل يتسبب الدين حقا في إراقة الدماء بشكل أكبر من الإلحاد والعلمانية؟

  

 

   

في دوافع العنف

   

"اعتدنا أن نسأل: أين تعيش الحرب؟ ولماذا تنتشر الحروب بهذا الشكل؟! ولكننا الآن ندرك أين تسكن الحرب، إنها تسكن داخل نفوسنا"

ألبير كامو(3)

    

تقوم أسطورة "الدين هو سبب العنف في العالم" على ركيزة أساسية مقتضاها أن الإنسان سلميٌّ بطبعه، ويميل إلى الوئام والسلام مع النفس والغير، أما الدين فهو طارئ على هذه الطبيعة البشرية، دافعا في تحويلها نحو طبيعة عنيفة متعطشة من أجل الدماء. لكن، يبدو أن هذا الزعم مخالف لحقائق التاريخ الإنساني برمته، ففي هذا الإطار إذن: كيف نظر العلماء والمفكرين إلى دوافع العنف لدى الإنسان؟!

    

كثير من الحبر سال حول طبيعة الإنسان عبر البحث في ثنائية الخير/الشر، وأي صفة هي القابعة في الإنسان والمتحكمة في سلوكه، فما بين نظرة هوبز التي تستند على نظرة عنفية متجذرة في الإنسان باعتباره في حالة حرب مستمرة، وما بين رؤية كانط لأخلاقيته، وما بين نظرة روسو للسلام المتأصل فيه إذا لم يتدخل المجتمع بتشويهه.          
   
فإننا هنا وبالانطلاق من النظرة المادية للإنسان، والتي تنحي الدور الديني والبعد الأخلاقي جانبا، فإن  سيجموند فرويد، عالم النفس النمساوي المشهور، يقترح أن الميل إلى العنف، فطرة مزروعة في لاوعي الإنسان بالطبيعة، وأعتقد بأن استخدام العنف يكاد يكون ضروريًا من أجل تحقيق حياة أفضل للإنسان(4).
   

 عالم النفس النمساوي المشهور،  سيجموند فرويد

   

وبالعودة للكاتبة البريطانية المرموقة كارن آرمسترونج فإنها لنا صحة هذه النظرية تاريخيًا، قائلة "المؤرخين العسكريين الحديثين يقولون إنه بدون الجيوش المحترفة والمسؤولة فإن المجتمع الإنساني إما أن يبقى في حالة بدائية أو أن يتجول إلى حشود متحاربة في معارك لا نهاية لها".

    

لذلك ترى آرمسترونج خطأ وجهة النظر القائلة بأن الدين هو سبب العنف، وعوضًا عن ذلك فإنها تقول إن مشكلة العنف "لا تكمن في النشاط المتعدد الوجوه الذي ندعوه (الدين)، وإنما في العنف الكامن في قلب طبيعتنا البشرية وطبيعة الدولة"(5).

    

وعلى جانب مقابل، لا تختلف الرؤية التطورية الداروينية كثيرًا مع هذه النظرة، فالعنف -وفقاً للتطوريين- متأصل في الطبيعة الإنسانية بغض النظر عن توجيهها باسم الدين أو توجيهها باسم أي شيء آخر. يصرح عالما الأنثروبولوجيا الأمريكيان ليونل تايجر وروبين فوكس أن البشر هم "حيوانات تطورت من أسلافها لتصبح آلات صيد ماهرة ودقيقة جينيًا، تصطاد من أجل المتعة والسعادة والإثارة والفضول والمخاوف الموجودة في حياة الصائدين"(6).

    

لا يبتعد أستاذ العلوم السياسية جريج كاشمان عن تقرير هذه الحقيقة ويذكر أننا إذا لاحظنا جميع الحيوانات القريبة من شجرة التطور المزعومة فإن العلماء يسجلون أدلة عديدة تفيد بأن تقريبًا كل الحيوانات ذات الفقاريات مثل الشيمبانزي  والأسود والبشر "هي كائنات مناطقية، أي أنهم يستخدمون العنف من أجل حيازة والدفاع عن المناطق والأراضي"(7).

      

     

نتيجة لذلك فإن بعض العلماء يؤمنون أن المخ البشري "مبرمج ليجعلنا نقسم الناس إلى أصدقاء وأعداء.. وأن نحل النزاعات مع الأعداء باستخدام العنف"(7). ويخلص كاشمان إلى القول بأن العنف هو اجتماع لعوامل جينية وثقافية وسياسية، ويبدو في الحقيقة وكأنه أمر محتم لا يمكن إلغاؤه من التاريخ أو استبعاده من مسار الحضارات الإنسانية، ومن ثم يكون السؤال هنا إذن: هل استطاعت العلمانية كبح جماح هذه الغريزة للعنف؟ وهل ترتكب العلمانية ما يرتكبه الدين من عنف أم أن ساحتها بريئة تمامًا من أي شكل عنيف للنشاط الإنساني؟!

