انضم إلينا
اغلاق
عن الاحتياج للمشاعر.. هل يكفي العقل وحده لتغيير سلوكياتنا؟

عن الاحتياج للمشاعر.. هل يكفي العقل وحده لتغيير سلوكياتنا؟

Psychology Today

مجلة عملية
  • ض
  • ض

 نواجه خلال حياتنا نقاط تحول كثيرة، قد تكمن أقوى هذه النقاط في لحظات تكشف الشخصية الحقيقية للمرء. بينما كانت ديردري تمضي موعدها الغرامي مع مارتن في أحد المطاعم، تلقت اتصالاً هاتفياً طارئاً لتقوم بمقابلة فوراً على راديو مباشر. كانت قد كتبت كتاباً سياسياً لاقى استحساناً كبيراً، وكانت هناك أنباء سياسية كبيرة مفاجئة طوال الأسبوع. وافقت ديردري على القيام بالمقابلة التي طُرِحت عليها على حين غرة، وأشارت إلى مارت إلى أنها مضطرة لتلقّي المكالمة وانتقلت إلى ركن فارغ في المطعم للتحدث.

    

بعد خمسة عشر دقيقة، نظرت ديردري حولها لتجد مارتن واقفاً بالقرب كما لو كان يحرس المكان من حولها. جالت بفكرها متسائلة: أكان يقف هناك طوال الوقت؟ هل سمع كل ما قلته؟ سبق مارتن ديردري المحرجة في الحديث قبل أن تتمكن من تقديم اعتذارها على تلقي مكالمة بخصوص العمل في خضم لقائهم الرومانسي؛ والذي استغرقهما أسبوعين للتخطيط له ولإيجاد وقت يناسب كلاهما ليلتقيا وجهاً لوجه في وسط انشغالاتهما. قال مارتن: "أنظري، لقد سمعت نصف محادثتك فقط لكني أرى أنك كنتي مذهلة". تلعثمت ديردري قائلة: "آسفة لأني جررتك معي في هذا الموقف". رد عليها: "لا تقلقي؛ أتوقع أموراً عظيمة من الأشخاص الذين أقضي وقتي معهم".

  

لم تكن الإجابة على الهاتف في منتصف موعد غرامي أو أي لقاء من نوع آخر أمراً معتاداً لديردري، وفي وقت لاحق عند تأملها لما حدث، لم تكن متأكدة من سبب اختيارها لإجراء المكالمة. لكن الحادثة كانت كاشفة، ولا تزال تلمع في ذاكرتها بعد مضي أكثر من عشر سنوات على علاقتهما. في لحظة غير متوقعة على الإطلاق، حصلت على لمحة مبهرة عن جوهر مارتن. وكان جوهر مارتن يتكون من رقي وفير والتعاطف واللطف إلى جانب الثقة؛ بكلمة واحدة يمتلك "الخُلق".

       

       

هناك لحظات ذات مغزى في حياتنا حيث تتوهج عبر الزمن. يثير بعضها الدهشة إذ تظهر روعة الطبيعة. يقدم بعضها ومضة استبصار لحل مشكلة تظهر مستعصية. هم لحظات تحوّل بطبيعتها؛ توسع  الوعي وتغير إحساس المرء بذاته. صاغ عالم النفس أبراهام ماسلو مصطلح "خبرات القمة" (Peak experiences)* ليشير إلى الروعة الكامنة وراء هذه الأحداث النادرة والمميزة.

    

ولكن هناك أيضاً لحظات ذات معنى عظيم تتسم بطابع اجتماعي أكثر، حيث تنشأ تلقائياً بين الناس. يمكن لهذه اللحظات أن تسلط الضوء على أعمق أبعاد كيان المرء. غالباً تكشف هذه اللحظات -التي تأتي على حين غرة- النقاب عن نقاط قوة المرء ونقاط ضعفه بدقة، كما تكشف عن قناعاته الأساسية وقيمه في الحياة. تولّد هذه اللحظات حالة عميقة من المعرفة بسرعة كبيرة.

  

خلال لحظة، تبيّنت ديردري أن مارتن جدير بالثقة، فهو يقف بجانبها، هما فريق واحد، يعتني بها ويحمي اهتماماتها ومصالحها. فبدلاً من اتخاذ موقف سلبي واعتبار عمل ديردري تطفلاً على وقتهم الشخصي أو شعوره بالخوف من مكانتها المهنية، تصرف مارتن بكرم ووضع على عاتقه تهدئتها. وكانت تعرف أن ما تم الكشف عنه كان حقيقة تامة: لقد كانت عفوية تماماً. اقتنص مارتن فرصة لم تكن لتوجد لو لم يستدع شجاعته وطيبته لاقتناصها.

  

تحمل هذه اللحظات المصداقية على وجه التحديد في طياتها لأنها غير متوقعة أو محددة. ومع ذلك، فهي لحظات تحويلية؛ حيث تمتزج بالبصيرة والحدة فتعطي اتجاهاً جديداً للحياة، وتغيّر العلاقة التي تربط الناس ببعضهم البعض -وفي كثير من الأحيان- علاقتهم مع أنفسهم  إلى الأبد. من بين الأنواع المختلفة من نقاط التحول التي نعيشها، فإن أقواها يمكن أن يكون لحظات تحديد الشخصية؛ فهي تظهر جوهرنا وسجيتنا وخُلقنا.

     

   

لا يولى اهتمام كبير للخُلق في الآونة الأخيرة، حيث يندر ظهوره على المسرح السياسي الوطني، فقد كان غير صالحة في مجال المعرفة المكرسة لتحديد الطبيعة البشرية منذ فترة طويلة. طغت عليها أجزاء أخرى من الشخصية، وقد تُرك الخُلق والسجية إلى حد بعيد للفلاسفة واللاهوتيين. يقول جيفري غودوين، وهو أستاذ مساعد متخصص في علم النفس بجامعة بنسلفانيا: "الخُلق هو مجموعة فرعية من سمات الشخصية، ولكن هناك إهمال للخُلق في علم نفس الشخصية. لكن الأمر في تغير مستمر بتطور نموذج جديد للشخصية".

 

على مدى عقود من الزمن، اشترك علماء النفس في نموذج عناصر الشخصية الخمسة، وهو نتاج لبحث تبدو فيه خصائص الشخصية التي لا تعد ولا تحصى تتجمع بشكل طبيعي في خمس سمات عامة: الانفتاح على الخبرة، الضمير أو الوعي، الاجتماع أو التخالط، التوافق، والاضطراب أو القلق. ولكن في أوائل عام 2000، حدد عالما النفس الكنديين كيبوم لي ومايكل آستون سمة سادسة رئيسية، أطلقا عليها "العامل H" والتي تشمل النزاهة والتواضع (honesty-humility) وهما صفتان متلازمتان وفقاً لبحثهما.

  

يذكر آستون ولي في كتابهما الصادر عام 2012 "عامل الشخصية H: لماذا بعض الأشخاص ماديون واستغلاليون ومتلاعبون ولماذا يهم ذلك الجميع" (The H Factor of Personality) أن العامل H يكمن في "توجهات الناس تجاه المال والسلطة والجنس؛ فهو يحكم ميلهم إلى ارتكاب الجرائم أو إطاعة القانون، كما توجههم نحو مواقف معينة حول المجتمع والسياسة والدين، ويؤثر على اختيار أصدقائهم وشريك حياتهم". باختصار، إنه يجسد أمراً أساسياً حول تكيّف المرء مع عالم مشترَك: يعبِّر عامل H عن استعداد الشخص لاستغلال الآخرين أم لا.

      

   

ويذكر آستون ولي أن "مستوى العامل H لديك لا يعتمد فقط على جيناتك وعلى طفولتك؛ بل يعتمد أيضاً على إرادتك الحرة". في حين أن عملهم جعل السجية مقبولة على أسس علمية، فقد فتح أيضاً المجال للنظر في المسؤولية الشخصية -على الأقل في بعض جوانب السلوك البشري- وهو مفهوم تم فقده بحكم الواقع بعد عقود من الحتمية البيولوجية. وفقاً لـِ غودوين: "دراسة الجوانب الأخلاقية للشخصية اعتبرت ذاتية للغاية ومقترنة بالقيم" حتى الآن. وهكذا كان الغريب هو أن علماء النفس لطالما اعتبروا السلوك ذا الصلة بالأخلاق -بحزم- استجابة لمواقف، وليست صفة شخصية النابعة من داخل المرء، وبالتأكيد ليس نابعاً من شيء ثابت مثل سمة الشخصية. تشير الأبحاث الآن إلى السلوك نابع عن التقاء كليهما.

 

مثلها مثل السمات الأخرى، يُنظر إلى الخُلق والسجية على أنها طبع أو ميل يقود الشخص إلى التصرف بطرق ثابتة، لكن مهمتها المحددة هي السماح لنا بتقييم العالم والناس والحكم عليهم. للخُلق والسجية قالب أخلاقي بطبيعته؛. هناك بعض الحدود غير الواضحة بين السمات الأخلاقية وعنصرين من عناصر الشخصية الخمسة: الضمير (الوعي) والتوافق. لكن تتخطى السمات الأخلاقية المصالح الشخصية إلى المصالح بين الأفراد والمصالح المجتمعية.

 

يرى  غودوين أن الخُلق (السجية) هو سيد الإدراك الاجتماعي: هو أول وأهم شيء يدركه الناس في الآخرين. إنهم يجمعون بسرعة المعلومات حول عطف الشخص وإنصافه وأمانته وجدارته بالثقة وولائه. كيف يمكن أن لا يكون أحد قد بحث في عناصر نفسية بارزة كهذه من قبل؟ ذلك لأنه في عالم البحث النفسي، تم وضع العديد من مكونات الشخصية كسمات للمواقف وليس للناس، وتم إخفاء مكونات أخرى وراء نظريات سلوكيات الدفء (الحنان والحماسة) والانفتاح.

       

   

يؤكد علم النفس المعاصر أن الانطباعات التي نشكلها عن الآخرين يتم تكوينها من خلال تقييمات سريعة لميزتين: الدفء والكفاءة. لكن يرى غودوين أن الدفء مفهوم مبهم، وعندما حلّل الخصائص التي يميزها الناس لتحديد الدفء فقط، طلب من الأشخاص التفكير في أفراد يعرفونهم عن قرب وأولئك الذين يعرفونهم من بعيد مثل جورج بوش وباراك أوباما، وجد أن هذه الخصائص اشتملت على اللطف والتواضع والتعاطف والتراحم والإنصاف والامتنان. كانت تلك هي السمات التي ساعدت مواضيع الدراسة (الأشخاص الخاضعين للدراسة) على تحديد انطباعهم عن الآخرين. أشار غودوين إلى أنه: "يمكننا الخلط بين المهارات الاجتماعية والخُلق أو السجية. نحن نخلط بين الاجتماعية والاجتماعية من أجل المحاباة."

    

على الرغم من أنه تم اعتباره هذه الخصائص كنتيجة لمواقف محددة، إلا أن الصدق والجدارة بالثقة والولاء والعدل والشجاعة ساهمت بشكل أساسي في الانطباعات التي شكلها الخاضعون للدراسة عن الآخرين. ويخلص غودوين من دراسته إلى أن "الشخصية أو السجية الأخلاقية هي في الواقع المحدد السائد للانطباعات في شتى أرجاء العالم". ويضيف: في الواقع "إنها المحرك الأساسي الذي يوجه تشكيل الانطباعات".

  

والأهم من ذلك هو أن السمات الشخصية سائدة بشكل سلبي: فالسمة السلبية أو اللاأخلاقية تفوق وجود سمة أخلاقية إيجابية على الانطباعات التي نشكلها. يحجب إخفاق واحد في تحديد الظلم جميع الأعمال الصالحة. يوضح غودوين: "عندما يتعلق الأمر بالشخصية الأخلاقية، يتم الحكم على الناس من خلال أضعف ما لديهم".  قد يكون الخطأ على الصعيد الأخلاقي أقل عرضة للمغفرة من الزلّات في غيرها من المجالات.

     

   

من بين كل عناصر الشخصية الأخلاقية التي درسها غودوين، تلك التي تحمل أكبر قدر من الأهمية في تقييمنا هي الخصال الأخلاقية "الصافية" -الصدق والعدل والإنصاف والجدارة بالثقة والشجاعة- التي لا علاقة لها بالدفء. في حكمنا على الآخرين، تتفوق الأمانة حتى على اللطف وهي سمة أخلاقية يمكن أن تحمل الدفء. في غياب الأمانة ، لا يمكن الوثوق بأي معلومات حول شخص ما.

  

ما الذي يجعل الخُلق (السجية) هو العامل المهيمن في الإدراك الاجتماعي، مساهماً في تشكيل الانطباع عن الآخرين في حياتنا اليومية بسرعة؟ يكشف الخُلق عن أعمق نوايا الشخص تجاهك: هل سيكون الشخص ذا عون أو يلحق بك الضرر؟ يشير غودوين: "إن معرفة خُلق شخص ما يوفر معلومات مهمة حول كيفية معاملة هذا الشخص لك؛ بما في ذلك المواقف التي لا تستطيع فيها مراقبة سلوك هذا الشخص". على سبيل المثال، تؤثر الجدارة بالثقة على احتمال تعاون شخص ما معك، وهو أمر ضروري للعلاقات التجارية بقدر ما هو مهم في العلاقات الرومانسية، حيث يكون قابلية التأثر الشخصية أو مواطن الضعف الشخصية هي مفتاح الانسجام.

  

طلب غودوين وزملاؤه من المشاركين في الدراسة تقديم انطباعاتهم عن الأشخاص الذين يحتلون أدوار اجتماعية مختلفة -الجراح الذي يوشك على القيام بجراحة لك وخطيب ابنتك والقاضي والوالد والمعلم والحبيب وغيرهم- بينما نوّع الباحثون الصفات المخصصة لهؤلاء الأشخاص. وكلما ولى الخاضعون للدراسة أهمية لدور اجتماعي معين، كلما ولّوا قدراً أكبر للصفات الشخصية الأخلاقية في تكوين انطباعهم عن الشخص في هذا الدور. أثبتت الصفات الشخصية الأخلاقية أهمية حاسمة في تقييم الحبيب لأن هذه العلاقة تنطوي على مخاطرة كبيرة. يعلل غودوين: "خاصة في المواقف الرومانسية، نحن نحترس من الأشخاص الذين قد يؤذوننا" بأي شكل من الأشكال.

      

  

يفيد غودوين في تقريره: "إن قوة شخصية الشخص تحدد أيضاً مدى نجاحه في تنفيذ الخطط والأهداف والالتزامات والقيم". وهو ما قد يفسر سبب إيجاد فريق غودوين أن نعي المتوفى غني بشكل خاص بالمعلومات حول الخُلق. عندما يتعلق الأمر بتلخيص الحياة، فإن الخُلق يعد أكثر أهمية؛ إنه لا يشكل فقط قيمة لسلوك المرء طوال حياته، بل هو ما نسعى إلى استنباطه من إرث الآخرين، وإلا فلماذا نهتم في القراءة عنهم.

  

يطالب غودوين بنموذج ثلاثي الأبعاد لتشكيل الانطباع. نحن نهتم بالدفء الذي يولده الشخص ونستشف المعلومات عنه بسرعة. كما نهتم بكفاءة الفرد، ولكن قبل كل شيء نريد أن نعرف عن شخصيته الأخلاقية؛ فهي أفضل ضمان لسلامتنا على صعيد حياتنا الاجتماعية. تقول الطبيبة النفسية تايا كوهين، أستاذة السلوك التنظيمي في جامعة كارنيغي ميلون: "إن الشخصية أساسية للغاية لأننا نتفاعل مع الناس طوال الوقت. إن شخصيتنا الأخلاقية تساعدنا على موازنة مصالحنا مع مصالح الآخرين. فالأخلاق -بحكم تعريفها- تدور حول تنظيم العلاقات الاجتماعية".

   

تسلط مجموعة واحدة من دراسات كوهين الضوء على عنصر من سمات الشخصية الأخلاقية المعروف باسم الشعور بالذنب: وهو إلى أي درجة يأخذ المرء وجهات نظر الآخرين بعين الاعتبار ويشعر بالمسؤولية عن عدم الإضرار بهم. إنها سمة تُشعِر الناس بالقلق إزاء تأثير أفعالهم: فهم ينظرون إلى العواقب السلوكية لما يفعلونه التي تمس برفاهية الآخرين. وترى كوهين أن الشعور بالذنب يدفع الناس بعيداً عن العلاقات التي قد يحصلون فيها على توصيلة مجانية ويميلون إلى علاقات أكثر تكافئاً.

    

   

ومع ذلك، لا تقتصر أهمية الخُلق على الحياة الاجتماعية، فهو مهم من الناحية الذاتية (داخل النفس). تعتبر معلومات الخًلق والسجية أمراً جوهرياً لهوية الشخص والشعور بالقيمة الذاتية؛ أولئك الذين يتسمون بشخصية أخلاقية عالية يعتبرون أنه من المهم أن يكونوا أخلاقيين وأن ينظر إليهم على أنهم أخلاقيون.

  

ومع ذلك، قد لا يعرف الأشخاص الأخلاقيون أنهم يتصرفون بطريقة تُعتبر أخلاقية. في الدراسات التي أجرتها كوهين للخُلق في مكان العمل، يقيّم زملاء العمل سلوك الأفراد الأخلاقيين بدرجة أعلى مما يقيم الأشخاص الأخلاقيين أنفسهم بها! ببساطة إنه كالماء الذي يسبحون فيه، ومن المحتمل أن يكون مصدراً للتواضع. يقول غودوين: "إذا كنت تعرف أخلاق الشخص، فأنت لا تعرف فقط كيف سيتصرف تجاهك ولكن من هو ذلك الشخص حقاً؛ أنت تعرف شيئاً عن جوهر هويتهم.

 

بالنظر إلى الشخصية الأخلاقية من الداخل، ترى كوهين عنصرين إضافيين إلى جانب هوية المرء كشخص جيد أو غير جيد. هناك عنصر تحفيزي المتمثل في الرغبة في فعل الخير وتجنب الأذى، وهو ما يؤدي إلى رفع الأعباء الثقيلة في معاملة الآخرين بشكل عادل. إنه عنصر مطلوب ليس فقط لتنظيم العلاقات الوطيدة بل أيضاً للحفاظ على العيش في أي مجموعة مهما كان حجمها.

  

في الواقع، يرى الناس الذين لديهم نسبة عالية من العامل H في شخصيتهم العالم بشكل مختلف عن أولئك الذين يفتقرون إليه. ينظرون من خلال ما تسميه كوهين "العدسة الأخلاقية"؛ وأبرز الأمثلة على ذلك كما جاء في دراساتها عن المبلغين عن المخالفات (كاشفي الفساد)، حيث وجدت أن العدسة الأخلاقية لديهم "تسلط الضوء على الإدراك المعرفي للآثار الأخلاقية للخيارات" التي يواجهها الناس عند اتخاذ القرارات. في الواقع الغامض للحياة، تركز العدسة على الآثار الإنسانية للأفعال وفيما إذا كان هناك ضرر على الآخرين.

      

   

تسمح العدسة لأولئك الذين يملكونها بالبقاء ثابتين في وعيهم الأخلاقي. توضح كوهين أنه بالنسبة للآخرين، تختفي الاعتبارات الأخلاقية من الرؤية وهو ما يسمى بالخبو الأخلاقي؛ حيث يهتم الآخرون باعتبارات أخرى -مالية أو استراتيجية مثلاً- حيث تلوح في أفق رؤيتهم بشكل أكبر. لكن المشكلة في الخُلق أنه قد يكون من الصعب تمييزه. بقدر ما يهم تحديده في الانطباعات الأولى، إلا أنه من الصعب عادةً قياسه في هذه الحالات. يأخذ الخُلق عادة وقتاً للكشف عن ذاته. وبطبيعة الحال، فإن التقارير الذاتية للشخصية غير موثوق بها بدقة فهي عرضة للتحسين الذاتي.

 

يمكن استنتاج الخُلق فقط من السلوك: إن المواقف التي تسمح للناس بكشف الخٌلق والسجية -تلك التي تشير إلى قيم في منافسة حادة- تميل إلى أن تكون نادرة في الحياة اليومية. تظهر الشخصية الأخلاقية نفسها فقط عندما يكون هناك نوع من الاختيار مطلوب. معظم الظروف اليومية لا تقدم اختبار الولاء  مثلاً، ولا عرضاً افتتاحياً لإظهار الشجاعة. من ناحية أخرى، قد يكون هناك المزيد من الفرص اليومية لإظهار اللطف والتعاطف.

  

ويخضع العرض العام للسلوك الأخلاقي للتخطيط المسبق أو المكر، وينتج غاباً عن دوافع أنانية أكثر من القلق على تلميع سمعة المرء. بما أن السلوك الأخلاقي يتم الحكم عليه بأدائه الأضعف، فإنه يحتاج التعرض لمجموعة من المواقف للحصول على صورة كاملة لشخصية وخُلق شخص ما.

 

هنا تصبح الأمور مثيرة للاهتمام: الشخصية الأخلاقية ليست سمة سلبية (أو خامدة أو مستسلمة).وجدت كوهين أنه في الواقع يوجه الخُلق الناس نحو بعض المواقف عن غيرهم. يتجنب ذوو الشخصية الأخلاقية العالية خاصة البيئات التي يمكن أن تؤدي إلى تعرض الآخرين للأذى. لكنهم يفعلون أكثر من ذلك؛ فهم حتى يصممون هذه المواقف. قد يكون مارتن الدليل الأول على ذلك. وبدلاً من إطالة التفكير في موعد غرامي خرج عن مساره، أوجد فرصة لتسهيل أهداف ديردري المختلفة وتهدئة مخاوفها حول تخييب أمله.

      

عندما حدث ما لم يكن في الحسبان في موعد ديردري ومارتن الغرامي، رأى مارتن مجموعة من الخيارات التي ربما لم يلاحظها أحد؛ رأى أن هناك الكثير من الخيارات وأنها كانت المستفيدة منهم جميعاً في آن واحد، ففي نهاية المطاف جعل لقاءهم ذكرى لا تُنسى بالنسبة لها. أولاً: الانخراط أو الانسحاب؟ لو ركز مارتن على الشعور بالتهميش أو التقليل إلى أدنى حد من خلال مقاطعة المقابلة لموعدهم الغرامي، كان يمكن أن يرد بانزعاج ويخسرها. ولكن تجاوز أي انزعاج فوري، وكان قادراً على التمسك باهتمامه في علاقة طويلة الأمد ورأى إمكانية ذلك مع ديردري.

   

     

أعليه الميل إلى احتياجاته أو احتياجاتها؟ النظر للمقابلة كفرصة لجمع المعلومات حول ديردري أو كوقت مهدور؟ التعرف على انزعاجها أم لا؟ معالجة المشكلة أو تجاهلها؟مساعدتها أو عدم التدخل؟  التحدث أو الصمت؟ تقديم الدعم والتشجيع -حتى الإعجاب- أوترك الفرصة تمضي من بين يديه؟ كل ما تم الكشف عنه، عزز ثقة ديردري في مارتن. وضع نفسه بشكل مباشر إلى جانبها فوراً، وكان يتصرف كشريك بالفعل، وكان يعتني بمصالحها عندما لم يكن هناك أي مكافأة محددة مقابل القيام بذلك. يجب أن يتم وضع الثقة في مكانها، ولا يتم استثمارها إلا في أولئك الجديرين بالثقة، وليس الشخص الذي قد يستغل ثقة المرء وأسراره. ولهذا ترى كوهين أنه من المرجح أن نضع ثقتنا في أولئك الذين يظهرون الكفاءة والإحسان والنزاهة. يعرف الباحثون أن الثقة هي ما يخلق الرغبة في أن يكونوا ضعفاء (غير محصنين وعرضة للخطر حيث يسقط المرء دفاعاته) في التفاعلات الاجتماعية، وهي العنصر الأكثر أهمية في العلاقات المجزية والسليمة.

    

تتربع لحظات التحويلية على شفا الحدود بين المنطق والعاطفة. تظهر الأبحاث حول العلاج النفسي أن البصيرة وحدها -مهما كانت لامعة- نادراً ما تؤدي إلى تغيير سلوكي عميق ومستدام إذا لم يرافقها مستوى معين من الفهم العاطفي. بالنسبة لـ ديردري، كانت التجربة محملة بالعاطفة حتى قبل أن يصل مارتن. وأثارت أسابيع من المراسلات والمزاح آمالها في أن تقابل شخصاً يستحق رغباتها. ومع ذلك، أدت مقاطعة الاتصال الهاتفي إلى تحويل كل ذلك إلى راحة عاطفية عالية: القلق المفاجئ من أي فرصة عليها السعي وراءها واقتناصها: الفرصة المهنية أم الرومانسية؟ أحدثت نهاية المكالمة الهاتفية موجة من الحرج حول تأثيرها على موعدهم الغرامي حتى تصرف مارتن وأمسك بزمام الأمور؛ كان سلوكه عفوياً تماماً ولم يكن أمراً محتوماً، ولكنه كان مهيئاً للأثر الكبير لهذا الموقف.

    

مثلها مثل لحظات "خبرات القمة" الأخرى، تلك التي تُظهر الخُلق وجوهر الشخصية تعترف بخطة اللعبة. المفاجأة هي جزء من قوة هذه المواقف، كما تضمن أنها غير ملوثة بالقلق الأناني. الاختلال -الذي تخلقه مثل هذه اللحظات- يترك الذات بدون حماية. فهي لا تنسى ولا يحدث ذلك فقط بسبب الأفكار التي تقدمها مصاحبة بتأثير كبير ولكنها لا تُنسى أيضاً بسبب نقائها النفسي.

 

 لحظات إظهار الخُلق والشخصية هي فرص نادرة في الوقت المناسب وهي لحظات تحويلية لأنها ترشدنا إلى المستقبل. تستخلص تعقيدات الحياة، وتبلور ثقتنا بالمعلومات التي تم الكشف عنها وتسمح لنا بإجراء استنتاجات قوية حول ما يمكن أن نتوقعه من الناس في حياتنا.

   

---------------------------------

هوامش

*خبرات القمة (Peak experiences) تتمثل في فترات قصيرة يعيش فيها الإنسان في حالة خاصة من الوعي المتسامي أو المفارق. وهناك محاولات كثيرة لوصف هذه الحالة يرد فيها تعبيرات مثل: الإحساس بالنشوة الغامرة أو المعرفة الكلية أو الإحساس بالتوحد مع الكون.

  

ترجمة (آلاء  أبو رميلة)

(الرابط الأصلي)

تقارير متصدرة


آخر الأخبار