انضم إلينا
اغلاق
التوقف عن شخصنة الأمور يجعلك شخصا عمليا

التوقف عن شخصنة الأمور يجعلك شخصا عمليا

Psychology Today

مجلة عملية
  • ض
  • ض

عندما كنت أستاذا للقانون، كنت أرغب دائما في تدريس قانون المسؤولية التقصيرية (Torts) لطلاب السنة الأولى [1]. حققت رغبتي هذه خلال مسيرتي المهنية، أذكر كم كنت متحمسا لإلقاء تلك المحاضرة الأولى؛ لكن وجوه الطلاب كانت واجمة بينما كنت أتحدث وبدا أنهم غير مهتمين. بالطبع، استنتجت أنني كنت غير مناسب لهذه الوظيفة، وحكمت على نفسي بالفشل في تدريس هذا الموضوع في تلك اللحظة. لم أفكر مطلقا أن التعبيرات المرسومة على وجوههم يمكن أن تكون بسبب عوامل أخرى، مثل خوفهم من البدء في الدراسة الصارمة للقانون لثلاث سنوات. عندما انتهت المحاضرة، أخبرني الطلاب أنها كانت أكثر المقدمات إثارة للاهتمام من بين كافة المساقات التي حضروها.

 

رد فعلي الأوّلي هو خير مثال على شخصنة الأمور، وهو نوع من التشوه الإدراكي أو خطأ في التفكير. إنه يشير إلى أفكار غير منطقية ومضخَّمة، أفكار لا تمت للواقع بصلة. عندما نشخصِن، فإننا خطأ نعتبر أنفسنا السبب في أمور لسنا مسؤولين عنها. الشخصنة أرضية خصبة مثالية للعواطف المُجهِدة التي تُقوِّض القدرة على الشعور بالرضا عن النفس.

 

دراسة نُشرت في "Southern Communication Journal" وجدت أن الميل إلى تناول الاختلاف بشكل شخصي مرتبط بالاجترار، وهو سلوك يرتبط ارتباطا وثيقا بالتفكير الاكتئابي [2]. كما وجدت الدراسة أن الشخص الذي يعاني هذا الميل يظهره بعد تخيّل تفاعل اجتماعي سلبي. دراسة أخرى في العلاج المعرفي وجدت أن الشخصنة من ضمن التشوهات الإدراكية المرتبطة بقوة بالقلق لدى الشباب، وتُعتبر الشخصنة إلى جانب التهويل ثاني أقوى مؤشر على حساسية القلق من بين أنواع أخرى من القلق. الشخصنة يمكن أن تتخذ أشكالا مختلفة: في أحد أنواعها، فإننا نأخذ أملنا ومكابداتنا على محمل شخصي.

    

تتمثل الخطوة الأولى نحو تغيير أنماط تفكيرنا الضارة بإدراك أننا نلوم أنفسنا في هذه المواقف

مواقع التواصل
  

الجميع يواجه انتكاسات في الحياة، لكننا عندما نشخصن الأمور، نتعامل مع مثل هذه الأحداث المحتومة على أنها ترجع لعيب أو تقصير في شخصيتنا. يمكن أن يحدث ذلك في شتى مجالات الحياة. عندما تُرفَض ترقيتك، من السهل أن تفترض أنك لم تكن جيدا بما فيه الكفاية في عملك، لكن يمكن أن يكون هناك تفسيرات أخرى في الواقع؛ ربما كانت الشركة تواجه مشاكل في الميزانية، أو كان المنصب من نصيب ابن أخ رئيسك في العمل. لكنك بدلا من ذلك، تقفز إلى الاستنتاج بأنك لست جيدا كفاية.

 

لمواجهة ذلك، ينبغي أن نعي كيف نتفاعل مع الشدائد في حياتنا. تتمثل الخطوة الأولى نحو تغيير أنماط تفكيرنا الضارة بإدراك أننا نلوم أنفسنا في هذه المواقف. وبمجرد أن ندرك ما نفعله، يمكننا أن نسأل أنفسنا ما إذا كانت استجابتنا عقلانية ام لا. لا معنى لإلقاء اللوم على أنفسنا بسبب خيبات الأمل هذه لأن الصعوبات جزء لا مفر منه من التجربة الإنسانية؛ لا أحد يحصل على ما يريده طوال الوقت.

