انضم إلينا
اغلاق
تنبؤات جورج أورويل.. نشتري الشاشات التي تراقبنا بمحض إرادتنا

تنبؤات جورج أورويل.. نشتري الشاشات التي تراقبنا بمحض إرادتنا

Aeon

مجلة رقمية
  • ض
  • ض

ارتفعت مبيعات رواية جورج أورويل الديستوبية "1984" -والتي تم نشرها عام 1949- مرتين في الآونة الأخيرة، وكان ذلك استجابة للأحداث السياسية. في أوائل عام 2017، دعت فكرة "الحقائق البديلة" إلى التفكير بـ "وينستون سميث"، بطل رواية "1984"، والذي يعمل محرراً في وزارة الحقيقة، حيث يتولى مراجعة الحقائق التاريخية. وفي عام 2013، قارن إدوارد سنودن -الذي عمل كمتعاقد مع وكالة أنباء الأمن القومي الأمريكية وسرّب تفاصيل برنامج التجسس "برسيم" إلى الصحافة- الرقابة الحكومية واسعة النطاق بما تخيله أورويل: "إن أدوات وأنواع جمع المعلومات في الكتاب -الميكروفونات وكاميرات الفيديو وأجهزة التلفزيون التي تشاهدنا- لا شيء مقارنة بما يتوفر لدينا اليوم".

 

كان سنودن محقاً، عند إعادة قراءة رواية "1984" في عام 2018، يُصدَم المرء بـ "أجهزة التلفاز التي تشاهدنا" والتي أطلق عليها أورويل شاشات العرض (telescreens). تُعد شاشة العرض أحد الأمور الأولى التي نصادفها: "يمكن أن تكون الأداة (شاشة العرض) معتمة، ولكن لا توجد طريقة لإغلاقها تماماً"؛ فهي منتشرة في كل غرفة خاصة ومساحة عامة، حتى في نهاية الكتاب عندما: "لا تزال تواصل عرض قصص السجناء والغنائم والمذابح" حتى بعد أن خضع سميث إلى حكمها.

 

إن أكثر ما يلفت النظر حول الانتشار الواسع للشاشات هو مدى صحة وخطأ أورويل بشأن حاضرنا التكنولوجي. الشاشات ليست مجرد جزء من حياتنا اليوم، بل هي كل حياتنا. نتفاعل رقمياً في كثير من الأحيان وبتعمق كبير بحيث يصعب على الكثيرين منا أن يتخيلوا (أو يتذكروا) كيف كانت الحياة قبل ذلك؛ والآن، يتم تسجيل كل هذا التفاعل. لم يكن سنودن أول من أشار إلى المدى الذي وصلت إليه الهواتف الذكية ووسائل الإعلام الاجتماعية مما تخيله أورويل. لم يكن أورويل ليتمكن من معرفة مدى حرصنا على تقليص شاشات العرض لدينا وحملها في كل مكان نذهب إليه، أو مدى سهولة تسليمنا البيانات التي ننتجها للشركات التي تغذي حاجتنا للاتصال. أصبحنا محاطين بشاشات العرض فجأة، ويفوق ذلك ما كان قد يتخيله أورويل في عالمنا.

   

  

    

أو هل أمكنه ذلك؟ يعطينا أورويل بعض الأدلة عن المكان الذي أتيت منه شاشات العرض، وهي أدلة تشير إلى أصل مفاجئ للدولة الشمولية (السلطوية) التي تصفها رواية "1984". إن أخذ هذه الدلائل بجدية يعني النظر نحو عالم الشركات بدلاً من حكوماتنا الحالية كمصدر محتمل لزوال الحرية. إذا كان أورويل على حق، فإن اختيار المستهلك -في الواقع أيديولوجية الاختيار بحد ذاتها- قد يكون دليلاً على كيف آل الأمر إلى تضاؤل الاختيار بالفعل.

 

يظهر أول دليل على شكل غياب التكنولوجي. لأول مرة يجد وينستون نفسه في غرفة بدون شاشة عرض: في هذا المشهد لم يسع سوى التذمر: "لا توجد شاشة عرض!" قال الرجل العجوز: "لم يكن لدي أحد تلك الأشياء؛ إنها باهظة جداً، ولم أشعر أبداً بأنني بحاجتها بطريقة ما". على الرغم من أننا نتعلم أخذ تصريحات الرجل المسن بتحفظ يغمره بعض الشك، إلا أن امتلاك شاشة عرض يبدو أنها كانت مسألة اختيار في مرحلة ما بالنسبة لبعض الناس. يظهر التلميح الثاني في كتاب داخل الكتاب: تاريخ محظور لصعود "الحزب" الذي ألفه أحد المهندسين المعماريين الذي أصبح منذ ذلك الحين "عدو الشعب". يعزو الكتاب تدمير الخصوصية إلى التكنولوجيا، وهنا نلقي نظرة على العالم الذي نعيش فيه: "مع تطور التلفاز والتقدم التقني الذي جعل من الإمكان التلقي والإرسال في آن واحد باستخدام الأداة ذاتها، لم يعد هناك حياة خاصة".

   

ماذا يخبرنا التاريخ المظلم للشاشة عن أسلوب حياتنا اليوم؟ تشير الدلائل حول معارضة الرجل العجوز وسلطة التلفزيون إلى أن توسع الشمولية قد لا يبدأ من الأعلى كما نتخيل غالباً. يبدأ الوصول دون قيود إلى حياتنا الخاصة كخيار، كقرار التسجيل للحصول على منتج ما لأننا "نشعر بالحاجة إليه"؛ عندما نتصرف بناء على رغباتنا في السوق فيعني ذلك التوقيع على تسليم بياناتنا على الكيانات التجارية (الشركات)، فإن تضاؤل الاختيار هو نتيجة الاختيار، أو على الأقل نتيجة الاحتفال بالاختيار.

 

لقد أشارت مؤرختان مؤخراً إلى هذا الاستنتاج بطرق مختلفة تماماً:

 

المؤرخة الأولى هي سارة إيغو من جامعة فاندربيلت في تينيسي والتي أوضحت أن مطالبة الأمريكيين بالخصوصية على ما يبدو أنها متلازمة مع قراراتهم للتضحية بها على مدار القرن العشرين. في الوقت نفسه قام المواطنون بحماية وبث حياتهم الخاصة من خلال استطلاعات الرأي ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصبحوا يتقبلون تدريجياً أن الحياة العصرية تعني المساهمة في البيانات التي أصبحنا نعتمد عليها بشكل متزايد والاستفادة منها. على الرغم من أن بعض هذه النشاطات "اختيرت" بسهولة أكثر من غيرها، إلا أن إيغو تُظهر كيف أن الاختيار نفسه قد ظهر إلى حد بعيد كأمر ثانوي عندما يتعلق الأمر بالبيانات الشخصية.

 

في غضون ذلك، جادلت المؤرخة صوفيا روزنفيلد في جامعة بنسلفانيا بأن الحرية نفسها قد تم تقليصها إلى خيار، وبالتحديد الاختيار بين مجموعة محدودة من الخيارات، وأن تقليصها شهد ثورة في السياسة والفكر. بينما يتم غربلة الخيارات إلى تلك التي يمكن أن نجدها على الإنترنت -وهو نوع من الغربلة أو الفلترة التي تتم تحت شعار "الاختيار"- نبدأ في الشعور بعواقب هذا التحول في حياتنا الخاصة.

 

يمكن للمرء أن يتخيل بسهولة اختيار شراء شاشة عرض؛ في الواقع، الكثير منا قام بذلك بالفعل. ويمكن للمرء أيضاً أن يتخيل الحاجة إلى أحدها، أو أن يجدها مريحة للغاية بحيث يشعر أنها إلزامية. وتتمثل الخطوة الكبيرة في أن تصبح وسائل الراحة إلزامية: عندما لا يمكننا تقديم ضرائبنا أو ملء استمارات التعداد السكاني أو تقديم مطالبة بدون شاشة عرض.

  

 

وكما قال أحد الحكماء: "من قال إن "الزبون دائماً على حق؟ إنه البائع، لا أحد سوى البائع". عندما تثير الشركات دافعنا للاتصال وحصاد البيانات الناتجة، فإننا لا نتفاجأ بذلك. أما عندما يتم التعامل مع نفس الشركات على أنها مرافق عامة تعمل جنباً إلى جنب مع الحكومات للتواصل معنا، عندها علينا أن نتفاجأ، أو على الأقل أن نحذر. يبدو حتى الآن أن خيار استخدام Gmail أو Facebook هو مجرد "خيار". لكن قد يصعب تحديد النقطة التي يصبح فيها الخيار إلزاماً.

 

عندما تحتاج إلى بطاقة ائتمان لشراء قهوة أو استخدام تطبيق لتقديم شكوى، فإننا لا نلاحظ ذلك. ولكن عندما يكون الهاتف الذكي ضرورياً للعمال المهاجرين، أو عندما يتطلب ملء استمارات التعداد السكاني استخدام الإنترنت، فقد انتقلنا إلى مرحلة جديدة. مع تجهيز التعداد السكاني للولايات المتحدة ليتم على الإنترنت في عام 2020، وانتشار أسئلة -لا تزال الإجابة عليها غير مؤكدة- حول كيفية جمع كل هذه البيانات وتخزينها وتحليلها، قد نكون أقرب إلى ذلك المنعطف مما كنا نعتقد.

 _________________________________________________________________________________________

(ترجمة:آلاء أبو رميلة)

(الرابط الأصلي)

تقارير متصدرة


آخر الأخبار