انضم إلينا
اغلاق
رغم اتهامه بالتحرش بالأطفال.. لماذا تعاطفت الجماهير مع مايكل جاكسون؟

رغم اتهامه بالتحرش بالأطفال.. لماذا تعاطفت الجماهير مع مايكل جاكسون؟

آية طنطاوي

كاتبة
  • ض
  • ض

هناك، في بقعة خاصة على خريطة مدينة كاليفورنيا الأميركية، تقع مزرعة نيفرلاند المليئة بالسحر والمتعة، كأنها البوابة السرية لعالم الطفولة والأحلام السحري المستوحى من عالم ديزني لاند، فور دخولك من البوابة تسحرك المروج الخضراء والأشجار المنتصبة والزهور الملونة والنادرة، والأنوار على بُعد أميال تجذبك إليها، إنها مدينة الملاهي حيث الألعاب الترفيهية والبالونات وبائعو حلوى غزل البنات والآيس كريم والفيشار، وهناك أيضا حديقة حيوانات ضخمة وسينما خاصة، ستقطع أميالا لتكتشف تلك البقعة الساحرة، الأطفال في كل مكان تلهو وتلعب بالمجان، الموسيقى تصدح في الأرجاء، ومايكل جاكسون يقف مبتهجا فاتحا ذراعيه للأطفال ليلعبوا معا ألعاب الطفولة.

"لأنني لم أحظ بطفولة حقيقية فأنا الآن أعوض نفسي.. الناس يتساءلون لماذا أحيط نفسي دائما بالأطفال! لأنني أجد الأشياء التي لم أحظ بها يوما من خلالهم"[1]

(مايكل جاكسون)


هكذا يوضح مايكل حقيقة عشقه للأطفال، ولماذا يحيط نفسه بعالم الطفولة، ولماذا بنى في مزرعته الخاصة حيث يعيش مدينة ملاهٍ كاملة، لكن، كيف لرجل مثله عانى من طفولة قاسية علّمته كيف يتعامل بحنو مع الأطفال أن يُتّهم في يوم من الأيام بالتحرش بهم؟

في نهار يوم عصيب، التف جمهور ملك البوب مايكل جاكسون خارج محكمة مقاطعة سانتا باربرا العليا منتظرين قدومه، كان على موعد مع الجلسة الأخيرة للنطق بالحكم في قضية التحرش المتهم فيها من قِبل جوردان شاندلر الذي ادّعى أن جاكسون دعاه إلى مزرعة نيفرلاند وتحرش به، الفتيات يبكين والنساء يصرخن ويحملن لافتات اعتذار لجاكسون عن هذه المحاكمة التي تعرّضه للإذلال، الجمهور يثق فيه كأنه فرد من أسرتهم، فكيف لفنان مثله رقص الملايين على ألحانه وألهم الكثيرين في الرقص وغناء وموسيقى البوب أن يكون متحرشا؟ كيف لرجل مثله يحتضن الأطفال ويفتح لهم بيته ليُلاعبهم أن يتحرش بهم؟ وكيف لرجل بكى يوما في مقابلة تلفزيونية عندما تذكر ضرب أبيه له بشراسة أن يمارس أي فعل عنيف تجاه أطفال صغار لم تتفتح أوراقهم بعد؟

 

جسد مزّقه حزام الأب

عاصرت الجماهير الأميركية في السبعينيات مايكل مُذ كان طفلا صغيرا ومغنيا رئيسا في فرقة "The Jackson 5" المكونة منه وإخوته الأربعة والتي يدير أعمالها والدهم جوزيف جاكسون، فتحوّل بالفعل إلى فرد ينتمي إلى كل الأُسر الأميركية، شاهدوا مراحل نموه وبلوغه إلى أن أصبح شابا يافعا بعد انفصاله عن الفرقة، يغني ويرقص ويشعل الأجواء الحماسية على المسرح حتى ذاعت شهرته في أرجاء العالم، كان دائم الابتسام والطاقة الفنية تنبعث من كل جوارحه، لم نشاهد مستواه يقل في أي عرض غنائي قدمه بمرور السنوات، بل إنه يزداد تطورا وحيوية. يقف على حواف قدميه، ويؤدي رقصة الـ "MoonWalk" التي يبدو فيها كأنه يسير للأمام لكنه يسير للخلف، يعرف كيف يلتف جسده بخفة وكيف يشعل صراخ الجماهير، ورغم ذلك كان مايكل خجولا للغاية وقليل الظهور الإعلامي، لم نعرف الكثير عن طفولته وقتها لكننا عرفنا عنها لاحقا.

"قبل أن تحكم عليّ حاول جاهدا أن تحبني

انظر داخل قلبك، ثم اسأل.. هل رأيت طفولتي؟

يقول الناس إنني غريب بهذه الطريقة

لأنني أحب الأشياء الفطرية كان مقدرا لي تعويض الطفولة التي لم أعشها من قبل"

(أغنية طفولة)


تغيّر عالم مايكل جاكسون فجأة، لم يعد هذا الطفل الأسمر البريء، كبر مايكل ولم يبقَ له من طفولته سوى صوته وجسده الراقص وخجله الشديد، وبين عشية وضحاها أطل علينا ببشرة بيضاء وشعر مستعار وبدأ صفحة جديدة في حياته تحمل جانبا مظلما ومخيفا في شخصيته.

في عدة لقاءات تلفزيونية أُجريت معه، أشهرها لقاؤه مع "أوبرا وينفري" عام 1993، صرّح جاكسون إنه لم يُجرِ عملية تبييض لبشرته، بل إنه في منتصف الثمانينيات أصيب فجأة بمرض البهاق الذي يدمر الصبغة الجلدية ويحوّل لون البشر إلى الأبيض [2]، في لقاء آخر مع "مارتن بشير" صرح أن والده كان ينعته دائما بالقبيح ويسخر من أنفه الأفطس، وهو ما يفسر سبب إجراء جاكسون عملية تجميل لأنفه، ويكشف أيضا عن عقدة نفسية ما زالت تصاحبه منذ طفولته من أبيه الذي لم يكن ودودا معه على الإطلاق [3].

في المقابلة نفسها بكى مايكل عندما تذكر طفولته، وأنه لطالما أراد أن يلعب كالأطفال في سِنّه لكنه كان دائما ما يعمل، مما حرمه الكثير فلم يعش طفولته كأي طفل، وفي الأستوديو، وفي كواليس الحفلات، كان أبوه يخلع من خصره حزامه الجلدي وينهال عليه بالضرب لو أخطأ في الغناء، أو تعثر في الرقص، أو شعر بالإرهاق، كانت نظرة واحدة منه ترعبه، مايكل الطفل والشاب ما زال يرتعد جسده من سوط أبيه ومن تعنيفه الجسدي له، وهو ما سينعكس عليه في الكبر وسيفسّر سلوكه غير السوي.


دائما ما يتحدث مايكل جاكسون عن ضرورة احتضان الآباء لأبنائهم، فالطفل بحاجة إلى أن يحتضنه أحد، ولأنه افتقد هذا الأمر في طفولته قرر أن يفعل ذلك مع كل الأطفال، أن يتقرب منهم ويستضيفهم في بيته ومدينته السحرية ويغدق عليهم الحب، ويدعوهم أيضا للنوم في غرفته وعلى سريره، لكن هل هذا الحب سوي؟ أليس هذا ما نسميه البيدوفيليا؟

 

يصف فرويد مرحلة البلوغ بأنها المرحلة التي تظهر فيها طبيعة الحياة الجنسية للمراهق وتتبلور في صورتها النهائية [4]، في لقائه مع أوبرا وينفري طرحت على مايكل سؤالا يخص عذريته التي دائما ما يتساءل الناس -من صحافة وجمهور- عنها، وهل له تجارب جنسية من قبل؟ أخبرها مايكل عن خجله الشديد في مرحلة مراهقته من العلاقات الجنسية، ومن الحب، وهو ما آثار الشكوك مرة أخرى بشأن علاقاته العاطفية مع النساء حتى آخر أيامه، لأنه لم يستمر في علاقات حب حقيقية وكان يرفض الاعتراف بأنه يمارس الجنس، كما أن تصريحاته بشأن أبنائه الذين يعيشون معه بدون أمهاتهم متضاربة.

في المقابلة التلفزيونية مع مارتن بشير قال مايكل إن "ديبي روي" أم أبنائه "باريس" و"مايكل جونيور" طلبت منه أن يأخذهم ليعيشوا معه منذ لحظة ولادتهم، وأنها وهبته الأبناء كهدية، لكنه لم يذكر على الإطلاق أنهما تزوجا وعاشا معا يوما ما، كما صرح أيضا في المقابلة نفسها أن ابنه الأصغر "بلانكيت" وُلد من أم حاضنة نتيجة تلقيح لا اتصال جنسي حقيقي، وهو ما يُعيدنا من جديد إلى غموض علاقاته مع النساء وامتناعه الدائم عن الحديث عنها بحجة الخصوصية. وهو ما يُعيدنا من جديدة إلى نظرية فرويد عن الجنس التي تكشف في حالة مايكل أن إحجامه منذ المراهقة عن الدخول في علاقات مع جنسية مع النساء يعني سلوكا منحرفا، وبحسب فرويد فإن رفض أي ممارسات جنسية بشكلها الفطري يعني وجود انحراف.

 


"البيدوفيليا هي اضطراب نفسي ناتج عن تجارب مؤلمة في مرحلة الطفولة"[5]

 

يذكر مايكل في المقابلة التلفزيونية نفسها أنه في صغره كان أخوه يمارس الجنس مع صديقته في السرير المجاور له [6]، كان هذا محرجا وذكرى سيئة ما زال مايكل يتذكرها، وبخجل يروي تفاصيلها على الملأ، ثم لاحقا صرحت لاتويا جاكسون -شقيقة مايكل- أنها هي وأختها ريبي تعرضتا للتحرش الجنسي في طفولتهما من أبيهم جوزيف [7]، كل هذه المواقف السرية داخل تلك الأسرة تفسر السلوك المعتدي الذي تعرضوا له من الأب، والذي من الممكن أن يكون قد تعرض له مايكل أيضا بخلاف الاعتداء بالضرب، وهو واحد من تفسيرات أسباب البيدوفيليا التي أُصيب بها مايكل "ممارسة أي نشاط جنسي أمام الطفل" و"مداعبة الطفل جنسيا بشكل غير لائق" [8].

إذا تعرض الطفل للتحرش سيكون خائفا وخجلا مما حدث له، وبالطبع لن يفكر بحكمة في التعامل مع الأمر، سيكون محظوظا لو اعترف بالأمر وتحرر منه، وحينها سيسعى ذووه لعلاجه نفسيا ومقاضاة المتحرش، أو أنه سيحمل سره الصغير معه إلى الأبد، وسيتحوّل إلى شخص منعزل ومضطرب وخائف طيلة حياته، ولن يجد من يتحدث معه عما حدث، خاصة لو كان أحد والديه هو الذي تحرشه به، تماما مثل مايكل.

"في طفولتي كنت دائما أبكي من الوحدة"

(مايكل جاكسون)


في دراسته للبيدوفيليا من وجهة نظر بيولوجية وجد الباحث جيمس كانتور أن المصابين بالبيدوفيليا هم أكثر الناس تعرّضا للتوحّد وانفصام الشخصية [9]، وهذه النتيجة تستلزم بالضرورة وجود خلل نفسي وسلوكي في شخصية المصاب، وهو ما ينطبق على سلوك جاكسون غير السوي. قضية التحرش بالطفل جوردان فتحت بوابة الجحيم في وجه مايكل وأصبحت أفعاله الخيرية تجاه الأطفال لها تفسير مخيف الآن، تغيرت حياته، وأصبح ظهوره الإعلامي مكثفا -بعكس السابق- ليتحدّث عن طفولته القاسية وعن مرضه فنتعاطف معه، ثم ينتهي الأمر بسؤاله عن ميوله تجاه الأطفال، فيقول: إني أحبهم بشكل جيد وليس لغرض جنسي، فنصدقه، يقسم أنه لم يؤذهم وأنه يتركهم ينامون في سريره دون أن يقترب منهم، ونظرة الحزن ما زالت ترتسم على قسمات وجهه البلاستيكي. عندما سأله مارتن: [10] هل من الممكن أن تترك أبناءك ينامون في سرير شخص آخر؟، سكت لبرهة، ثم قال: لا، لكن إذا كنت أعرفه جيدا فسأتركهم يفعلون ذلك.

 

"دائما ما أرى الله في وجه الأطفال، لهذا السبب أنا أحبهم للغاية"

(مايكل جاكسون)  

لوحة لمايكل جاكسون من رسم الفنان ديفيد نوردال (1999) (مواقع التواصل)


تزين أحد جدران منزل مايكل جاكسون لوحة زيتية، رسمها له ديفيد نوردال على غرار لوحات مايكل أنجلو، يقف فيها جاكسون بجسد أبيض مفتول العضلات وعارٍ إلا من وشاح أبيض يستر عورته، وعلى رأسه تاج من الورود يزينها مجموعة من الأطفال العراة يحيطون به كأنهم ملائكة بأجنحة بيضاء، وبيسراه يمسك عصا تلتفّ حولها أوراق الشجر كأنها عصا الحكمة. هذا الرجل لا يشبه مايكل الذي نعرف، بل يشبه الغلمان في تماثيل العصور الرومانية القديمة، وإن كانت تعكس هذه اللوحة روح الطفولة التي يحياها مايكل؛ فلماذا نراه شابا يافعا إذن؟ لماذا لا نراه فتى صغيرا يلعب مع بقية الأطفال؟ يقول نوردال عنه: "كان حقيقيا جدا ودافئا. كنت أعرف مايكل ما يقرب من 20 عاما، ولم أسمعه أبدا يرفع صوته في أي شخص. كان شخصا جيدا، شخصا جيدا حتى النخاع" [11].

 


يقف مايكل جاكسون مرتبكا وحزينا في فيديو قصير صوّره بعد تحقيقات الشرطة معه في تهمة التحرش الموجهة إليه ليوضّح أنه بريء، وأنه يعاني مؤخرا بسبب المسكنات التي يتناولها، ولأنه أيضا تعرّض للإذلال أثناء تحقيقات الشرطة بتعرية جسده للكشف عليه. تكاد الدموع تنهمر من عينيه التي يكسوها الحزن والضعف، فينسى الجمهور الاتهام بالتحرش، وينتهي الفيديو بترديد كلمات الإشفاق عليه وعلى ما يتعرض له هذا الرجل المسكين.


مؤخرا شهدت هوليوود اعترافات عدة من فنانات أعلنّ تعرضهن للتحرش الجنسي، وغيرها من اتهامات جنسية طالت الكثيرين وأثّرت في مسيرتهم الفنية، آخرها ما حدث للممثل كيفن سبايسي الذي أوقفته نتفليكس عن استكمال مسلسله الأشهر "هاوس أوف كاردز" (House of cards)، لكن هل كان الحال نفسه سيحدث لمايكل جاكسون لو أنه كان حيًّا الآن؟ يراهن مايكل على أن الناس تعرفه جيدا منذ طفولته وتحبه، وأن قصص طفولته أكسبته حصانة لنتعاطف معه، فهذا الرجل إذا تحرش بالأطفال فهذا لأنه تعرض للإيذاء والعنف في طفولته، فأصبحنا قبل أن نغضب منه نشفق عليه، ولا نعرف إذا كنا سنقاطعه أم نربت على كتفه، نشيح وجوهنا عنه أم ننصت له، ننسى فنه أم أن رصيده مع جمهوره يسمح له بالغفران. في حالة مايكل تناست الجماهير كل أخطائه ودافعوا عنه دون أن يستمعوا حتى إلى الطفل المجني عليه، على الرغم من أنه في ظروف أخرى كنا سنتعاطف مع الطفل، لكن مايكل أصبحنا نراه في صورة الطفل المعنّف، والفنان الموهوب، فجنحت الأغلبية إلى كفّته لأنه أسطورة، والأساطير لا تمس.

انتهت المحاكمة لا بتبرئة مايكل من التحرش، بل بتسوية مالية مع أسرة جوردان، وانطوت هذه الصفحة بغموض وسرية، لكن الإشاعات والتحليلات ما زالت محل جدل إلى الآن.

رحل مايكل جاكسون في صيف 2009 بعد تناول جرعة زائدة من البروبوفول إثر نوبة قلق واضطراب أصابته ولم يستطع التغلب عليها [12]، اهتز العالم لموت ملك البوب الذي لم يأتِ حتى الآن فنان بحجم موهبته، وتوارت في الرمال اتهاماته بالتحرش، ونيفرلاند المزرعة الغامضة أغلقت أبوابها أمام الأطفال والعامة. انتهت الحكاية، وشبح مايكل جاكسون ما زال يطارد معجبيه، تماما مثل شبح بيتر بان* الذي يطارد الأطفال في غرف نومهم ليلا ثم يأخذهم معه في رحلات سرية إلى السحر في أرض الأحلام نيفرلاند.

-------------------------------------------------------------------

هوامش:

*شخصية خيالية في عالم ديزني لاند يعيش في "نيفرلاند"، الأرض التي لا يكبر فيها الأطفال أبدا، وقد استوحى منها مايكل جاكسون اسم مزرعته، ودائما ردد أنه يعتبر نفسه بيتر بان.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار