انضم إلينا
اغلاق
أرض الكراهية.. هكذا منحت مواقع التواصل الجبناء تذكرة للشجاعة

أرض الكراهية.. هكذا منحت مواقع التواصل الجبناء تذكرة للشجاعة

  • ض
  • ض
استمع للتقرير

   

بحملة أطلقتها الأسترالية "كاترينا كوليدز"، وقّع قرابة 470 ألف شخص عريضة عبر موقع "Change.org" تطالب شركتي "آبل" و"جوجل" بحذف تطبيق "صراحة" (Sarahah) من متاجرهما "AppStore"، و"Google Play"، بسبب تشجيعه على التنمر بين الشباب[1]. ذلك لأن الموقع الذي تأسس لأجل التعليقات البنّاءة فقط، وحسب أصحاب الدعوى المذكورة، قد تحوّل إلى "أرض خصبة للكراهية"[2].

 

تؤكّد ذلك السيدة "كاترينا" بعدما انتحرت ابنتها في سِنّ الثالثة عشرة على إثر الرسائل السلبية التي تلقّتها من خلال التطبيق المذكور، كما لفتت إلى شنق مراهق بريطاني نفسه بعد التعرض لتنمّر عبر تطبيق اسمه "Sayat.Me"، الذي تم إيقافه في يونيو/حزيران 2017، بحسب ما نقلته هيئة الإذاعة البريطانية "BCC".

   

   

وبحسب تقرير لصحيفة "Daily Mail" البريطانية، فإن تقييمات التطبيق على متجر "App Store" تشير إلى استخدامه من قِبل بعض الأشخاص للإساءة والتحرش[3]. بينما أصدرت جوجل بيانا بعد إزالة "صراحة" (Sarahah) من متجرها، قالت فيه إنه بالرغم من عدم تعليقها على تطبيقات محددة، لكن سياسات "جوجل بلاي" تدعو لتوفير تجربة رائعة للمستخدمين، ويفعلون كل شيء يخدم سياستهم[4].

 

وعلى الرغم من توضيح حساب تطبيق "صراحة" على تويتر أن النظم المتقدمة التي يستخدمها في تحري الكلمات المسيئة وإلغائها فاعلة للغاية وقادرة على منع مثل هذه الرسائل، فإن ظاهرة التنمّر الإلكتروني، على "صراحة" وغيره من المواقع التي تتيح التواصل المجهول، أضحت آثارها أكبر من التغافل عنها، خاصة مع إخفاء هذه التطبيقات لشخصية المتنمِّر لينطلق الإيذاء في اتجاه واحد دون المقدرة على صده أو الدفاع عن النفس إلا بإغلاق الحساب.

 

فإن كان التنمّر كظاهرة عامة، والتنمّر الإلكتروني على وجه الخصوص، يعطي آثارا واضحة على ضحاياه، فإن أسبابا خفية تكمن وراء المتنمرين لتدفعهم إلى هذا السلوك، كما أن دوافع أخرى قد تكون السبب وراء هذا الاحتفاء بتلك التجربة مهما كلفت من إيذاء نفسي. فما تلك الأسباب؟ وكيف يساهم التخفّي في إبراز هذا الأمر بالقسوة التي تدفع فتاة لم ينتصف عقدها الثاني إلى الانتحار؟

   

التنمر كسلوك

"سلوك عدواني متعمد ومتكرر نتيجة لعدم توازن القوة ويهدف إلى إلحاق الأذى بالغير". هكذا يعرِّف "أولويس" التنمّر[5]، وهو ما يتضمن ثلاثة أركان رئيسية لسلوك المتنمر، هي: تعمّد الإيذاء، والتكرار، وعدم توازن القوة بينه وبين الضحية[6].

   

   

لذا، وبالنظر إلى تعريف "توكيوتاجا"[7] للتنمر الإلكتروني، فإنه يميزه بخصيصة زائدة -بالإضافة إلى الخصائص الثلاثة- هي إخفاء الهوية، لنجد أن مواقع كـ "صراحة" وغيرها تصقل المتنمر بأداة تنمّي قوته، وهي كونه مجهولا لا يعرفه الشخص الخاضع للإيذاء أو التهديد، ومن ثم لا يمكن ردعه أو التصدّي له، فحتى الحظر يمكن تفاديه بإنشاء حساب (مجهول) آخر وممارسة السلوك العدواني المتكرر تجاه الغير.

