انضم إلينا
اغلاق
"فن اللامبالاة".. ما السر وراء رواج كتب التنمية البشرية؟

"فن اللامبالاة".. ما السر وراء رواج كتب التنمية البشرية؟

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

   

إن دخلت أي مكتبة في الآونة الأخيرة وألقيت نظرة سريعة على الرفوف من حولك، فستجد عددا كبيرا جدا منها تحتله كتب المساعدة الذاتية (self-help books) أو ما درجنا نحن على تسميته بالتنمية البشرية. مختلف الكتب في مختلف المجالات تحمل كلها وعودا بحياة أفضل، حياة أنت فيها شخص أكثر نجاحا في حياتك العملية، وأكثر ذكاء في إدارة علاقاتك، وأكثر قدرة وصلابة في مواجهة الصعاب.

  

تظهر الوعود بداية من العنوان: "فكر وضاعف ثروتك"، "كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس"، "سيطر على حياتك"، "أيقظ العملاق بداخلك"، "كيف تمتلك الثقة في تعاملك مع الآخرين"، وتمتد إلى ما لا نهاية، راسمة في كليّتها حياة كل ما فيها مشرق ولامع.

  

أغلب الأحيان، تحتل تلك الكتب قوائم الأعلى مبيعا في مختلف البلدان، حيث تُترجم إلى عشرات اللغات ويقرأها الملايين من البشر. الحاجة إلى تلك الكتب إذن عابرة للحدود والثقافات؛ ويبدو أن شيئا ما فيها يجذب الكثيرين إليها بغض النظر عن ظروف نشأتهم وخلفياتهم الاجتماعية. وبمرور الأعوام، يظهر كتاب تنمية بشرية جديد يحتل رقعة الضوء ويأسر الناس. منذ نحو عشر سنوات أو يزيد، حدث هذا مع كتاب "السر" لـروندا بايرن، والآن، يتكرر الأمر ذاته مع كتاب "فن اللامبالاة" لمارك مانسون. كل هذا يدفعنا إلى التساؤل: لماذا تلقى كتب التنمية البشرية هذا الرواج؟ وما الذي يقوله هذا عن ثقافتنا الحديثة؟

 

كتب التنمية البشرية كظاهرة

 

لم تظهر كتب التنمية البشرية في أمس قريب، فالبعض، من بينهم الكاتب آلان دي بوتون، يعيد تاريخ تلك الكتب إلى تاريخ الفلسفة اليونانية نفسه. يقول دي بوتون: "في الثقافة الكلاسيكية لليونان وروما قديما، كان من المُسلّم به أن أعلى طموحات الكاتب هو أن يقدم للقارئ نوعا من التربية العاطفية التي من شأنها أن تقوده نحو الشعور بالتحقق. أعلى الكُتّاب شأنا -أفلاطون، وأرسطو، وشيشرو، وبلوطارخ، وسينيكا، وماركوس أوريليوس- كتبوا كتب مساعدة ذاتية كان هدفها أن تعلمنا كيف نعيش ونموت على أتم وجه". ويذكر دي بوتون كأمثلة على تلك الكتب كتاب "التأملات" لماركوس أوريليوس، و"عن الغضب" لسينيكا. (1)

 

لكن، ولو سلمنا باعتبار تلك الكتب من نوع المساعدة الذاتية أو التنمية البشرية، فإن مقارنتها بكتب اليوم سيظهر لنا تغيرا كبيرا في أولويات كُتّاب الماضي عن كُتّاب الحاضر وجمهورهم. فبينما اتجهت الكتب التي يشير إليها دي بوتون لتناول الكليات، من معاني الحق والخير والجمال وكيف للمرء أن يقود حياة خيّرة يجد فيها شيئا من الطمأنينة وراحة البال، تتناول كتب اليوم قيما مختلفة تماما؛ حيث يركز الكثير منها على توجيه القارئ ليكون أكثر نجاحا وإنتاجية في حياته العملية، وأكثر جاذبية وتأثيرا فيمن حوله من أشخاص، ما يقوده في النهاية ليصبح أكثر ثراء وأعلى مكانة بين الناس. هنالك ظمأ معرفي إذن عند الإنسان منذ عصور اليونان القديمة وإلى الآن لمعرفة كيف يعيش حياته على أكمل وجه، لكن معاني ذلك "الوجه الأكمل" تبدلت كثيرا بين الأمس واليوم، وقد جاء في تبدلها انعكاس لتغير القيم المتحكمة في الحياة والمجتمع.

  

في الماضي، عندما كانت العائلة التي يولد فيها المرء تحدد بشكل تام مصيره من ناحية الثراء أو الفقر، ولم يكن هنالك أي أفق للفقير أن يصبح أكثر غنى، تقبل الناس مصائرهم تلك ووجهوا تفكيرهم لنواحٍ مختلفة في الحياة. أما الآن والأفق مفتوح على مصراعيه أمام أي شخص ليحقق الترقي الطبقي، صار ذلك الهم الأكبر للجميع. حيث تهيمن اليوم على العالم ثقافة رأسمالية تُعلي من شأن مراكمة الثروات والمكانة الاجتماعية والنفوذ على أي شيء آخر. فتكافئ من يحقق قيمها وتعطيه لقب "ناجح"، وتصم من يعجز عن اللحاق بها ويصبح أمام الجميع "فاشلا". (2)(3)

 

 لوحة القلق، إدوارد مانش (مواقع التواصل)

   

في ذلك العالم الذي تسيطر عليه تلك الثنائية، نسعى جميعا للهرب من وصم الفشل وتحقيق النجاح. وفي سعينا ذاك، كثيرا ما يعترينا الشعور بالعجز وفقدان الاتجاه. وهنا، تأتي رفوف المكتبات الغاصة بكتب التنمية البشرية لتعدنا بسد ظمأنا المعرفي وإرشادنا إلى الطريق السليم. لكن، هل تتمكن من هذا حقا؟

 

تكمن المشكلة في أن النجاح ليس مركّبا كيميائيا بسيطا ينتج عن تفاعل مجموعة من العناصر المعروفة معا في ظروف معينة. في الحقيقة، لا توجد "وصفة" ناجعة ولا خطوات ثابتة لتحقيق النجاح. وهنا، يلجأ كل كاتب إلى تجربته الذاتية مستلهما منها محتوى كتابه، ومقدما إياها للقارئ على أنها الخلاصة النهائية والحل القاطع ليصل للتحقق في حياته.

  

لكن ما يعرفه البعض، ولن يعترف به الكثيرون هو أن للحظ دورا لا يستهان به في تحديد المسار؛ فما قد يعزوه المرء خطأ لنفسه أو لعمله الشاق قد يكون ببساطة نتيجة لتحول مفاجئ سعيد وضعه على المسار الصحيح. وبالمثل، فبالرغم من كل العمل الشاق الذي يبذله البعض، فقد لا يجد في النتائج ما يكافئ مجهوده المبذول.

الكآبة – إدوارد مانش (مواقع التواصل)

  

لكن، يبدو أن كتب التنمية البشرية والثقافة الحديثة كلها مُصمِّمة على عكس ذلك؛ فنجد في كل مكان اليوم، من حوائط الشركات وحتى إعلانات المياه الغازية، عبارات مغلفة بالتفاؤل غير المبرر والاحتفاء المبالغ فيه بقدرة المرء على تغيير حياته وواقعه وتحقيق أحلامه. وبالرغم من أن تلك العبارات من المفترض أن تكون تحفيزية، فإنها تُحمّل الفرد، والفرد وحده، المسؤولية التامة للمسار الذي تتخذه حياته، ما يضع على عاتق كل منا ضغطا كبيرا ليثبت للجميع أنه ليس فاشلا. (4)

  

كان ذلك الضغط بمنزلة المحفز الأساسي لتفشّي الأمراض النفسية كوباء بين البشر اليوم؛ فالضغط الذي نتعرض له بشكل دائم لإثبات أننا جيدون بما فيه الكفاية كان السبب الأساسي وراء إصابة الكثيرين بالقلق الدائم حيال أدائهم والاكتئاب حال أحسوا بالعجز عن مواكبة الإيقاع اللاهث للحياة الحديثة. يقول الكاتب البريطاني ويل ستور عن هذا: "نحن نعيش اليوم في عصر الهوس بالكمال، والكمال فكرة قاتلة؛ الناس صارت تعاني وتموت تحت وطأة خيالاتهم المثالية عن ذواتهم التي يعجزون عن تحقيقها".(5)

 

 

هنا، تدخل للمشهد كتب من نوع مختلف، كتب تطلب منّا أن نهدأ تماما وألا نكترث، تدعونا أن نطلق العنان لخيالنا ونسرح في فضاء الأحلام حتى يحقق الكون لنا تلك الخيالات. فكرة مريحة للغاية، أليس كذلك؟ وقد كان من وراء تلك الفكرة أن باع كتاب "السر" عشرين مليون نسخة(6). فقد وجد الكثيرون في الفكرة الأساسية التي يدور حولها كتاب "السر" متنفسا وراحة بعيدا عن كتب التنمية البشرية الأخرى التي تتطلب منهم سعيا لا ينتهي وبذل مجهود فوق طاقتهم حتى يصلوا إلى ما ينشدون.

   

تتبدل هكذا كتب التنمية البشرية فيما يشبه الدورات، فيسيطر على الساحة في فترة ما كتب تروّج للعمل الشاق والهوس بالإنتاجية لتحقيق السعادة والنجاح؛ لترد عليها أخرى في وقت لاحق تروّج لممارسات أخرى أكثر استرخاء وتَعِد هي الأخرى بالنتائج نفسها.

   

ينتمي كتاب "فن اللامبالاة" إلى النوع الأخير، وقد حقق عددا مذهلا من المبيعات. فالحقيقة أن سوق كتب التنمية البشرية هو سوق لا كساد فيه، فحالما يخفت بريق أحد الاتجاهين حتى يسرع الآخر ويستغل ضعفه ليخطف الأضواء.

 

 

يبقى السؤال الأساسي هو: هل قراءة تلك الكتب تساعد أيا منّا بشكل واقعي في حياته؟ للأسف لا توجد إجابة شافية لذلك السؤال، فلا توجد أي دراسات جادة سعت لمعرفة إذا ما كانت الوعود التي تضمنها كتب التنمية البشرية قابلة للتحقق بالطرق التي تُروّج لها أم لا. لكننا نبقى واثقين من شيء واحد على الأقل، شيء قاله أحمد خالد توفيق وسندرجه الآن بتصرف: "الطريقة الأكيدة للنجاح عبر كتب التنمية البشرية هي أن تكتب كتاب تنمية بشرية".

   

فالشعور بالضياع وفقدان الوجهة وسط ضغوط الحياة الحديثة سيظل مهيمنا على البشر طالما استمرت القيم الرأسمالية نفسها المشددة على النجاح كمعيار أسمى يجب على الكل الوصول إليه؛ وفي عجز الكثيرين عن تحقيق ذلك النجاح، سيمدون يدهم لأي كتاب فوق أي رف يعدهم بالمساعدة كما قد يتعلق الغريق بقشة. ولا تقلق، ليس عليك حقا أن تعرف الطريق للحياة المثالية حتى تكتب كتاب تنمية بشرية، حسبك فقط أن تقنع الآخرين بذلك. فمن يعلم؟ قد يكون ذلك هو طريقك الخاص للنجاح الذي تَعِدُ بها قُرّاءك. 

تقارير متصدرة


آخر الأخبار