    

عنف العلمانية المقدس

يؤمن وليام كافانو أن أي أيدولوجيا في التاريخ تمارس العنف، وإنما يقع الاختلاف في دوافع العنف ومبرراته وضوابطه فحسب، فيكتب كافانو: "كافة الأيدولوجيات والمؤسسات: الإسلام، الماركسية، الرأسمالية، اليهودية، القومية، الكونفشيوسية، الدولة القومية، المسيحية، الليبرالية، الشينتو، العلمانية، الهندوسية، وهلم جرًا .. كلٌ من هؤلاء قد عُرف عنها دعمها للعنف تحت شروط معينة".

    

ويرفض كافانو تقسيم هذه الأفكار إلى أفكار علمانية وأخرى دينية والحكم على الأخيرة بأنها أكثر نزوعًا للعنف. بل يصرح بأن هذه التقسيمة "تعسفية، ولا يمكن دعمها نظريًا ولا تجريبيًا"(8).

    

بل على النقيض، فأحيانًا يكون العنف العلماني أشرس وأقسى من العنف الديني، ففي واحدة من أكثر الأمثلة شهرة على أن العلمانية تمارس عنفاً مقدسًا لا يقل وحشية عن بعض الحروب التي تقام باسم الدين: فإن الحرب المقدسة الأمريكية المسماة بـ"الحرب على الإرهاب" منذ التسعينات وحتى العام 2017  قد تسببت في قتل أكثر من 4 مليون مسلم معظمهم في العراق وأفغانستان وباكستان(9). تنوعت طرق قتلهم، من الحصار الاقتصادي ومنع دخول الأدوية والعلاجات، والقتل بطائرات التجسس، والقصف العشوائي على المدن، وأخيرًا المداهمة والقتل المباشر من المسافة صفر.

     

جندي أمريكي يلتقط صورة تذكارية مع قتيل أفغاني

  

في "الحرب على الإرهاب" تنوعت وسائل القتل ولكن اتفقت كلها على غاية واحدة: نشر القيم العلمانية، وترسيخ الديمقراطية، وتثبيت دعائم دولة الحريات. ويظهر بوضوح أنها أهداف لا علاقة لها بالدين من قريب أو بعيد إلا أنها مع ذلك تسببت في أعمال دموية وعنيفة هي الأسوأ من نوعها في القرن الحالي.

   

لماذا الهجوم على الدين لا العلمانية؟!

يلفت كافانو نظرنا إلى أن شيطنة الدين قد تكون مجرد وسيلة إلى شرعنة العنف العلماني، يقول كافانو: "فرضيتي هي الآتي: إن الحجة التي تقول أن الدين هو سبب العنف رائجة لأنها تنزع الشرعية عن أنماط معينة من العنف في مقابل شرعنة أنماط أخرى، تحديدًا تلك التي تُمارس باسم المثل العلمانية"(10).

    

يتفق نعوم تشومسكي، الكاتب الأمريكي المشهور، مع رأي كافانو حيث يؤكد أن الحروب التي يخوضها حلف الناتو NATO والولايات المتحدة وبريطانيا والغرب بشكل عام تحت غطاء "نشر القيم الديمقراطية" و "إزاحة الأفكار الرجعية" و "إرساء قواعد حقوق الإنسان" هي مجرد شعارات فارغة تشعل الحروب وتريق الدماء من أجل تحقيق أهداف سياسية مصلحية وأيدولوجية لا أكثر(11).

    

يبدو إذن أن أسطورة (الدين هو سبب العنف في التاريخ) هي مجرد أسطورة تشوبها الكثير من الاختزال والأدلجة، فالعنف كامن في الطبيعة البشرية لا ينفك عنها حتى وإن امتزجت بنزوع نحو السلام واختلفت المحركات التي تظهر السلوك العنيف للعلن، ولا توجد أيديولوجية لا تمارس العنف بطريقة أو بأخرى، أو كما يرى ألكسندر سولزينايسهن فإن العصر الذي نعيش فيه هو عصر حيث "الحق هو القوة Might is right(12)" أي أن صاحب القوة الأكبر هو الذي سيفرض قيمه وتصوراته ومصالحه على الآخرين عبر سحقه للخصم وتدميره له، لا فرق في ذلك بين صاحب القوة المتدين أو صاحب القوة العلماني، وليس أدل على ذلك من متابعة الفرض القسري للقيم الأمريكية العلمانية على شعوب العالم وكأن لسان حال الأمريكان، كما يقول كافانو: علينا أن نسوقهم بالقنابل حتى يدخلوا في الحرية والسلام كافة(13).

تقارير متصدرة


آخر الأخبار