انضم إلينا
اغلاق
ليست "فصل الدين عن الدولة".. كيف نظر المسيري للعلمانية؟

ليست "فصل الدين عن الدولة".. كيف نظر المسيري للعلمانية؟

محمد فتوح

محرر رواق
  • ض
  • ض

 "تنطلق كل دراساتي من الإيمان بأن ثمة فارقا جوهريا بين عالم الإنسان وعالم الطبيعية، وأن الحيز الإنساني مختلف عن الحيز المادي ومستقل عنه"

(عبد الوهاب المسيري)

  

في المشهد الأخير من مناظرة جمعت بين عبد الوهاب المسيري وبين سيد القمني ببرنامج "الاتجاه المعاكس"، وجه مقدم البرنامج فيصل القاسم سؤالا للمسيري قائلا: "دكتور المسيري، أنت علماني باعتبار ما؟!".

رد المسيري: "أنا أُفرّق دائما بين العلمانية الجزئية والشاملة، ولي كتاب من مُجلدين بعنوان "العلمانية الجزئية والشاملة"، فإن كنت علمانيا فأنا علماني جزئي ولستُ علمانيا كُليّا".

  

ليعلق القمني: "أنا أعترض، فالحل في علمانية شاملة، لأن العلمانية الجزئية التي يتحدث عنها الدكتور يُحددها في السياسة وجزء من الاقتصاد، طيب والتشريع نعمل إيه فيه؟!"

    

   

على عكس ما يبدو من بساطة سؤال: ما العلمانية؟ والذي تبدو الإجابة عنه أكثر بساطة، وحاضرة على الدوام باعتبار العلمانية هي "فصل الدين عن الدولة، أو أن يدع الناس ما لقيصر لقيصر وما لله لله"، فإن المسيري يختلف مع هذه الرؤية، حين طرح العلمانية باعتبارها أكثر تركيبا وتداخلا. رؤية نتجت عند المسيري من كونه مفكرا تفكيكيا ذا رؤية تحليلية بطبيعة حاله، وباحثا "مغرما" بإعادة تشكيل الصور على نحو أكثر كُلية وشمولية على الدوام، ولا يكتفي بإعادة تركيب الصور، بل ويصك لها مصطلحاته الخاصة. هذا المنهج، هو ما اتبعه المسيري في تعامله مع العلمانية، إذ كان موقفه منها مستندا على إعادة تعريفاتها وتقسيماتها، ومن ثم دوائر تداخلها بالموقف الجديد في حيز النقاش بين العلمانيين أو الإسلاميين على حد سواء.

 

من هذا الباب، يصعب تصنيف المسيري وفق التصنيفات التقليدية من العلمنة، إما إسلاميا وإما علمانيا، ويلوح سؤال التصنيف: أين يقف المسيري؟! هل هو إسلامي؟ أم علماني؟! وهل العلمانية درجات أو دوائر متعددة كما قال؟! وكيف يُسخّر المسيري قلمه لينتقد العلمانية، وهو لا يوافق موقف الإسلاميين في تعاطيهم مع العلمانية، وفي الوقت ذاته يُعرف المسيري نفسه بأنه إسلامي، ويقر لمن يعتبرونه علمانيا بأن علمانيته جزئية؟

 

فأين يقف المسيري من العلمانية تحديدا؟! هل في صف الإسلاموية أم في مصاف العلمنة؟! أم أن المسيري قد اختار لنفسه طريقا آخر بين المسارين لم يُعهد من قبل؟! وكيف فكك المسيري العلمانية ثم أعاد بناءها؟!

  

الهوس بالتصنيف

"كل ما أعرفه هو أنني لا أعرف شيئا"

(سقراط)

 

  

"يميل البشر إلى التفكير في سلوك الناس بناء على الظواهر الاجتماعية المتعارف عليها"، هذا القانون تُمليه نظرية العقل الجمعي والتي مفادها أن العقل يميل تلقائيا إلى تصنيف الظواهر التي يقابلها إلى حِزم ويردها إلى دوائر مُعَرفَة مُستقرة لديه سلفا، "فنحن نبحث دائما عن آخرين يشبهوننا كي نقارن معاييرنا معهم، وفي النهاية يقوم الفرد منا -مستخدما الآخرين- بضبط قيمه وأفكاره"، لا تتوقف عملية التصنيف عند هذا الحد، "فالأمر يمتد بتلك الفكرة إلى ما هو أبعد، فنحن لا نستخدم الآخرين فقط لتقييم ذواتنا، بل نستخدمهم كمصدر للمعلومات من أجل تعريف الواقع الاجتماعي كاملا، فيما يُعرف بالتأثير الاجتماعي المعلوماتي"(1).

 

العقل إذا مهووس بالتصنيف، ليتمكن من التعامل مع الظواهر الجديدة، ولا يستطيع العقل أن يحكم على الظواهر في الفراغ، وإنما عليه أن يُقرب المفاهيم الجديدة لمثال سابق قدر على التعامل معه سلفا. لا يتوقف عمل العقل عند هذا الحد أيضا، فالعقل يتخطى ذلك ليُضفي الموضوعية الكاملة في رأيه ورؤيته للعالم والمفاهيم المختلفة حوله، ويرى في رأي الآخرين تحيزا غير موضوعي، فتنشأ دوما متلازمة "نحن" و"هم" في النقد(2). من هنا، يميل العقل عند الحكم على الأمور إلى استدعاء النماذج المُخزنة سلفا للقياس عليها أو يقف عاجزا عن المواصلة، ويطّرد هذا المفهوم في العلوم الاجتماعية كذلك، يقول د. طه جابر العلواني في مقدمة كتاب "إشكالية التحيز" والذي حرره عبد الوهاب المسيري: "إذ إن كل باحث يرى الحقائق من منظوره ومن واقع تجربته الشخصية، ومن خلال خبراته الذاتية ورؤيته الكليّة والنماذج المنبثقة عنها"(3).

  

هذه العملية، هي ما تجعل عملية التصنيف شاقة فيما يتصل بالمفكر الراحل عبد الوهاب المسيري، إذ إن المسيري -تأثرا بمدرسة فرانكفورت- يعيد تفكيك الظواهر وتركيبها من جديد ويصك لها مصطلحات جديدة، وبالتالي تفشل عمليات التصنيف الاختزالية التي يُطلقها البعض على المشروعات المُركبة مثل مشروع المسيري، وتبقى خير إجابة عن سؤال هُوية المسيري ألا يُحاكم إلى النماذج المُعدة سلفا وإنما أن يتم تتبع كتاباته وما خطه عن الظواهر المختلفة.

 

العلمانية وإعادة التعريف

"إذا كانت للعلمنة قيمة، فهل هي خارجة عنها أم أنها جزء لا يتجزأ منها؟ وإذا كانت تضاف إليها، فمن أي مصدر نستقيها؟ وهل الأمر متروك لكل إنسان أو مجتمع أن يختار مثل هذه المنظومة؟!"

(عبد الوهاب المسيري)

 

عبد الوهاب المسيري (مواقع التواصل)

  

يعتبر المسيري أن مصطلح "العلمانية" من أشد المصطلحات المعاصرة التباسا وانقساما، فالعلمانية (Secularism) والتي تعني في معناها اللغوي "الزماني أو الدنيوي" في مقابل "الكنسي أو الديني" تطورت دلالتها مثل سائر مصطلحات الفكر، وكلما تطور المصطلح تطورت الدلالة، وهو ما أدى إلى اعتبار التعريفات الكلاسيكية للعلمنة غير كافية بالضرورة (4). فالعلمانية بمعناها التقليدي والتي تعني "الفصل بين الدين/الكنيسة وبين الدنيا/الدولة" أصبحت فاقدة للقدرة التفسيرية في عصر الحداثة وما بعدها وفوضى المفاهيم. لذا يتجه المسيري إلى "حيلة" أخرى ليعيد تعريف العلمنة بمنأى عن التعريفات الجامدة، ويتوسل المسيري بهذه الحيلة إلى الوصول لنموذج إدراكي كامل يفسر العلمنة بدلا من التعريفات المعجمية المُصمتة. يبدأ المسيري في تتبع متتالية العلمنة والتي بدأت من فصل الدين عن الدولة، بيد أن هذه المتتالية لم تتوقف عند هذا الحد، إذ اتسعت حتى شملت فصل الدين عن سائر نطاقات الحياة العامة (5).

 

بذلك، فإنه يتتبع تعريف العلمنة بتتبع منتجاتها والمفاهيم التي أنتجتها، فعلى الرغم من نشأة العلمنة في أجواء الاستنارة الأوروبية حيث التفاؤل بقدرة العقل الإنساني، فإن علم الاجتماع المعاصر ينسب إلى هذه الاستنارة كُتلة من المفاهيم السلبية بحسب المسيري، والتي تبين معاناة الإنسان الحديث في ظل عملية العلمنة، فمن أزمة الإنسان الحديث، إلى ثمن التقدم وهيمنة المادة حتى القيم النفعية واللامعيارية والحتميات المطلقة؛ كل ذلك يبين قلق الإنسان الوجودي والذي ازداد مع تزايد متتاليات العلمنة.

  

وهو ما دفع المسيري إلى أن يُعيد التساؤل حول جدوى الاستنارة الأوروبية ذاتها ومدى قدرتها على تحقيق دعواها، إذ يعتبر أن هذه الاستنارة حولت حياة الإنسان إلى حياة مظلمة بلا ضوء. وهو ذات الأمر الذي انتقده ماكس هوركهايمر في كتاب "جدل التنوير"(6) حين اعتبر أن التنوير ذاته تحول إلى أيديولوجيا أكثر من منه حالة معرفية، أيديولوجيا تمثلت في الصناعات الثقافية والتي رسختها السينما والإذاعة ومواد الإنتاج الثقافي. وهذا ما يدعو المسيري ثانية إلى الريبة في تعريفات العلمنة نفسها والتي تُعرف العلمانية بأنها عملية فصل بين الديني والسياسي، ولينظر إليها في ضوء منتجاتها بعيدا عن التعريفات الجامدة (7).

   

  

العلمانية بين الجزئية والشاملة

"وعادة ما يتم الانتقال من العلمانية الجزئية إلى العلمانية الشاملة من خلال عمليات تاريخية طويلة مركبة، تأخذ شكل متتالية تاريخية متعددة الحلقات، بعضها واضح ومحدد والبعض الآخر يصعب إدراكه وتحديده"

(عبد الوهاب المسيري)

  

فيما يتعلق بالعلمنة، فإن المسيري يحاول التمييز بينها على مستويين، الأول مستوى صغير وهو دائرة العلمانية الجزئية، والثاني دائرة أكبر تحيط بها وهي العلمانية الكلية أو الشاملة. ويرى المسيري أن مجالات فصل الديني عن السياسي والتمايز بين الاقتصاد والدين[أ] يدخل في دائرة العلمنة الأولى، أي العلمانية الجزئية. بيد أن الوقوف عند العلمنة عند هذا الحد إنما هو تسطيح للعلمنة ذاتها، إذ يتغاضى هذا المنظور عن المرجعية النهائية لمتتالية العلمنة (8). فالعلمنة هي مفهوم ذو فكرة كُليّة شاملة وليست مجرد أدوات جزئية أو إجرائية، والعلمانية الشاملة في طبيعتها ذات موقف مناقض للمقدس سواء كان دينيّا أو أخلاقيّا، فلا تعني العلمانية الشاملة فصل الدين عن الحياة الاجتماعية والسياسية وحسب، وإنما تعني حلول مُقدس وضعي محل الدين عن طريق الإجابة الشاملة والنهائية لمناحي الحياة عوضا عن الإجابات التي يُمليها الدين. "فإن هذا الأمر ليس مقصورا على النظم الدينية، فبعض النُظم تدور في إطار فلسفي مادي صرف، ومن ثم يمكن تسميتها إلحادية، مثل النظام النازي في ألمانيا، والفاشي في إيطاليا، والستاليني في روسيا، لكنها أفرزت مؤسسات الحزب والدولة والتي كانت تتصرف باعتبارها تجسيدا للمطلق وتعبيرا عنه، بل كانت تحتكر لنفسها حق نقل الكلمة المقدسة والتفسير الصحيح والوحيد"(9).

 

ومن هذا المنطلق يُفرّق المسيري بين العلمانية الجزئية والكلية الشاملة، ويرى النظر إلى العلمنة باعتبارها معاملات إجرائية (علمانية جزئية) دون رؤيتها كبنية كُلية للعالم (علمانية شاملة) هو ما يغيب عن ذهن المفكرين العرب سواء كانوا إسلاميين أو علمانيين. فعلى الرغم من الإشارة الدائمة والمتكررة في المعجم الغربي للعلمانية باعتبارها موقفا كُليا أو نهائيا من الحياة، فإن هذا المعنى هو ما يُغفل دوما في سجالات الإسلاميين والعلمانيين على حد سواء. ويرى المسيري أن الإسلاميين والعلمانيين يشتركون في نظرتهم للعلمانية، إذ يُقصرونها على التعريفات الإجرائية والتي لا تُشير صراحة إلى المضمون الشامل، الذي يُجرد الإنسان من معاني الإنسانية.

 

 

 

ففي الوقت الذي ينظر فيه الإسلاميون إلى العلمنة بوصفها ردة عن الإسلام، يعتبرها العلمانيون سبيل الديمقراطية والتقدم والرفاه. لكن المسيري له نظرة أخرى، فهو يرى في العلمنة بنية كامنة خلف هذه التفاصيل الصغيرة والجزئية، وتبدو هذه البنية الكامنة في أدق شؤون الحياة حتى وإن ابتعدت عن السياسة والاقتصاد، فالإعلانات الإباحية وإن لم تدخل في صلب السياسة فهي نوع من العلمنة عند المسيري بما تنزعه من القداسة عن الإنسان وتحوله إلى إنسان اقتصادي أو جسماني أو إنسان ذي بُعد واحد على حد تعبير هربرت ماركوز.

 

علمنة الإنسان بعيدا

"فالعلمانية قد تظهر في نموذج بسيط مثل رجل الشارع البسيط، محدود الثقافة، ذي البُعد الواحد، محدود الطموح، الذي يشاهد متحف اللوفر وأهرامات مصر، ولا صبر له على معرفة تاريخهما أو التعمق فيهما، الذي يفرح بالسيارة الكبيرة كما يفرح الأطفال، ويقبل ما يتلقاه عن طريق التلفزيون والجرائد اليومية دون أي شك في صحة ما يسمع ويقرأ"

(عبد الوهاب المسيري)

  

لا تقف العلمنة في نموذج المسيري عند حدود والسياسة والاقتصاد فحسب، وإنما تتجلى بنيتها في تضاعيف الحياة البسيطة (Life Style)، فإن "أولئك الذين يرتدون التِّيشيرت، ويشاهدون الأفلام الأميركية إباحية كانت أم غير إباحية، ويسمعون أخبار وفضائح النجوم ويتلقفونها، ويشاهدون كمًّا هائلا من الإعلانات التي تغويهم بمزيد من الاستهلاك، ويهرعون بسياراتهم من عملهم لمحلات الطعام الجاهز وأماكن الشراء الشاسعة يجدون أنفسهم يسلكون سلوكا ذا توجُّه علماني شامل ويستبطنون عن غير وعي مجموعة من الأحلام والأوهام والرغبات هي في جوهرها علمانية شاملة دون أية دعاية صريحة أو واضحة. وربما كان بعضهم لا يزال يقيم الصلاة في مواقيتها ويؤدي الزكاة".

  

وعليه، فإن بنية العلمنة الكامنة في هذا النمط الخفي من الممارسات هي الخطر الحقيقي وليست الممارسات السياسية أو الاقتصادية، والتي يتنازع الإسلاميون والعلمانيون على وصفها بالعلمنة أو الأسلمة. فيرد السجالات في هذا الباب إلى "عدم الإدراك من الإسلاميين والعلمانيين لأشكال العلمنة الكامنة، وبالتالي إغفالهم عن رصدها. وهو ما يؤدي إلى الإخفاق في تحديد مستويات العلمنة الحقيقية للمجتمعات".

 

وعود النيوليبرالية وما بعد الحداثة (مواقع التواصل)

  

ويُحمّل المسيري علم الاجتماع بصورته المعاصرة قِسطا من خفاء هذا المعنى الكُلي للعلمنة، إذ ينظر علماء الاجتماع إلى العلمانية باعتبارها فكرة ضمن أفكار التنوير، بيد أن العلمنة عند المسيري هي مفهوم كُليّ متماسك تنبثق منه أفكار التنوير. لذا فعند الرصد السوسيولوجي للعلمنة ينظر لها باعتبارها ظاهرة مستقلة لها تواريخ مستقلة في التطور، لكنه يُغفل في الوقت ذاته ربط هذه الظواهر بالرؤية المتكاملة للعلمنة في نموذج تفسيري واحد (10).

  

وهو ما يجعل الريبة مصاحبة لأي حديث عن إصلاح الإنسان في المنظور العلماني، إذ الأجدى هو التُحرر ابتداء من هيمنة الأفكار المستبطنة للعلمنة، فالواقع أن العلمانية الشاملة تحمل في ذاتها نموذجا متكاملا ورؤية شاملة للإنسان والكون تتميز بمنظومة معرفية وقيمية على حد سواء، وهذا هو خطر العلمنة الذي يغيب عن أذهان الإسلاميين والعلمانين على حد سواء.

  

العلمانية بين الإسلاميين والعلمانيين

"النظر إلى العلمانية باعتبارها "فصل الدين عن الدولة" تسطيح تام للقضية، وتقليص لنطاق العلمنة".

