انضم إلينا
اغلاق
هكذا يصبح "الانتقام" طريقك نحو النجاح وتغيير واقعك

هكذا يصبح "الانتقام" طريقك نحو النجاح وتغيير واقعك

Psychology Today

مجلة عملية
  • ض
  • ض

عام 2015، كانت دي كارول تُعِد فواتير تصل إلى 17 مليون دولار سنويا في شركة تطوير تنظيمي في واشنطن، وتترأس فريقا من 18 موظفا في موقعين، إلى جانب فريق تكنولوجيا المعلومات المضاف حديثا للشركة، عندما اقترح مجلس إدارتها تعيين رئيس للشؤون المالية. وجدت كارول مرشحا، ووافق مجلس الإدارة على تعيينه. كارول وهي حاملة درجة دكتوراه في إدارة الأعمال وصاحبة 28 سنة من الخبرة في تولي المناصب الإدارية والقيادية، أعادت فيما بعد توجيه اهتمامها صوب تنمية الشركة.

 

"لقد كنا نبلي حسنا"، تستذكر كارول. تحققت من سجلات الحسابات بين الفينة والأخرى. ازدادت الأرباح، لكنها لم تستطع معرفة سبب عدم انكماش القرض على حد الائتمان الخاص بها."نحن مموَّلون ذاتيا"، أكّد لها المدير. ثم جاء يوم استلزم مراجعة بعض المستندات واتصلت كارول بالمصرف، فلم تتطابق الأرقام التي أمامها في السجلات المالية مع الأرقام الموجودة لدى المصرف؛ استدعت المدققين الخارجيين للبحث عن نصف مليون غير متطابقة. في اليوم الذي واجهت فيه المدير المالي، اعترف لها بأنه أدار مجموعتين من السجلات المالية. واستلزم الأمر أشهرًا من المحاسبين القضائيين لمعرفة كيف اختلس المدير المالي أكثر من مليونَيْ دولار.

 

دفعت كارول 401 ألف دولار، وتقدّمت بطلب لإعادة تنظيم الشركة كي لا تغلق، في حين أمضت عاما تتنقل بين المستشفيات جرّاء أمراض ناتجة عن الإجهاد. ثم جمّد البنك أصولها، وانتهى الأمر برمّته. تقول كارول: "كنت غاضبة للغاية، كل ما أردته في تلك اللحظة هو إيجاد المدير المالي ولكمه". بعد بضعة أشهر، جاء هذا اليوم؛ تقاطعت طريقهما في موقف للسيارات حيث كانت تقود سيارتها القديمة بينما يقود مديرها المالي سيارة من أحدث طراز. اتصلت فورا بمحاميها معلنة: "استعد لإخراجي من السجن".

   

 تقول كارول "شعرت أن الرغبة في الانتقام جرّدتني من شجاعتي وقناعاتي وثقتي"

مواقع التواصل الاجتماعي
    

طاردت كارول المدير المالي في موقف السيارات الضخم. عندما تجاوزها غيّرت إستراتيجيتها وقررت الاصطدام بسيارته. ثم أدركت فجأة: "إذا جعلني أتصرف بهذه الطريقة، فهذا يعني أنه يسيطر كليا على حياتي. عندها غيرت رأيي، انطلقت بسيارتي بعيدا عنه، وشعرت أنني أفضل حالا آنذاك". علّلت كارول تصرفها بتلك الطريقة قائلة: "شعرت أن الرغبة في الانتقام جرّدتني من شجاعتي وقناعاتي وثقتي، لقد دفعتني إلى لوم نفسي على فشلي في عدم إدراك هذا النصب والاحتيال في وقت أبكر وعدم متابعتي للأمور المالية أكثر". وأضافت: "لم يكن الانهيار خيارا، قررت أنني لن أدعه يستمتع بأذيتي وانتقامي، بل سأجعله يراني أُحَلِّق من نجاح لآخر".

    

لم تنجح كارول فحسب في إطلاق شركة جديدة، إلا أنها تقضي معظم وقتها حاليا في السفر حول العالم أيضا، حيث تشجع الناس على "التحرر العاطفي". وتركّز في عملها على إقناع النساء بأن لا أحد يتحكم في ما يمكن أن يحقِّقنه. وأوضحت من خلال تجربتها الشخصية: "كنت بحاجة إلى قبول الممكن، والآن أستطيع تنمية ذاتي وأحلامي". يتمحور ما أدركته كارول وهي في موقف السيارات في أنَّ رغبتها بالانتقام من المدير المالي لم تكن لتضرّه بقدر ما كانت لتضرّها هي.

