انضم إلينا
اغلاق
الغرق في الذكريات.. لماذا يأسرنا الماضي وعوالمه؟

الغرق في الذكريات.. لماذا يأسرنا الماضي وعوالمه؟

زينب البقري

محررة رواق
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

   

بيوت دافئة، شارع صاخب ولعب حتى التعب، سرير تجتمع عليه كل أفراد العائلة لقص الحكايا، يد الجد الحانية، وحكايات الجدة الماتعة، وسؤال الجار الطيب، ورائحة فناجين القهوة في جلسة مسائية هادئة، ومذاق الفاكهة اللذيذ، والطعام الحلو -على قلّته- يملؤه البركة، وأغاني أم كلثوم وعبد الوهاب أصوات الفن الجميل، وأسعار زمان المثالية، زمن كان فيه البركة، "أيام زمان وأهل زمان، أيام راحة البال".

 

هذه بعض من الصور المتخيلة عن الماضي الذي نَحِنّ إليه، فكل ما هو ماضٍ جميل، أصيل، تستدعيه الذاكرة مصحوبا بالتبكيت وممزوجا بالحسرة، يملؤه الحنين والشوق. وتُصاغ أشكال الحنين للماضي بصورها المتعددة بحسب خلفية وأيديولوجية كل فرد أو جماعة، فالمُسِنّ يستحضر أيام شبابه متذكرا الصحة، والمهاجر يَحِنّ دوما للحظات الدفء في وطنه بين أحبابه الغائبين، والمثقف اليساري يستدعي نضالات المفكرين الراحلين وصليل أقلامهم ومواهبهم الإبداعية وأشعارهم الحماسية، وثمة إسلاميون ماكثون بين طيات صفحات تاريخ مليء بالبطولات، يقرأونه ببراءة متوهمة عن ماض ناصع البياض مجيد لم يَشُبه زيف، ولم يَضِع فيه حق ولم تخر فيه قوى الخير، ماضٍ يستلزم العودة إليه لتحقيق العزة، راغبين في فردوس أرضي متحقق فقط في الماضي. وقد تعيش شعوب كاملة على آثار حضارات بائدة، مُعرفّة حاضرها من خلال إنجازات موتى غادروا منذ قرون.

 

لماذا نُصاب كأفراد أو جماعات بالنوستالجيا أو حالة الحنين الدائم للحظات الماضي الفائتة، حيث نرى فيها الجمال الكامل الذي لا نقص فيه، واللحظات التي لم يكدر صفوها كدر؟ وهل للنوستالجيا جدوى فعلية أم أنها صورة من صور التعبير عن العجز؟ لنجيب عن تلك الأسئلة، فإنه علينا أن نقرأ في مصطلح النوستالجيا والسياقات المرتبطة به.

 

النوستالجيا.. الحنين المَرَضي لأرض الوطن

 

كان أول ظهور لمصطلح النوستالجيا عام 1688 على يد الطبيب يوهانس هوفر، عندما لاحظ الاضطرابات التي يعاني منها الجنود المرتزقة السويسريون الذي يعملون لصالح الجيوش الفرنسية والإيطالية، والأعراض المرضية التي تصاحبهم حينما يسمعون لحنا قديما من بلادهم، فقد عانوا من حمى شديدة وآلام في المعدة وضربات غير منتظمة في القلب أودت بحياة بعضهم. لم يكن ثمة تفسير بيولوجي لهذه الأعراض، ليجد حينها هوفر تفسيرا نفسيا لتلك الحالات التي عايشها، وتوصل إلى أنها أعراض مرضية مصاحبة للحنين الشديد للوطن، فأطلق عليها مرض "النوستالجيا" مستعيرا المصطلح من اللغة اليونانية، حيث ينقسم مصطلح النوستالجيا إلى مقطعين: نوستوس وتعني العودة إلى الوطن، وألجوس وتعني الألم.(1)

 

وحقيقة الأمر أن البشر عايشوا هذه الحالة من الحنين إلى الوطن من قبل ظهور النوستالجيا كمصطلح. وأصل الكلمة في اللغة العربية "الأبابة"(2)، وقد كتب الجاحظ رسالة يتحدث فيها عن الأبابة وألم الحنين للوطن، ناظرا إليه باعتباره فطرة بشرية يصاب بها الملوك والأعراب وكل إنسان فارق موطنه الأول، فيذكر الجاحظ: "إني رأيت من الملوك من اغترب من بلد إلى آخر أمهد من وطنه، وأعمر من مكانه، وأخصب من جنابه، ولم يزل عظيم الشأن، جليل السلطان، تدين له من عشائر العرب ساداتها وفتيانها، ومن شعوب العرب أنجادها وشجعانها، يقود الجيوش ويسوس الحرب، وليس ببابه إلا راغب أو راهب منه، فكان إذا ذكر التربة والوطن حن إليه حنينا مؤلما"، أو كما عبر الشاعر العربي عن حالة الحزن والهم المصاحبة لذكر الوطن والشوق إليه قائلا:

إذا ما ذكرت الثغر فاضت مدامعي *** وأضحى فؤادي نهبة للهماهم (*)

  

ومما ذكر عن ابن عباس أنه قال: لو قنع الناس بأرزاقهم قناعتهم بأوطانهم ما اشتكى عبد الرزق، مستشهدا بحالة الأعراب التي تحن إلى البلد الجدب والمحل الفقر والحجر الصلد وتستوحش الريف وتستوخم العيش فيه. ويورد الجاحظ في رسالته عن الحنين للأوطان أن أحد البرامكة كان يصحب معه في أسفاره حفنة من تراب موطنه ليتداوى به.(3)

 

ظلت "النوستالجيا" باصطلاحها الحديث تُعامل حتى عام 1850 باعتبارها اكتئابا ومرضا نفسيا يستوجب العلاج، مرتبطة بالمكان والحنين المؤلم إلى الوطن، ثم تغيرت هذه النظرة للنوستالجيا تدريجيا؛ فتحولت من كونها مرضًا إلى اعتبارها سبيلا للعلاج النفسي، لقدرتها على خلق عالم أجمل من الحاضر القبيح باستدعاء لحظات سعيدة مضت تخفف بها من حدة الواقع وألمه.

   

 

بذلك، أصبح مصطلح النوستالجيا متداولا في لغة الحياة اليومية، ليشير إلى كل ما يتعلق بالدفء والحنين والأوقات الجميلة ورائحة الذكريات الطيبة البعيدة، متحررًا من قيد المكان والحنين الجارف إلى الوطن، لتشمل كل حالة رومانسية يستحضر فيها العقل تجارب أو مشاهد سعيدة مقتطعة من الماضي، تجسد حالة الفقدان لها،(4) وتحررت النوستالجيا كذلك من المجال الطبي لتدخل مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية سواء الفلسفة أو الاجتماع أو علم النفس والأنثربولوجيا. وبالطبع كانت النوستالجيا النبع المتدفق للأدب بشتى أنواعه سواء قصة أو رواية شعرًا أو نثرًا..(5)

 

النوستالجيا في صفحات الأدب وشاشات السينما

مثّل الأدب وما زال، المساحة الأمثل والأسبق في التعبير عن النوستالجيا من المجال الطبي أو العلوم الاجتماعية والإنسانية، حيث حضرت النوستالجيا في الأدب، سواء باعتبارها معاناة الحنين إلى وطن بعينه أو الرغبة في استعادة زمن مضى. وتمثيلا لذلك، عرضت الروائية العراقية "إنعام كجه جي" في روايتها "طشاري" التي تدور أحداثها حول النوستالجيا. وطشاري تعني الرصاصة التي تخرج فتتشظى في كل الاتجاهات كالمهاجر العربي الممثل في الطبيبة العراقية "وردية" التي تركت الموصل وهاجرت للعمل في باريس. فتعيد الرواية رسم ملامح عراق بعيد في الخمسينيات لم تغمره سيول الدم، ولم تمزقه الطائفية، ولم يصبه التدهور، ولم تدنسه أقدام الاحتلال، فروح الطبيبة متشظية كما روح الوطن المستباح المستعاد فقط على صفحات الرواية.(6)

  

تشابه الأمر كذلك لدى الروائي الفرنسي الشهير مارسيل بروست في روايته "البحث عن الزمن المفقود" ذات السبعة أجزاء التي تزيد كلماتها عن مليون كلمة يستعيد بها الزمن الماضي من خلال التذكر، فالذاكرة لدى بروست ليست مستودع الذكريات، أو وسيلة لمقاومة الغياب والنسيان فحسب، ولكنها مَلَكة الإنسان المدهشة، وطاقته الدافعة للديمومة والتغيير والاستمرار في هذه الحياة. (7)

   

رواية في البحث عن الزمن المفقود (مواقع التواصل)

  

ليس الأدب وحده من عُني بالنوستالجيا كحنين لمكان محدد أو زمن بعينه، حيث حضرت السينما كذلك في هذه المساحة، ويمكن أن نجد تجلي ذلك في فيلم المخرج الأميركي وودي آلان " منتصف الليل في باريس"، وذلك حينما نجد البطل"جيل" الذي يعيش حالة نوستالجيا لمدينة باريس التي لم ينشأ فيها، ولزمن لم يعاصره "القرن العشرين" العصر الذهبي كما يرى، ومن خلال هذه الحالة من النوستالجيا يجيب "جيل" عن أسئلة الحب والانتماء والشغف ويدرك حقيقة ذاته التائه وخياراته المرتبكة وحبه العاجز، ويستكمل روايته الناقصة، من خلال رحلات تجواله في شوارع باريس القرن العشرين ما بعد منتصف الليل.
   
فنرى باريس بوصفها المدينة الساحرة، ونجد مساءها هاديًا حالمًا شديد العذوبة، وشوارعها شديدة الدفء وهي تغتسل بالمطر، ونشاهد مقاهيها وأسواقها بألوان حميمية تبدو كلوحات فنية معروضة في متحف، يستعيد البطل نفسه من خلال العودة المتخيلة إلى باريس القرن العشرين، ويلتقي بأدباء وفناني القرن العشرين أمثال هيمنجواي وبيكاسو، رغم أنه أميركي يعيش في عام 2010، ولكنه حينما يلتقي بهؤلاء الأدباء والفنانين يكتشف أنهم ساخطين على عصرهم ولا يرون واقعهم "عصرًا ذهبيا" كما يراه البطل، ويملؤهم الحنين إلى عصر النهضة والقرن التاسع عشر. وهذا يثير معضلة أخرى أننا وإن امتلكنا المكان واستعدنا المدينة، فإن ذلك لا يمثل حلا لأزمتنا التي نعيشها في الواقع الحاضر. (8)

  

فتش عن الحاضر لتفسر حالة النوستالجيا

إذا حضرت النوستالجيا في الطب كداء يحتاج لعلاج، ثم تحولت لتصبح دواء للحنين إلى الوطن، وإن اعتبرت النوستالجيا سبيل الكتاب والأدباء والفنانين للتغلب على حالة الاغتراب وألم الحنين إلى الماضي، ففاضت أعمالهم بالنوستالجيا، إلا أنه بإمكاننا النظر للنوستالجيا من زاوية مختلفة بعيون المؤرخين.

 

   

 

من أهم أولئك المؤرخين الذين فسروا علاقة الناس بالماضي ورؤيتهم له هو المؤرخ الشهير تقي الدين المقريزي، وهو الذي رأى أن من أهم أسباب استدعاء الماضي والعيش فيه هو حالة التأزم مع الحاضر واللحظة الآنية، فكل ماضٍ جميل لأننا لم نعشه، حيث يذكر المقريزي في كتابه "إغاثة الأمة بكشف الغمة" الذي استعرض فيه تاريخ حالة المجاعات والأوبئة التي أصابت البلاد، باحثا في التاريخ عما يفسر حدوث المجاعات ومتخذا العبرة من سنن الكون وما أصاب البشر في الماضي من أزمات ليعالج بها واقعه الحاضر ويفهمه، حيث وصف الصورة التي نظر أهل عصره من خلالها إلى حاضرهم والقرون التي مضت قائلا:

"لما طال أمد هذا البلاء المبين، وحل فيه أنواع العذاب المهين، ظن كثير من الناس أن هذه المحن لم يكن فيما مضى مثلها، ولا مر في زمن شبهها، وتجاوزوا الحد فقالوا: لا يمكن زوالها، ولا يكون أبدا عن الخلق انفصالها، وذلك أنهم قوم لا يفقهون، وبأسباب الحوادث جاهلون، ومع العوائد واقفون، ومن روح الله آيسون". [9]

  

يرى المقريزي بذلك، أن هذه النظرة البائسة للحاضر رغم ما مر به المجتمع بأزمات أشد وطأة ومجاعات أوسع انتشارا وأشد فتكا، أن الحاضر دائما ما يكون منقوصا حقه، مجحودا قدره، فالقليل من شره يُرى كثيرا، وأن القليل من المشاهد المُعاشة أرسخ من الكثير من الخبر، وبذلك تكون معاناة اليسير من الشدة أشق على النفس من تذكر الكثير مما سلف منها، فالمسموع من الماضي لا يكون أبدا موقعه من القلوب موقع الموجود الحاضر[10]، لذلك، سيظل البشر يتوهمون الماضي خيرا من الحاضر، خاصة حينما يشق الحاضر بأنفسهم وتتأزم أوضاعهم.

  

تفسير المقريزي لحنين البشر للماضي ورؤيتهم للحاضر مرّ عليه عدة قرون، إلا أن وجاهة رأيه تظل حاضرة لقدرتها التفسيرية العميقة، وقد تجلى ذلك عند سؤال "ميدان" لبعض الشباب عن اللحظات التي يشعرون فيها بحالة النوستالجيا وأسبابها، نجد أن إحدى الفتيات (30 عامًا تقيم في القاهرة) تقول: "إنني أحن إلى الماضي في اللحظات التي لا أستطيع التعامل فيها مع الواقع ولا أتمكن من استيفاء احتياجاتي منه، وحينما أعجز عن فهم سنن الواقع التي هي غالبا سنن الحياة وتدافعها مهما اختلفت صورها". وتضيف "نحن نتخيل أن الحياة في الماضي كانت أسهل وتلبية احتياجاتنا منه أيسر، ونتوهم ذلك لأننا فقط لم نعشه، فنحن أسرى صور متخيلة عن الماضي تحجبنا عن معايشة الحاضر، فنَحِنّ لصور متوهمة عن الحب في الماضي، تمنعنا من مشاهدة صور الحب المختلفة من حولنا، لذا لم أعد أجد معاني الحب في نفسي كثيرا في أبيات الشعر القديم بقدر ما أراها في مواقف حياتية واقعية".

     

 

ترى هذه الفتاة أن أسباب رؤيتنا الجمالية للماضي نابعة عن صعوبة حياتنا وعدم التصديق في أن الله قد خلق لكل عصر سبل تلبية احتياجات البشر فيه، لأننا لدينا أزمة تصديق وخوف واهتزاز تغلب على كل شيء في هذا العصر، بالإضافة إلى أن طريقة تنشئتنا قد غرست فينا ذلك التحسر على الماضي الفائت، فانتقل لنا الشعور بالعجز تلقائيا الذي نستمر نحن في ترديده ونقله للأجيال اللاحقة".

  

على الناحية الأخرى تعبر فتاة (27 سنة من إحدى محافظات الدلتا بمصر) عن رفضها لحالة النوستالجيا، فتقول ل"ميدان": أنها أصبحت تأخذ موقفا حادا من كل من يعيش في حالة النوستالجيا، لأن النوستالجيا ترتكز على ذاكرة غير حقيقية، ذاكرة تشبه "فلتر سناب شات" الذي يجعل كل الناس جميلة وبشرتها نقية بيضاء وعلى رأسها طوق الورود، النوستالجيا ضد العقلانية، وبالطبع ثمة لحظات جميلة مرت ولكنها ليست الصورة الكاملة عن الماضي، والذي يزيدها إشراقا هو هالة الاشتياق الزائفة لأحداث بعينها أو أشخاص قد أصبحوا أجمل لأنهم غابوا أو رحلوا.

   

قد يتصالح بعض البشر مع وجود حالة النوستالجيا على المستوى الفردي ويرونها أمر طبيعي الحدوث، لكن حينما يتمثل ذلك على المستوى الجمعي، فإننا نلحظ تعارض الآراء وتضاربها، فثمة باحثين مثل Sedikides وWildschut وArndt يرون أن النوستالجيا الجماعية أو الحنين إلى الماضي عاطفة جماعية تعزز الشعور بالترابط الاجتماعي وتولد تأثيرًا إيجابيًا.(11) لكن البعض الآخر يرى أن النوستالجيا تمثل عائقا كبيرا حينما تصبح على المستوى الجمعي، لأن حالة العيش في الماضي واستدعائه لا يأتيان سوى في لحظات الهزيمة والانكسار، لينعكس ذلك بتثبيط الأفراد تجاه السلوك الفاعل بهدف تغيير الواقع لكنها تقتصر على استدعاء انتصارات الماضي كمخدر لآلام الفشل الجمعي الحاضر. فالنوستالجيا الفردية واقعة لا محالة، ولكن النوستالجيا الجماعية ما هي إلا سلاح العجزة والبائسين.

   
لحظات النوستاليجا تلك، والتي يراها الكثيرون في ارتباطها الجماعي كمخدر ومثبط عن الفعل المُغيِّر، فإنه وعلى صعيد تبيان الأمر عبر نقيضه، تمثل اللحظات التي تظهر فيها ملامح التغيير ويتجلى فيها السلوك الفاعل، غيابا لمظاهر النوستالجيا الجماعية، باعتبار أن لحظة تغيير ذلك الواقع البائس قادمة.
    

ميدان التحرير.. أيام غابت فيها النوستالجيا

 

يرى الكاتب المصري محمد نعيم أن النوستالجيا الجماعية قد غابت في الأيام الأولى لثورة 25 يناير 2011، لأن الثورة كانت لحظة توق لصناعة حدث تاريخي، فخلال الـ 18 يوم في اعتصام ميدان التحرير لم يكن هناك بكاء على طلل فائت ولا حزن لمجد ارتحل، فقد كان الفعل الثوري كلقاء الشاعر الجاهلي بمحبوبته وليس باعتباره مارا على طلل ديارها. حينها، شَعَر الثوار بأنهم في قلب التاريخ، وليسوا مارين على أمجاده الضائعة.

  

وبنظرة أعمق على المشهد، فقد أحَسَّ المشاركون في الحدث الثوري بأنهم قادرون على تسكين أنفسهم في هذا العالم، لشعورهم بالقدرة على تغييره للأفضل، ففي ظل عنفوان الحدث الثوري لم يكن هناك حاجة إلى اللجوء للماضي واستدعاء سرديات تاريخية متوهمة كسردية "حضارة السبع آلاف سنة" ليعيش عليها كما يحدث عادة حين تجلّي حالة الضعف والشعور بالانهزام أمام الحاضر. بذلك، مثلت لحظات الـ18 يوما نموذجا على التحرر من أسر العجز الذي يولد الحاجة إلى النوستالجيا واليأس لباب يُفتح فيه الأمل نحو التغيير كل أبواب الحاضر المغلقة، إلا أن لحظات الهزيمة والانكسار التي تسبق ما كان فعلا ثوريا، تحيله من عنفوانه ليصبح نوستالجيا يبكي عليها الثوار أمجادهم. (12) ولا يقتصر الحال بطبيعته على نموذج ميدان التحرير، فما صاحب الربيع العربي من آمال بالتغيير، ثم ما لحقها من انكسارات، أظهرت النوستالجيا بوضوح عبر صيغ الأحاديث اليومية في مختلف الأقطار وعلى اتساع الشرائح.

   

مما سبق نجد أن النوستالجيا لابد أن تفهم في سياق الحاضر والعلاقة معه، فحالة النوستالجيا مؤشر على وجود علاقة مرتبكة بين الذات وإدراكها للعالم والواقع من حولها، سواء نحن كأفراد أو كجماعات في لحظة تاريخية معينة، وحينما يكون الواقع غير مدرك أو مستوعب تماما من قبل الذات تصبح غير قادرة على تعريف هويتها أو تسكين نفسها في موضع آمن داخل هذا العالم، فتلجأ إلى العيش في الماضي كنوع من المراوغة والالتفاف على الواقع المرفوض، ويظل الحنين مصاحبا لها إلى ما يشعرها بالأمان والاستقرار.(13) إلا أن سؤالا هاما يمكن أن يُطرح عنا، حول ما إذا كانت النوستالجيا دوما تتجلى باعتبارها هروبًا من الواقع المأزوم.

 

النوستالجيا محاولة للعودة للذات

 

يرى الفيلسوف الألماني مارتن هايدجر أن النوستالجيا ليست دوما حالة فقدان لما غاب أو لمن رحل أو لماضٍ فات، ولا يراها حالة تأزم مع الحاضر بقدر ما تنم عن أزمة هوية قد تُحل بالعودة إلى الماضي وباستعادة الراحلين وبإحياء الموتى، لأن هايدجر يتحدث عن النوستالجيا وكأن الفرد يجمع أشتاته ومفردات هويته من الماضي ليعود لتعريف ذاته في هذا العالم، والعثور على الحيز الآمن الذي يستوعب الذات مُدركةً من خلاله العالم والوجود.(14)

   

هذا ما قصده المفكر التونسي فتحي المسكيني حينما رأى أن الماضي امتداد للذات وترسيخ لوجودها لا ينبغي الفكاك أو القطيعة عنه، لأنه سيترك الذاكرة في حالة فراغ، ولن يفضي إلى فعل، فلا بد أن يكون للفرد وللجماعة ذاكرة متوازنة لا تنقطع مع الماضي ولا تتعامل معه كأطلال تستمر في النوح عليها. وبذلك يذكر المسكيني قائلا: "إذا قطعنا مع الماضي، من سيعشق لغة الضاد؟ ومن سيحفظ المعلّقات؟ ومن سيعرف أبا جهل؟ ومن سينصت للقرآن؟ ومن سيحبّ محمّدا الإنسان؟ ومن سيدافع عن عائشة؟ ومن سيتشوّق إلى مكّة؟ ومن سيعتذر للحلاج؟ ومن ستمتعه خمريات أبي نواس، أو زهديات أبي العتاهية؟ ومن سيزور المعري في محبسه؟ ومن سينتصر لمحنة ابن رشد؟ ومن سيذكر الأيوبي؟ ومن سيحكي ألف ليلة وليلة مرة أخرى؟ ومن سيفهم ابن عربي؟… هذه ليست قطعا متحفية متنافرة، بل مساهمتنا في التأريخ الأخلاقي للنوع البشري، وعلامات على طريق آخر إلى أنفسنا لم نستعمله إلى حدّ الآن، من فرط ضجيج المتعصّبين وصراخهم. لن تقبلنا الإنسانية ونحن نجلس إليها بأيدٍ فارغة من الذاكرة".

  

ينقلنا هايدجر والمسكيني لمستوى آخر في التعامل مع الماضي باعتباره زاد الحاضر والمستقبل، فالبشر امتداد لماضيهم ومن خلاله يجيبون على أسئلة الحاضر، ويواجهون مشكلاته، فليس ثمة نفع في القطيعة مع الماضي بل إن من مشكلات العصر الحديث وأزمات الحداثة أنها حاولت قطع صلاتها بالماضي.

 

فتحي المسكيني (مواقع التواصل)

   

النوستالجيا كظاهرة حداثية

ظهرت آراء عديدة تعتبر النوستالجيا ظاهرة حداثية، مثلما أشار الباحث peter fritzsche الذي يرى أن النوستالجيا قد ظهرت خلال القرن التاسع عشر مع عمليات التحديث، وتعمد الحداثة القطيعة مع الماضي، ورؤية التاريخ باعتباره عملية تجدد مستمر متسارعة، فكل لحظة تاريخية تأتي بتغييرات جديدة ما يلبث الإنسان أن يدركها ويحاول استيعابها حتى تلاحقه تغييرات أخرى أحدث، يقف على إثرها عاجزًا عن إدراكها، فالإنسان في زمن الحداثة كمن يقف ثابتًا في مكان سريع التبدل والتغير، فيعجز عن تعريف هويته، لذا يرى Fritzsche أن النوستالجيا في العصر الحديث تعبير عن هذا التيه والشعور بالانقطاع والرغبة في التواصل والامتداد مع الماضي وعدم استيعاب التجديد المستمر. (15)
 

هذه الرؤية تنظر إلى النوستالجيا باعتبارها محاولة للاتساق مع الذاكرة، فعندما تنعدم كل السبل تبقى الذاكرة هي الوسيلة الوحيدة للتعامل مع واقع مهترئ ومتشظٍّ، وتُضحي الذاكرة وسيلة رأب صدع النفس المثقلة بالحنين، التي ترزح تحت ثقل الفقد، الذات المغتربة عن لحظتها الحاضرة، التائهة في عالم لا تعرف طرقاته، الساعية إلى استرداد العالم الذي تعرفه وتتقن مفرداته. (16) لكن، ينبغي الحذر في التعامل مع الماضي وما تطرحه الذاكرة من إشكاليات، فالذاكرة انتقائية؛ قد تستدعي حدث وتضخمه وتنفي حدثا آخر، وهو ما أشار إليه تودوروف في كتابه "إساءات استعمال الذاكرة" الذي شن فيه هجومًا على الهوس المعاصر بإقامة الاحتفالات لذكرى معينة، وما يستتبع ذلك من مواكب وطقوس وأساطير تقتطع أحداث معينة من سياقاتها دون النفع المرجو منها في فهم الحاضر، كما يرى تودوروف أن وضع اليد على الذاكرة ليس من اختصاص الأنظمة السلطوية، وإنما الطامحين للتغيير، فإذا كانت الصدمة تحيلنا إلى الماضي فإن الرغبة في الحياة القيمية المثالية توجهنا نحو المستقبل.(17)

  

ثمة أمر آخر، وهو أن حالات النوستالجيا في العقود القادمة مهددة بالتشظي أكثر، لأن العصر الحديث -كما وضحنا سابقا- قائم على السرعة والتجدد المستمر، وتزداد فيه حالة الفردانية والاختلافات النوعية والطبقية والاجتماعية في المنطقة الواحدة، وهو ما يجعل من وجود ذاكرة جمعية واحدة أو مشترك في ذكريات البشر أمرا شديد الصعوبة. فالحداثة بقطيعتها المتواصلة مع الماضي يجعلها تتعمد تفريغ ذاكرة الإنسان من الماضي، فيصعب وجود مشترك على مستوى الذاكرة الجمعية يمكن البناء عليه.

   

 

يُضاف لذلك، أنه وفي العصر الحالي، تزداد معدلات الهجرة في عالمنا العربي، وفي ظل تأزم الواقع العربي، والتطور التقني الذي يجعل الهاتف والحاسوب هو الموثق الرئيسي لأحداثنا اليومية وحياتنا المعيشية وما صاحب ذلك من تغير معنى المكان، حيث لم يعد المكان هو الزواية الآمنة أو ركن اللعب في منزل الطفولة، لكنه أصبح المكان الأكثر سيولة، فمن خلال الشبكة العنكبوتية تستطيع أن تجوب أنحاء العالم وتتواصل معه في لحظة واحدة، ويجعل خيارات الأفراد متعددة وشديدة الاختلاف مما يهدد وجود ذاكرة جماعية تخلق حالة من النوستالجيا تشير في أسوأ أحوال الحاضر إلى مشترك جمعي، فهل نحن في سبيلنا للحنين إلى وجود النوستالجيا في ذاتها؟

  

هذا يؤكد على أن فهم النوستالجيا وأسباب ظهورها لا ينفك عن فهم المكان وطبيعته، وعن الحاضر وإشكالياته، وعن علاقة الذات وإدراكها للعالم الخارجي، وقدرتها على تسكين نفسها في هذا العالم، فحينما تتعقد علاقة الذات، سواء الفردية أو الذات الجماعية، مع المكان باعتباره الموطن والسكن، وتشعر بثقل الواقع عليها وصعوبة الشعور بالاستيعاب في الحاضر، تجعل الماضي هو المهرب الأول. ولكننا نحتاج إلى علاقة عقلانية مع الماضي لا تستدعيه بشكل انتقائي وبسردية متوهمة، لأن -كما سبق وذكرنا ما قاله المقريزي- القليل من أزمات الحاضر كثيرة لأننا لم نعايشها فقط.

__________________________________________________________________________________________

الهوامش:

*الهماهم أي الهموم

تقارير متصدرة


آخر الأخبار