(عبد الوهاب المسيري)

  

يُرجع المسيري حالة غموض العلمنة في الوطن العربي إلى إغفال النظر إلى العلمانية على اعتبارها نظرة شاملة، وهو ما يمنع من تقييم العلمنة في ضوء تجربتنا التاريخية ووفق رؤيتنا لذواتنا. إذ تحولت قضية العلمنة إلى مناقشات نظرية من قَبيل: متى نشأت العلمانية؟ وهل هي محلية أم مستوردة؟ وهل العلمانية نسبة إلى العالم أم إلى العِلم؟! وفي هذا السياق السجالي غاب الفهم الحقيقي لمتتاليات العلمنة. فمنذ مطلع القرن وحين زادت المعركة بين دعاة العلمانية وأعدائها ضراوة، يرى فريق من الناس أن "العلمانية كفر وإلحاد وغزو ثقافي"، بينما يُزعم آخرون "أن العلمانية هي أن يكون الإنسان إنسانا، وأن يُحكم ضميره، ويدافع عن حرية الفكر والإبداع، وبالتالي من يقف ضد العلمانية فهو ظلامي يبغي العودة إلى العصور الوسطى ويقف ضد الحتمية التاريخية".

 

    

  

هذه الرؤية الاختزالية تُسهّل على أصحابها التصنيف، وتُدخل على معتنقيها الراحة والبساطة في التفسير كما يصف المسيري، بيد أنها في الوقت ذاته ليست ذات قيمة تفسيرية حقيقة أو موضوعية، إذ إن هذه التعريفات لا تحاول وصف الواقع وتفسيره على ما هو عليه، وإنما هي مجرد انعكاس لأحكام سابقة نابعة من موقف أصحابها النفسي أو الأخلاقي (11). فقد تم حصر خطر العلمنة عند الإسلاميين في نطاق التشريع، مع إغفال ظواهر العلمنة المجتمعية والتي تتبدى في أبسط أنماط المعيشة وظواهر المجتمع التي تبدو بريئة من خلفيات معلمنة، مثل ظواهر الهجرة والانتقال من القرية إلى المدينة أو الدعوة إلى التقدم التقني فوق العالم الإنساني أو تحرير اقتصاديات السوق فوق ما عداه وتوسع الإنتاج والسوق الحرّ.

   

بذلك، فإن الرصد والتحرير لتداخلات العلمنة في المجتمع هو ما يغيب عن أذهان الإسلاميين والعلمانيين في سجالهم حول العلمنة، والذي غالبا ما يدور حول خطر العلمنة في نطاق التشريع، على الرغم من تفطن علماء غربيين لأهمية الرصد لجسور الوصل بين العلمانية والمتغيرات الاجتماعية مثل دراسة ماكس فيبر الشهيرة: "البروتستانتية وعلاقتها بالرأسمالية".

  

لا يكتفي المسيري بتوجيه النقد للإسلاميين في اختزالهم لمتتاليات العلمنة عند هذا الحد، فينتقد المسيري في الوقت ذاته رؤية الإسلاميين للعلمنة باعتبارها مُخططا مُحكما أو مؤامرة عالمية صليبية أو يهودية أو غربية وليست نتاجا اجتماعيا طبيعيا، فإن هذا بتعبير المسيري "تصور ساذج اختزالي وتبسيطي لظاهرة العلمانية وتاريخها".

     

  

أما فيما يخص العلمانيين العرب، فينتقد المسيري في الوقت ذاته وقوفهم عند التعريفات الإجرائية للعلمانية والتي تُغفل المعنى الشامل والنهائي للعلمنة. ويعتبر المسيري أن الحساسية الزائدة من التدين والدين في الفضاء العام ينبغي ألا تثور في الإسلام كما ثارت في المسيحية، إذ إن الإسلام لا يعرف كنيسة ولا رجال دين، ويشجع الكافة على النظر في علومه والانشغال بها. ومن هذا يقع العلمانيون العرب في خلل الاستدعاء غير الناضج من ثقافة لأخرى، ومن فضاء لآخر.

  

حاول المسيري إعادة تعريف العلمنة ليصل إلى صورة أكثر نضجا وقدرة تفسيرية لمساحات العلمنة وتفاعلاتها، فالعلمانية عند المسيري ليست فقط الإعلان عن إسلامية الدولة من عدمه في دستور البلد. فقد يُصنَّف بلد باعتباره إسلاميا لأن دستور هذا البلد هو الشريعة الإسلامية، مع أن معدلات العلمنة فيه قد تكون أعلى من بلد دستوره ليس بالضرورة أن يكون إسلاميا ولكن معظم سكانه لا يزالون بمنأى عن آليات العلمنة البنيوية الكامنة.

_____________________________________________________________________________________

الهوامش
[أ] الدين بمعناه الكهنوتي

تقارير متصدرة


آخر الأخبار