هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
"تجارة الكذب".. لماذا يعد الحب غير المشروط وهما؟

"تجارة الكذب".. لماذا يعد الحب غير المشروط وهما؟

  • ض
  • ض

ما مدى أن تتطابق الحقيقة مع الخيال؟ يبدو هذا السؤال مُلِحًّا بصورة ما كلما برز الحديث عن الخيال العاطفي للعلاقات مقارنة بما عليه واقع الحال. ذلك الأمر الذي يُثير مشكلة مجتمعية حاضرة باستمرار حول العاطفة بين الجنسين، فنسأل: هل يكفي مجرد الحب لاستمرار العلاقة، أم أن أشياء أخرى، على الأهمية ذاتها، مطلوبة لاستمرار العلاقة؟ من هنا ينتج السؤال الآخر حول كُنه الحب الصحي نفسه، وهل ادعاء الحب غير المشروط بين فردين هو أمر فعلي يمكن حدوثه، أم هو محض ادعاء خيالي رسمته الأفلام والروايات، فضخّمته عن حقيقته، ووضعته -وحيدا- في مركز العلاقات؟

   

ولندع السؤال يواجهنا من زاوية أخرى أكثر مساسا بحياتنا: أنا أجد شخصا جيدا، أشعر تجاهه بشيء من القبول والرضا، وعلى الجانب الآخر أجد شخصا باهرا لكنه -في جوانب التوافق- أكثر ابتعادا عن شخصيتي وظروفي.. سيكون السؤال حينها: لمن ستكون الغلبة في الفوز بشراكتي؟ لكن السؤال الأكثر خفاء، والأكثر أهمية على ما يبدو، يكمن في حقيقة النظر: هل يحجب الانبهار ذلك الاختلاف الكبير، أم أنه حب غير مشروط بالفعل؟ وهل يمكن للحياة المستمرة، التي هي أطول أمدا من الإبهار الأول، أن تمضي في سبيلها دون مقومات عقلية وشروط تدعمها، أم أن الخيال الرومانسي في بناء البيوت يحتاج إلى شيء من الانضباط العقلي والبُعد عن الخيالات؟

  

اقبلني كما أنا!

في إحدى الدورات التأهيلية للزواج، يتطرق الباحث "أيمن عبد الرحيم" إلى نقطة العاطفة ومركزيتها في بناء العلاقات، فيذكر أن الطبيعي الذي تستقيم به حياة البشر هو البناء على القواعد لا الاستثناءات، وأن الأعراف البشرية لم توضع من تلقاء نفسها، وإنما هي -في كثير من الأحيان- تعبير عما تعارف عليه البشر أنه يُصلح حياتهم، فيما لا يتعارض مع الدين، وهكذا.

  

   

ثم يتناول مثال الحبيب المُتيّم، المتفاني في محبوبه، كمثال شاذ على أصل العاطفة بين الجنسين، وأن نموذج قيس-ليلى الذي يحلم به الآلاف من البشر ما هو إلا نموذج نادر -جدا- في مسار البشر العاطفي بين الجنسين، وأن ما يُصلِح البشر في شأن العلاقات شيء آخر غير هذا الهيام الأعمى عن عيوب الآخر، يتمثل في التوافق على عدّة صُعد، كالثقافي والفكري والديني بين الزوجين.

 

وفي السياق نفسه، يذكر الباحث والكاتب "أحمد سالم" أن أكثر ما تُبنى عليه البيوت مما يسمى حبا "هو كذب توهمه من لا يعرف معنى الحب، وإنما حبهم أكثره وأحسن ما يكون منه تآلف خلقي وامتنان ومكافأة إحسان، وشهوة سرعان ما تهدأ نارها، والشهوة ليست هي الحب؛ لذلك يسرع إلى تلك البيوت الهدم؛ إذا جعلوا قانون علاقاتهم هو هذا الحب المتوهم وحده"[1].

 

وعلى الرغم من كلام "سالم" فإنه يحمل دلالة أخرى يبدو من خلالها الجانب العقلي حاضرا بصورة قوية وفارقا في استمرارية تلك العاطفة من عدمها، كعامل قوي في إنشاء العاطفة بين الزوجين، حال توفر مقوماته وشروطه. لذا تقول الكاتبة، والمستشارة النفسية "نادية بو هنّاد" إن الحب غير المشروط، عند تعريفه، هو "الشعور بالحب تجاه الآخر من دون تدخل الإرادة لتغييره"[2]، فهو حب يغفل التقييم على أساس السلوك والتوقعات، فهو أقرب ما يكون لحب المرء لذاته، وهو -كما تضيف- حب نادر، متوافقة مع قول "سالم" عنه إنه شيء "نفيس جدا ونادر جدا، وابتذال الناس له هكذا بتسمية الشهوة حبا والإعجاب حبا والمودة حبا، كل ذلك عندي لا قيمة له"[3].

 

وتُضيف "بو هنّاد" أن حبا كهذا لا يمكن حدوثه بشكله الكامل إلا كما يحدث بين الأم وولدها، أو حتى بين أفراد الأسرة الواحدة، لكن أن يلتقي اثنان في علاقة زوجية، فإن ذلك أشبه بالحبل المشدود الذي يرتخي رويدا إلى وضعه الطبيعي، فهما في البداية سيشعران بالحب الجامح الذي يقبل الآخر بلا شروط. ثم ما أن يتم الارتباط الرسمي حتى يتحول ذلك الحب إلى "حب مشروط وتوقعات مثل الإخلاص والاحترام والتعامل بلطف والعلاقة الحميمية"، وهي نفسها الشروط التي تتحول لفتور عندما "يتم الإلحاح عليها من قِبل أحد الطرفين أو كليهما"، فتتسبب في "الشعور بثقل الحمل ويشعر الشخص أن هذه الشروط منهكة فيتغير أحد الطرفين في مشاعره"[4]، وهكذا.

   

   

لذا يرى بعض الباحثين، نتيجة لذلك، أن الحب الرومانسي "لا يمكن اعتباره حبا غير مشروط، حتى وإن بدا كذلك، لأنه يتغير ويتحول مع الزمن بسبب التوقعات بين الطرفين"[5]، بينما نجد أن حبا كحب الأم لطفلها لا يتغير مع الزمن، وهو ما يمكن تسميته حقا بالحب غير المشروط كما يخبرنا "فريدريك نيومان"[6]. أي إن قبول المرء للآخر كما هو، دون النظر إلى طباعه وسلوكه، أو الأخذ في الاعتبار بالتوافقات الدينية والمجتمعية والفكرية وغيرها، هو أمر يحتاج إلى إعادة النظر، أو إنه بكلمات أخرى؛ الاستثناء الذي لا تقوم عليه القاعدة وتصلح به حياة الناس في العموم.

    

وتذكر "بو هنّاد" أن أحد الباحثين في علم الأعصاب قام بدراسة لرصد التغيرات الدماغية عند مشاهدة مجموعة من الصور العاطفية لأفراد مع أمهاتهم، في مقابل صور شبيهة لآخرين مع شركائهم، فوجد أن ثلاثة مواضع بالمخ تنشط عند مشاهدة الصور في الحالين، في حين تنشط أربعة أخرى مختلفة عند مشاهدة الصور الرومانسية تتعلق بالجانب المادي والثواب واللذة، ما يشير إلى وجود جانب كبير من الحب المشروط في العلاقات الرومانسية. وهو ما يعني، حسب تفسير الكاتبة "بو هناد"، أن شعور الحب تجاه الأم يختلف عن شعور الحب الرومانسي بسبب تلك المناطق الأربعة الرابطة بين التوقعات في مقابل الحب، سواء كانت هذه الشروط شعورية أو لا شعورية بين الطرفين.

  

المرآة العمياء

في كتابه "فهم علم الاجتماع"، يرى عالم الاجتماع الأميركي "بيتر بيرغر" أن ثمة نسقا من الأساطير الذهنية قد اختُلِق حول الحب، فاقتصر وصفه على أنه عاطفة جيّاشة تسرق ألباب الشباب وتسحرهم، إلا إننا "حالما نسعى إلى تدقيق معايير الاختيار، سنفطن إلى تحكّم معايير دقيقة بسهام كيوبيد، تتعلق بالطبقة الاجتماعية والدخل الاقتصادي والتربية والعِرق والدين"[7].

  

فإذا نظرنا إلى السلوك الذي يسبق الزواج والاختيار، كما يضيف "بيرغر"، لوجدنا أنه يخضع لطقس بالغ الصرامة، الأمر الذي يدفع السوسيولوجي الأميركي للسؤال: هل عاطفة الحب وحدها هي التي تقود هذا النوع من العلاقات؟ أم إنها معايير أخرى، سابقة الوجود، وشروط محددة لا نسمح لأنفسنا في الوقوع بالحب إلا حال توافرها، أو افتُعِل بناؤها؟

    

   

في السياق نفسه، يذهب عالم الاجتماع المصري "إسماعيل عبد الباري"، في دراسة أجراها على 1500 زوج وزوجة، إلى أن 75% من الزواج القائم على العلاقة العاطفية فقط مُعرّض للفشل، في مقابل نسبة نجاح تصل إلى 95% للزواج القائم على النمط التقليدي المتعارف عليه، والذي يقارب 85% من إجمالي الزيجات السنوية[8].

  

تتقارب دراسة "عبد الباري" مع بحث أجراه موقع "ماتش دوت كوم" شمل خمسة آلاف متطوع، كشف أن 31% من الرجال موضع البحث أعربوا عن استعدادهم للزواج من امرأة بها كل المواصفات المطلوبة، على الرغم من عدم وجود علاقة عاطفية سابقة بين الجانبين[9]. وتعليقا على ذلك، ترى الأخصائية النفسية "سوزان بيز غادوا" أن تفسير هذا الأمر يكمن في كون الحب عاطفة متغيرة تزيد وتنقص حسب تقلبات الحياة، فالحب الذي يراه الشعراء "كل ما نحتاج إليه" ليس ذلك على الحقيقة؛ لأن مجرد الحب -فقط- لا يضع قاعدة صلبة لإقامة مؤسسة أسرية[10]. ويضيف الباحث الاجتماعي "آرون بن زائيف" على تحليل "سوزان" قائلا إن الزواج القائم على الهيام والغرام والمشاعر الملتهبة "يتجاهل في الغالب عناصر الشراكة المهمة بين الزوجين، والتقارب الفكري، والذكاء المطلوب، والتقارب الاجتماعي"، فهو في النهاية "اختيار رومانسي قد يزول بزوال أسبابه"[11].

  

لأن الواقع يختلف كثيرا

في دراسة تنقلها جريدة الوسط البحرينية[12]، أجرت الباحثة "إيمان الفلة" بمركز "بتلكو لرعاية حالات العنف الأسري" بحثا استمر قرابة عام كامل، اشتمل على 100 حالة، ووجدت أن 45% من حالات الزواج القائم على الحب (فقط) تنتهي بالطلاق، وأن 30% منهم يمرون بطلاق عاطفي تحت سقف واحد، في حين أعرب 10% فقط عن استقرارهم، فيما اتفق 57% من عينة الدراسة أنهم نادمون على هذه الزيجة. وقد شهدت 75% من حالات الدراسة عددا من المشاكل التي تطورت إلى العنف في أحيان عديدة، منهم 50% لحالات العنف الجنسي والجسدي، و70% من الحالات احتوت علاقاتهم على عنف لفظي ونفسي، بخلاف 80% من الحالات تورطت فيها المرأة في الإنفاق على الأسرة، وهو ما تعتبره "الفلة" عنفا اقتصاديا.

  

كما ذكرت الباحثة أن الدراسات تُعرّف الحب على أنه "مجموعة من الهرمونات (الجينية - المكبوتة)، والتي بمجرد إشباعها يبدأ الوعي والنظر بمنطقية وعقلانية للأمور". لذا رأت أن غياب القيم المتوافقة بين المتزوجين، مهما كانت قوة العاطفة بينهما قبل الزواج، يتضح بعد أن تهدأ فورة البدايات، فإذا بدا أن قيم واهتمامات كل زوج تختلف تماما عن الآخر، يبدأ الصراع القيمي، وتتسع دائرة الابتعاد.

        

   

كما أشارت إلى أن الرجال أكثر من يتعرضون لذلك؛ لكونهم يميلون إلى الرفيق الاسترخائي، "فالرجل يرغب في التجمع مع رفيق يشاركه الاهتمامات والميول والقيم، فيكون محور اهتمامه ويبتعد عن الأجواء التي لا توفر له هذا الأمر"، كما أنه لو "أمضى الزوجان في علاقة حب تستمر 10 أعوام، فإنها لا تعادل ليلة واحدة في بيت واحد في العلاقة الزوجية، إذ تكون العلاقة مختلفة تماما"[13]. فالمشكلة التي يواجهها هذا النمط من الزواج، وفقا لـ"الفلة"، تنشأ بسبب التعلق المفرط، مما يدفع لغض الطرف عن سلبيات لا يمكن التعايش معها لاحقا، حينما "تتغير الأدوار والمسؤوليات التي لم يكن يتم الاستعداد لها، وبالتالي تبدأ مرحلة الصدام بينهما"[14].

   

على الجانب الآخر من النقد، ترى "نادية بو هنّاد"[15] أن العلاقة الزوجية، في المقام الأول، علاقة قائمة على الدعم المعنوي المتبادل بين الطرفين، وأن وجود الحب المشروط، برغم منطقيته، قد يحيد بالعلاقة عن هذا المعنى الروحي إذا ما حضر بصيغة مادية تنحو بالعلاقة إلى شراكة مصالح متبادلة بين الطرفين، لا تستوعب الآخر ولا تحتوي تقصيره تجاه شريكه في بعض الأحيان.

  

كما يربط أستاذ الصحة النفسية بجامعة عين شمس "سيد صبحي"[16] بين حضور العاطفة الزوجية ومعدل السواء النفسي عند الأبناء، في حين يرى الكاتب المصري "محمود توفيق" أن "الأزواج ليسوا في حاجة مُلِحّة لإصدار الأحكام على بعضهم البعض، أو استخدام معجمهم الذي جاؤوا به من بيئاتهم؛ ليصدروا تعريفا محكما بشريك الحياة"، وإنما هم في حاجة إلى "بذل الجهد كي يتهجّى الشريك، بطريقة عادلة وغير متعصبة، ويكتشف كيف يمكن لهذا الآخر القريب، المختلف، أن يكمله"[17]. فإن كان حضور العاطفة بمعناها الروحاني الأوسع، المتسامي على الاحتياجات المادية فقط، ضروريا لاستمرار الحياة وتوفر بيئة صحية للأسرة، فإن سؤالنا الفعلي سيتعلق حول منشأ هذه العلاقة التي تحتاج إلى أكبر قدر ممكن من أسباب دعمها. فليس العيب في الحب، كما تقول "إيمان الفلة" وإنما ينشأ الخلل الحقيقي في كيفية التعاطي معه.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار