هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
هل نحن مجرد دمى متحكم بها.. أم نمتلك قرار تغيير بيئاتنا؟

هل نحن مجرد دمى متحكم بها.. أم نمتلك قرار تغيير بيئاتنا؟

Aeon

مجلة رقمية
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

  

هل ثمّة أي جدوى من تفكيرنا فيما يجب القيام به؟ غالبا ما يُقال إن أحكامنا وسلوكياتنا ينجمان عن الحدس المباشر والمشاعر الغريزية، مع وقوع التفكير المنطقي لاحقا. لكن هذا الادعاء يُغْفِل نقطة مهمة؛ فالتجاربُ تشير أيضا إلى أن المنطق يشكّل النظام الإدراكي الذي يُنتج ردودا مستقبلية؛ وكلما زاد تساؤلنا عما إذا كان شيء ما جيدا أو سيئا، صوابا أم خطأ، جذابا أم غير جذاب، زاد تأثير هذا الموقف والسلوك على حدسنا وعلى غرائزنا.

 

أرسطو لن يفاجأ من ذلك. فأخلاقياته قائمة على اعتقاده بأن الشخصية تتطور بهذه الطريقة تحديدا. وجهة نظر أرسطو، مع ذلك، لا تشرح كيف يمكن أن يتأثر تفكيرك وسلوكك بالصور النمطية الاجتماعية التي لا توافق عليها في تفكيرك الخاص. يمكننا فهم هذه العملية بشكل أفضل إذا انتقلنا إلى فكرة "الترسيب" (Sedimentation) التي طوّرها ثلاثة فلاسفة فرنسيون أواسط القرن العشرين.

 

صاغ موريس ميرلو بونتي مصطلح "الترسيب" في كتابه "ظواهرية الإدراك" الصادر عام 1945 (ترجمة معهد الإنماء العربي)، ويستخدمه لوصف عملية التقاط المعلومات حول أجسادنا وبيئتنا في شكل يُمكّننا من التصرف بذكاء دون الكثير من العناء أو التفكير أو الانتباه. كما يجمع النهر الحبيبات ويحولها إلى طبقات رسوبية تقوم بتوجيه تدفق النهر، جادل ميرلو بونتي بأننا نحن البشر نجمع ونراكم المعلومات بينما نمضي في حياتنا، وتتطور هذه المعلومات تدريجيا دون وعي منا لتصبح قاعدة أساسية محدِّدة لإدراكنا ومرشِدة سلوكنا.

  

 الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلو بونتي (مواقع التواصل)

   

عمل ميرلو بونتي يساعدنا على معرفة كيف يمكن أن يتأثر سلوكنا بالصور النمطية التي لا نتفق معها؛ لأنه إذا كانت عملية الترسيب هذه غير مراعية لما إذا كنا نتفاعل مع العالم نفسه أو مع وسائل الإعلام، فإن الصور النمطية الموجودة بانتظام في وسائل إعلامنا سوف تندمج في نظرتنا للعالم إلى جانب معرفتنا بالعالم الحقيقي. ولأنه ركّز على المعرفة، لم يطوّر ميرلو بونتي نظرية لترسيب الأهداف والدوافع، واقترح بأن الأهداف والدوافع قد تترسّب بطريقة مشابهة للمعرفة، لكنه لم يبحث الفكرة بالتفصيل.

 

من أجل سرد موحَّد لكيفية تأثُّر سلوكنا بسهولة بدوافعنا التي نؤيدها بلا هوادة والصور النمطية الاجتماعية التي لا نؤيّدها، يمكننا اللجوء إلى الكتابات الوجودية لسيمون دي بوفوار وفرانز فانون. تُبلوِر دي بوفوار نسختها من "الترسيب" بشكل كامل في كتابها "الجنس الآخر" الصادر عام 1949، (ترجمة المكتبة الأهلية 2008). ويَنصَبُّ تركيزها على كيفية تطوير أهدافنا وقيمنا؛ يُرَبّى الفتيان والفتيات بتوقعات وحوافز مختلفة، ولذلك يتم تشجيعهم باستمرار على التفكير والتصرف بطرق تتناسب مع أجناسهم. يُطلب من الفتيات الاستجابة لبيئاتهن بطرق مرضية ومفيدة، بينما يُشجَّع الأولاد على استكشاف هويتهم والسيطرة عليها.

 

تُشكّل هذه التوقعات الأهداف والقيم التي نتّبعها خلال طفولتنا ومراهقتنا. جادلت دي بوفوار بأن هذا التأييد المتكرر للأهداف والقيم نفسها يُدْمِجها في أنظمتنا الإدراكية من خلال الترسيب. لأن الفتيان والفتيات يخضعون لتوقعات مختلفة، فإننا نطوّر مجموعات من الأهداف والقيم التي تراعي الفوارق بين الجنسين. جادلت دي بوفوار بأن العملية نفسها تُرَسِّخ أيضا نماذج نمطية جنسانية في وجهات نظرنا. مع ترسيخ أهدافنا وقيمنا من خلال التكرار، يحدث ذلك أيضا لإستراتيجياتنا في تحقيق هذه الأهداف والقيم. تُشفِّر هذه الإستراتيجيات المعلومات التي تساعدنا في الاندماج في عالمنا، وتشمل هذه المعلومات الصور النمطية للجنسين التي يُتوقع من الناس الالتزام بها.

  

 الكاتبة الفرنسية سيمون دي بوفوار (مواقع التواصل)

   

لذا، فإن الصور النمطية الخاصة بالنوع الاجتماعي تصبح مترسّبة في أذهاننا إلى جانب الأهداف والقيم التي تجعل سلوكنا متوافقا إلى حد ما مع تلك الصور النمطية. ترى دي بوفوار أن السبب في ذلك يرجع إلى أن الصور النمطية نفسها قد أصبحت مترسّخة -وما زالت قائمة- في الطرق التي نُنشِئ بها الجيل القادم. وللسبب نفسه، من الصعب تجنب تجسيد هذه الأفكار النمطية في التفكير والعمل حتى عندما نرفضها بوضوح.

 

قدّم فانون رواية مماثلة عن أصل الهوية العنصرية في كتابه "بشرة سوداء، أقنعة بيضاء" الذي نُشِر عام 1952. ووصف القصص والأفلام الشائعة في الطفولات عبر فرنسا والمستعمرات الفرنسية في النصف الأول من القرن العشرين، بما في ذلك نشأته في جزر المارتينيك. مالت هذه الطفولات إلى إظهار الأوروبيين على أنهم بطوليون ومتطورون؛ بينما قُدِّم الأفارقة على النقيض من ذلك تماما حيث أُظهِروا على أنهم خطيرون وأقل شأنا.

 

عُلِّم جميع الأطفال في فرنسا والمستعمرات الفرنسية -بغض النظر عن لون بشرتهم- في المدرسة بكل وضوح أن يعتبروا أنفسهم فرنسيين، وبالتالي أوروبيين. لقد تعلموا التاريخ الأوروبي والأدب، وشُجِّعوا على وضع أهداف وقيم تتوافق مع هذه الهوية الأوروبية. جادل فانون بأن دمج ذلك مع الصور في القصص والأفلام قد غرس فكرة التفوّق الأوروبي والدونية الأفريقية في كل شخص نشأ بهذه الطريقة.

 

ليس من قبيل المصادفة أن كلا من دي بوفوار وفانون وميرلو بونتي طوّروا الإصدارات المتقدمة من فكرة الترسيب. كانت دي بوفوار وميرلو بونتي صديقيْن منذ أن كانا طلابا معا، وطوّرا أنواعا مختلفة من "الترسيب" في مناقشة مستمرة على مدار خمسة عشر عاما. في حين طوّر فانون مفهوم "الترسيب" الخاص به أثناء دراسته في جامعة ليون حيث حضر محاضرات ميرلو بونتي.

    

خلال النظر في أفكار الآخرين، يمكننا صياغة استنتاجات على خلاف مع نظرتنا

مواقع التواصل 
 

إن صيغة الترسيب التي ناقشتها دي بوفوار وفانون هي وجودية على وجه التحديد. إن دوافعنا المختارة جنبا إلى جنب مع الإستراتيجيات والمعلومات للتصرف على أساس هذه الدوافع هي التي تصبح مترسّبة. لكن أفكارنا وأهدافنا المترسّبة ليست التأثيرات الوحيدة على تفكيرنا؛ فمن خلال النظر في أفكار الآخرين أو تناول منظور نقدي لأفكارنا الخاصة، يمكننا صياغة استنتاجات على خلاف مع نظرتنا المترسّبة. وهذا يفسر لماذا يمكن لجوانب سلوكنا إظهار صور نمطية مترسّبة لا نؤيّدها دون انتباه منا. لكنه يشير أيضا إلى كيف يمكننا السيطرة على الحدس والمشاعر التي تحرّك هذه الجوانب من سلوكنا.

 

إذا كانت وجودية دي بوفوار وفانون على حق، فنحن لسنا دمى أيديولوجيات موروثة. يمكننا أن نفكر في المواقف الأكثر أهمية بالنسبة لنا، ويمكننا إصلاح بيئاتنا الاجتماعية. في كلا الاتجاهين، يمكننا إعادة تشكيل النظرة المترسّبة التي تُوجِّه سلوكنا.

--------------------------------------------------------

ترجمة (آلاء أبو رميلة)

هذا التقرير مترجم عن: Aeon ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار