انضم إلينا
اغلاق
المكتئبون يمتنعون.. الروح المرحة تعزز تركيزنا في الأزمات

المكتئبون يمتنعون.. الروح المرحة تعزز تركيزنا في الأزمات

Aeon

مجلة رقمية
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

   

الحياة صعبة بلا شك، وهذا ما تدركه عاجلا أم آجلا حيث لا تخلو حياة أحدنا من الهم ولا تحلو الحياة وتصفو دائما. ولتتكيف مع صعوباتها ومآسيها وما يمر عليك من أحزان وأتراح تحتاج إلى مهارة التأقلم والتكيف معها وأن تسبح مع أمواجها بعض الأحيان وتقاومها في أحيان أخرى. ويميل من يجيدون هذه المهارة إلى التحلي بالمرونة؛ في الطريقة التي ينظرون بها للتحديات، وكذلك الطريقة التي يتفاعلون بها عاطفياً مع الضغوطات. حيث لا يلتزمون بنمط معين من التعامل مع الحياة بل ينتقلون من استراتيجية إلى أخرى لتحقيق التأقلم.
وللكثيرين منهم القدرة على قبول ما لا يمكن تغييره في الحياة والتعايش مع الأمر الواقع والتعلم من الفشل وتحويل مشاعر مثل الغضب والحزن إلى الشجاعة والإصرار أو التراحم والبحث عن الحكمة من الشدائد.

          

يقول رائد الأعمال الأمريكي والمتحدث التحفيزي بيت كورينر: "الحياة = التغيير، إذا كنت تتغير باستمرار ومهما حدث فلماذا لا تجعل تغييرك هذا إلى الأفضل؟ إن الأفضل أو الأسوء هما الاختياران الوحيدان ولا يمكنك البقاء في مكانك إلى الأبد".

   

الفكاهة والمرح

في مواجهة هموم الحياة وأحداثها المؤسفة تكون الفكاهة في العون. في كتابه "بحث الإنسان عن المعنى"، يشير فيكتور فرانكل إلى الفكاهة  باعتبارها " سلاح  آخر من أسلحة الروح في المكافحة للحفاظ على الذات. ومن المعروف أن الفكاهة يمكنها -أكثر من أي شيء آخر من مساحيق التجميل البشرية- أن تتحمل الانطواء وأن تمتلك القدرة على تجاوز أي موقف، حتى ولو لبضع ثوان فقط.

   

مثل المشاعر الإيجابية الأخرى، إذا تعاملت مع مأساة في حياتك بحس من الفكاهة سيتوسع نطاق تركيزك ويتشتت انتباهك وبالتالي تعزز الاستكشاف والإبداع والمرونة في التفكير. ويمكن أن تكون الفكاهة بمثابة أداة تساعدنا على مواجهة مخاوفنا حيث توفر  لك المسافة الشعورية ومنظور جديد لما حدث، ولكنها تفعل ذلك دون إنكار الألم أو الخوف.  ويمكنك المرح من عرض الأمور الإيجابية والسلبية معا في حزمة واحدة. وكما تقول العالمة آن غرابر، فإن الفكاهة تجمع بين "التفاؤل والنظرة الواقعية إلى المأساة". وإذا لم تتطور الفكاهة لتصبح إنكارا أو تفاؤلا مفرط غير واقعي، قد تكون وسيلة هامة لمواجهة الأحداث السلبية بفاعلية، وقد تعيد تشكيل المصيبة وتحولها في بعض الأحيان كذلك.

  

المرونة

كان جيري وايت دارسا في جامعة براون في رود أيلاند، وبينما كان يمارس رياضة المشي لمسافات طويلة مع صديقين له حدث انفجار مفاجئ تحت قدميه. كان الدم يغرق ساقه وتفحم جلدها وتمزق وغطت الأوساخ شظايا عظامه. هتف صارخا "أين قدمي؟". ربط أصدقاؤه بقايا ساقه بقمصانهم حتى جاءتهم المساعدة. شارك وايت في تأسيس الشبكة الدولية للناجين من الألغام الأرضية، وبعد ثلاثة عشر عاماً من فقدانه لقدمه، كان ضمن ائتلاف من الناشطين الذين منحوا جائزة نوبل للسلام تكريماً لعملهم في الحملة الدولية لحظر الألغام الأرضية.

        

جيري وايت  (مواقع التواصل الاجتماعي)

    

كيف تحول وايت من ضحية  هذه الكارثة التي قد لا يتخيل أحد ان تحدث له إلى هذا "الناجي المؤثر"؟ أجاب هو نفسه على هذه الأسئلة في خمس خطوات في كتابه، "لن أنكسر" I Will Not Be Broken) : أولا مواجهة الحقائق و قبول ما حدث، ثانيا اختيار الحياة والعيش للمستقبل وليس في الماضي،  ثالثا التواصل مع الناجين الآخرين، ورابعا امض قدما بتحديد الأهداف واتخاذ الإجراءات؛ خامسا رد الجميل بالخدمة وأفعال اللطف التي تحول الناجي من الكارثة إلى شخصية فعالة بدلا من ضحية تستحق الرثاء.

  

وجد دونالد كامبل، الأستاذ الفخري في الأكاديمية العسكرية الأمريكية في ويست بوينت وزملاؤه، أن العديد من الضحايا "بدلاً من أن ينظروا لأنفسهم باعتبارهم ضحايا مصير رهيب وقدر طائش يبتكرون طرقا  لتهيئة مصيبتهم بطريقة أكثر تفهُّمًا ويحميهم هذا السلوك من أن تغرقهم الصعوبات في الوقت الحاضر.

   

وأحد المكونات الهامة للمرونة المعرفية هو قبول واقعك، حتى لو كان هذا الواقع مخيفًا أو مؤلمًا.  حيث اننا لنبقى منخرطين بشكل فعال في التعامل مع المشكلات وتغيير الدفة لأهداف جديدة، يجب علينا أن نبقي أعيننا مفتوحة وأن نعترف بحواجز الطرق والعقبات المحتملة لا أن ننكرها.  فالتجنب والإنكار هما بوجه عام آليات ذات نتائج عكسية يمكن أن تساعد الناس لفترة من الزمن، لكنها في نهاية المطاف تقف في طريق النضج، وتتداخل مع القدرة على حل المشاكل بشكل فعال.

   

في الأدبيات العلمية، تم الاستشهاد بالقبول كعنصر أساسي في القدرة على تحمل المواقف شديدة التوتر والضغط.  ولوحظ هذا الأمر بين الناجين من الكوارث الطبيعية أو الحروب، والبالغين الذين يعانون من صعوبات في التعلم، والأفراد الذين يعانون من الاضطرابات الطبية والعقلية. في دراسة استقصائية للأفراد بعد وقت قصير من حادث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001 ، وجد الباحثون انخفاض مستويات أعراض الإجهاد اللاحق للصدمة بين أولئك الذين قبلوا الوضع. وفي دراسة للأمهات اللواتي كان أطفالهن مصابين بسرطان خطير ويخضعون لعملية زرع عظام، ذكر أولئك الذين تقبلوا الوضع أن أعراض الاكتئاب قلت.

  

نظرة جديدة

 وهناك عنصر آخر من مهارة التكيف مع الحياة هو القدرة على إعادة تقييم الموقف؛ وهي مهارة تسمى التقييم المعرفي. قبل عدة سنوات وأثناء إجراء دراسة عن العواقب النفسية والعصبية للمحرقة (الهولوكوست) سأل باحث امرأة مسنة نجت من معسكرات الاعتقال النازية  عما إذا كانت  تحلم بما تعرضت له آنذاك. أجابته المرأة: "نعم لم أتوقف أبدًا عن رؤية الأحلام وما زلت أحلم بما عانيته. فأجاب الباحث: "يا إلهي، لا بأنه أنه أمر مروع أن تمري بهذه الكوابيس بعد كل تلك السنين". فقالت المرأة: "لا، لا بأس لأنه عندما أستيقظ، أعلم أنني هنا ولست هناك".

     

   

تتطلب إعادة التقييم الإيجابي منا إيجاد معنى إيجابي بديل للأحداث والحالات السلبية. وحول الاستراتيجيات المعرفية لتنظيم الانفعالات، يقترح عالما النفس أليسون تروي وإيريس ماوس في جامعة دنفر أن التقييم المعرفي الإيجابي يعزز الصمود ويؤثر على العواطف السلبية. وبشكل أكثر تحديدا، إذا أعدت تقييم حادث مؤسف باعتباره أقل سلبية أو أكثر إيجابية يزيد ذلك من استجابتك العاطفية للحدث فتصبح أكثر مرونة وقدرة على التكيف.

   

يمكننا أن نأخذ تلميحات من حولنا لمساعدتنا في تفسير (أو إعادة تفسير) تجاربنا الخاصة بصورة أكثر إيجابية. مثل أن يقوم قائد جماعة أو مدير في شركة بشرح الجوانب الإيجابية في مهمة مرهقة فيتعامل معها المستمعون باعتبارها تحدٍ يجب تجاوزه. تتطلب المرونة الاستقرار العاطفي للتعامل مع الفشل، وهو ما أشار إليه نائب الأميرال البحري الأمريكي الراحل جيمس ستوكديل على أنه "القدرة على مواجهة الهزيمة الشخصية دون الشعور بالشلل العاطفي والانسحاب، ولا الدخول في حالة الضحية أو اختراع حلول للهروب"، حيث يواجه المرنون الفشل وجهاً لوجه ويستخدمونه باعتباره فرصة للتعلم ولإصلاح الذات.

   

وأظهرت الأبحاث الحديثة أن التكيف الناجح لا يعتمد على استراتيجيات محددة بقدر اعتماده على المرونة في الانتقال من استراتيجية لأخرى وفقا لاختلاف الموقف الذي تتعرض له؛ ففي بعض الأحيان يكون من الحكمة قبول وضعٍ ما وتحمله، وفي أحيان أخرى يكون من الأفضل تغييره. وبالمثل ، يجادل منظرو الانفعالات بأن التعبير عن الانفعال ليس بالضرورة أفضل من قمعهما. وأن ما يساعد الناس على التأقلم هو امتلاك القدرة على التعبير عن المشاعر أو قمعها وفقًا لمتطلبات الموقف  نفسه.

        

باختصار، إذا أردت تعلم التكيف مع الحياة فتحلّ بالمرونة وتعلم متى تقبل ما لا يمكنك تغييره وكيف تعيد صياغة تحديات الحياة وإخفاقاتها بشكل إيجابي، كما عليك تعلم استخدام الفكاهة لإعادة تأطير المآسي والأحداث المروعة. عليك تنظيم انفعالاتك كذلك وتعرف متى تعبر عنها ومتى تقمعها. يتطلب التكيف مع الحياة  المزيد من الإبداع لاستكشاف وجهات نظر متعددة والمرونة لتصنع لنفسك تقييما إيجابيا لموقف عصيب.

------------------------------------------------------------

ترجمة (الزهراء جمعة)

(الرابط الأصلي)

تقارير متصدرة


آخر الأخبار