انضم إلينا
اغلاق
إيلون ماسك.. كيف حولت الرأسمالية الإمبراطور لمدير شركة؟

إيلون ماسك.. كيف حولت الرأسمالية الإمبراطور لمدير شركة؟

Jacobin

مجلة فصلية
  • ض
  • ض

لم يضع اختفاء الملوك والأباطرة حداً لهيمنة الأفراد الأقوياء، بل قامت الرأسمالية فقط بتحويلها بصيغة أخرى، إذ أفسح يوليوس قيصر الطريق إلى إيلون ماسك. يفتتح فيلم الكوميديا "تاريخ العالم" الجزء الأول للمخرج ميل بروكس على ممثل هزلي في بلاط الإمبراطور يوليوس قيصر، يبدأ أداءه بقوة ولكن بعد سلسلة من النكات التي تسيء إلى الإمبراطور، يصدر الأمر بإعدامه؛ ثم يسكب الخادم المذعور النبيذ على ثوب  الإمبراطور الفخم ليلقى نفس المصير. فجأة يخطر ببال القيصر فكرة رائعة: سيحمل الممثل الهزلي والخادم على القتال حتى الموت كترفيه أثناء تناوله الحلوى. بينما يتبارز الرجلان المدانيْن، يقذف القيصر قشر الموز في أرض المعركة ليزيد الأمر حماسة.

   

إيلون ماسك (رويترز)

   

ظهرت في الآونة الأخير قصة إخبارية بسيطة حول إيلون ماسك؛ وفقاً لمسؤول تنفيذي سابق في شركة تيسلا (Tesla)، حيث يرسل ماسك أحياناً رسائل بريد إلكتروني إلى مرؤوسيه تتكون من ثلاثة أحرف فقط: "WTF". عندما تتلقى دائرة مديريه الكبار إحدى هذه الاتهامات المبهمة، يسيطر عليهم الذعر وتنحدر الأمور نحو حالة من الفوضى العارمة.

 

قال المدير التنفيذي السابق لموقع "بيزنس إنسايدر" الإخباري: "قد يتسبب ذلك في تشويش ضخم، حيث تقضي أياماً في مطاردة بعض القضايا التي لم تشكل مشكلة حقيقية". فالحاكم المتذمر والأشخاص المتذللين و المخاوف المنتشرة التي تتخللها لحظات من الفوضى المطلقة هي كوميديا بروكسية [1]تهريجية بحتة.

 

لكن يحدث ذلك في الواقع، وتحت غطاء الكوميديا هناك حقيقة مُرَّة. لم نعد نعيش في مجتمعات يحكمها الملوك أو الأباطرة، لا يمكن لرؤساء دولنا أن يجبرونا على القتال حتى الموت من أجل الترفيه؛ لكن القوة الهائلة لا تزال تتركز بشكل سخيف في يد الأفراد لأسباب وآليات مختلفة.

 

إذا كان شخص ما يمتلك العديد من المصانع والأصول الإنتاجية كالتي يمتلكها ماسك، فيمكنه التحكم في الناس مثل دمى الماريونيت [2]. حتى إن أرباب العمل الأقل ثراء يمكن أن يجبروا الأفراد على فعل أمور لا يريدون القيام بها. في مجتمع حيث يضطر الناس إلى بيع عملهم للحصول على أشياء مثل الطعام والمأوى، سوف يمتثل الناس للطلبات التي تتراوح بين السخيفة والخطيرة من أجل الحفاظ على وظائفهم وحماية سبل معيشتهم.

 

كان الانتقال إلى الرأسمالية بالنسبة لبعض المجتمعات يعني التحرر من أشكال معينة من العبودية. في أوروبا الإقطاعية، كان الأقنان [3] والفلاحون يقعون تحت هيمنة أصحاب الأراضي والملوك المستبدين. لقد حطمت الرأسمالية تلك السلاسل الإقطاعية لكنها لم تضع نهاية للعبودية كلية؛ لقد بدأت حقبة جديدة من العبودية كان فيها أغلبية الناس أحراراً في بيع عملهم إلى أي رأسمالي اختاروه بشرط أن يرغب الرأسمالي في شرائه، ولكنهم ليسوا أحراراً في العيش بدون بيع عملهم إلى أحد الرأسماليين على الإطلاق.

   

   

في المجتمعات الرأسمالية، يصبح عدد قليل من الأفراد أثرياء عن طريق دفع رواتب العمال بأقل قدر ممكن والاحتفاظ بالباقي لأنفسهم؛ وتلك هي الأرباح. هؤلاء النخبة القلائل لديهم سلطة هائلة على الأفراد ضمن خدمتهم (الموظفين لديهم) وعلى السياسيين الذين يسنّون القوانين ويضعونها للمجتمع كله.

 

خذ إيلون ماسك مثالاً على ذلك: لديه سلطة كبيرة على العمال في مصانع تيسلا التي يملكها، حيث يتحمل هؤلاء العمال "الألم والإصابات والضغوط" على أساس منتظم ويقوم ماسك بإحباط محاولاتهم في الانضمام إلى نقابات العمال باستمرار. كما يتمتع بسلطة كبيرة على المديرين في شركته  ومثلهم مثل العديد من أعضاء الطبقة المهنية والإدارية الذين يحفزهم الخوف من أن يفقدوا مكانتهم المتميزة، وربما يضطرون إلى تحمل المصاعب التي يواجهها العمال إذا لم يلبوا رغبات رئيسهم بلا نقاش.

 

ومثل العديد من الأثرياء الآخرين، يمارس ماسك السلطة على السياق السياسي الأوسع الذي نعيش فيه جميعاً أيضاً. ومن المعروف أنه يتبرع بمبالغ مالية ضخمة للأحزاب السياسية الأمريكية الكبرى؛ هذه التبرعات ليست تعبيراً عن المعتقد السياسي الشخصي، بل هي مظاهر طقسية لاستعداده لتقديم الدعم المادي طالما أن الأحزاب تضع مصلحة المانح (ماسك) في الاعتبار في المقابل. تأتي الرسالة وراء هذا الدعم المادي على نسق "هناك دعم مادي أكبرطالما تظل الضرائب والقوانين مؤاتية للشركات الكبرى مثل شركتي."

  

بالطبع، قد تذهب تلك الضرائب إلى البرامج العامة التي تخفف العبء على الأشخاص الذين يعملون في مصانع ماسك. لكن بدلاً من ذلك، تذهب مباشرة إلى جيبه، ويتم اعتصار العمال أكثر فأكثر ويصبحون أكثر ضعفاً وأكثر رغبة في اتباع أوامر الرئيس.

   

   

تكمن المشكلة في الرأسمالية في أنها ربما انهت السيادة المتوارثة والحكام المستبدين، إلا أنها لم تنهِ عصر الهيمنة الفردية المتطرفة، بل غيّرت شخصيتها فقط. بخلاف الرأسماليين، يهتم الاشتراكيون ببناء مجتمع حيث لا يمكن لشخص واحد أو حفنة من النخب أن يمارسوا سلطتهم على الجميع. الديمقراطية والمساواة هي أساس رؤية الاشتراكيين، وكل التفاصيل السياسية تنبع من تلك الالتزامات.

 

نريد مجتمعاً لا يخضع فيه أحد ألماً جسدياً في العمل لأنه يخشى ألا يكون قادراً على توفير مكان للعيش فيه. نريد مجتمعاً لا يتحمل فيه الأفراد المضايقات -الجنسية أو اللفظية أو غير ذلك- من المديرين خوفاً من تبدد آفاقهم المهنية. نريد مجتمعاً يتمتع فيه كل مواطن برأي متساوٍ في الحكومة، وليس حكماً للأوليغاركية [4] حيث يسنّ الأثرياء القوانين لبقية الناس. عندما ننظر إلى مدى انتشار هذه الأشكال من الهيمنة في ظل الرأسمالية، علينا أن نسأل أنفسنا: إلى أي مدى نختلف  في الواقع عن عصر الملوك والأباطرة، وإلى أي مدى علينا المضي في ذلك؟

-------------------------------------------------------------

هوامش

[1] كوميديا بروكسية: نسبة إلى المخرج ميل بروكس الذي تم ذكره في بداية المقال.

[2] دمى الماريونيت:  أو الدمى المتحركة هي عبارة على مجسمات اصطناعية يتحكم في حركاتها شخص إما بيده أو بخيوط أو أسلاك أو عصي.

[3] الأقنان: مفردها قن وتعني العبد الذي كان أبواه مملوكين لمواليه. واصطلاحا هو العبد الذي لم يكن له أمل بالحرية، فهو غير المكاتب وغير المدبر وغير أم الولد.

[4] الأوليغاركية: الأوليغارشية أو حكم الأقلية (Oligarchy) هي شكل من أشكال الحكم بحيث تكون السلطة السياسية محصورة بيد فئة صغيرة من المجتمع تتميز بالمال أو النسب أو السلطة العسكرية. 

-------------------------------------------------------------

ترجمة (آلاء أبو رميلة)

هذا التقرير مترجم عن: Jacobin ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان

تقارير متصدرة


آخر الأخبار