 

الحياة صعبة في بعض الأحيان، ونحن نجعل الأمر أكثر صعوبة عندما نشخصن العقبات. معاملة أنفسنا بلطف وتفهّم هو أمر جيد عندما لا تسير الأمور على ما يرام، علينا استبدال ملامة النفس بالتعاطف الذاتي. إننا في الغالب لا نعرف الأسباب الكامنة وراء تصرف الأفراد بطريقة معينة، لذا بدلا من إلقاء اللوم على أنفسنا عند الشعور بالإحباط من أحدهم لأنه لم يهاتفنا لأسابيع، فمن الأفضل أن ندرك أنه على الأرجح واجه أمرا حال دون تواصله معنا. تدور قصة حياة كل فرد بطريقة فريدة خاصة به أو بها؛ قد يكون مزاج الزوج متعكرا بسبب أمر حدث في العمل، قد لا يتصل صديقك بك لأنه غارق في التزاماته الأسرية.

 

شكل آخر من أشكال الشخصنة هو الشعور بالمسؤولية عن سعادة شخص آخر وعن آلامهم ومشاكلهم أيضا سواء كان ذلك ضمن قدرتهم على الشعور بالسعادة أو النجاح بطريقة ما، أو حتى أمر بسيط مثل ما إذا كانوا قد قضوا وقتا ممتعا خلال زيارتهم، يشكّل فرض مثل هذه المشاعر عبئا على أنفسنا. أحاول مواجهة ذلك عن طريق التشكيك في صحة الاعتقاد بأنني مسؤول عن حدث معين. في بعض الأحيان، أستذكر شخصا أشعر بالمسؤولية تجاهه ثم أقوم بإكمال الجمل: أنا غير مسؤول عن سعادة هذا الشخص وقدرته على الاستمتاع، أو عن حياته الاجتماعية ونجاحه الأكاديمي ونجاحه المهني وقدرته على التعامل مع المحن.

    

لسنا مسؤولين عن استياء شخص آخر، قد نكون على استعداد للمساعدة إذا أمكننا ذلك، لكن يجب على الآخرين شقّ طريقهم بأنفسهم

مواقع التواصل 

   

من الواضح أن تحمّل المسؤولية عن مدى كفاءة شخص آخر ليس تقييما واقعيا لكيفية سير الحياة في الواقع. تعتمد سعادة الناس ونجاحاتهم وقدرتهم على التعامل مع أي عوامل كانت، بما في ذلك تاريخ حياتهم الشخصية وتأثيرات الطفولة (من الآباء والمدرسين) والتركيب الجيني؛ إنها أمور خارجة عن سيطرتنا. بالطبع لسنا مسؤولين عن استياء شخص آخر، قد نكون على استعداد للمساعدة إذا أمكننا ذلك، لكن يجب على الآخرين شقّ طريقهم بأنفسهم. أحيانا ينجح الشخص، وأحيانا أخرى يفشل.

 

يمكن للتغلب على هذا الشكل الآخر من الشخصنة أن يشكّل تحديا؛ إنه يتطلب التوقف عن الاعتقاد بأننا مسؤولون عن حياة الآخرين وبذل جهد جاد، لا سيما تجاه أولئك الذين نعتز بهم. عندما نكون قادرين على التخلي عن الشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين، فإنه ليس شعورا بالحرية فحسب، بل من المحتمل أيضا أن يؤدي إلى علاقات أكثر إرضاء.

---------------------------------------------------------------

هوامش

[1] قانون المسؤولية التقصيرية أو قانون الأضرار (Torts): أحد القوانين المشتركة، ويقصد بالمسؤولية عند إطلاق هذا المصطلح تحمّل الشخص نتائج وعواقب التقصير الصادر عنه أو عمن يتولى رقابته و الإشراف عليه.

[2] الاجترار (rumination): في علم النفس هو التفكير السلبي المستمر بشأن الأمور الحاصلة في الماضي والطرق التي كانت ممكنة لمعالجتها، ويكون على هيئة أسئلة داخلية مثل "ماذا لو فعلت كذا؟"، وتعاقب هذا النوع من التفكير قد يسبب الكآبة.

-----------------------------------------------

ترجمة (آلاء أبو رميلة)

هذا التقرير مترجم عن: Psychology Today ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان

تقارير متصدرة


آخر الأخبار