 

إعادة توجيه اللوزة الدماغية

للسعي وراء الانتقام جذور عميقة وعلى ما يبدو غريزية في ذخيرة السلوك البشري. منذ فجر الحضارة، فرضت السلطات العليا عقوبات تقوم على أذية الشخص بذات الطريقة التي أذاك بها. جاءت شريعة حمورابي الملك البابلي السادس عام 1754 قبل الميلاد، ثم في سفر الخروج في التوراة: "وإنْ وقعَ ضرَرٌ على المَرأةِ فنفْسٌ بِنفْسٍ، وعينٌ بِعينٍ، وسِنٌّ بسِنٍّ، ويَدٌ بِيدٍ، ورِجْلٌ برِجْلٍ، وحَرْقٌ بحَرْقٍ، وجُرْحٌ بجُرْحٍ، ورَضٌّ بِرَضٍّ‌". حدد القدماء كيف يتعيّن تنفيذ الدافع وراء الانتقام.

 

نتوق للانتقام منذ نعومة أظفارنا، كما نتوق للصراخ: "هذا ليس عدلا" ردا على الظلم حيث يأكل أخونا الحلوى بينما لا نفعل نحن لأننا معاقبون. ونتابع هذا الغضب بالتوعّد: "سأنال منك!". في سن الرشد، نتطوّر بشكل طفيف ردا على الانتهاكات التي يمارسها الآخرون. يمكن أن يتسبب تجاوز سيارة أخرى لسيارتنا في مطاردة على الطريق السريع لأميال وأميال، إما لتجاوز هذه السيارة بالطريقة نفسها وإما لتوجيه شتائم بحق سائق السيارة الأخرى.

      

كتب فرانسيس بيكون: "إن المرء الذي يسعى وراء الانتقام يُبقي جراحه يانعة، جراح كانت لتشفى لو أنه تصرف بطريقة أخرى"

مواقع التواصل الاجتماعي
  

يسعى معظم الناس إلى تهدئة الألم النفسي عن طريق المهاجمة بالمثل. ولكن هناك طريقة أفضل وأكثر تكيّفا بكثير؛ يمكنك الانتقام بتحقيق شيء يحمل أهمية شخصية واجتماعية يكون مرتبطا بالإساءة الموجَّهة إليك أو الجرم المرتكب بحقك من خلال القيام بشيء ذي مغزى لنفسك والآخرين. يتطلّب هجر الغضب تحولا نفسيا في متناول أيدينا جميعا تقريبا؛ ويُسخِّر هذا التحول اللوزة الدماغية ومركز معالجة المخاطر ويعيد توجيه دوافعها. عندما تتعامل مع الألم النفسي من خلال تحقيق إنجاز ما، فإنك تفعّل طريقة على ما هو ممكن. في حين أن السعي وراء الانتقام يفعّل طريقة تفكيرك على ما هو مروّع.

 

كتب الفيلسوف والعالِم ورجل الدولة الإنجليزي فرانسيس بيكون: "إن المرء الذي يسعى وراء الانتقام يُبقي جراحه يانعة، جراح كانت لتشفى لو أنه تصرف بطريقة أخرى". لقد وضع بيكون يده على جوهر مشكلة الانتقام، إذ يطالب الانتقام باجترار* الأخطاء مما يهوّلها ويزيد من حدة سبب الغضب، ويصبح من المستحيل التخلّي عنه. كان فرويد أول من قام بتشريح تضخم المعاناة الناجمة عن الغضب الناشئ عن أحداث مؤلمة. ومن المفارقة، أنه على الرغم من الألم الذي تسببه مثل هذه الذكريات، فإن الأحداث "تتم مراجعتها أو تكرارها أو التدرب عليها" من خلال الأحلام أو الاجترار الهوسي.

 

استعادة الذكريات المستمرة لحدث ما مهما كان هي نزعة بدائية لإعادة النظر في التفاعلات الاجتماعية المؤذية في محاولة لإتقان السلوكيات التي لم تُتقَن سابقا من خلال التصوّر. ومع استذكار الجراح الأولية، فإن التغيرات السلبية في الإدراك والمزاج تزداد سوءا بشكل تدريجي والتي تتشكل في الأفكار والافتراضات السلبية عن الذات أو العالم، واللوم المبالغ فيه لأنفسنا أو للآخرين للتسبب في صدمة، ومشاعر الانعزال، وصعوبة التأثير الإيجابي؛ تظل الإساءة الأساسية محورا للتصور الإدراكي.

 

إنّ الفشل في تحقيق أوهام الانتقام يحوّلها إلى هواجس؛ ويقدم الأدب الأميركي مثالا حاسما لهوس الانتقام في رواية "موبي ديك" لِهيرمان ميلفيل. بعد فقدان موبي ديك ساقه بسبب الحوت الأبيض، يبدأ الكابتن في رحلة صيد لتدمير هذا الحوت، وتنتهي رحلته الاستكشافية في زواله هو عوض الحوت. حتى هذا اليوم، يُستخدم مصطلح "الحوت الأبيض" كمرادف لمطاردة هوسية.

  

   

تنمية التواؤم

تُثبت تجربتي الإكلينيكية ما تُبرهن عليه عقود من الأدلة الطبية: إن الأشخاص الذين يضمرون أفكارا انتقامية يُظهرون اضطرابا بنيويا في أجسادهم، بسبب اللوزة الدماغية المُنشَّطة التي تستعد لمواجهة خطر الهجوم. يعاني هؤلاء الأشخاص من الأرق بسبب الاجترار دون توقف والانفعالية وتسلّط الأفكار وقلة التركيز مما يعوق قدرتهم على العمل. كما قال كونفوشيوس: "قبل الشروع في رحلة الانتقام، احفر قبرين". زارني طبيب العظام ريتشارد بارنز في مكتبي لأنني كنت قد ألّفت كتابا عن الاحتراق النفسي. تدرّب بارنز في الطب النفسي، وعمل في مستشفى مرموق للأمراض العقلية قبل المعاناة من الإنهاك. لم يفلح علاجه المتمثل في تغيير التخصصات الطبية عن طريق إعادة التدريب والتنقّل بين المستشفيات عبر البلاد.

 

في جلستنا الأولى، لم يبدُ أن بارنز يعاني من الإنهاك بقدر ما كان يعاني من "الاحتراق"، من انهماكه في الغضب من حادثة وقعت له في بداية حياته المهنية. تعرّضت مريضة تحت رعايته للاستغلال الجنسي من قِبل طبيب نفسي كبير. وسعى بارنز للانتقام من الخطأ من خلال فضح المعتدي، لكنه علم أن تقديم شكوى من شأنه أن يضر بالمريضة الهشة وأن الطبيب المذنب سيدحض الشكوى على أنها قصة ألّفتها امرأة مريضة عقليا.

 

في مكتبي، استشاط بارنز غضبا من نفسه، ومن الشخص المعتدي أكثر. وهاجم مخلفات الهرمية الطبية التي جعلته يشعر بعجز شديد كطبيب شاب. سألته: "كيف يمكن أن يصحح الخطأ بطريقة مقبولة من الذات؟"، أي بطريقة منسجمة مع قيمه وشخصيته ومفاهيمه الذاتية ومستقبله. بالتأكيد ليس عن طريق قتل الطبيب المعتدي. بعد مرور عقد ونصف، لا يزال بارنز يعالج العظام، ولكنه يساعد أيضا الأطباء في كل مكان على التعبير عن المشاكل الملموسة في مؤسساتهم دون خوف من التوبيخ أو الانتقام. من خلال منظمة أسّسها أولا في مشفاه الخاص، يناقش الموضوع في مختلف المستشفيات في جميع أنحاء البلاد، مما يقلل من احتمال إساءة المعاملة التي عانت منها مريضته في بداية عمله.

 

تعزيز النمو

قادني عملي مع بارنز إلى إدراك أنه من الممكن الانتقام من الظالمين بطرق غير مباشرة وفعالة، ليست مرضية شخصيا فحسب بل بنّاءة اجتماعيا أيضا. يرتبط الانتقام بشدة بالألم، لأن عقلية "العين بالعين" تبدو رجعية وتركز على الإساءة الأساسية، كما أنه يتعذّر التوفيق بينها وبين أهداف معظم الأفراد.

  

أثناء سعينا الدؤوب لتحقيق الإنجاز، علينا أن نتفادى كليا استرجاع الإساءة الفعلية.

مواقع التواصل الاجتماعي
  

إن اتخاذ خطوة سلوكية تتعدى أوامر اللوزة الدماغية يجلب الطمأنينة لأنه يحقق النمو سريعا. إنه يجعل الأفراد محصنين في وجه القوى التي آذتهم في البداية. لهذا السبب، فإنه يعزز بشكل مباشر مشاعر الكفاءة الذاتية والقوة. بالتأكيد هناك قيمة للعلاج النفسي، إنه مفيد بشكل خاص لاستكشاف المشاعر المتضاربة. لكن التعامل مع الانتقام من خلال العلاج النفسي قد يؤدي إلى شفاء بطيء. في الطريق إلى الرضى، يجب على الضحية استعادة ذكرى الظلم الأصلي؛ فالعقل والجسد يعودان إلى مسرح الجريمة مرارا وتكرارا. لكن في أثناء سعينا الدؤوب لتحقيق الإنجاز، علينا أن نتفادى كليا استرجاع الإساءة الفعلية.

 

قوة السعي الدؤوب

يبتعد البعض عن الانتقام لاعتباره خطأ كما لو كان لديهم فهم فطري لقول بوذا: "الغضب لن يختفي أبدا ما دامت أفكار الاستياء مخزَّنة في العقل. سيختفي الغضب حالما تُنسى أفكار الاستياء". لكن ذلك شبه مستحيل بالنسبة لمعظم الناس. وجد باحثون في جامعة جنيف مؤخرا أن الانتقام ينتشر في شبكة دماغية تتضمن مناطق اللوزة الدماغية والفص الصدغي اللذيْن تتم استثارتُهما بشكل محدد للغاية بأعمال الظلم التي يرتكبها شخص آخر. وكلما زاد التنشيط العصبي، ازداد الضغط الداخلي للعقاب، ومن الشائع رضوخ الناس لهذه الرغبة.

 

لكن الغضب للانتقام قابل للتغيير تماما؛ فعندما تنشط قشرة الفص الجبهي والظهري، وهي منطقة رئيسية لتنظيم الانفعال، خلال مرحلة الإثارة، يتم تثبيط اللوزة الدماغية، مما يثبط الرغبة في العقاب لاحقا. كما أشارت عالمة الأعصاب أولغا كليميكي وزملاؤها في التقارير العلمية: "فإن قشرة الفص الجبهي والظهري تقوم بالتنسيق مع القشرة الحركية التي تتخذ قرار اختيار السلوك الانتقامي من عدمه. هناك علاقة مباشرة بين نشاط الدماغ في قشرة الفص الجبهي والظهري وبين الخيارات السلوكية".

 

السعي لتحقيق أهداف إيجابية، كما أظهرت أبحاث سنوات طوال، يُخضِع اللوزة الدماغية بشكل طبيعي. من تجربتي الإكلينيكية، يمكن لمعظم المرضى الذين يعانون من صدمة عميقة أن ينجحوا ويزدهروا من خلال توجيه غضبهم إلى مسعى هادف عادة ما يركّز على الآخرين. يتحسنون عن طريق قيامهم بعمل جيد، ويصبح الانتقام فرصة لممارسة القيم التي تمت تعبئتها من خلال الإساءة.

   

   

لا تُولد كل الأخطاء التي تُثير الانتقام من الإساءات الفردية؛ الظلم الاجتماعي أيضا محفز رئيسي، وهو المحفز الذي دفع المحامي باري شيك إلى إنشاء "مشروع البراءة"، وهو ائتلاف من المحامين الذين عملوا على إبطال الإدانات الخاطئة لأشخاص معوزين منذ عام 1992.

 

أثناء وجود باري شيك في المدرسة الابتدائية، دمّر حريق منزله، مما أدى إلى إصابة والديه وقتل شقيقته المحبوبة. في المدرسة الثانوية كان لديه دوافع أكاديمية كافية للدخول إلى جامعة ييل، حيث احتج على حرب فيتنام على أساس أن تأجيل التجنيد الممنوح للطلاب كان تمييزا ضد المراهقين الفقراء. وقد استخدم شهادته في القانون ليصبح محاميا عاما في ساوث برونكس في نيويورك المنكوبة آنذاك، ومحاميا لموظفي جمعية المساعدة القانونية.

 

بعد مشاركته في تأسيس شركة قانونية متخصصة في التقاضي بشأن الحقوق المدنية، انضم إلى "فريق الأحلام" الذي برّأ أو جيه سيمبسون من تهمة القتل المزدوج (قتل زوجته السابقة وصديقها) في عام 1994. بحلول ذلك الوقت، كان "مشروع البراءة"  يعكس بالفعل مهاراته القانونية في الإثبات للعالم أن أولئك الذين عانوا الظلم لديهم الآن حليف سيُبطِل ما ارتُكِبَ بحقهم.

 

انتقام للجميع

إذا كان من شأن أي عمل أن يبرر رغبته بطلب القصاص، فإن موت طفل بالقتل قد يتصدر القائمة. ومع ذلك، لم يحدث هذا في مايو/أيار 1980، عندما قُتلت كاري لايتنر البالغة من العمر 13 عاما على يد سائق مخمور. فالسائق الذي أُدين بارتكاب مخالفات قيادة في حالة سُكْر ثلاث مرات خلال أربع سنوات، لم يوقف سيارته حتى. وقد كان في فترة إطلاق سراح مشروط عندما صدم الفتاة بسيارته، حيث خرج بكفالة بعد إلقاء القبض عليه قبل يومين بتهمة حادثة اصطدام وهرب بالسيارة.

 

     

تفاقم ألم كاندي لايتنر على وفاة ابنتها عندما قال لها ضابط الشرطة: "سيدتي، ستكونين محظوظة إن أمضى هذا الرجل أي مدة في السجن". كما قالت في وقت لاحق لمجلة "بيبول" (People): "لم يكن هذا مجرد ’حادث مؤسف‘. كانت كاري ضحية لجريمة عنيفة، والموت الذي يُسبّبه سائقون مخمورون هو الشكل الوحيد المقبول اجتماعيا لجريمة القتل".

 

تعهدت لايتنر على الفور لجعل القيادة في حالة سُكْر جريمةً مروّعة يخافها الناس. بعد أربعة أيام على وفاة كاري، تركت لايتنر عملها وأسست مؤسسة "أمهات ضد السائقين المخمورين" (حاليا، "أمهات ضد القيادة في حالة سُكْر"). لا ينضب سعي لايتنر لإنقاذ الآخرين من مأساة مماثلة، وقد قام الرئيس رونالد ريغان بتعيين لايتنر في اللجنة الوطنية للقيادة في حالة سُكْر في عام 1984. وقد أثارت مؤسسة "أمهات ضد القيادة في حالة سُكْر" عقوبات جديدة لقيادة السيارات في حالة سُكْر حتى غيّرت السن القانوني لشرب الخمر في العديد من الولايات.

 

مما لا شك فيه أن الإنجازات كانت كبيرة مقارنة بما نالته لايتنر من تسخير غضبها والاهتمام بقضية معينة بدلا من السعي للانتقام. لايتنر لم تكتسب شهرة عالمية فحسب، بل إنها أعطت حياة ابنتها معنى آخر. يُشكّل التفكير فيما هو أبعد من أنفسنا واختيار العطاء ترياقا لسرطان الاجترار العاطفي. من المزايا الإضافية للعمل في قضية ما أنك لا تتصرف بلا طائل. على العكس من ذلك، مثل هذه المساعي يتطلب التواصل مع أشخاص لهم تفكير مماثل؛ والدعم الاجتماعي هو أفضل بلسم موثَّق لكل أمراض العقل والجسد تقريبا.

 

انتقم منهم في عقر دارهم

حسن الصنيع بعمل الخير يمكن أن يكون عزاء لبنجامين فرانكلين، كاتب مسودة إعلان الاستقلال والدستور وأحد أغنى الرجال في التاريخ الأميركي، وبالتأكيد رجل النهضة الأميركية المطلق. بنجامين الكاتب والفيلسوف والعالم والدبلوماسي والموسيقار، أتقن خمس لغات بالتعليم الذاتي واخترع أيضا النظارة ثنائية البؤرة والقسطرة البولية وزعانف السباحة! إضافة إلى تجربة فرانكلين بتحليق طائرة ورقية في عاصفة رعدية لدراسة الكهرباء، وهي مغامرة مجزية أدت إلى اختراعه "مانعة الصواعق" التي أنقذت أرواحا لا حصر لها ووفّرت ملايين الدولارات.

   

بنجامين فرانكلين، أحد أغنى الرجال في التاريخ الأميركي (مواقع التواصل)

 

تكمن الحلقة المفقودة من القصص والسير الذاتية المكتوبة عن فرانكلين في واقع طفولته. فلأن والده لم يكن قادرا على إرساله إلى المدرسة، فقد أمر ابنه الأكبر جيمس الذي كان يعمل في ذلك الوقت في مجال إنشاء مطبوعات بتوظيف بنجامين في سن الحادية عشرة كمتدرب حرفي. أصبح جيمس غيورا جدا من نضج بنجامين المبكر فكان ينتقص منه ويضربه بانتظام.

 

ساءت الأمور عندما أتقن بنجامين أساسيات الطباعة وتعلم القراءة والكتابة بشكل أفضل من معظم البالغين في مستعمرات نيو إنغلاند. طلب بنجامين من أخيه أن يكتب في صحيفته ولكن رفض جيمس طلبه. بدلا من الغضب من أخيه، لجأ بنجامين إلى كتابة مقالات تحت الاسم المستعار "سايلنس دوغود". بعد إلقائها من أسفل باب متجر جيمس، سرعان ما أصبحت مقالاته الجزء الأكثر شعبية في الصحيفة. عندما علم جيمس هوية كاتبهم، قامت الدنيا ولم تقعد. هرب بنجامين إلى فيلادلفيا حاملا ثلاثة شِلنات في جيبه وملابس رثة على ظهره.

 

على الرغم من أذية جيمس لفرانكلين، فإن فرانكلين لم يسعَ بتاتا إلى الانتقام مباشرة أو المشاركة في عرض هيمنته. بدلا من ذلك، وجد طريقة مُرضية نفسيا بالسعي للتصرف بشكل أفضل منه. سعى ليكون لديه أفضل مطبعة في المستعمرات الثلاثة عشر. بصفته أحد رواد الرحلات في فيلادلفيا، بدأ فرانكلين في إنشاء متجره الخاص، وحقق قفزات نوعية من خلال طباعة النماذج القانونية المدنية إلى منشورات وصحف وكتب ذات أهمية ثقافية، بما في ذلك منشوراته الخاصة. بصفته صاحب المطبعة الرائدة في أميركا الاستعمارية التي قام بطباعة عُملتها النقدية في نهاية المطاف.

   

في عام 1748، بعد جمع ما يعادل أكثر من 10 مليارات دولار بما يعادل قيمة الدولار اليوم، تقاعد فرانكلين في سن الثانية والأربعين، حيث صرّح بأنه قد حان الوقت "لفعل شيء مفيد". كانت سنواته الاثنين والأربعون التالية دراسة حالة في الإنتاج والإبداع، ليس مجرد كونه الأب المؤسس للدولة وأول دبلوماسي أجنبي لها، بل كان مؤسس الجمعية الأميركية الفلسفية وأول جمعية علمية في أميركا وصاحب أول مكتبة علمية ومتحف في أميركا، وأول كلية حديثة للفنون الليبرالية في البلاد التي أُعيد تسميتها فيما بعد بجامعة بنسلفانيا. يُعتبر فرانكلين مثالا يُحتذى في التعامل مع ألم الصدمة في سبيل تعزيز روح المبادرة من خلال بناء شيء لا يساعد العالم فحسب، بل يجلب مكافآت شخصية حقيقية من الثناء والاحترام لمجموعة من التجارب الجديدة والمثيرة.

-------------------------------------------------------------------

هوامش:

*الاجترار (rumination): في علم النفس هو التفكير السلبي المستمر بشأن الأمور الحاصلة في الماضي والطرق التي كانت ممكنة لمعالجتها، ويكون على هيئة أسئلة داخلية مثل "ماذا لو فعلت كذا؟"، وتعاقب هذا النوع من التفكير قد يسبب الكآبة.

----------------------------------------------------

ترجمة (آلاء أبو رميلة)

هذا التقرير مترجم عن: Psychology Today ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان

تقارير متصدرة


آخر الأخبار