 

فوفقا لدراسة أجراها الباحثان "يابرا" و"ميتشل" في الولايات المتحدة على 1501 طالب من سِنّ 10-17 تبيّن أن 31% فقط ممن يتعرضون للتحرش عبر الإنترنت يعرفون شخصية الفاعل، في حين يجهل 69% منهم شخص مَن يؤذيهم[8]. الأمر الذي يجعل التنمر الإلكتروني أكثر جاذبية وانتشارا[9] لما يعطيه من سطوة للمتنمر في أن يراقب دون أن يعرفه أحد، بالإضافة إلى السهولة الطاغية التي يتم بها الأمر، والتي يساعده فيها صاحب الحساب نفسه الذي أتاح للمجهولين التحدث إليه.

 

كما أظهرت الدراسة المذكورة سرعة انتشار الظاهرة، فكان طالب من كل خمسة متورطا في نشاط التنمر بواقع 4% ضحايا و20% متنمرين، كما أظهرت دراسة تركية أن 17.5% من الطلاب قد تنمروا على زملائهم على الإنترنت أو أجهزة الهاتف المحمول من خلال الرسائل النصية، أو الرسائل عبر برامج الدردشة وغيرها، وأن 27% قد وقعوا ضحايا لهذا السلوك.

 

كما توصلت جمعية "تشليدرنز سوسايتي" البريطانية إلى فشل مواقع التواصل في التصدي للظاهرة، وهو ما استنتجته من خلال مسح أجرته مؤسسة "سايفتي نت" بمشاركة 1089 شخصا تتراوح أعمارهم بين 11 و25 سنة وُجّهت إليهم أسئلة عن تجارب مع رسائل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو البريد الإلكتروني، أو رسائل نصية تنطوي على محتوى مسيء[10].

  

وقد رأى 83% من المشاركين أنه على الشركات المشغلة لمواقع التواصل الاجتماعي أن تبذل المزيد من الجهود للتعامل مع هذه المشكلة، وقال تقرير "سايفتي نت" إن أغلبية من أجابوا عن أسئلة المسح كان لديهم شعور بأن أحدا لا يتخذ إجراءات ضد من يمارسون التنمر في العالم الافتراضي على عكس ما يحدث في العالم الحقيقي، وهو ما أكّدته فتاة مراهقة شاركت في المسح، قائلة إن "شركات التواصل الاجتماعي ينبغي أن تأخذ المسألة بجدية أكثر. فحال الإبلاغ عن التعرض للتنمر عبر الإنترنت، لا ينبغي أن تستغرق مراجعة الشكوى أياما عدة، بل عليهم أن يحذفوا المحتوى موضوع الشكوى على الفور"[11].

   

   

لماذا يحدث هذا؟

وفقا لإحصاءات المركز الوطني للوقاية من التنمّر في الولايات المتحدة، والتي صدر آخرها في نهاية ديسمبر/كانون الأول الماضي، تشير النتيجة إلى أن 1 من كل 5 أطفال، أي ما نسبته 20.8%، من الصف الرابع إلى الثاني عشر يتعرّضون للتنّمر. ووفقا للمركز أيضا، يعتبر التعرّض للتنمّر أحد أهم الأسباب التي تدفع المراهقين للانتحار، سواء كان تنمّرا مباشرا، جسديا أو لفظيا أو اجتماعيا (يستهدف سمعة الشخص وعلاقاته)، أم تنمّرا إلكترونيا[12].

  

تلك "البلطجة أو السلوك العدواني الذي يمارسه الشخص المتنمِّر ضد أشخاص آخرين"[13]، قد يحدث "نتيجة لاختلال التوازن الحقيقي أو المتصور للسلطة"[14]، أي إن الشخص المتنمِّر يرى أن لديه السلطة أو القوة التي تمكّنه من الاعتداء أو السيطرة على أشخاص آخرين. والظهور الخفي على وسائل التواصل، الداعمة لهذا النوع من إخفاء الهوية، قد يُمثّل نوعا آخر من القوة التي تتيح للمتنمر ميزة إضافية عن ضحيته.

  

كما أجرى الباحث "أيرين باكل"[15]، من قسم علم النفس بجامعة "مانيتوبا" بالاتحاد مع جامعتي "واينبغ" و"بريتش كولومبيا"، لبحث العلاقة بين الإيذاء الإلكتروني وبين المربع السلوكي المظلم (Dark Tetrad)، المشتمل على أربع صفات اضطرابية للشخص، هي السادية (التلذذ بإيذاء الآخرين)، والميكافيلية (التلاعب بالآخرين لتحقيق مصالح خاصة)، والاعتلال النفسي (سلوك معادي للمجتمع)، والنرجسية.

 

وأظهرت الدراسة التي أُجريت على 1215 متطوعا ارتباطا وثيقا بين رغبة الإنسان في الإيذاء/التنمر الإلكتروني وبين هذا المربع المظلم للسلوك، وخاصة السادية التي كانت على قمة هذه الصفات من حيث ارتباطها بالتنمر[16]. كما شاع سابقا الاعتقاد بأن الأشخاص المتنمّرين هم أشخاص لديهم تقدير ذات متدنٍّ، ولذلك فهم يحاولون الشعور بالقوة من خلال إيذاء الآخرين، أو الأضعف[17].

      

   

إلا أن بعض الدراسات الحديثة التي أُجريت على آلاف الأشخاص المتنمّرين، كدراسات المركز الوطني للوقاية من التنمّر في الولايات المتحدة، ومركز مكافحة التنمر في بريطانيا، تشير إلى أن الأطفال والمراهقين المتنمرين هم أشخاص لديهم خلل في فهم القوة والسلطة، وأنهم يتعرّضون للتخويف والإهانة في المنزل أو في المدرسة، ولدى معظمهم تقدير ذات مرتفع، ورفض شديد لأن يتعرّضوا للاعتداء، وعادة ما يكون لديهم شعور بالاستحقاق والتفوّق على الآخرين، ويفتقرون إلى التعاطف، ولديهم رغبة شديدة في السيطرة على الأمور والآخرين، كما أن لديهم نقصا في المهارات الاجتماعية[18].

  

كما استنتج الباحثون في جامعة "أوهايو" مجموعة من الخصائص التي تميز فئة المتنمرين، وأبرزها حدة المزاج وقلة التعاطف مع الآخرين، كما أكّدت الدراسة أن المتنمرين يعانون من مشكلات عائلية أكثر من غيرهم، وأن الذكور يمتازون بتفوق في التنمر المادي (الضرب والإيذاء البدني)، فيما تفوقت الإناث في نسبة التنمر المعنوي (التجاهل والسخرية والإقصاء)[19].

  

اجعل رسالتك بناءة.. لماذا نسقط في الفخ؟

لأننا نخاف الفراغ، هكذا كان السيكولوجي الأميركي "رولو ماي" يرى قلقنا حيال الآخرين وآرائهم بنا، إذ إن الشعور بالخواء ليس سببه حتما البحث عن حماية الآخرين، وليس سببه ملء احتياج داخلي -طبيعي وأساسي- للتعامل مع الآخرين، بل إن الفكرة السائدة هي أن "القبول الاجتماعي هو الطريق للتخلص من هذا الفراغ وهذا الشعور، الأمر الذي يدفعه لتشغيل برنامج (إرضاء الآخرين) الذي يؤدي لمزيد من الفراغ"[20].

  

فالقبول الاجتماعي صارت له السطوة الغالبة، الأمر الذي يرى عالم النفس الأميركي قدرته على إراحة الفرد لكونه يشعره بالدفء الاجتماعي المريح ممن حوله؛ لكنه -نتيجة لذلك- يكلّفنا ثمنا باهظا وهو التخلي عن وجودنا كذوات خاصة متميزة متفردة، أي إن الخواء -في رؤية "ماي"- أدى إلى الشعور بالوِحدة، والوِحدة ستتم معالجتها بالقبول الاجتماعي على حساب أحلام وأفكار المرء الخاصة به، والنتيجة؟ مزيد من الخواء.

   

   

من هنا يمكننا فهم الدافع وراء المجازفة على مواقع التواصل التي تتيح التواصل مع المجهولين، تلك المجازفة التي تعرض صاحبها للتنمر بالدرجة التي تعرضه لسماع المدح أو الكلمات الطيبة التي تصف له صورة رائقة عن نفسه في أعين الآخرين. الأمر يتعلق، بالإضافة إلى إثارة التحدي في لعبة الصراحة[21]، بالرغبة الذاتية لكل منا في معرفة قدره عند الآخرين ورؤيتهم له.

 

فحسب الكاتب والفيلسوف السويسري "آلان دو بوتون"[22]، فإن المرء يدور في حياته بين مكانتين يبحث عنهما، الأولى هي المكانة عند الجنس الآخر -ويمثلها الزواج- والثانية هي المكانة عند الآخرين، ويرى "دو بوتون" أننا لو اعتبرنا السعي للمكانة الأولى منطقيا، فإن التصريح بالرغبة في المكانة الثانية يبدو مخجلا لنا، إذ كيف سنطلب من الناس أن يحبونا؟

  

"اجعل رسالتك بناءة". هكذا يمكننا التصريح بطلبنا الثاني، وتلك هي الجملة التي تعلو مستطيل إبداء الآراء على موقع "صراحة". هذا المستطيل الذي يتيح لك، دون التعرف على هويتك، أن تخبر صاحب الحساب بكل ما تشتهي نفسك إخباره به، وفي الحين الذي يحتاج هو إلى محبة الآخر ليهدأ قلقه حول مكانته، قد يحمل هذا الآخر اضطرابا ما يفسح له المجال -بالإضافة إلى كونه مجهولا- ليتنمّر عليه كيفما شاء.

  

فحسب السيكولوجي الأميركي "ماوسلو" فإن المرء يطمح دائما إلى مجموعة من الاحتياجات، رتبها في هرم يحمل اسمه، من ضمنها حاجته إلى تقدير الذات والشعور بالمكانة. كما اعتبر "منشيفلسو نوبولوس" أن تقدير الذات يُعتبر عاملا أساسيا للنجاح في حياة الفرد[23]. "فتقدير الذات مطلب حيوي وشرعي يطمح له جميع الناس للصمود في مجتمع يسوده التنافس يوما بعد يوم إذ تستمر الحاجة إليه مدى الحياة"[24].

   

السيكولوجي الأميركي "ماوسلو" (مواقع التواصل الاجتماعي)

   

ويرى "جبريل موسى" أن تقدير الذات هو التقييم العام عند الفرد لذاته في كليّتها وخصائصها العقلية والاجتماعية والانفعالية والأخلاقية والجسدية، وينعكس هذا التقييم في ثقته بذاته وشعوره نحوها وفكرته عن مدى أهميتها وجدارتها وتوقعاته منهـا، كما يبدو في مختلف مواقف حياته"[25]، ولكن ماذا لو كان المرء يستمد هذا التقدير وتلك الفكرة من تقييمات الآخرين؟

  

وفقا لجريدة اليوم السابع المصرية، فإن طبيبة نفسية قد أعلنت أنّ هناك عدة حالات ذهبت لها العيادة بسبب رسائل تلقوها على موقع "صراحة"، كما أضافت أن هناك شخصا تغيّب عن عمله لمُدة ثلاثة أيام بسبب إحدى الرسائل التي وصلته عن طريق الموقع، كما حذرت الطبيبة الأشخاص المُصابين بكلٍّ من: الوسوسة، أو الحدة في الشخصية، أو من يُعانون من جنون العظمة من الدخول لمثل هذا الموقع واستخدامه.

  

وأشارت إلى إمكانية دفع الموقع لهم لارتكاب جرائم قتل، بسبب وصولهم إلى مرحلة من الشك يفقدون عندها التركيز والتحكم في شخصيتهم وتصرفاتهم، ناصحة إياهم الخضوع إلى اختبارات نفسية مُقننة إذا أرادوا قياس شخصيتهم، وليس أن ينتظروا ما يراه فيهم من يعرفونهم والذي يُبنى على الكثير من المشاعر الإنسانية المُتغيرة والمُختلفة من حب وكراهية[26].

  

وفقا لهذه الرؤية، فهل يمكننا فهم الأمر على أنه رغبة متبادلة -مختلفة- بين طرفي المعادلة، فالمستقبِل ينتظر إطراء أو ربما نصيحة إيجابية بالفعل تساعده في حياته وتشعره باهتمام الآخرين، في حين يرغب الآخر في ممارسة سلوكه المدفوع بأسباب مرضية تحفزه على إيذاء الغير؟

  

كما أن سؤالا آخر يدور حول الصحة النفسية للأشخاص، فهل يعتبر لجوء المرء إلى هذا السبيل الذي يعرّضه للتنمر بقدر ما يمنحه السعادة -أو حتى أقل- لجوءا إنسانيا لإشباع حاجته من الحب والتقدير؟ فإذا قبلنا رغبة الإنسان -المحتاج إلى العاطفة- للشعور بقيمته ومكانته، مهما عرّضه هذا لخطر الإيذاء، فهل يمكننا قبول النزعات المظلمة داخل المتنمرين التي تدفعهم لهذا الفعل؟

    

   

ولو كان الإيذاء النفسي الذي يتعرض له المتصفحون لتلك المواقع بالغا إلى الحد الذي يُظلم الحياة في أعين البعض، فهل يمكن لإدارات تلك المواقع تحقيق أكبر قدر من السلامة لمرتاديها من التعرض لهذا الإيذاء؟ خاصة وهي تحقق من وراء زياراتهم أرباحا لا يُستهان بها؟

المصادر

تقارير متصدرة


آخر الأخبار